قَالَ (وَالتَّلْحِينُ فِي الْأَذَانِ مَكْرُوهٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّك فِي اللَّهِ. فَقَالَ: إنِّي أُبْغِضُك فِي اللَّهِ. فَقَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تُغَنِّي فِي أَذَانِك يَعْنِي التَّلْحِينَ وَأَمَّا التَّفْخِيمُ فَلَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إحْدَى اللُّغَتَيْنِ
قَالَ (وَإِنْ افْتَتَحَ الْأَذَانَ فَظَنَّ أَنَّهَا الْإِقَامَةُ فَأَقَامَ فِي آخِرِهَا بِأَنْ قَالَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ ثُمَّ عَلِمَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الْأَذَانَ ثُمَّ يُقِيمُ وَإِنْ كَانَ فِي الْإِقَامَةِ فَظَنَّ أَنَّهَا الْأَذَانُ فَصَنَعَ فِيهَا مَا صَنَعَ فِي الْأَذَانِ أَعَادَهَا مِنْ أَوَّلِهَا)
لِأَنَّ هُنَا وَقَعَ التَّعْيِينُ فِي جَمِيعِهَا وَفِي الْأَوَّلِ فِي آخِرِهَا وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ إعْلَامُ النَّاسِ لِيَحْضُرُوا وَبِالْإِقَامَةِ فِي آخِرِهَا لَا يَفُوتُ هَذَا الْمَقْصُودُ بَلْ يَزْدَادُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُعَجِّلُونَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا الْإِقَامَةُ فَلِهَذَا لَا يُعِيدُهَا وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ إقَامَةُ الصَّلَاةِ وَالتَّعْجِيلُ لِلْإِدْرَاكِ فَإِذَا صَنَعَ فِي الْإِقَامَةِ مَا يَصْنَعُ فِي الْأَذَانِ يَفُوتُ هَذَا الْمَقْصُودُ لِأَنَّ النَّاسَ يَظُنُّونَ أَنَّهُ الْأَذَانُ فَيَنْتَظِرُونَ الْإِقَامَةَ فَلِهَذَا يُعِيدُ الْإِقَامَةَ مِنْ أَوَّلِهَا.
قَالَ (فَإِنْ غُشِيَ عَلَيْهِ سَاعَةً فِي الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ ثُمَّ أَفَاقَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ أَوَّلِهَا) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ غُشِيَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ فَكَذَلِكَ فِيمَا هُوَ مِنْ
[ ١ / ١٣٨ ]
أَسْبَابِ الصَّلَاةِ
قَالَ (وَإِنْ رَعَفَ فِيهَا أَوْ أَحْدَثَ فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَهَا مِنْ أَوَّلِهَا) لِأَنَّ بِذَهَابِهِ انْقَطَعَ النَّظْمُ فَرُبَّمَا يُشْتَبَهُ عَلَى النَّاسِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ أَوْ يَتَعَلَّمُ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ وَالْأَوْلَى لَهُ إذَا أَحْدَثَ فِي أَذَانِهِ أَوْ إقَامَتِهِ أَنْ يُتِمَّهَا ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْأَذَانِ مَعَ الْحَدَثِ يَجُوزُ فَإِتْمَامُهُ أَوْلَى
قَالَ (وَإِذَا قَدَّمَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِهِ أَوْ إقَامَتِهِ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ عَلَى بَعْضٍ فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَا سَبَقَ أَدَاؤُهُ يُعْتَدُّ بِهِ حَتَّى لَا يُعِيدَهُ فِي أَذَانِهِ) وَمَا يَقَعُ مُكَرَّرًا لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُكَرِّرْ
قَالَ (وَإِذَا وَقَعَ فِي إقَامَتِهِ فَمَاتَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِقَامَةَ غَيْرُهُ مِنْ أَوَّلِهَا) لِأَنَّ عَمَلَهُ قَدْ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ وَلَا بِنَاءَ عَلَى الْمُنْقَطَعِ
قَالَ (مُؤَذِّنٌ أَذَّنَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَإِنْ اعْتَدُّوا بِأَذَانِهِ وَأَمَرُوا مَنْ يُقِيمُ وَيُصَلِّي بِهِمْ أَجْزَأَهُمْ)؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ الْإِعْلَامُ قَدْ حَصَلَ بِأَذَانِهِ وَبُطْلَانُ ثَوَابِ عَمَلِهِ بِالرِّدَّةِ فِي حَقِّهِ لَا يُبْطِلُهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ ارْتَدَّ الْإِمَامُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا تَبْطُلُ فِي حَقِّ الْقَوْمِ
قَالَ (وَيَقْعُدُ الْمُؤَذِّنُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ إلَّا فِي الْمَغْرِبِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَصِلَ الْإِقَامَةَ بِالْأَذَانِ وَلَا يَقْعُدَ بَيْنَهُمَا)
لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِبِلَالٍ اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ» وَالْأَوْلَى بِهِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي قَبْلَهَا تَطَوُّعٌ مَسْنُونٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ جَاءَ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣] أَنَّهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُو النَّاسَ بِأَذَانِهِ وَيَتَطَوَّعُ بَعْدَهُ قَبْلَ الْإِقَامَةِ فَأَمَّا فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَيُكْرَهُ لَهُ وَصْلُ الْإِقَامَةِ بِالْأَذَانِ كَمَا فِي غَيْرِهَا وَالْأَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِسَكْتَةٍ وَذَكَرَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ بِقَدْرِ مَا يَقْرَأُ ثَلَاثَ آيَاتٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْأَفْضَلُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ مِقْدَارَ جِلْسَةِ الْخَطِيبِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ وَالْإِقَامَةِ بِجِلْسَةٍ وَلِأَنَّ السَّكْتَةَ تُشْبِهُ السَّكَتَاتِ بَيْنَ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِهَا الْفَصْلُ فَالْجِلْسَةُ لِلْفَصْلِ أَوْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أُمِرْنَا بِتَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ قَالَ - ﷺ - «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ وَقَالَ بَادِرُوا بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ اشْتِبَاكِ النُّجُومِ وَلَا تَتَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ وَالنُّجُومُ مُشْتَبِكَةٌ» وَالْفَصْلُ بِالسَّكْتَةِ أَقْرَبُ إلَى تَعْجِيلِ الْمَغْرِبِ.
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْعُذْرِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَبِهِ
[ ١ / ١٣٩ ]
نَقُولُ
قَالَ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَسْجِدَيْنِ وَيُصَلِّي فِي أَحَدِهِمَا)؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا صَلَّى يَكُونُ مُتَنَفِّلًا بِالْأَذَانِ فِي الْمَسْجِدِ الثَّانِي وَالتَّنَفُّلُ بِالْأَذَانِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَلِأَنَّ الْأَذَانَ مُخْتَصٌّ بِالْمَكْتُوبَاتِ فَإِنَّمَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ مَنْ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ عَلَى أَثَرِهِمْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الثَّانِي يُصَلِّي النَّافِلَةَ عَلَى أَثَرِهِمَا
قَالَ (وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ طَلَبُ الْأَجْرِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْقَوْمِ) لِأَنَّهُمَا يَعْمَلَانِ لِأَنْفُسِهِمَا فَكَيْفَ يَشْتَرِطَانِ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِمَا ثُمَّ هُمَا خَلِيفَتَانِ لِلرَّسُولِ فِي الدُّعَاءِ وَالْإِمَامَةِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَمَنْ يَكُونُ خَلِيفَتَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - آخِرُ مَا عَهِدَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ صَلِّ بِالنَّاسِ صَلَاةَ أَضْعَفِهِمْ وَإِذَا اُتُّخِذْت مُؤَذِّنًا فَلَا تَأْخُذْ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا وَقَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنِّي أُحِبُّك فِي اللَّهِ. فَقَالَ: إنِّي أُبْغِضُك فِي اللَّهِ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تَأْخُذُ عَلَى الْأَذَانِ أَجْرًا فَإِنْ عَرَفَ الْقَوْمُ حَاجَتَهُ فَوَاسَوْهُ بِشَيْءٍ فَمَا أَحْسَنَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ عَنْ شَرْطٍ؛ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِحِفْظِ الْمَوَاقِيتِ وَإِعْلَامِهِ لَهُمْ فَرُبَّمَا لَا يَتَفَرَّغُ لِلْكَسْبِ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُهْدُوا إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فَقَدْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ يَقْبَلُونَ الْهَدِيَّةَ وَعَلَى هَذَا قَالُوا الْفَقِيهُ الَّذِي يُفْتِي فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْفُتْيَا شَيْئًا عَنْ شَرْطٍ فَإِنْ عَرَفُوا حَاجَتَهُ فَأَهْدَوْا إلَيْهِ فَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ إلَيْهِمْ فِي تَفْرِيغِ نَفْسِهِ عَنْ الْكَسْبِ وَحِرَاسَةِ أَمْرِ دِينِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَابِلُوا إحْسَانَهُ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِ
قَالَ (وَاَلَّذِي يُوَاظِبُ عَلَى الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا أَوْلَى بِالْأَذَانِ مِنْ غَيْرِهِ) لِأَنَّ صَوْتَهُ يَصِيرُ مَعْهُودًا لِلْقَوْمِ فَلَا يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ وَإِنْ أَذَّنَ السُّوقِيُّ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَأَذَّنَ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ غَيْرُهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا
؛ لِأَنَّ السُّوقِيَّ مُحْتَاجٌ إلَى الْكَسْبِ فَيَلْحَقُهُ الْحَرَجُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْمَحَلَّةِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ