(وَالْفَصْلُ الثَّانِي) أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ فِي جَمِيعِ السُّنَّةِ عِنْدَنَا لِمَا رَوَيْنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يَقْنُتُ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا أَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ بِالْإِمَامَةِ فِي لَيَالِي رَمَضَان أَمَرَهُ بِالْقُنُوتِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُ وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُنُوتِ طُولُ الْقِرَاءَةِ لَا الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ يَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ عِنْدَنَا لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْآثَارِ وَلِأَنَّ الْقُنُوتَ فِي مَعْنَى الْقِرَاءَةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك
[ ١ / ١٦٤ ]
مَكْتُوبٌ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي سُورَتَيْنِ فَالْقِرَاءَةُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَكَذَلِكَ الْقُنُوتُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ الرُّكُوعِ وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ فِي ذَلِكَ إنَّمَا الْأَثَرُ فِي الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَاسَ بِهِ الْقُنُوتَ فِي الْوِتْرِ
قَالَ (وَلَا قُنُوتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ سِوَى الْوِتْرِ عِنْدَنَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا»
وَقَدْ صَحَّ قُنُوتُهُ فِيهَا فَمَنْ قَالَ إنَّهُ انْتَسَخَ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي حُرُوبِهِ كَانَ يَقْنُتُ عَلَى مَنْ نَاوَاهُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَنَتَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ»، وَهَكَذَا عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ شَهْرًا أَوْ قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَدْعُو عَلَى رَعْلٍ وَذَكْوَانٍ وَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] الْآيَةَ تَرَكَ ذَلِكَ» وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - صَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ سِنِينَ وَخَلْفَ عُمَرُ كَذَلِكَ فَلَمْ أَرَ وَاحِدًا مِنْهُمَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. وَرَوَوْا الْقُنُوتَ وَرَوَوْا تَرْكَهُ، كَذَلِكَ فَفِعْلُهُ الْمُتَأَخِّرُ يَنْسَخُ فِعْلَهُ الْمُتَقَدِّمَ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ كَمَا يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ انْتَسَخَ أَحَدُهُمَا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ الْآخَرُ
قَالَ (وَكَانَ يُقَالُ مِقْدَارُ الْقِيَامِ فِي الْقُنُوتِ إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَلَيْسَ فِيهَا دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ) يُرِيدُ بِهِ سِوَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك، فَالصَّحَابَةُ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا فِي الْقُنُوتِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِمَا «عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي قُنُوتِهِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ» إلَى آخِرِهِ وَالْقِرَاءَةُ أَهَمُّ مِنْ الْقُنُوتِ فَإِذَا لَمْ يُؤَقِّتْ فِي الْقِرَاءَةِ فِي شَيْءٍ فِي الصَّلَاةِ فَفِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ أَوْلَى.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّوْقِيتُ فِي الدُّعَاءِ يُذْهِبُ بِرِقَّةِ الْقَلْبِ، وَمَشَايِخُنَا قَالُوا: مُرَادُهُ فِي أَدْعِيَةِ الْمَنَاسِكِ، فَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يُؤَقِّتْ فَرُبَّمَا يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ
قَالَ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يَفْتَتِحُ الْقُنُوتَ) لِلْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَقُنُوتِ الْوِتْرِ وَفِي الْعِيدَيْنِ وَعِنْدَ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَبِعَرَفَاتٍ وَبِجَمْعٍ وَعِنْدَ الْمَقَامَيْنِ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ» (ثُمَّ يَكْفِيهِمَا) قِيلَ مَعْنَاهُ يُرْسِلُهُمَا لِيَكُونَ حَالُ الدُّعَاءِ مُخَالِفًا لِحَالِ الْقِرَاءَةِ
[ ١ / ١٦٥ ]
وَقِيلَ يَضَعُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الْقُنُوتَ مُشَبَّهٌ بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَالْوَضْعُ سُنَّةُ الْقِيَامِ فَكُلُّ قِيَامٍ فِيهِ ذِكْرٌ فَإِنَّهُ يَطُولُ فَالْوَضْعُ فِيهِ أَوْلَى، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ الدُّعَاءُ أَرْبَعَةٌ دُعَاءُ رَغْبَةٍ وَدُعَاءُ رَهْبَةٍ وَدُعَاءُ تَضَرُّعٍ وَدُعَاءُ خُفْيَةٍ، فَفِي دُعَاءِ الرَّغْبَةِ يَجْعَلُ بُطُونَ كَفَّيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَفِي دُعَاءِ الرَّهْبَةِ يَجْعَلُ ظَهْرَ كَفَّيْهِ إلَى وَجْهِهِ كَالْمُسْتَغِيثِ مِنْ الشَّيْءِ، وَفِي دُعَاءِ التَّضَرُّعِ يَعْقِدُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَيُحَلِّقُ بِالْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ، وَدُعَاءُ الْخُفْيَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ. وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ يَسْتَقْبِلُ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ الْقِبْلَةَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَقُنُوتِ الْوِتْرِ وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَيَسْتَقْبِلُ بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ السَّمَاءَ عِنْدَ رَفْعِ الْأَيْدِي عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَبِعَرَفَاتٍ وَبِجَمْعٍ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ بِدُعَاءِ الرَّغْبَةِ. وَالِاخْتِيَارُ الْإِخْفَاءُ فِي دُعَاءِ الْقُنُوتِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْقَوْمِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ» وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ وَالْقَوْمُ يُؤَمِّنُونَ عَلَى قِيَاسِ الدُّعَاءِ خَارِجَ الصَّلَاةِ
قَالَ (وَإِذَا أَمَّ الرَّجُلُ نِسَاءً فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالرِّجَالِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ وَسُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنِّسَاءِ وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ الْخَلْوَةِ فَلَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ مَعَهُنَّ فِيهِ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْبُيُوتِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُنَّ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَيْسَ مِنْهَا بِسَبِيلٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» وَبِتَفَرُّدِ النِّسَاءِ يَزْدَادُ مَعْنَى خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ مَحْرَمٌ لِحَدِيثِ «أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِهِمْ فِي بَيْتِهِمْ قَالَ فَأَقَامَنِي وَالْيَتِيمَ مِنْ وَرَائِهِ وَأَقَامَ أُمِّيَ أُمَّ سُلَيْمٍ وَرَاءَنَا» وَلِأَنَّ بِوُجُودِ الْمَحْرَمِ يَزُولُ مَعْنَى خَوْفِ الْفِتْنَةِ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْمَحْرَمُ لَهُنَّ أَوْ لِبَعْضِهِنَّ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ
قَالَ (رَجُلٌ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَإِنْ أَتَى مَسْجِدًا آخَرَ يَرْجُو إدْرَاكَ الْجَمَاعَةِ فِيهِ فَحَسَنٌ وَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَحَسَنٌ) لِحَدِيثِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانُوا إذَا فَاتَتْهُمْ الْجَمَاعَةُ فَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْبَعُ الْجَمَاعَةَ وَمُرَادُهُ الصَّحَابَةُ، وَلِأَنَّ فِي كُلِّ جَانِبٍ مُرَاعَاةَ جِهَةٍ وَتَرْكَ أُخْرَى: فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مُرَاعَاةُ حُرْمَةِ مَسْجِدِهِ وَتَرْكُ الْجَمَاعَةِ، وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مُرَاعَاةُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَتَرْكُ حَقِّ مَسْجِدِهِ، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَالَ إلَى
[ ١ / ١٦٦ ]
أَيِّهِمَا شَاءَ وَالْأَوْلَى فِي زَمَانِنَا إنْ لَمْ يَدْخُلْ مَسْجِدَهُ بَعْدُ أَنْ يَتْبَعَ الْجَمَاعَةَ فَإِنْ دَخَلَ مَسْجِدَهُ صَلَّى فِيهِ
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ إذَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ) وَكَانَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْتَدِلُّ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ إذَا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَفْعَلَ، فَدَلَّ أَنَّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْعَوَامّ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ فَهُوَ كَالْمَدَدِ لَهُمْ فَلْيُعَجِّلْ أَدَاءَ الْفَرِيضَةِ لِيَلْحَقَ بِهِمْ فِي أَنْ لَا يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ إذَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْوَقْتِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدَعَهُ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ مَشْرُوعٌ جَبْرًا لِنُقْصَانِ الْفَرَائِضِ وَحَاجَةُ مَنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ إلَى هَذَا أَمَسُّ
قَالَ (وَإِذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ كَرِهْتُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَطَوَّعَ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةُ» إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَإِنِّي لَمْ أَكْرَهْهُمَا) وَكَذَلِكَ إذَا انْتَهَى إلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ افْتَتَحَ الْقَوْمُ صَلَاةَ الْفَجْرِ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إنْ رَجَا أَنْ يُدْرِكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فِي الْجَمَاعَةِ وَهَذَا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى قِيَاسِ سَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَامَ إلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ، وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ إنِّي لِأَذْكُرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاةَ الْفَجْرِ فَيَدْخُلُ النَّاسُ وَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ يَدْخُلُونَ مَعَهُ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ عِنْدَنَا لَا يَقْضِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَوَاتِ فَيُحْرِزُهُمَا إذَا طَمِعَ فِي إدْرَاكِ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ كَإِدْرَاكِ جَمِيعِ الصَّلَاةِ قَالَ - ﷺ - «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ» وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقْضِيهِمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ فَيَشْتَغِلُ بِإِحْرَازِ فَضِيلَةِ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ دَخَلَ مَعَ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَاتِ فَإِنَّهَا مِنْ سُنَنِ الْهُدَى وَلَوْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا فَعَلَ هَذَا الْمُتَخَلِّفُ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ (وَقَالَ) عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْظُرَ إلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْجَمَاعَةَ فَآمُرَ فِتْيَانِي أَنْ يُحَرِّقُوا بُيُوتَهُمْ فَدَلَّ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَقْوَى السُّنَنِ فَيَشْتَغِلُ بِإِحْرَازِ فَضِيلَتِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ إذَا كَانَ يَرْجُو إدْرَاكَ التَّشَهُّدِ وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ إدْرَاكُ التَّشَهُّدِ كَإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ كَمَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَيَبْدَأُ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُعْتَبَرُ إدْرَاكُ التَّشَهُّدِ كَإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ فَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ
قَالَ (رَجُلٌ سَلَّمَ عَلَى تَمَامٍ مِنْ صَلَاتِهِ فِي نَفْسِهِ
[ ١ / ١٦٧ ]
ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ وَكَبَّرَ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ عَلَيْهِ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ التَّشَهُّدَ فِي الرَّابِعَةِ) فَاقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ سَلَامَ الْإِمَامِ سَهْوٌ وَسَلَامُ السَّهْوِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ فَحَصَلَ الِاقْتِدَاءُ فِي حَالِ بَقَاءِ تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ، فَإِنْ عَادَ الْإِمَامُ إلَى سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَوْ قَرَأَ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ تَابَعَهُ الرَّجُلُ ثُمَّ يَقُومُ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ أَوْ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ الْإِمَامُ إلَيْهَا لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ مَا تَذَكَّرَ لَيْسَ مِنْ الْأَرْكَانِ وَكَذَلِكَ لَا تَفْسُدُ صَلَاةُ الْمُقْتَدِي فَيَقُومُ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ عَلَيْهِ سُجُودَ السَّهْوِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِهِ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَادَ الْإِمَامُ إلَى سُجُودِ السَّهْوِ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَتَابَعَهُ الرَّجُلُ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى الِاقْتِدَاءُ صَحِيحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَقَالَ بِشْرٌ لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ لَيْسَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى بَعْدَ السَّلَامِ، وَعِنْدَنَا سُجُودُ السَّهْوِ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِنُقْصَانِهَا ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ مِنْ وَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فَهُوَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَقِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ يَعُدْ فِيهَا إلَّا بِتَحْرِيمَةٍ جَدِيدَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ صَحَّ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِالسَّلَامِ يَخْرُجُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مُحَلِّلٌ قَالَ - ﷺ - «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَقَدْ أَتَى بِهِ فِي مَوْضِعِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ فِي التَّحْلِيلِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا عَادَ يَعُودُ إلَى حُرْمَةِ الصَّلَاةِ ضَرُورَةً وَلَا تَتَحَقَّقُ تِلْكَ الضَّرُورَةُ قَبْلَ عَوْدِهِ فَيَخْرُجُ بِالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهَا بِالْعَوْدِ إلَى سُجُودِ السَّهْوِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَوَقَّفُ حُكْمُ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ فَلِهَذَا كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِهِ مَوْقُوفًا وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ:
(إحْدَاهَا) مَا بَيَّنَّا
(وَالثَّانِيَةُ) إذَا نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ مَا سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَتَعَيَّنُ فَرْضُهُ فَيَقُومُ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ.
(وَالثَّالِثَةُ) إذَا ضَحِكَ قَهْقَهَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى
(وَالرَّابِعَةُ) إذَا اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ ثُمَّ تَكَلَّمَ قَبْلَ عَوْدِ الْإِمَامِ إلَى سُجُودِ السَّهْوِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ شَيْءٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِنْ عَادَ الْإِمَامُ إلَى سُجُودِ
[ ١ / ١٦٨ ]
السَّهْوِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ قَضَاءُ التَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ اقْتِدَاءَهُ بِهِ حَصَلَ فِي حَالِ بَقَاءِ الْحُرْمَةِ فَصَارَ شَارِعًا فِي التَّطَوُّعِ ثُمَّ مُفْسِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ