قَالَ (وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ فَإِنْ كَانَا
[ ١ / ١٠١ ]
ثَخِينَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ سَفَرًا بِهِمَا مُمْكِنٌ وَإِنْ كَانَا رَقِيقَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ اللِّفَافَةِ وَإِنْ كَانَا ثَخِينَيْنِ غَيْرَ مُنَعَّلَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ بِهِمَا سَفَرًا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ الْجَوْرَبِ الرَّقِيقِ وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَرَضِهِ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِعُوَّادِهِ فَعَلْت مَا كُنْت أَمْنَعُ النَّاسَ عَنْهُ فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى رُجُوعِهِ وَحُجَّتُهُمَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَرْضَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ جَوْرَبَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ مُنَعَّلًا أَوْ مُجَلَّدًا، وَالثَّخِينُ مِنْ الْجَوْرَبِ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُدَّهُ بِشَيْءٍ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْخِفَافِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ اللُّبُودِ التُّرْكِيَّةِ؛ لِأَنَّ مُوَاظَبَةَ الْمَشْيِ فِيهَا سَفَرًا مُمْكِنٌ
قَالَ (وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ فَوْقَ الْخُفَّيْنِ) عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ وَحْدَهُمَا مَسَحَ وَإِنْ لَبِسَهُمَا فَوْقَ الْخُفِّ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَا تَحْتَهُمَا مَمْسُوحٌ وَالْمَسْحُ لَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ الْمَسْحِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ رَأَيْت رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَلِأَنَّ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ فِي مَعْنَى خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَلَوْ لَبِسَ خُفًّا ذَا طَاقَيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عِنْدَنَا عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ إذَا لَبِسَهُمَا فَوْقَ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ وَيَمْسَحَ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ أَوَّلًا ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسْحِ اسْتَقَرَّ عَلَى الْخُفِّ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - تَعَالَى عَنْهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ مَا لَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْجُرْمُوقَ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْمَسْحِ مِنْ وَقْتِ الْحَدَثِ وَقَدْ انْعَقَدَ فِي الْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَى الْجُرْمُوقِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَهُمَا انْتَقَضَ مَسْحُهُ فِي الرِّجْلَيْنِ وَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - ﵀ - لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ - ﵀ - فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ رَوَى حَمَّادٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَرَوَى ابْنُ أَبِي يَعْلَى عَنْ الْحَكَمِ - ﵀ - أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالَ الْوُضُوءِ. وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ كَانْتِقَاضِهِ بِالْحَدَثِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الطَّهَارَةَ الْكَامِلَةَ لَا تَنْتَقِضُ إلَّا بِالْحَدَثِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ وَنَزْعُ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ،
[ ١ / ١٠٢ ]
وَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّ اسْتِتَارَ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ كَانَ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ وَذَلِكَ الِاسْتِتَارُ بِالْخَلْعِ يَزُولُ فَيَسْرِي ذَلِكَ إلَى الْقَدَمِ فَكَأَنَّهُ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ فَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا، وَالرِّجْلَانِ فِي حُكْمِ الطَّهَارَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَإِذَا وَجَبَ غَسْلُ إحْدَاهُمَا وَجَبَ غَسْلُ الْأُخْرَى ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ.
قَالَ (وَلَوْ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَهُمَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ الظَّاهِرِ وَعَلَى الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي) وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْأَصْلِ قَالَ: يَنْزِعُ الْجُرْمُوقَ الثَّانِي وَيَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْهُ: يَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ الَّذِي نَزَعَ الْجُرْمُوقَ عَنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْآخَرِ شَيْءٌ. وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الِاسْتِتَارَ بَاقٍ فَكَانَ الْفَرْضُ الْمَسْحُ فَفِيمَا زَالَ الْمَمْسُوحُ بِالنَّزْعِ عَلَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ وَفِيمَا كَانَ الْمَمْسُوحُ بَاقِيًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِخِلَافِ مَا إذَا خَلَعَ إحْدَى خُفَّيْهِ. وَوَجْهُ مَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ نَزْعَ أَحَدِ الْجُرْمُوقَيْنِ كَنَزْعِهِمَا جَمِيعًا كَمَا إذَا خَلَعَ أَحَدَ الْخُفَّيْنِ يَكُونُ كَخَلْعِهِمَا وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ عَلَى إحْدَى الْخُفَّيْنِ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْخُفِّ الْبَاقِي، فَكَذَلِكَ إذَا نَزَعَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ، إلَّا أَنَّ حُكْمَ الطَّهَارَةِ فِي الرِّجْلَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ فَإِذَا انْتَقَضَ فِي أَحَدِهِمَا بِنَزْعِ الْجُرْمُوقِ يَنْتَقِضُ فِي الْآخَرِ فَلِهَذَا مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ الظَّاهِرِ وَعَلَى الْجُرْمُوقِ الْبَاقِي.
قَالَ (وَإِذَا انْقَضَى مُدَّةُ مَسْحِهِ وَلَمْ يُحْدِثْ فَعَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ) لِأَنَّ الِاسْتِتَارَ كَانَ مَانِعًا فِي الْمُدَّةِ فَإِذَا انْقَضَى سَرَى ذَلِكَ الْحَدَثُ إلَى الْقَدَمَيْنِ فَعَلَيْهِ غَسْلُهُمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ كَمَا لَوْ كَانَتْ السِّرَايَةُ بِخَلْعِ الْخُفَّيْنِ.
قَالَ (وَإِذَا تَوَضَّأَ فَنَسِيَ مَسْحَ خُفَّيْهِ ثُمَّ خَاضَ الْمَاءَ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَسْحِ) لِأَنَّ تَأَدِّي الْفَرْضِ بِإِصَابَةِ الْبِلَّةِ ظَاهِرَ الْخُفِّ وَقَدْ وُجِدَ، وَهَلْ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا؟ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: - ﵀ - لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِهَذَا وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْمَسْحِ إذَا كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا غَيْرَ جَارٍ وَأَصْلُ الْخِلَافِ فِي الرَّأْسِ فَأَبُو يُوسُفَ - ﵀ - يَقُولُ تَأَدِّي فَرْضِ الْمَسْحِ بِالْبِلَّةِ الْوَاصِلَةِ إلَى مَوْضِعِهَا لَا بِالْمَاءِ الْبَاقِي فِي الْإِنَاءِ فَبَقِيَ الْإِنَاءُ كَمَا كَانَ وَمُحَمَّدٌ - ﵀ - يَقُولُ لَوْ تَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ لَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ فَإِنَّمَا أَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ بِهِ.
قَالَ (وَإِذَا اسْتَكْمَلَ الْمُقِيمُ مَسْحَ الْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ نَزَعَ الْخُفَّ)؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ سَرَى إلَى الْقَدَمَيْنِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْمَسْحِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ.
قَالَ (وَإِنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ السَّفَرِ) لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ انْعَقَدَ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَأَمَّا إذَا أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ أَوْ مَسَحَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
[ ١ / ١٠٣ ]
ثُمَّ سَافَرَ جَازَ لَهُ عِنْدَنَا أَنْ يَمْسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَمْسَحُ إلَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً. قَالَ: لِأَنَّ الْمُدَّةَ انْعَقَدَتْ وَهُوَ مُقِيمٌ فَلَا يَمْسَحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَالشُّرُوعُ فِي مُدَّةِ الْمَسْحِ كَالشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ. وَمَنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ فِي السَّفِينَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ صَارَ مُسَافِرًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُتِمَّ صَلَاةَ السَّفَرِ وَإِنَّمَا يُتِمُّ صَلَاةَ الْمُقِيمِينَ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْمَسْحَ جَازَ لَهُ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ السَّفَرِ كَمَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ وَفَعَلَ الصَّلَاةَ. دَلِيلُنَا أَنَّهُ بِالْحَدَثِ صَارَ شَارِعًا فِي وَقْتِ الْمَسْحِ فَوِزَانُهُ أَنْ لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ صَارَ مُسَافِرًا فَهُنَاكَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ.
قَالَ (وَإِذَا قَدِمَ الْمُسَافِرُ مِصْرَهُ بَعْدَ مَا مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ) لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا وَالْمُقِيمُ لَا يَمْسَحُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ قُدُومُهُ بَعْدَ مَا مَسَحَ يَوْمَيْنِ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَلَمْ يُعِدْ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ مَسَحَ كَانَ مُسَافِرًا.
قَالَ (وَإِذَا تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ مَا لَمْ يَبْرَأْ جُرْحُهُ) لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهُ مَا دَامَتْ الْعِلَّةُ قَائِمَةً وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا مَضَى فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ مَا بَقِيَتْ الْعِلَّةُ فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنْ بَرِئَ جُرْحُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَ خُفَّيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجَبَائِرِ طَهَارَةٌ تَامَّةٌ مَا بَقِيَتْ الْعِلَّةُ وَاللُّبْسُ بَعْدَ الْبُرْءِ غَيْرُ حَاصِلٍ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ حَتَّى بَرِئَ جُرْحُهُ، فَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى غَسَلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَإِنْ أَحْدَثَ قَبْلَ غَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ الْخُفَّ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ طَرَأَ عَلَى طَهَارَةٍ نَاقِصَةٍ.
قَالَ (وَلِلْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنْ يَؤُمَّ الْغَاسِلِينَ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ بَدَلٍ صَحِيحٍ وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْأَصْلِ وَلِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ جُعِلَ كَالْغُسْلِ لِمَا تَحْتَهُ فِي الْمُدَّةِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَكَانَ الْمَاسِحُ فِي حُكْمِ الْإِمَامَةِ كَالْغَاسِلِ.
قَالَ (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ بَال فَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ) لِأَنَّ لُبْسَهُمَا حَصَلَ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ وَلَمَّا سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - عَنْ هَذَا فَقَالَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا فَقِيهٌ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِفِعْلِهِ عَلَى فِقْهِهِ؛ لِأَنَّهُ تَطَرَّقَ بِهِ إلَى رُخْصَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
قَالَ (وَإِذَا بَدَا لِلْمَاسِحِ أَنْ يَخْلَعَ خُفَّيْهِ فَنَزَعَ الْقَدَمَ مِنْ الْخُفِّ غَيْرَ أَنَّهُ فِي السَّاقِ بَعْدُ فَقَدْ انْتَقَضَ مَسْحُهُ) لِأَنَّ مَوْضِعَ الْمَسْحِ فَارَقَ مَكَانَهُ فَكَأَنَّهُ ظَهَرَ رِجْلُهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ سَاقَ الْخُفِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ حَتَّى لَوْ لَبِسَ خُفًّا لَا سَاقَ لَهُ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ إذَا كَانَ الْكَعْبُ مَسْتُورًا فَيَكُونُ الرِّجْلُ فِي سَاقِ الْخُفِّ
[ ١ / ١٠٤ ]
وَظُهُورُهُ فِي الْحُكْمِ سَوَاءً.
وَإِنْ نَزَعَ بَعْضَ الْقَدَمِ عَنْ مَكَانِهِ فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ إذَا نَزَعَ أَكْثَرَ الْعَقِبِ انْتَقَضَ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكَمَالِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ نَزَعَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ انْتَقَضَ مَسْحُهُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ لَمْ يَنْتَقِضْ مَسْحُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْضُ رِجْلِهِ مَقْطُوعًا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ مِقْدَارُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَلَبِسَ عَلَيْهِ الْخُفَّ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ فَهَذَا قِيَاسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَإِذَا لَبِسَ الْخُفَّيْنِ عَلَى طَهَارَةِ التَّيَمُّمِ أَوْ الْوُضُوءِ بِنَبِيذٍ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ نَزَعَ خُفَّيْهِ) لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ وَكَذَلِكَ طَهَارَةُ النَّبِيذِ فَصَارَ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ كَأَنَّهُ لَبِسَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ.
قَالَ (وَإِذَا لَبِسَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ الْخُفَّيْنِ فَإِنْ كَانَ الدَّمُ مُنْقَطِعًا مِنْ حِينِ تَوَضَّأَتْ إلَى أَنْ لَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ فَلَهَا أَنْ تَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ وُضُوءَهَا رَفَعَ الْحَدَثَ السَّابِقَ وَلَمْ يَقْتَرِنْ الْحَدَثُ بِالْوُضُوءِ وَلَا بِاللُّبْسِ فَإِنَّمَا طَرَأَ أَوَّلُ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ تَامَّةٍ) فَأَمَّا إذَا تَوَضَّأَتْ وَالدَّمُ سَائِلٌ أَوْ سَالَ بَعْدَ الْوُضُوءِ قَبْلَ اللُّبْسِ فَلَبِسَتْ الْخُفَّيْنِ كَانَ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي الْوَقْتِ إذَا أَحْدَثَتْ حَدَثًا آخَرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا أَنْ تَمْسَحَ كَمَالَ مُدَّةِ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ عَفْوٌ فِي حَقِّهَا بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَهُ فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ.
(وَلَنَا) أَنَّ سَيَلَانَ الدَّمِ عَفْوٌ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ حَتَّى تَنْتَقِضَ الطَّهَارَةُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَخُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ بِحَدَثٍ فَكَانَ اللُّبْسُ حَاصِلًا عَلَى طَهَارَةٍ مُعْتَبَرَةٍ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلِهَذَا كَانَ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
قَالَ (وَإِذْ كَانَ مَعَ الْمُسَافِرِ مَاءٌ قَدْرَ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ غَسَلَ الدَّمَ بِذَلِكَ الْمَاءِ ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ) وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَوَضَّأُ بِذَلِكَ الْمَاءِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقِيلَ هَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ خَالَفَ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أُسْتَاذَه. وَوَجْهُ قَوْلِ حَمَّادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ أَغْلَظُ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ وَمِنْ الْحَدَثِ لَا، وَبِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ إذَا كَانَ لَا يَجِدُ مَاءً يَغْسِلُهُ بِهِ وَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ بِحَالٍ فَصَرْفُ الْمَاءِ إلَى أَغْلَظِ الْحَدَثَيْنِ أَوْلَى، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّهَارَتَيْنِ بِأَنْ يَغْسِلَ النَّجَاسَةَ بِالْمَاءِ فَيَطْهُرَ بِهِ الثَّوْبُ ثُمَّ يَكُونُ عَادِمًا لِلْمَاءِ فَيَكُونُ طَهَارَتَهُ التَّيَمُّمُ وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّهَارَتَيْنِ لَا يَكُونُ لَهُ
[ ١ / ١٠٥ ]
أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا وَيَتْرُكَ الْآخَرِ فَلِهَذَا كَانَ صَرْفُ الْمَاءِ إلَى النَّجَاسَةِ أَوْلَى وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.