قَالَ (يَبْدَأُ فِي غَسْلِ الْجَنَابَةِ بِيَدَيْهِ فَيَغْسِلُهُمَا ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ يَتَنَحَّى فَيَغْسِلُ قَدَمَيْهِ)، هَكَذَا رَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَأَنَسٌ وَمَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - اغْتِسَالَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَأَكْمَلُهَا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ «وَضَعْتُ غُسْلًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لِيَغْتَسِلَ بِهِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَأَخَذَ الْإِنَاءَ بِشِمَالِهِ وَأَكْفَأَهُ عَلَى يَمِينِهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَنْقَى فَرْجَهُ بِالْمَاءِ ثُمَّ مَالَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ فَدَلَّكَهُمَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ». وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَمْسَحُ بِرَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ غَسْلُ رَأْسِهِ وَفَرْضِيَّةُ الْمَسْحِ لَا تَظْهَرُ عِنْدَ وُجُوبِ الْغَسْلِ وَيَبْدَأُ بِغَسْلِ مَا عَلَى جَسَدِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ازْدَادَتْ النَّجَاسَةُ بِإِسَالَةِ الْمَاءِ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْوُضُوءِ قَبْلَ إفَاضَةِ الْمَاءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَنَا، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ هُوَ وَاجِبٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ بَيْنَ مَا إذَا أَجْنَبَ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ طَاهِرٌ فَقَالَ: إذَا كَانَ مُحْدِثًا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْجَنَابَةِ قَدْ كَانَ لَزِمَهُ الْوُضُوءُ وَالْغَسْلُ فَلَا يَسْقُطُ بِالْجَنَابَةِ.
(وَلَنَا) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَالِاطِّهَارُ يَحْصُلُ بِغَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَلِأَنَّ مَبْنَى الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلطَّهَارَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ الْحَائِضَ إذَا أَجْنَبَتْ يَكْفِيهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ؟ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ بَعْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ وَقَدْ رُوِيَ إنْكَارُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - ﵄ - وَسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلسَّائِلِ قَدْ تَعَمَّقْتَ أَمَا يَكْفِيكَ غَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِكَ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ فَإِذَا أَنَا قَدْ طَهُرْتُ».
(وَالدَّلْكُ
[ ١ / ٤٤ ]
فِي الِاغْتِسَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ) يَقِيسُهُ بِغَسْلِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ.
(وَلَنَا) أَنَّ الْوَاجِبَ بِالنَّصِّ الْأَطْهَارُ وَالدَّلْكُ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَيْهِ وَالدَّلْكُ لِمَقْصُودِ إزَالَةِ عَيْنٍ مِنْ الْبَدَنِ وَلَيْسَ عَلَى بَدَنِ الْجُنُبِ عَيْنٌ يُزِيلُهَا بِالِاغْتِسَالِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الدَّلْكِ.
وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ عَنْ الْوُضُوءِ لِأَنَّ رِجْلَيْهِ فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى لَوْحٍ أَوْ حَجَرٍ لَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ إمْرَارَ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ فَرْضٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ أَلَا فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ». وَبِإِفَاضَةِ الْمَاءِ ثَلَاثًا يَتَضَاعَفُ الثَّوَابُ وَبِتَقْدِيمِ الْوُضُوءِ تَتِمُّ السُّنَّةُ وَهُوَ نَظِيرٌ لِمَرَاتِبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَأَدْنَى مَا يَكْفِي فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مِنْ الْمَاءِ صَاعٌ وَفِي الْوُضُوءِ مُدٌّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ فَقِيلَ لَهُ إنْ لَمْ يَكْفِنَا فَغَضِبَ وَقَالَ لَقَدْ كَفَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ وَأَكْثَرُ شَعْرًا» وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ فَإِنَّهُ لَوْ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ بِدُونِ الْمُدِّ أَجْزَأَهُ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ بِثُلُثَيْ مُدٍّ»، وَإِنْ لَمْ يَكْفِهِ الْمُدُّ فِي الْوُضُوءِ يَزِيدُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْرِفُ فِي صَبِّ الْمَاءِ لِحَدِيثِ «سَعِيدٍ - ﵁ - حِينَ مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ يَتَوَضَّأُ وَيَصُبُّ الْمَاءَ صَبًّا فَاحِشًا فَقَالَ إيَّاكَ وَالسَّرَفُ قَالَ: أَوَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَوْ كُنْتَ عَلَى ضِفَّةِ نَهْرٍ جَارٍ». ثُمَّ التَّقْدِيرُ بِالصَّاعِ لِمَاءِ الْإِفَاضَةِ فَإِذَا أَرَادَ تَقْدِيمَ الْوُضُوءِ زَادَ مُدًّا لَهُ وَالتَّقْدِيرُ بِالْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ إذَا كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ اسْتَنْجَى بِرِطْلٍ وَتَوَضَّأَ بِمُدٍّ، وَإِنْ كَانَ لَابِسًا لِلْخُفِّ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ يَكْفِيهِ رِطْلٌ. كُلُّ هَذَا غَيْرُ لَازِمٍ لِاخْتِلَافِ طِبَاعِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ. وَكَذَلِكَ غُسْلُ الْمَرْأَةِ مِنْ الْحَيْضِ فَالْوَاجِبُ فِيهِمَا الِاطِّهَارُ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَإِنْ لَمْ تَنْقُضْ رَأْسَهَا إلَّا أَنَّ الْمَاءَ بَلَغَ أُصُولَ شَعْرِهَا أَجْزَأَهَا لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «فَإِنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ - إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ إذَا اغْتَسَلْتُ فَقَالَ لَا. يَكْفِيكِ أَنْ تُفِيضِي الْمَاءَ عَلَى رَأْسِكِ وَسَائِرِ جَسَدِكِ ثَلَاثًا» وَبَلَغَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَأْمُرُ الْمَرْأَةَ بِنَقْضِ رَأْسِهَا فِي الِاغْتِسَالِ فَقَالَتْ لَقَدْ كَلَّفَهُنَّ شَطَطًا أَلَا أَمَرَهُنَّ بِجَزِّ نَوَاصِيهِنَّ؟، وَقَالَ: إنَّمَا شَرْطُ تَبْلِيغِ الْمَاءِ أُصُولَ الشَّعْرِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ إلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ إذَا اغْتَسَلَتْ وَيَقُولُ يَا هَذِهِ أَبْلَغِي الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِكِ وَمُتُونَ رَأْسِكِ. وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي وُجُوبِ بَلِّ الذَّوَائِبِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَبُلُّ
[ ١ / ٤٥ ]
ذَوَائِبَهَا ثَلَاثًا مَعَ كُلِّ بِلَّةٍ عَصْرَةٌ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ - ﵊ - «أَلَا فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
(جُنُبٌ) اغْتَسَلَ فَانْتَضَحَ مِنْ غُسْلِهِ فِي إنَائِهِ لَمْ يُفْسِدْ عَلَيْهِ الْمَاءَ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَمَنْ يَمْلِكُ سَيْلَ الْمَاءِ. وَلَمَّا سُئِلَ الْحَسَنُ عَنْ هَذَا فَقَالَ إنَّا لَنَرْجُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مَا هُوَ أَوْسَعُ مِنْ هَذَا، أَشَارَ إلَى أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ يَكُونُ عَفْوًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَاءُ يَسِيلُ فِي إنَائِهِ لَمْ يَجُزْ الِاغْتِسَالُ بِذَلِكَ الْمَاءِ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْكَثِيرَ يُمْكِنُ التَّحَرُّزَ عَنْهُ فَلَا يُجْعَلُ عَفْوًا، وَالْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ إنْ كَانَ يَسْتَبِينُ مَوَاقِعَ الْقَطْرِ فِي الْإِنَاءِ يَكُونُ كَثِيرًا.
قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فِي وُضُوءٍ، أَوْ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الْبَدَنِ)، وَقَالَ مَالِكٌ - ﵀ -: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ، وَالْمُحْدِثِ طَاهِرٌ حَتَّى لَوْ عَرِقَ فِي ثَوْبِهِ، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا مَبْلُولًا لَمْ يُفْسِدْ الثَّوْبَ،، وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ لَا يُغَيِّرُ صِفَتَهُ كَمَا لَوْ غُسِلَ بِهِ إنَاءٌ طَاهِرٌ.
(وَلَنَا) قَوْلُهُ - ﵊ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ» فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي مُسَافِرٍ مَعَهُ مَاءٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِشُرْبِهِ إنَّهُ يَتَيَمَّمُ، وَيُمْسِكُ الْمَاءَ لِعَطَشِهِ فَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِالِاسْتِعْمَالِ لَأَمَرَا بِالتَّوَضُّؤِ فِي إنَاءٍ، ثُمَّ بِالْإِمْسَاكِ لِلشُّرْبِ، وَالْعَادَةُ جَرَتْ بِصَبِّ الْغُسَالَةِ فِي السَّفَرِ، وَالْحَضَرِ مَعَ عِزَّةِ الْمَاءِ فِي السَّفَرِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - ﵀ - هُوَ نَجِسٌ إلَّا أَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ، وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ -، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجِسٌ لَا يُعْفَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ زُفَرَ، وَعَافِيَةُ الْقَاضِي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَدَثَ الْحُكْمِيَّ أَغْلَظُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ، ثُمَّ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ بِالْمَاءِ تُنَجِّسُهُ فَإِزَالَةُ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ بِهِ أَوْلَى، وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ - ﵀ -: التَّقْدِيرُ فِيهِ بِالدِّرْهَمِ كَمَا فِي النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ فَإِنَّ لِلْبَلْوَى تَأْثِيرًا فِي تَخْفِيفِ النَّجَاسَةِ،، وَمَعْنَى الْبَلْوَى فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ صَوْنَ الثِّيَابِ عَنْهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ فَلِذَلِكَ خَفَّ حُكْمُهُ.
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - ﵀ - مَا رُوِيَ «الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - كَانُوا يَتَبَادَرُونَ إلَى وَضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَيَمْسَحُونَ بِهِ أَعْضَاءَهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْهُ أَخَذَ بَلَلًا مِنْ كَفِّ صَاحِبِهِ»، وَالتَّبَرُّكُ بِالنَّجَسِ لَا يَكُونُ، وَالْمَعْنَى
[ ١ / ٤٦ ]
أَنَّ أَعْضَاءَ الْمُحْدِثِ طَاهِرَةٌ، وَلَكِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إقَامَةِ الْقُرْبَةِ فَإِذَا اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ تَحَوَّلَ ذَلِكَ الْمَنْعُ إلَى الْمَاءِ فَصَارَتْ صِفَةُ الْمَاءِ كَصِفَةِ الْعُضْوِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَيَكُونُ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ بِخِلَافِ مَا إذَا أَزَالَ النَّجَاسَةَ بِالْمَاءِ فَالنَّجَاسَةُ هُنَاكَ تَتَحَوَّلُ إلَى الْمَاءِ
(وَرَوَى) الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ بِالْمَاءِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا يَصِيرُ الْمَاءُ نَجِسًا، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا لَا يَصِيرُ الْمَاءُ نَجِسًا، وَلَكِنْ بِاسْتِعْمَالِ الطَّاهِرِ يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمُهُمَا اللَّه تَعَالَى - فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ إزَالَةُ حَدَثٍ، أَوْ نَجَاسَةٍ بِالْمَاءِ لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا كَمَا لَوْ غَسَلَ بِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا
(وَلَنَا) أَنَّ إقَامَةَ الْقُرْبَةِ حَصَلَ بِهَذَا الِاسْتِعْمَالِ قَالَ - ﵊ - «الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَنَزَّلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ إزَالَةِ الْحَدَثِ بِهِ بِخِلَافِ غَسْلِ الثَّوْبِ، وَالْإِنَاءِ الطَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إقَامَةُ الْقُرْبَةِ (وَذَكَرَ) الطَّحَاوِيُّ - ﵀ - أَنَّهُ إذَا تَبَرَّدَ بِالْمَاءِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَيَزُولُ الْحَدَثُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ التَّبَرُّدَ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا.
قَالَ (، وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتَى بِعُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ بَعْضَهُ، وَنَاوَلَ الْبَاقِي أَعْرَابِيًّا كَانَ عَلَى يَمِينِهِ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - فَشَرِبَهُ»، وَلِأَنَّ عَيْنَ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ، وَإِنَّمَا لَا يُؤْكَلُ لِكَرَامَتِهِ لَا لِنَجَاسَتِهِ، وَسُؤْرُهُ مُتَحَلِّبٌ مِنْ عَيْنِهِ، وَعَيْنُهُ طَاهِرٌ فَكَذَلِكَ سُؤْرُهُ.
وَكَذَلِكَ سُؤْرُ الْحَائِضِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - شَرِبَتْ مِنْ إنَاءٍ فِي حَالِ حَيْضِهَا فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَمَهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا، وَشَرِبَ» «، وَلَمَّا قَالَ لَهَا نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ فَقَالَتْ إنِّي حَائِضٌ فَقَالَ حَيْضَتُكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ». إذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْيَدِ فَكَذَلِكَ فِي الْفَمِ.
وَكَذَلِكَ سُؤْرُ الْجُنُبِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ حُذَيْفَةَ - ﵁ - اسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فَأَرَادَ أَنْ يُصَافِحَهُ فَحَبَسَ يَدَهُ، وَقَالَ إنِّي جُنُبٌ فَقَالَ - ﵊ - إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».
وَكَذَلِكَ سُؤْرُ الْمُشْرِكِ عِنْدَنَا، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْهُ خُبْثُ الِاعْتِقَادِ بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا مُشْرِكِينَ»، وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا أَنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ.
وَكَذَلِكَ سُؤْرُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الدَّوَابِّ، وَالطُّيُورِ
[ ١ / ٤٧ ]
لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ بَعِيرٍ، أَوْ شَاةٍ، وَقَالَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ» مَا خَلَا الدَّجَاجَةَ الْمُخَلَّاةَ فَإِنَّ سُؤْرَهَا مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهَا تُفَتِّشُ الْجِيَفَ، وَالْأَقْذَارَ فَمِنْقَارُهَا لَا يَخْلُو عَنْ النَّجَاسَةِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَةِ مِنْقَارِهَا.
وَفِي شَكٍّ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَالشَّكُّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ فَإِنْ كَانَتْ الدَّجَاجَةُ مَحْبُوسَةً فَسُؤْرَهَا طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مِنْقَارَهَا عَظْمٌ جَافٌّ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَلِأَنَّ عَيْنَهَا طَاهِرٌ مَأْكُولٌ فَكَذَلِكَ مَا يَتَحَلَّبُ مِنْهُ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِحُرْمَةِ الدَّجَاجَةِ شَاذٌّ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ فَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجَاجَةِ».
وَصِفَةُ الْمَحْبُوسَةِ أَنْ لَا يَصِلَ مِنْقَارُهَا إلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ يَصِلُ رُبَّمَا تُفَتِّشُ مَا يَكُونُ مِنْهَا فَهِيَ، وَالْمُخَلَّاةُ سَوَاءٌ، وَاَلَّذِي بَيَّنَّا فِي سُؤْرِ هَؤُلَاءِ فَكَذَلِكَ فِي اللُّعَابِ، وَالْعَرَقِ إذَا أَصَابَ لُعَابُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، أَوْ عَرَقُهُ ثَوْبَ إنْسَانٍ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَحَلِّبٌ مِنْ عَيْنِهِ فَكَانَ طَاهِرًا كَلَبَنِهِ.
قَالَ (وَلَا يَصِحُّ التَّطَهُّرَ بِسُؤْرِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الدَّوَابِّ، وَالسِّبَاعِ، وَلُعَابُهُ يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَهُنَا مَسَائِلُ): أَحَدَاهَا سُؤْرُ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ نَجِسٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وَالرِّجْسُ، وَالنَّجِسُ سَوَاءٌ.
(وَالثَّانِيَةُ) سُؤْرُ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - ﵀ - بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي تَنَاوُلِ لَحْمِهِ، وَكَانَ يَقُولُ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ كَانَ تَعَبُّدًا لَا لِلنَّجَاسَةِ كَمَا أَمَرَ الْمُحْدِثَ بِغَسْلِ أَعْضَائِهِ تَعَبُّدًا، أَوْ كَانَ ذَلِكَ عُقُوبَةً عَلَيْهِمْ، وَالْكِلَابُ فِيهِمْ كَانَتْ تُؤْذِي الْغُرَبَاءَ فَنُهُوا عَنْ اقْتِنَائِهَا، وَأُمِرُوا بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهَا عُقُوبَةً عَلَيْهِمْ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا، وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ ثَلَاثًا».
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ «سَبْعًا، وَتُعَفِّرَ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» فَقَوْلُهُ طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ دَلِيلٌ عَلَى تَنَجُّسِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِهِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ لِلتَّنْجِيسِ لَا لِلتَّعَبُّدِ فَإِنَّ الْجَمَادَاتِ لَا يَلْحَقُهَا حُكْمُ الْعِبَادَاتِ، وَالزِّيَادَةُ فِي الْعَدَدِ، وَالتَّعْفِيرِ بِالتُّرَابِ دَلِيلٌ عَلَى غِلَظِ النَّجَاسَةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ عَيْنَ الْكَلْبِ نَجِسٌ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ مُحَمَّدٌ - ﵀ - فِي الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ، وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِأَنْجَسَ مِنْ الْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا يَقُولُ عَيْنُ الْكَلْبِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَيْهِ بِطَهَارَةِ جِلْدِهِ بِالدِّبَاغِ، وَسَنُقَرِّرُهُ مِنْ بَعْدُ.
وَأَمَّا سُؤْرُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ كَالْأَسَدِ، وَالْفَهْدِ، وَالنَّمِرِ عِنْدَنَا نَجِسٌ.، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - طَاهِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ
[ ١ / ٤٨ ]
النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ فَقِيلَ أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتْ الْحُمُرُ فَقَالَ نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتْ السِّبَاعُ كُلُّهَا»، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَمَا يَنُوبُهَا مِنْ السِّبَاعِ فَقَالَ لَهَا مَا وَلَغَتْ فِي بُطُونِهَا، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَنَا شَرَابٌ، وَطَهُورٌ»، وَلِأَنَّ عَيْنَهَا طَاهِرَةٌ بِدَلِيلِ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَجَوَازِ بَيْعِهَا فَيَكُونُ سُؤْرُهَا طَاهِرًا كَسُؤْرِ الْهِرَّةِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - ﵄ -، وَرَدَا حَوْضًا فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ أَتَرِدُ السِّبَاعُ مَاءَكُمْ هَذَا فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا. فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ إذَا أَخْبَرَ بِوُرُودِ السِّبَاعِ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ اسْتِعْمَالُهُ لَمَّا نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ عَيْنَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ مُسْتَخْبَثٌ غَيْرُ طَيِّبٍ فَسُؤْرُهَا كَذَلِكَ كَالْكَلْبِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ سُؤْرَهَا يَتَحَلَّبُ مِنْ عَيْنِهَا كَلَبَنِهَا، ثُمَّ لَبَنُهَا حَرَامٌ غَيْرُ مَأْكُولٍ فَكَذَلِكَ سُؤْرُهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْهِرَّةِ أَيْضًا لَكِنْ تَرَكْنَا ذَلِكَ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ - ﷺ - فِي الْهِرَّةِ «لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ، وَالطَّوَّافَاتِ» أَشَارَ إلَى الْعِلَّةِ، وَهِيَ كَثْرَةُ الْبَلْوَى لِقُرْبِهَا مِنْ النَّاسِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي السِّبَاعِ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الْمَفَاوِزِ لَا تَقْرَبُ مِنْ النَّاسِ اخْتِيَارًا، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ قَبْلَ تَحْرِيمِ لَحْمِ السِّبَاعِ، أَوْ السُّؤَالُ وَقَعَ عَنْ الْحِيَاضِ الْكِبَارِ، وَبِهِ نَقُولُ إنَّ مِثْلَهَا لَا يَنْجُسُ بِوُرُودِ السِّبَاعِ.
فَأَمَّا سُؤْرُ الْحِمَارِ فَطَاهِرٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْحِمَارُ يُعْلَفُ الْقَتُّ، وَالتِّبْنُ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ، وَعِنْدَنَا مَشْكُوكٌ فِيهِ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِطَهَارَتِهِ، وَلَا بِنَجَاسَتِهِ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - كَانَ يَقُولُ إنَّهُ رِجْسٌ فَيَتَعَارَضُ قَوْلُهُ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، وَكَذَلِكَ الْأَخْبَارُ تَعَارَضَتْ فِي أَكْلِ لَحْمِهِ فَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ»، وَرُوِيَ أَنَّ أَبْجَرَ بْنَ غَالِبٍ - ﵁ - قَالَ لَمْ يَبْقَ لِي مِنْ مَالِي إلَّا حُمَيْرَاتٍ فَقَالَ - ﵊ - «كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ»، وَكَذَلِكَ اعْتِبَارُ سُؤْرِهِ بِعَرَقِهِ يَدُلُّ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَاعْتِبَارِهِ بِلَبَنِهِ يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْهِرَّةِ مَوْجُودٌ فِي الْحِمَارِ؛ لِأَنَّهُ يُخَالِطُ النَّاسَ لَكِنَّهُ دُونَ مَا فِي الْهِرَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَضَايِقَ فَلِوُجُودِ أَصْلِ الْبَلْوَى لَا نَقُولُ بِنَجَاسَتِهِ، وَلِكَوْنِ الْبَلْوَى فِيهِ مُتَقَاعِدًا لَا نَقُولُ بِطَهَارَتِهِ فَيَبْقَى مَشْكُوكًا فِيهِ، وَأَدِلَّةُ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَعَارَضَ، وَالْحُكْمُ فِيهَا الْوَقْفُ، وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ - ﵀ -
[ ١ / ٤٩ ]
يُنْكِرُ هَذَا، وَيَقُولُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ الشَّرْعِ مَشْكُوكًا فِيهِ، وَلَكِنْ يُحْتَاطُ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ حَالَة الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ احْتِيَاطًا فَبِأَيِّهِمَا بَدَأَ أَجْزَأَهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ يَبْدَأُ بِالْوُضُوءِ فَلَا يُعْتَبَرُ تَيَمُّمُهُ مَادَامَ مَعَهُ مَاءٌ هُوَ مَأْمُورٌ بِالتَّوَضُّؤِ بِهِ، وَلَكِنْ نَقُولُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لَا فِي التَّرْتِيبِ فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَقَدْ تَوَضَّأَ بِهِ قَدَّمَ، أَوْ أَخَّرَ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَفَرْضُهُ التَّيَمُّمُ، وَقَدْ أَتَى بِهِ، وَلَا يُقَالُ فِي هَذَا تَرْكُ الِاحْتِيَاطِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَجِسًا تَتَنَجَّسُ بِهِ أَعْضَاؤُهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الشَّكِّ فِي طَهَارَتِهِ لَا فِي كَوْنِهِ طَاهِرًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَقِينٌ فَأَمَّا الْعُضْوُ، وَالثَّوْبُ فَطَاهِرٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِالشَّكِّ، وَالْحَدَثُ مَوْجُودٌ بِيَقِينٍ فَالشَّكُّ وَقَعَ فِي طَهَارَتِهِ، وَالْيَقِينُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي لُعَابِ الْحِمَارِ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ مَا لَمْ يَفْحُشْ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجْزَأَهُ، وَإِنْ فَحُشَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ غُمِسَ فِيهِ الثَّوْبُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، وَجَمِيعُ مَا بَيَّنَّا فِي الْحِمَارِ كَذَلِكَ فِي الْبَغْلِ فَإِنَّ وَالِدَهُ غَيْرُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، وَالصَّحِيحُ فِي عَرَقِهِمَا أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَأَشَارَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ إلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهِ مَا لَمْ يَفْحُشْ، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ «فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَرْكَبُ حِمَارًا مُعْرَوْرِيًا»، وَالْحَرُّ حَرُّ تِهَامَةَ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرَقَ الْحِمَارُ، وَلِأَنَّ مَعْنَى الْبَلْوَى فِي عَرَقِهِ ظَاهِرٌ لِمَنْ يَرْكَبُهُ.
فَأَمَّا سُؤْرُ الْفَرَسِ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَلَحْمِهِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ أَنَّ السُّؤْرَ لِمَعْنَى الْبَلْوَى أَخَفُّ حُكْمًا مِنْ اللَّحْمِ كَمَا فِي الْحِمَارِ، وَالْبَغْلِ، وَالْكَرَاهَةُ الَّتِي فِي اللَّحْمِ تَنْعَدِمُ فِي السُّؤْرِ لِيَظْهَرَ بِهِ خِفَّةُ الْحُكْمِ.
فَأَمَّا سُؤْرُ حَشَرَاتِ الْبَيْتِ كَالْفَأْرَةِ، وَالْحَيَّةِ، وَنَحْوِهِمَا فِي الْقِيَاسِ فَنَجِسٌ؛ لِأَنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا، وَلِسَانُهَا رَطْبٌ مِنْ لُعَابِهَا، وَلُعَابُهَا يَتَحَلَّبُ مِنْ لَحْمِهَا، وَلَحْمُهَا حَرَامٌ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى الَّتِي، وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا فِي الْهِرَّةِ مَوْجُودَةٌ هُنَا فَإِنَّهَا تَسْكُنُ الْبُيُوتَ، وَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا.
وَأَمَّا سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالْبَازِي، وَالصَّقْرِ، وَالشَّاهِينِ، وَالْعُقَابِ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطَّيْرِ فِي الْقِيَاسِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ مُعْتَبَرٌ بِمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ سِبَاعِ الْوَحْشِ، وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا فَقُلْنَا بِأَنَّهُ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا، وَمِنْقَارُهَا عَظْمٌ جَافٌّ بِخِلَافِ سِبَاعِ الْوَحْشِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا، وَلِسَانُهَا رَطْبٌ بِلُعَابِهَا، وَلِأَنَّ فِي سُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ
[ ١ / ٥٠ ]
تَتَحَقَّقُ الْبَلْوَى فَإِنَّهَا تَنْقَضُّ مِنْ الْهَوَاءِ فَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا خُصُوصًا فِي الصَّحَارِي بِخِلَافِ سِبَاعِ الْوَحْشِ.، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - قَالَ مَا يَقَعُ عَلَى الْجِيَفِ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَسُؤْرُهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ مِنْقَارَهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ عَادَةً.
وَأَمَّا سُؤْرُ السِّنَّوْرُ فَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالَ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ أَحَبَّ إلَيَّ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ هُوَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - ﵀ - لَا بَأْسَ بِسُؤْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصْغِي الْإِنَاءَ لِهِرَّةٍ حَتَّى تَشْرَبَ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِالْبَاقِي».
(وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - «يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْهِرَّةِ مَرَّةً»، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْكَرَاهَةِ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «الْهِرَّةُ سَبُعٌ»، وَهِيَ مِنْ السِّبَاعِ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ - ﵂ - يَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ فَأَثْبَتْنَا حُكْمَ الْكَرَاهَةِ عَمَلًا بِهِمَا جَمِيعًا، وَكَانَ الطَّحَاوِيُّ - ﵀ - يَقُولُ: كَرَاهَةُ سُؤْرِهِ لِحُرْمَةِ لَحْمِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إلَى التَّحْرِيمِ أَقْرَبُ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ - ﵀ - كَرَاهَةُ سُؤْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجِيَفَ فَلَا يَخْلُو فَمُهُ عَنْ النَّجَاسَةِ عَادَةً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَالْأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ الْأَثَرِ.
قَالَ (وَإِنْ مَاتَ فِي الْإِنَاءِ ذُبَابٌ، أَوْ عَقْرَبٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ لَمْ يُفْسِدْهُ عِنْدَنَا)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - يُفْسِدُهُ إلَّا مَا خُلِقَ مِنْهُ كَدُودِ الْخَلِّ يَمُوتُ فِيهِ، وَسُوسِ الثِّمَارِ يَمُوتُ فِي الثِّمَارِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى نَجَاسَةِ كُلِّ مَيْتَةٍ، وَإِذَا تَنَجَّسَ بِالْمَوْتِ تَنَجَّسَ مَا مَاتَ فِيهِ إلَّا أَنَّ فِيمَا خُلِقَ مِنْهُ ضَرُورَةً، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزَ عَنْهُ فَصَارَ عَفْوًا لِهَذَا.
(وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، ثُمَّ اُمْقُلُوهُ، ثُمَّ اُنْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا، وَفِي الْآخِرِ شِفَاءً»، وَإِنَّهُ لَيُقَدِّمُ السُّمَّ عَلَى الشِّفَاءِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الذُّبَابَ إذَا مُقِلَ مِرَارًا فِي الطَّعَامِ الْحَارِّ يَمُوتُ فَلَوْ كَانَ مُفْسِدًا لَمَا أَمَرَ بِمَقْلِهِ، وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ إذَا مَاتَ فِي الْإِنَاءِ فَهُوَ الْحَلَالُ أَكْلُهُ، وَشُرْبُهُ، وَالْوُضُوءُ بِهِ»، وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ إذَا مَاتَ فَإِنَّمَا يَتَنَجَّسُ لِمَا فِيهِ مِنْ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ حَتَّى لَوْ ذُكِّيَ فَسَالَ الدَّمُ مِنْهُ كَانَ طَاهِرًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَمَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ لَا يَتَنَاوَلُهُ نَصُّ التَّحْرِيمِ فَلَا يَنْجُسُ مَا مَاتَ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى
[ ١ / ٥١ ]
مَا خُلِقَ مِنْهُ.
قَالَ (وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ دَمٌ، أَوْ خَمْرٌ، أَوْ عَذِرَةٌ، أَوْ بَوْلٌ أَفْسَدَهُ عِنْدَنَا)، وَقَالَ مَالِكٌ - ﵀ - لَا يُفْسِدُهُ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ بِهِ أَحَدُ أَوْصَافِهِ مِنْ لَوْنٍ، أَوْ رِيحٍ، أَوْ طَعْمٍ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرٍ، وَهِيَ بُضَاعَةُ، وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهِ الْجِيَفُ، وَمَحَايِضُ النِّسَاءِ فَلَمَّا ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ، أَوْ طَعْمَهُ، أَوْ رِيحَهُ».
(وَلَنَا) قَوْلُهُ - ﵊ - «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ، وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُفْسِدًا لِلْمَاءِ مَا كَانَ لِلنَّهْيِ عَنْهُ مَعْنًى، وَفَائِدَةٌ، وَفِيهِ طَرِيقَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْمَاءَ يَنْجُسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْمَاءِ تَتَغَيَّرُ بِمَا يُلْقَى فِيهِ حَتَّى يُضَافَ إلَيْهِ كَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ، وَمَاءِ الْبَاقِلَا، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ، وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ اسْتِعْمَالُهُ لِمُجَاوَرَةِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَتَفَرَّقُ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ جُزْءٍ مِنْ الْمَاءِ إلَّا بِاسْتِعْمَالِ جُزْءٍ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَاسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ حَرَامٌ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَ مَاؤُهُ جَارِيًا يُسْقَى مِنْهُ خَمْسُ بَسَاتِينَ، وَعِنْدَنَا الْمَاءُ الْجَارِي لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ.
وَقِيلَ إنَّمَا كَانَ يُلْقَى فِيهِ الْجِيَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ فِي الْإِسْلَامِ نُهُوا عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَكَانَ بِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ التَّنَزُّهِ، وَالتَّقَذُّرِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّوَضُّؤِ، وَالشُّرْبِ مِنْ بِئْرٍ يُلْقَى فِيهِ ذَلِكَ فِي وَقْتِهِ، وَإِنَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ أَنَّ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَلْ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ بِتَطْهِيرِ الْبِئْرِ فِي الْإِسْلَامِ فَأَزَالَ إشْكَالَهُمْ بِمَا قَالَ.
(وَإِنْ بَزَقَ فِي الْمَاءِ، أَوْ امْتَخَطَ لَمْ يُفْسِدْهُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَاقَى طَاهِرًا)، وَالدَّلِيلُ عَلَى طَهَارَةِ الْبُزَاقِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَعَانَ فِي مَحْوِ بَعْضِ الْكِتَابَةِ بِهِ»، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمُخَاطِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - امْتَخَطَ فِي صَلَاتِهِ فَأَخَذَهُ بِثَوْبِهِ، وَدَلَّكَهُ»، ثُمَّ الْمُخَاطُ، وَالنُّخَامَةُ سَوَاءٌ، وَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ - ﵁ - يَغْسِلُ ثَوْبَهُ مِنْ النُّخَامَةِ قَالَ «مَا نُخَامَتُكَ، وَدُمُوعُ عَيْنَيْكَ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِي رَكْوَتِكَ إلَّا سَوَاءٌ».
(وَإِنْ أَدْخَلَ جُنُبٌ، أَوْ حَائِضٌ، أَوْ مُحْدِثٌ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا قَذَرٌ لَمْ يُفْسِدْ الْمَاءَ اسْتِحْسَانًا)، وَكَانَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ يُفْسِدَهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ زَالَ عَنْ يَدِهِ بِإِدْخَالِهِ فِي الْإِنَاءِ فَيَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا كَالْمَاءِ الَّذِي غَسَلَ بِهِ يَدَهُ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ أَنَّ الْمِهْرَاسَ كَانَ يُوضَعُ عَلَى بَابِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّه - ﷺ -، وَفِيهَا مَاءٌ فَكَانَ أَصْحَابُ الصُّفَّةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَغْتَرِفُونَ مِنْهُ لِلْوُضُوءِ بِأَيْدِيهِمْ، وَلِأَنَّ فِيهِ بَلْوَى، وَضَرُورَةً فَقَدْ لَا يَجِدُ شَيْئًا يَغْتَرِفُ بِهِ الْمَاءَ مِنْ الْإِنَاءِ الْعَظِيمِ
[ ١ / ٥٢ ]
فَيَجْعَلُ يَدَهُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ كَالْمِغْرَفَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْمُحْدِثِ فَكَذَلِكَ فِي الْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فَرُبَّمَا بَدَأْت أَنَا، وَرُبَّمَا بَدَأَ هُوَ، وَكُنْتُ أَقُولُ أَبْقِ لِي، وَهُوَ يَقُولُ بَقِّ لِي»، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَمَالِي قَالَ إذَا أَدْخَلَ الْجُنُبُ يَدَهُ، أَوْ رِجْلَهُ فِي الْبِئْرِ لَمْ يُفْسِدْهُ، وَإِنْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْإِنَاءِ أَفْسَدَهُ، وَهَذَا لِمَعْنَى الْحَاجَةِ فَفِي الْبِئْرِ الْحَاجَةُ إلَى إدْخَالِ الرِّجْلِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَجُعِلَ عَفْوًا، وَفِي الْإِنَاءِ الْحَاجَةُ إلَى إدْخَالِ الْيَدِ فَلَا تُجْعَلُ الرِّجْلُ عَفْوًا فِيهِ، وَإِنْ أَدْخَلَ فِي الْبِئْرِ بَعْضَ جَسَدِهِ سِوَى الْيَدِ، وَالرِّجْلِ أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
وَقَالَ فِي الْأَصْلِ إذَا اغْتَسَلَ الطَّاهِرُ فِي الْبِئْرِ أَفْسَدَهُ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ لِلْمَاءِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ، وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَالْمَاءُ بِفِعْلِهِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَإِذَا اغْتَسَلَ فِي الْبِئْرِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَقَوْلُهُ أَفْسَدَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مِنْ الْمَاءِ هُوَ النَّجِسُ، وَإِذَا انْغَمَسَ فِيهِ لِطَلَبِ دَلْوٍ، وَلَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ قَذَرٌ لَمْ يُفْسِدْ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ إزَالَةُ الْحَدَثِ، وَلَا إقَامَةُ الْقُرْبَةِ لَمَّا لَمْ يَغْتَسِلْ فِيهِ، وَإِنْ انْغَمَسَ فِي جُبٍّ يَطْلُبُ دَلْوًا لَمْ يُفْسِدْ الْمَاءَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ مِنْ الْغَسْلِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَيُجْزِئُهُ مِنْ الْغُسْلِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْأَمَالِي أَنَّ الْمَاءَ يَفْسُدُ، وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْغُسْلِ. مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هَذَا الْخِلَافُ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْمَاءُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا بِإِزَالَةِ الْحَدَثِ، أَوْ بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ فَلَوْ زَالَ الْحَدَثُ هُنَا صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا فَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ الِاغْتِسَالِ فَلِهَذَا قَالَ الرَّجُل بِحَالِهِ، وَالْمَاءُ بِحَالِهِ، وَمِنْ أَصْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ، وَالِاغْتِسَالُ يَتَحَصَّلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَكَانَ الرَّجُلُ طَاهِرًا، وَالْمَاءُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِعَدَمِ الْقَصْدِ مِنْهُ إلَى إقَامَةِ الْقُرْبَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ فَإِنَّ هَذَا الْمَذْهَبُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ عَنْ مُحَمَّدٍ نَصًّا، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ إزَالَةَ الْحَدَثِ بِالْمَاءِ مُفْسِدٌ لِلْمَاءِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا بَيَّنَّا فِي الْجُنُبِ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَفِي الْبِئْرِ مَعْنَى الضَّرُورَةِ مَوْجُودٌ فَإِنَّهُمْ إذَا جَاءُوا بِغَوَّاصٍ لِطَلَبِ دَلْوِهِمْ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُكَلِّفُوهُ الِاغْتِسَالَ أَوَّلًا فَلِهَذَا لَا يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ يَطْهُرُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْإِمْلَاءِ أَنَّهُ كَمَا أَدْخَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ فِي الْبِئْرِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا فَبَعْدَ ذَلِكَ سَوَاءٌ اغْتَسَلَ، أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ.
قَالَ (وَإِنْ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَفْسَدَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ
[ ١ / ٥٣ ]
وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا يُفْسِدُهُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَيُتَوَضَّأُ مِنْهُ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ).
وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُرَنَةَ جَاءُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ، وَانْتَفَخَتْ بُطُونُهُمْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَخْرُجُوا إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا، وَأَلْبَانِهَا» الْحَدِيثَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا لَمَا أَمَرَهُمْ بِشُرْبِهِ، وَالْعَادَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ بَيْعُ أَبْوَالِ الْإِبِلِ فِي الْقَوَارِيرِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى طَهَارَتِهَا، وَلَهُمَا قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ»، وَلَمَّا اُبْتُلِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِضَغْطَةِ الْقَبْرِ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ إنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ»، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ بَوْلَ نَفْسِهِ فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبْوَالَ الْإِبِلِ عِنْدَ مُعَالَجَتِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مِنْ أَحَدِ الْغِذَاءَيْنِ إلَى نَتِنٍ، وَفَسَادٍ فَكَانَ نَجِسًا كَالْبَعْرِ. فَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَدْ ذَكَرَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِي شُرْبِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ»، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَبْوَالَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَالْحَدِيثُ حِكَايَةُ حَالٍ فَإِذَا دَارَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً، أَوْ لَا يَكُونُ حُجَّةً سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، ثُمَّ نَقُولُ خَصَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّ شِفَاءَهُمْ فِيهِ، وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي زَمَانِنَا، وَهُوَ كَمَا «خَصَّ الزُّبَيْرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِلُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِ»، وَهِيَ مَجَازٌ عَنْ الْقَمْلِ فَإِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْقَمْلِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُفَّارًا فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرَسُولُهُ عَلِمَ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى الرِّدَّةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ شِفَاءُ الْكَافِرِ فِي النَّجِسِ.
إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - ﵀ - هُوَ طَاهِرٌ فَلَا يُفْسِدُ الْمَاءَ حَتَّى يَجُوزَ شُرْبَهُ، وَلَكِنْ إذَا غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ إذَا غَلَبَتْ عَلَى الْمَاءِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ هُوَ نَجِسٌ فَكَانَ مُفْسِدًا لِلْمَاءِ، وَالْبِئْرِ، وَالْإِنَاءِ فِيهِ سَوَاءٌ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي، وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ»، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي لَا غَيْرَ عَمَلًا بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ لَمْ يُنَجِّسْهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِنْ امْتَلَأَ الثَّوْبُ مِنْهُ، وَعَلَى
[ ١ / ٥٤ ]
قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يُنَجَّسُ الثَّوْبُ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي نَجَاسَتِهِ، وَفِيهِ بَلْوًى لِمَنْ يُعَالِجُهَا فَخَفَّتْ نَجَاسَتُهُ لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ فِي الثَّوْبِ الرُّبُعُ فَصَاعِدًا قِيلَ أَرَادَ بِهِ رُبُعَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ ذَيْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ رُبُعَ جَمِيعِ الثَّوْبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الرُّبُعَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكَمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَسْحَ بِرُبُعِ الرَّأْسِ كَالْمَسْحِ بِجَمِيعِهِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَتِهِ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ، وَفِي رِوَايَةٍ ذِرَاعٌ فِي ذِرَاعٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا يُقَدِّرُ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ عَلَى قَوْلِهِ كَالْأَرْوَاثِ، وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَدْرُ مَوْضِعِ الْقَدَمَيْنِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ حِينَ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ أَجْزَأَهُ)، وَعَلَى قَوْلِ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ التَّسْمِيَةُ مِنْ الْأَرْكَانِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ إلَّا بِهَا لِقَوْلِهِ - ﵊ - «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ»، وَعِنْدَنَا التَّسْمِيَةُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ لَا مِنْ أَرْكَانِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَرْكَانَ الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّسْمِيَةَ «، وَعَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْأَعْرَابِيَّ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّسْمِيَةَ» فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ - ﵊ - «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ» نَفْيُ الْكَمَالِ لَا نَفْيُ الْجَوَازِ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ تَوَضَّأَ، وَسَمَّى كَانَ طَهُورًا لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يُسَمِّ كَانَ طَهُورًا لِأَعْضَاءِ وُضُوئِهِ»، وَفِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» أَيْ نَاقِصٌ غَيْرُ كَامِلٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَإِنَّا أُمِرْنَا بِهَا إظْهَارًا لِمُخَالَفَةِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ آلِهَتَهُمْ عِنْدَ الذَّبْحِ فَكَانَ التَّرْكُ مُفْسِدًا، وَهُنَا أُمِرْنَا بِالتَّسْمِيَةِ تَكْمِيلًا لِلثَّوَابِ لَا مُخَالَفَةً لِلْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَوَضَّئُونَ فَلَمْ يَكُنْ التَّرْكُ مُفْسِدًا لِهَذَا.
قَالَ (وَإِنْ بَدَأَ فِي وُضُوئِهِ بِذِرَاعَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ، أَوْ رِجْلَيْهِ قَبْلَ رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا)، وَلَمْ يُجْزِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - ﵁ - فَإِنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَنَا سُنَّةٌ، وَعِنْدَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ، وَالْفَاءُ لِلْوَصْلِ، وَالتَّرْتِيبِ فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَصْلُ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ بِحَرْفِ الْوَاوِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلتَّرْتِيبِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ارْكَعُوا، وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وَلَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا، وَالْمَرْوَةِ بِأَيِّهِمَا نَبْدَأُ فَقَالَ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ».
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ، وَقَالَ - ﵊ -
[ ١ / ٥٥ ]
«لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ امْرِئٍ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ فَيَغْسِلُ، وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ»، وَلَا شَكَّ أَنَّ حَرْفَ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ.
(وَلَنَا) مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي سُنَنِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَيَمَّمَ فَبَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ بِوَجْهِهِ»، وَالْخِلَافُ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَرُوِيَ «أَنَّهُ - ﷺ - نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فِي وُضُوئِهِ فَتَذَكَّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ فَمَسَحَهُ بِبَلَلٍ فِي كَفِّهِ»، وَلِأَنَّ الرُّكْنَ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِدُونِ التَّرْتِيبِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ التَّرْتِيبُ، وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ فَقَدْ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى السُّنَنِ كَمَا وَاظَبَ عَلَى الْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقْتَضِيَ جَمْعًا، وَلَا تَرْتِيبًا فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ جَاءَنِي زَيْدٌ، وَعَمْرٌو كَانَ إخْبَارًا عَنْ مَجِيئِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ فِي الْمَجِيءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى تَرْتِيبِ الرُّكُوعِ عَلَى السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ فِي الْآيَةِ أَمَرَ بِغَسْلِ الْأَعْضَاءِ لَا بِالتَّرْتِيبِ فِي الْغُسْلِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ ثُبُوتَ الْحَدَثِ فِي الْأَعْضَاءِ لَا يَكُونُ مُرَتَّبًا فَكَذَلِكَ زَوَالُهُ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ، وَبِهِ نَقُولُ.
(وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ، وَتَرَكَ الْبَعْضَ حَتَّى جَفَّ مَا قَدْ غَسَلَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ سُنَّةٌ عِنْدَنَا)، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُوَالَاةُ رُكْنٌ فَلَا يُجْزِئُهُ تَرْكُهُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَاظَبَ عَلَى الْمُوَالَاةِ» فَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَفَعَلَهُ مَرَّةً تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ.، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إنْ كَانَ فِي طَلَبِ الْمَاءِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْوُضُوءِ فَإِنْ كَانَ أَخَذَ فِي عَمَلٍ آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَجَفَّ وَجَبَ عَلَيْنَا إعَادَةُ مَا جَفَّ، وَجَعْلُهُ قِيَاسَ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ إذَا اشْتَغَلَ فِي خِلَالِهَا بِعَمَلٍ آخَرَ.
(وَلَنَا) مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ تَطْهِيرُ الْأَعْضَاءِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِدُونِ الْمُوَالَاةِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ فَلَوْ شَرَطْنَا الْمُوَالَاةَ كَانَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مُوَاظَبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَدْ تَكُونُ لِبَيَانِ السُّنَّةِ، وَأَفْعَالُ الصَّلَاةِ تُؤَدَّى بِنَاءً عَلَى التَّحْرِيمَةِ، وَالِاشْتِغَالُ بِعَمَلٍ آخَرَ مُبْطِلٌ لِلتَّحْرِيمَةِ فَكَانَ مُفْسِدًا بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ أَرْكَانَ الْوُضُوءِ لَا تَنْبَنِي عَلَى التَّحْرِيمَةِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ الْكَلَامُ فِي الْوُضُوءِ مُفْسِدًا لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (، وَلَا يُفْسِدُ خُرْءُ الْحَمَامِ، وَالْعُصْفُورِ الْمَاءَ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَنَا)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَجِسٌ يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَالثَّوْبَ، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مِنْ غِذَاءِ الْحَيَوَانِ إلَى فَسَادٍ لَكِنْ اسْتَحْسَنَهُ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ
[ ١ / ٥٦ ]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ خَرِئَتْ عَلَيْهِ حَمَامَةٌ فَمَسَحَهُ بِأُصْبُعِهِ وَابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - ذَرَقَ عَلَيْهِ طَائِرٌ فَمَسَحَهُ بِحَصَاةٍ، وَصَلَّى، وَلَمْ يَغْسِلْهُ، وَلِأَنَّ الْحَمَامَ تُرِكَتْ فِي الْمَسَاجِدِ حَتَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ عِلْمِ النَّاسِ بِمَا يَكُونُ مِنْهَا، وَأَصْلُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - شَكَرَ الْحَمَامَةَ، وَقَالَ إنَّهَا، أَوْكَرَتْ عَلَى بَابِ الْغَارِ حَتَّى سَلَّمَتْ فَجَازَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَ الْمَسَاجِدَ مَأْوَاهَا» فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ مَا يَكُونُ مِنْهَا. .
قَالَ (وَخُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ بِمَنْزِلَةِ خُرْءِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ)، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مِنْ غِذَائِهِ إلَى فَسَادٍ.
وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا - ﵏ - عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا لَكِنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ لِمَعْنَى الْبَلْوَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا فَإِنَّ الْخُرْءَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فِي النَّجَاسَةِ، ثُمَّ خُرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ طَاهِرٌ فَكَذَلِكَ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.
قَالَ (، وَبَوْلُ الْخَفَافِيشِ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَلَا يَسْتَقْذِرُهُ النَّاسُ عَادَةً)، وَيُفْسِدُهُ خُرْءُ الدَّجَاجِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْأَشْيَاءَ بِالْعَذِرَةِ لَوْنًا، وَرَائِحَةً فَكَانَ نَجِسًا نَجَاسَةً غَلِيظَةً.
قَالَ (، وَمَوْتُ الضِّفْدَعِ، وَالسَّمَكِ، وَالسَّرَطَانِ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ) لِوَجْهَيْنِ.: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَاءَ مَعْدِنُهُ، وَالشَّيْءُ إذَا مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَمَنْ صَلَّى، وَفِي كُمِّهِ بَيْضَةً مَذِرَةً حَالَ مُحُّهَا دَمًا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْ مَوْتِهِ فِي الْمَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ
وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ دَمٌ سَائِلٌ فَإِنَّ مَا يَسِيلُ مِنْهَا إذَا شُمِسَ ابْيَضَّ، وَالدَّمُ إذَا شُمِسَ اسْوَدَّ، وَهَذَا الْحَرْفُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ بِمَوْتِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فِيهِ لَا يُفْسِدُ غَيْرَ الْمَاءِ كَالْخَلِّ، وَالْعَصِيرِ، وَيَسْتَوِي إنْ تَقَطَّعَ، أَوْ لَمْ يَتَقَطَّعْ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - فَإِنَّهُ يَقُولُ إذَا تَقَطَّعَ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ دَمَهُ نَجِسٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَا دَمَ فِي السَّمَكِ إنَّمَا هُوَ مَاءٌ آجِنٌ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ دَمٌ فَهُوَ مَأْكُولٌ فَلَا يَكُونُ نَجِسًا كَالْكَبِدِ، وَالطِّحَالِ.
وَأَشَارَ الطَّحَاوِيُّ - ﵀ - إلَى أَنَّ الطَّافِيَ مِنْ السَّمَكِ يُفْسِدُ الْمَاءَ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي الطَّافِي أَكْثَرُ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ فَهُوَ كَالضِّفْدَعِ، وَالسَّرَطَانِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الضِّفْدَعُ إذَا تَفَتَّتَ فِي الْمَاءِ كَرِهْتُ شُرْبَهُ لَا لِنَجَاسَتِهِ، وَلَكِنْ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الضِّفْدَعِ فِيهِ، وَالضِّفْدَعُ غَيْرُ مَأْكُولٍ.
(وَإِذَا مَاتَتْ الْفَأْرَةُ
[ ١ / ٥٧ ]
فِي الْبِئْرِ فَاسْتُخْرِجَتْ حِينَ مَاتَتْ نُزِحَ مِنْ الْبِئْرِ عِشْرُونَ دَلْوًا، وَإِنْ مَاتَتْ فِي جُبٍّ أُرِيقَ الْمَاءُ، وَغُسِلَ الْجُبُّ؛ لِأَنَّهُ تَنَجَّسَ بِمَوْتِ الْفَأْرَةِ فِيهِ)
وَالْقِيَاسُ فِي الْبِئْرِ أَحَدُ شَيْئَيْنِ أَمَّا مَا قَالَهُ بِشْرٌ - ﵀ - أَنَّهُ يُطَمُّ رَأْسُ الْبِئْرِ، وَيُحْفَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ نُزِحَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ يَبْقَى الطِّينُ، وَالْحِجَارَةُ نَجِسًا، وَلَا يُمْكِنُ كَبُّهُ لِيُغْسَلَ فَيُطَمُّ.
وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ اجْتَمَعَ رَأْيِي، وَرَأْيُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ أَعْلَاهُ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَحَوْضِ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ يُصَبُّ فِيهِ مِنْ جَانِبٍ، وَيُؤْخَذُ مِنْ جَانِبٍ لَمْ يَتَنَجَّسْ بِإِدْخَالِ يَدٍ نَجِسَةٍ فِيهِ.
ثُمَّ قُلْنَا، وَمَا عَلَيْنَا لَوْ أَمَرْنَا بِنَزَحِ بَعْضِ الدِّلَاءِ، وَلَا نُخَالِفُ السَّلَفَ، وَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِحَدِيثِ، عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ سَبْعُ دِلَاءٍ.
، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا.
(وَلَنَا) حَدِيثُ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا»، وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي الزِّنْجِيِّ الَّذِي وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ أَنَّهُمَا أَمَرَا بِنَزَحِ جَمِيعِ الْمَاءِ.
ثُمَّ فِي الْأَصْلِ جَعَلَهُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ فِي الْفَأْرَةِ عِشْرُونَ دَلْوًا، وَفِي السِّنَّوْرِ، وَالدَّجَاجَةِ أَرْبَعُونَ دَلْوًا، وَفِي الشَّاةِ، وَالْآدَمِيِّ جَمِيعُ الْمَاءِ.، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - جَعَلَهُ عَلَى خَمْسِ دَرَجَاتٍ فِي الْجِلَّةِ، وَالْفَأْرَةِ الصَّغِيرَةِ عَشْرُ دِلَاءٍ، وَفِي الْفَأْرَةِ الْكَبِيرَةِ عِشْرُونَ دَلْوًا، وَفِي الْحَمَامَةِ ثَلَاثُونَ دَلْوًا، وَفِي الدَّجَاجَةِ أَرْبَعُونَ دَلْوًا، وَفِي الشَّاةِ، وَالْآدَمِيِّ جَمِيعُ الْمَاءِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَنَجَّسُ مِنْ الْمَاءِ مَا جَاوَزَ النَّجَاسَةَ، وَالْفَأْرَةُ تَكُونُ فِي وَجْهِ الْمَاءِ فَإِذَا نُزِحَ عِشْرُونَ دَلْوًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نُزِحَ جَمِيعُ مَا جَاوَزَ الْفَأْرَةَ فَمَا بَقِيَ يَبْقَى طَاهِرًا، وَالدَّجَاجَةُ تَغُوصُ فِي الْمَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا تَغُوصُ الْفَأْرَةُ فَيَتَضَاعَفُ النَّزْحُ لِهَذَا، وَالشَّاةُ، وَالْآدَمِيُّ يَغُوصُ إلَى قَعْرِ الْمَاءِ فَيَمُوتُ، ثُمَّ يَطْفُو فَلِهَذَا نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَتَفَسَّخْ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ فَإِنْ انْتَفَخَ، أَوْ تَفَسَّخَ نُزِحَ جَمِيعُ الْمَاءِ.
الْفَأْرَةُ، وَغَيْرُهَا فِيهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنْهَا بِلَّةٌ نَجِسَةٌ، وَتِلْكَ الْبِلَّةُ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ بِمَنْزِلَةِ قَطْرَةٍ مِنْ خَمْرٍ، أَوْ بَوْلٍ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ.
وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا، وَقَعَ فِي الْبِئْرِ ذَنَبُ فَأْرَةٍ يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعَ فِيهِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ نَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ بِخِلَافِ الْفَأْرَةِ فَإِنْ غَلَبَهُمْ الْمَاءُ فِي مَوْضِعٍ، وَجَبَ نَزْحُ جَمِيعِ الْمَاءِ فَالْمَرْوِيُّ
[ ١ / ٥٨ ]
عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا نُزِحَ مِنْهَا مِائَةُ دَلْوٍ يَكْفِي، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى آبَارِ الْكُوفَةِ لِقِلَّةِ الْمَاءِ فِيهَا.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ يُنْزَحُ مِنْهَا ثَلَاثُمِائَةِ دَلْوٍ، أَوْ مِائَتَا دَلْوٍ، وَإِنَّمَا أَجَابَ بِهَذَا بِنَاءً عَلَى كَثْرَةِ الْمَاءِ فِي آبَارِ بَغْدَادَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُنْزَحُ قَدْرُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى عُمْقِ الْبِئْرِ، وَعَرْضِهِ فَيُحْفَرُ حَفِيرَةٌ مِثْلُهَا، وَيُصَبُّ مَا يُنْزَحُ فِيهَا فَإِذَا امْتَلَأَتْ فَقَدْ نَزَحَ مَا كَانَ فِيهَا.
وَقِيلَ يُرْسِلُ قَصَبَةً فِي الْمَاءِ، وَيَجْعَلُ عَلَى مَبْلَغِهِ عَلَامَةً، ثُمَّ يَنْزَحُ عَشْرَ دِلَاءٍ، ثُمَّ يُرْسِلُ الْقَصَبَةَ ثَانِيًا فَيَنْظُرُ كَمْ اُنْتُقِصَ فَإِنْ اُنْتُقِصَ الْعَشْرُ عَلِمَ أَنَّ الْبِئْرَ مِائَةُ دَلْوٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا رَجُلَانِ لَهُمَا بَصَرٌ فِي الْمَاءِ فَبِأَيِّ مِقْدَارٍ قَالَا فِي الْبِئْرِ يُنْزَحُ ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ فَإِنْ كَانَ تَوَضَّأَ رَجُلٌ مِنْهَا بَعْدَ مَا مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فِيهَا فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَوَاتِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَاءِ النَّجِسِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي مَتَى وَقَعَ فِيهَا، وَقَدْ كَانَ وُضُوءُهُ مِنْ ذَلِكَ الْبِئْرِ فَإِنْ كَانَتْ مُنْتَفِخَةً أَعَادَ صَلَاةً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَيَالِيهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - احْتِيَاطًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُنْتَفِخَةٍ يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْهَا، وَهُوَ فِيهَا، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَا؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَةِ الْبِئْرِ فِيمَا مَضَى، وَفِي شَكٍّ مِنْ نَجَاسَتِهِ، وَالْيَقِينُ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ كَمَنْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً لَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ لِهَذَا، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ أَوَّلًا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى رَأَى طَائِرًا فِي مِنْقَارِهِ فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ، وَأَلْقَاهَا فِي بِئْرٍ فَرَجَعَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ لَا يُعِيدُ شَيْئًا مِنْ الصَّلَاةِ بِالشَّكِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: ظَهَرَ لِمَوْتِ الْفَأْرَةِ سَبَبٌ، وَهُوَ وُقُوعُهَا فِي الْبِئْرِ فَيُحَالُ مَوْتُهَا عَلَيْهِ كَمَنْ جَرَحَ إنْسَانًا فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ يُحَالُ مَوْتُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ السَّبَبِ، ثُمَّ الِانْتِفَاخُ دَلِيلُ تَقَادُمِ الْعَهْدِ، وَأَدْنَى حَدِّ التَّقَادُمِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ مَنْ دُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يُصَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَفَسَّخُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَقَوْلُهُمَا: إنَّ فِي نَجَاسَةِ الْبِئْرِ فِيمَا مَضَى شَكًّا قُلْنَا يُؤَيِّدُ هَذَا الشَّكُّ تَيَقُّنِ النَّجَاسَةِ فِي الْحَالِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ، وَالْقَوْلُ بِهِ لِلِاحْتِيَاطِ فِيهِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ قَالَ مُعَلَّى: الْخِلَافُ فِيهِمَا، وَاحِدٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ بَالِيَةً يُعِيدُ صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَيَالِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ طَرِيَّةً يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ، وَمَنْ سَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فَقَالَ الثَّوْبُ كَانَ يَقَعَ بَصَرُهُ
[ ١ / ٥٩ ]
عَلَيْهِ فِي كُلِّ، وَقْتٍ فَلَوْ كَانَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فِيمَا مَضَى لَرَآهَا فَأَمَّا الْبِئْرُ فَمُغَيَّبٌ عَنْ بَصَرِهِ، وَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الِاحْتِيَاطِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُنْتَفِخَةٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - يُعِيدُ صَلَاةَ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ أَمَرْنَاهُ بِإِعَادَةِ صَلَاةِ يَوْمٍ، وَلَيْلَةٍ احْتِيَاطًا.
(وَإِذَا صَلَّى، وَفِي ثَوْبِهِ مِنْ الرَّوْثِ، أَوْ السِّرْقِينِ، أَوْ بَوْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الدَّوَابِّ، أَوْ خُرْءِ الدَّجَاجَةِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ)، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِيهِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَيْهِ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ قَالَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ كَالطَّهَارَةِ عَنْ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ فَكَمَا أَنَّ الشَّرْطَ يَنْعَدِمُ بِالْقَلِيلِ مِنْ الْحَدَثِ، وَكَثِيرِهِ فَكَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِالْقَلِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَكَثِيرِهَا.
وَحُجَّتُنَا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ فَقَالَ: إنْ كَانَ مِثْلَ ظُفْرِي هَذَا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ الذُّبَابَ يَقَعْنَ عَلَى النَّجَاسَاتِ، ثُمَّ يَقَعْنَ عَلَى ثِيَابِ الْمُصَلِّي، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَجْنِحَتِهِنَّ، وَأَرْجُلِهِنَّ نَجَاسَةٌ فَجَعَلَ الْقَلِيلَ عَفْوًا لِهَذَا بِخِلَافِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ لَا بَلْوَى فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ، وَالْكَثِيرِ. ثُمَّ إنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَانُوا يَكْتَفُونَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ، وَقَلَّمَا يَتَطَيَّبُونَ بِالْمَاءِ، وَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ حَتَّى لَوْ جَلَسَ بَعْدَهُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَهُ فَاكْتِفَاؤُهُمْ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ، وَلِهَذَا قَدَّرْنَا بِالدِّرْهَمِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ عَنْ مَوْضِعِ خُرُوجِ الْحَدَثِ هَكَذَا قَالَ النَّخَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَاسْتَقْبَحُوا ذِكْرَ الْمَقَاعِدِ فِي مَجَالِسِهِمْ فَكَنُّوا عَنْهُ بِالدِّرْهَمِ.، وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَقُولُ إذَا بَلَغَ مِقْدَارُ الدِّرْهَمِ مَنَعَ جَوَازَ الصَّلَاةِ.، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ لَا يَمْنَعُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَأَخَذْنَا بِهَذَا لِأَنَّهُ أَوْسَعُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَنْ هُوَ مَبْطُونٌ، وَلَوَثُ الْمَبْطُونِ أَكْثَرُ، وَمَعَ هَذَا كَانُوا يَكْتَفُونَ بِالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ، وَالدِّرْهَمُ أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنْ النَّقْدِ الْمَعْرُوفِ فَأَمَّا الْمُنْقَطِعُ مِنْ النُّقُودِ كَالسُّهَيْلِيِّ، وَغَيْرِهِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يُعْتَبَرُ بِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالتَّقْدِيرُ بِالدِّرْهَمِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَى نَجَاسَتِهِ كَالْخَمْرِ، وَالْبَوْلِ، وَخُرْءِ الدَّجَاجِ، وَفِي الْخُرْءِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِ مِثْقَالٍ، وَلَا عَرَضَ لَهُ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ أَيْضًا.
فَأَمَّا الرَّوْثُ، وَالسِّرْقِينِ فَنَقُولُ: رَوْثُ مَا لَا يُؤْكَلُ سَوَاءٌ، وَهُوَ نَجِسٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ مَالِكٌ - ﵀ - رَوْثُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الشُّبَّانَ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي
[ ١ / ٦٠ ]
السَّفَرِ كَانُوا يَتَرَامَوْنَ بِالْجِلَّةِ فَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ يَمَسُّوهَا، وَقَالَ؛ لِأَنَّهُ وُقُودُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْتَعْمِلُونَهُ اسْتِعْمَالَ الْحَطَبِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - طَلَب مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَحْجَارًا لِلِاسْتِنْجَاءِ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَأَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ، وَرَوْثَةٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ، وَرَمَى بِالرَّوْثَةِ، وَقَالَ أَنَّهَا رِكْسٌ أَيْ نَجِسٌ».
وَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ - ﵀ - لِمَ قُلْت بِطَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَلَمْ تَقُلْ بِطَهَارَةِ رَوْثِهِ قَالَ: لَمَّا قُلْت بِطَهَارَتِهِ أَجَزْت شُرْبَهُ فَلَوْ قُلْت بِطَهَارَةِ رَوْثِهِ لَأَجَزْت أَكْلَهُ، وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ بِهَذَا، ثُمَّ التَّقْدِيرُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - بِالدِّرْهَمِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ، وَقَالَ زُفَرُ فِي رَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا لَمْ يَمْنَعْ، وَفِي رَوْثِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ الْجَوَابُ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ -، وَاعْتَبَرَ الرَّوْثَ بِالْبَوْلِ فَقَالَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ التَّقْدِيرُ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ فَكَذَلِكَ فِي رَوْثِهِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا فِي الْأَرْوَاثِ بَلْوًى، وَضَرُورَةٌ خُصُوصًا لِسَائِرِ الدَّوَابِّ، وَلِلْبَلْوَى تَأْثِيرٌ فِي تَخْفِيفِ حُكْمِ النَّجَاسَةِ فَكَانَ التَّقْدِيرُ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - ﵀ - يَقُولُ: الرَّوْثُ مَنْصُوصٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ كَمَا رَوَيْنَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَتَتَغَلَّظُ نَجَاسَتُهُ، وَلَا يُعْفَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ كَالْخَمْرِ، وَالْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ فَإِنَّ الْبَلْوَى لِلْآدَمِيِّ فِي بَوْلِهِ أَكْثَرُ، وَكَذَا فِي بَوْلِ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ يَتَرَشَّشُ فَيُصِيبُ الثِّيَابَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي الرَّوْثِ، وَإِنْ كَانَ فَاحِشًا لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَهَذَا آخِرُ أَقَاوِيلِهِ حِينَ كَانَ بِالرَّيِّ، وَكَانَ الْخَلِيفَةُ بِهَا فَرَأَى الطُّرُقَ، وَالْخَانَاتِ مَمْلُوءَةً مِنْ الْأَرْوَاثِ، وَلِلنَّاسِ فِيهِ بَلْوًى عَظِيمَةً فَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ لِهَذَا.
قَالَ (، وَأَدْنَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبِئْرِ، وَالْبَالُوعَةِ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَالنَّوَادِرِ، وَالْأَمَالِي)، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيرٌ لَازِمٌ بِشَيْءٍ إنَّمَا الشَّرْطُ أَنْ لَا يَخْلُصَ مِنْ الْبَالُوعَةِ، وَالْبِئْرِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَرَاضِيِ فِي الصَّلَابَةِ، وَالرَّخَاوَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَذْرُعٍ فَوُجِدَ فِي الْمَاءِ رِيحُ الْبَوْلِ، أَوْ طَعْمُهُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْخُلُوصُ.
(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ فِي إنَاءٍ، وَاحِدٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -، وَقَدْ رَوَيْنَاهُ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَفْعَلَا مَعًا فَكَذَلِكَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ.
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -
[ ١ / ٦١ ]
اغْتَسَلَتْ مِنْ إنَاءٍ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ فَقَالَتْ إنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَقَالَ - ﵊ - «الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ»، وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - «نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ وُضُوءِ الرَّجُلِ» شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَكُونُ حُجَّةً.
(وَإِذَا نَسِيَ الْمَضْمَضَةَ، وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي الْجَنَابَةِ حَتَّى صَلَّى لَمْ يُجْزِهِ)، وَهُوَ عِنْدَنَا الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ فَرْضَانِ فِي الْجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُنَّتَانِ فِيهِمَا، وَقَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فَرْضَانِ فِيهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِنْشَاقَ دُونَ الْمَضْمَضَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَلَيْهَا فِي الْوُضُوءِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ كَانَ يُوَاظِبُ فِي الْعِبَادَاتِ عَلَى مَا فِيهِ تَحْصِيلُ الْكَمَالِ كَمَا يُوَاظِبُ عَلَى الْأَرْكَانِ.
وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَمَرَ بِتَطْهِيرِ أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ لَا تَجُوزُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسْخُ، وَعَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْأَعْرَابِيَّ الْوُضُوءَ، وَلَمْ يَذْكُرْهُمَا فِيهِ. وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وَالْإِطْهَارُ إمْرَارُ الطَّهُورِ عَلَى الظَّوَاهِرِ مِنْ الْبَدَنِ، وَالْفَمِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّائِمَ إذَا ابْتَلَعَ بُزَاقَهُ لَمْ يَضُرَّهُ، وَبِدَلِيلِ الْوُضُوءِ فَالْفَمُ، وَالْأَنْفُ مَوْضِعُهُمَا الْوَجْهُ، وَالْغُسْلُ فَرْضٌ فِيهِمَا.
وَبِدَلِيلِ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَضْمَضَةٌ، وَلَا اسْتِنْشَاقٌ، وَإِمَامُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فَإِنَّهُ قَالَ: هُمَا فَرْضَانِ فِي الْجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ، وَقَالَ - ﷺ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ أَلَا فَبُلُّوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ»، وَفِي الْفَمِ بَشَرَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ الْبَشَرَةُ الْجِلْدَةُ الَّتِي تَقِي اللَّحْمَ مِنْ الْأَذَى، وَقَالَ - ﷺ - «مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ فِي الْجَنَابَةِ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِالنَّارِ» كَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت شَعْرِي، وَفِي الْأَنْفِ شَعَرَاتٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِلْفَمِ حُكْمَيْنِ حُكْمُ الظَّاهِرِ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى إذَا أَخَذَ الصَّائِمُ الْمَاءَ بِفِيهِ لَمْ يَضُرَّهُ، وَحُكْمُ الْبَاطِنِ مِنْ وَجْهٍ كَمَا قَالَ فَفِيمَا يَعُمُّ جَمِيعَ الظَّاهِرِ أَلْحَقْنَاهُ بِالظَّاهِرِ، وَفِيمَا يَخُصُّ بَعْضَهُ أَلْحَقْنَاهُ بِالْبَاطِنِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ بَعْضَ مَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَفْوًا فَمَا هُوَ بَاطِنٌ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ تَحِلُّ الْفَمَ، وَالْأَنْفَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْجُنُبَ مَمْنُوعٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
وَالْحَدَثُ لَا يَحِلُّهُمَا بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفِي غُسْلِ الْمَيِّتِ سُقُوطُ الْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ لِلتَّعَذُّرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ كَبَّهُ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَاءُ مِنْ فِيهِ، وَبِدُونِهِ يَكُونُ سُقْيًا لَا مَضْمَضَةَ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْفَرَائِضِ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى إذَا قَهْقَهَ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ
[ ١ / ٦٢ ]
لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ الْمَسْنُونِ صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا قَهْقَهَ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَقِّلًا فَعَلَيْهِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَإِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ أَخَذَهُ مِنْ لِحْيَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنَّ الْمَاءَ إذَا فَارَقَ عُضْوَهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخَذَ الْمَاءَ مِنْ لِحْيَتِهِ، وَاسْتَعْمَلَهُ فِي لُمْعَةٍ رَآهَا» تَأْوِيلُهُ فِي الْجَنَابَةِ، وَجَمِيعُ الْبَدَنِ فِي الْجَنَابَةِ كَعُضْوٍ، وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ فِي كَفِّهِ بَلَلٌ فَمَسَحَهُ بِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي بَقِيَ فِي كَفِّهِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فَهُوَ كَالْبَاقِي فِي إنَائِهِ، وَقَالَ الْحَاكِمُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَعْمَلَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَغْسُولَاتِ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْغُسْلِ تَأَدَّى بِمَا جَرَى عَلَى عُضْوِهِ لَا بِالْبِلَّةِ الْبَاقِيَةِ فِي كَفِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَلَهُ فِي الْمَسْحِ بِالْخُفِّ، وَحِينَئِذٍ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْحِ يَتَأَدَّى بِالْبِلَّةِ.
قَالَ، وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِأُصْبُعٍ، وَلَا بِأُصْبُعَيْنِ، وَيُجْزِئُهُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي فُصُولٍ: أَحَدُهُمَا فِي قَدْرِ الْمَفْرُوضِ مِنْ مَسْحِ الرَّأْسِ فَفِي الْأَصْلِ ذَكَرَ قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَفِي مَوْضِعٍ النَّاصِيَةَ، وَفِي مَوْضِعٍ رُبُعَ الرَّأْسِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، وَلَوْ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَفْرُوضُ مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَكْثَرُ الرَّأْسِ، وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ «بِفِعْلِ رَسُولِ - ﷺ - فَإِنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا أَقْبَلَ بِهِمَا، وَأَدْبَرَ»، وَبِهِ اسْتَدَلَّ الْحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا أَنَّهُ قَالَ: الْأَكْثَرُ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِعْلَهُ - ﷺ - لَا يَدُلُّ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِإِكْمَالِ الْفَرِيضَةِ، وَاعْتَبَرَ الْمَمْسُوحَ بِالْمَغْسُولِ، وَهُوَ فَاسِدٌ فَإِنَّ الْمَسْحَ بُنِيَ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى التَّبْعِيضِ فِي الْمَسْحِ، وَهُوَ حَرْفُ الْبَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الْبَعْضِ كَمَا يُقَالُ كَتَبْت بِالْقَلَمِ، وَضَرَبْت بِالسَّيْفِ أَيْ بِطَرَفٍ مِنْهُ.
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ يَتَأَدَّى بِأَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَنْ مَسَحَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ لَا يُقَالُ إنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ عَادَةً، وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَعْضِ، وَهُوَ مُجْمَلٌ فِي مِقْدَارِ ذَلِكَ الْبَعْضِ بَيَانُهُ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ فَحَسَرَ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ»، وَذَلِكَ الرُّبُعُ فَإِنَّ الرَّأْسَ نَاصِيَةٌ، وَقَذَالٌ، وَفَوْدَانٌ، وَلِأَنَّ الرُّبُعَ بِمَنْزِلَةِ الْكَمَالِ فَإِنَّ مَنْ رَأَى وَجْهَ إنْسَانٍ يَسْتَجِيزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ رَأَيْت فُلَانًا، وَإِنَّمَا رَأَى أَحَدَ
[ ١ / ٦٣ ]
جَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ.
إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: ذُكِرَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ أَنَّهُ إذَا وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ، وَلَمْ يُمِرَّهَا جَازَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرَّأْسِ وَالْخُفِّ، وَلَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يُمِرَّهَا بِقَدْرِ مَا تُصِيبُ الْبِلَّةُ مِقْدَارَ رُبُعِ الرَّأْسِ فَهُمَا اعْتَبَرَا الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَبَرَ الْمَمْسُوحَ بِهِ، وَهُوَ عَشْرَةُ أَصَابِعَ، وَرُبُعُهَا أُصْبُعَانِ، وَنِصْفٌ إلَّا أَنَّ الْأُصْبُعَ الْوَاحِدَ لَا يَتَجَزَّأُ فَجَعَلَ الْمَفْرُوضَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ لِهَذَا، وَإِنْ مَسَحَ بِأُصْبُعٍ، أَوْ بِأُصْبُعَيْنِ لَمْ يُجْزِهِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ إذَا مَسَحَ بِهِ مِقْدَارَ رُبُعِ الرَّأْسِ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ إصَابَةُ الْبِلَّةِ دُونَ الْأَصَابِعِ حَتَّى لَوْ أَصَابَ رَأْسَهُ مَاءُ الْمَطَرِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَسْحِ.
(وَلَنَا) أَنَّهُ كُلَّمَا وَضَعَ الْأَصَابِعَ صَارَ مُسْتَعْمِلًا فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِهِ بِالْإِمْرَارِ فَإِنْ قِيلَ إذَا وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ، وَمَسَحَ بِهَا جَمِيعَ رَأْسِهِ جَازَ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْفَرْضِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَكَذَلِكَ إقَامَةُ السُّنَّةِ بِالْمَمْسُوحِ. قُلْنَا: الرَّأْسُ تُفَارِقُ الْمَغْسُولَاتِ فِي الْمَفْرُوضِ دُونَ الْمَسْنُونِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ فِي الْمَسْنُونِ يَسْتَوْعِبُ الْحُكْمُ جَمِيعَ الرَّأْسِ كَمَا فِي الْمَغْسُولَاتِ فَكَمَا أَنَّ فِي الْمَغْسُولَاتِ الْمَاءُ فِي الْعُضْوِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ إقَامَةِ السُّنَّةِ فِي الْمَمْسُوحِ، إلَى هَذَا الطَّرِيقِ يُشِيرُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى قَالَ فِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ لَوْ أَعَادَ الْأُصْبُعَ إلَى الْمَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَجُوزُ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ مَسَحَ بِأُصْبُعِهِ بِجَوَانِبِهِ الْأَرْبَعَةِ يَجُوزُ، وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّ الطَّرِيقَةَ غَيْرُ هَذَا فَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّيَمُّمِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ بِأُصْبُعٍ، أَوْ بِأُصْبُعَيْنِ لَا يَجُوزُ فَالِاسْتِيعَابُ هُنَاكَ فَرْضٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا، وَلَكِنَّ الْوَجْهَ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ فَأَكْثَرُ الْأَصَابِعِ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ فَإِذَا اسْتَعْمَلَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، أَوْ الْخُفِّ، أَوْ التَّيَمُّمِ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ كَانَ كَالْمَاسِحِ بِجَمِيعِ يَدِهِ فَيَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ كَانَ شَعْرُهُ طَوِيلًا فَمَسَحَ مَا تَحْتَ أُذُنَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ مَسَحَ مَا فَوْقَهُمَا أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الشَّعْرِ بِمَنْزِلَةِ الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ الَّتِي تَحْتَهُ، وَمَا تَحْتَ الْأُذُنَيْنِ عُنُقٌ، وَمَا فَوْقَهُمَا رَأْسٌ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَمْسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ، وَمَا أَدْبَرَ مَعَ الرَّأْسِ، وَإِنْ غَسَلَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مَعَ الْوَجْهِ جَازَ؛ لِأَنَّ فِي الْغُسْلِ مَسْحًا، وَزِيَادَةً، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ، وَالْفَرْضُ فِي الرَّأْسِ الْمَسْحُ بِالنَّصِّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُمَا عَلَى الرَّأْسِ، وَاعْتُبِرَا بِآذَانِ الْكِلَابِ، وَالسَّنَانِيرِ، وَالْفِيلِ، وَمَنْ فَغَرَ فَاهُ فَيَزُولُ عَظْمُ اللَّحْيَيْنِ عَنْ عَظْمِ الرَّأْسِ، وَتَبْقَى الْأُذُنُ مَعَ الرَّأْسِ، وَعَلَى هَذَا قُلْنَا لَا يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً
[ ١ / ٦٤ ]
جَدِيدًا.، وَاسْتَدَلَّ بِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ، وَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا»، وَقَالَ؛ لِأَنَّ الْأُذُنَ مَعَ الرَّأْسِ كَالْفَمِ، وَالْأَنْفِ مَعَ الْوَجْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ لِلْمَضْمَضَةِ، وَالِاسْتِنْشَاقِ مَاءً جَدِيدًا سِوَى مَا يُقِيمُ بِهِ فَرْضَ غَسْلِ الْوَجْهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَأُذُنَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ». فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بَيَانُ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ مُشَاهَدٌ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى بَيَانِهِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ كَالرَّأْسِ، وَهَذَا بَعِيدٌ فَاتِّفَاقُ الْعُضْوَيْنِ فِي الْفَرْضِ لَا يُوجِبُ إضَافَةَ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا مَمْسُوحَانِ بِالْمَاءِ الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْسَ، وَتَأْوِيلُ مَا رَوَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي كَفِّهِ بِلَّةٌ فَلِهَذَا أَخَذَ فِي أُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ - ﵀ - فِي الْمُنْتَقَى إذَا أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ الْمَاءِ فَتَمَضْمَضَ بِهَا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ أَجْزَأَهُ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ قُلْنَا: الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ مُقَدَّمَانِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ فَإِذَا أَقَامَهُمَا بِمَاءٍ، وَاحِدٍ كَانَ الْمَفْرُوضُ تَبَعًا لِلْمَسْنُونِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَهَا هُنَا إذَا أَقَامَهُمَا بِمَاءٍ، وَاحِدٍ يَكُونُ الْمَسْنُونُ تَبَعًا لِلْمَفْرُوضِ، وَذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ.
قَالَ (وَإِنْ مَسَحَ أُذُنَيْهِ دُونَ رَأْسِهِ لَمْ يُجْزِهِ)؛ لِأَنَّهُ تَرْكَ الْمَفْرُوضِ، وَالْمَسْنُونُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَفْرُوضِ (فَإِنْ قِيلَ) لَكُمْ أَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ (قُلْنَا) هُمَا مِنْ الرَّأْسِ، وَلَيْسَا بِرَأْسٍ كَالثِّمَارِ مِنْ الشَّجَرَةِ، وَلَيْسَتْ بِشَجَرَةٍ، وَالْوَاحِدُ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَلَيْسَ بِعَشْرَةٍ، وَالْفِقْهُ فِيهِ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَكَوْنُ الْآذَانِ مِنْ الرَّأْسِ ثَابِتٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ مَا يَثْبُتُ بِالنَّصِّ كَمَنْ اسْتَقْبَلَ الْحَطِيمَ بِالصَّلَاةِ فَلَا تُجْزِئُهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَطِيمُ مِنْ الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَكَوْنُ الْحَطِيمِ مِنْ الْبَيْتِ ثَابِتٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ.
(وَمَنْ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ، أَوْ نَتَفَ إبْطَيْهِ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، أَوْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمَسَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءُ، وَلَا أَنْ يُجَدِّدَ وُضُوءَهُ)، وَكَانَ ابْنُ جَرِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَكَانَ إبْرَاهِيمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ»، وَفِعْلُهُ هَذَا تَطْهِيرٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَدَثًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ مَا ازْدَادَ إلَّا طُهْرًا، وَنَظَافَةً.
قَالَ (ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الشَّعْرِ مِثْلُ الْمَسْحِ عَلَى الْبَشَرَةِ الَّتِي تَحْتَهُ) لَا أَنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأُصْبُعَ إذَا مَسَحَ عَلَى الشَّعْرِ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ فَكَانَ جَزُّ الشَّعْرِ بَعْدَ الْمَسْحِ كَتَقْشِيرِ
[ ١ / ٦٥ ]
الْجِلْدِ عَنْ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ بَعْدَ الْغُسْلِ فَكَمَا لَا يَلْزَمُهُ إمْرَارُ الْمَاءِ ثَمَّةَ فَكَذَلِكَ هُنَا بِخِلَافِ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ إذَا نَزَعَهُمَا فَإِنَّ الْمَسْحَ لَمْ يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الْغُسْلِ، وَلَكِنَّ اسْتِتَارَ الْقَدَمِ بِالْخُفِّ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رِجْلُهُ بَادِيًا، وَقْتَ الْحَدَثِ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ فَبِخَلْعِ الْخُفِّ يَسْرِي الْحَدَثُ إلَى الْقَدَمِ.
قَالَ (وَكَذَلِكَ إنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَنَا)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا مَسَّ بِبَاطِنِ كَفِّهِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَالرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةُ فِي مَسِّ الْفَرْجِ سَوَاءٌ عِنْدَهُ لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَقَالَتْ: إنْ كَانَتْ تَرَى مَاءً هُنَالِكَ فَلْتَتَوَضَّأْ، وَلِأَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ سَبَبٌ لِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَذْيِ فَيُجْعَلُ بِهِ كَالْمُمْذِي كَمَا أَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَنِيِّ جُعِلَ بِهِ كَالْمُمْنِي، وَإِقَامَةُ السَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ «قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَمَّنْ مَسَّ ذَكَرَهُ هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَقَالَ لَا هَلْ هُوَ إلَّا بَضْعَةً مِنْكَ، أَوْ قَالَ جِذْوَةً مِنْكَ».
وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِثْلُ قَوْلِنَا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْكَ نَجِسًا فَاقْطَعْهُ (وَقَالَ) بَعْضُهُمْ مَا أُبَالِي أَمَسِسْته أَمْ أَنْفِي، وَهُوَ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، أَوْ نَجِسًا، وَلَيْسَ فِي مَسِّ شَيْءٍ مِنْ الطَّاهِرَاتِ، وَلَا مِنْ النَّجَاسَاتِ وُضُوءٌ، وَلَوْ مَسَّ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَمْ يُنْتَقَضْ بِهِ وُضُوءُهُ، وَإِقَامَةُ السَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمَعْنَى الْخَفِيُّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الْخَفِيِّ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا فَإِنَّ الْمَذْيَ يُرَى، وَيُشَاهَدُ، وَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ عِنْدَهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى الْمَاسِّ دُونَ الْمَمْسُوسِ ذَكَرَهُ، وَاسْتِطْلَاقُ وِكَاءِ الْمَذْي هُنَا يَنْبَغِي فِي حَقِّ الْمَمْسُوسِ ذَكَرُهُ، وَحَدِيثُ بُسْرَةَ لَا يَكَادُ يَصِحُّ فَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثَلَاثٌ لَا يَصِحُّ فِيهِنَّ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنْهَا هَذَا، وَمَا بَالُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَمْ يَقُلْ هَذَا بَيْنَ يَدَيْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ حَتَّى لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بَيْنَ يَدَيْ بُسْرَةَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَشَدُّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَلَوْ ثَبَتَ فَتَأْوِيلُهُ: مَنْ بَالَ، فَجَعَلَ مَسَّ الذَّكَرِ عَنْ الْبَوْلِ؛ لِأَنَّ مَنْ يَبُولُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ عَادَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]، وَالْغَائِطُ هُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ كَنَّى بِهِ عَنْ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي
[ ١ / ٦٦ ]
مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَادَةً، أَوْ الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدِ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي قَوْله - ﷺ - «الْوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ، وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ»، وَالْمُرَادُ مِنْهُ غَسْلُ الْيَدِ (قَالَ)، وَكَذَلِكَ إذَا نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَبِمُجَرَّدِ النَّظَرِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ، وَالتَّفْكِيرُ سَوَاءٌ. .
قَالَ (وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ) لِقَوْلِهِ - ﷺ - «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» يَعْنِي الِاغْتِسَالَ مِنْ الْمَنِيِّ، وَمُرَادُهُ إذَا خَرَجَ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ، وَالشَّهْوَةِ فَإِنْ خَرَجَ لَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِحَمْلِهِ شَيْئًا ثَقِيلًا، أَوْ سُقُوطِهِ عَلَى ظَهْرِهِ يَلْزَمُهُ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعُمُومِ الْحَدِيثِ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ بِصِفَةِ خُرُوجِ الْمَذْيِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَذْي فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - مُفَارَقَةُ الْمَنِيِّ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَالدَّفْقِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُعْتَبَرُ ظُهُورُهُ. بَيَانُهُ فِي فَصْلَيْنِ.: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَنْ احْتَلَمَ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ حَتَّى سَكَنَتْ شَهْوَتُهُ، ثُمَّ سَالَ مِنْهُ الْمَنِيُّ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ عِنْدَهُمَا، وَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُجَامِعَ إذَا اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ، ثُمَّ سَالَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ فَعَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَهُمَا ثَانِيًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
قَالَ (، وَفِي الْمَذْي الْوُضُوءُ) لِحَدِيثِ «عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ كُنْتُ فَحْلًا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْت أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لِمَكَانِ ابْنَتِهِ تَحْتِي فَأَمَرْت الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ حَتَّى سَأَلَهُ فَقَالَ كُلُّ فَحْلٍ يُمْذِي، وَفِيهِ الْوُضُوءُ» وَكَذَلِكَ الْوَدْيُ فَإِنَّهُ الْغَلِيظُ مِنْ الْبَوْلِ فَهُوَ كَالرَّقِيقِ مِنْهُ، ثُمَّ فَسَّرَ هَذِهِ الْمِيَاهَ فَقَالَ (الْمَنِيُّ خَائِرٌ أَبْيَضُ يَنْكَسِرُ مِنْهُ الذَّكَرُ)، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِهِ أَنَّ لَهُ رَائِحَةَ الطَّلْعِ (، وَالْمَذْيُ رَقِيقٌ يَضْرِبُ إلَى الْبَيَاضِ يَخْرُجُ عِنْدَ مُلَاعَبَةِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ، وَالْوَدْيُ رَقِيقٌ يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ الْبَوْلِ)، وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْمِيَاهِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
قَالَ (وَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْقُبْلَةِ، وَمَسُّ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ، أَوْ غَيْرِ شَهْوَةٍ)، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَهُوَ اخْتِلَافٌ مُعْتَبَرٌ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ حَتَّى قِيلَ يَنْبَغِي لِمَنْ يَؤُمُّ النَّاسَ أَنْ يَحْتَاطَ فِيهِ، وَقَالَ مَالِكٌ - ﵀ - إنْ كَانَ عَنْ شَهْوَةٍ يَجِبُ، وَإِلَّا فَلَا فَالشَّافِعِيُّ - ﵀ - اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿، أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وَحَقِيقَةُ الْمَسِّ بِالْيَدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧]، وَلَا يُعَارِضُ الْقِرَاءَةَ.
(أَلَا تَرَى) قَوْلَهُ ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ﴾ [النساء: ٤٣] فَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِتِلْكَ الْقِرَاءَةِ الْجِمَاعُ
[ ١ / ٦٧ ]
فَيُعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّ التَّقْبِيلَ، وَالْمَسَّ سَبَبٌ لِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَذْيِ فَيُقَامُ مَقَامَ خُرُوجِ الْمَذْيِ حَقِيقَةً فِي إيجَابِ الْوُضُوءِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَةِ كَمَا فَعَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ انْصَرَفَ يَوْمًا مِنْ صَلَاتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ رَأَوْهُ يُصَلِّي فِي آخِرِ الصُّفُوفِ فَقَالَ إنِّي تَوَضَّأْت فَمَرَّتْ بِي جَارِيَتِي رُومِيَّةٌ فَقَبَّلْتهَا فَلَمَّا اُفْتُتِحَتْ الصَّلَاةُ، وَجَدْتُ مَذْيًا فَقُلْت أَمْضِي فِي صَلَاتِي حَيَاءً مِنْكُمْ قُلْت لَأَنْ أُرَاقِبُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أُرَاقِبَكُمْ فَانْصَرَفْت، وَتَوَضَّأْت فَهَذَا دَلِيلُ رُجُوعِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ لِأَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بَعْدَ التَّقْبِيلِ حَتَّى إذَا أَحَسَّ بِالْمَذْيِ انْصَرَفَ، وَتَوَضَّأَ، وَلِأَنَّ عَيْنَ الْمَسِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِدَلِيلِ مَسِّ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَبَقِيَ الْحَدَثُ مَا يَخْرُجُ عِنْدَ الْمَسِّ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إقَامَةِ السَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَهُ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْمُرَادُ بِالْمَسِّ الْجِمَاعُ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ يُكَنِّي بِالْحَسَنِ عَنْ الْقَبِيحِ كَمَا كَنَّى بِالْمَسِّ عَنْ الْجِمَاعِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى ﴿، وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وَالْمُرَادُ الْجِمَاعُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْجِمَاعِ كَانَ ذِكْرًا لِلْحَدَثِ الْكُبْرَى بَعْدَ ذِكْرِ الْحَدَثِ الصُّغْرَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] فَأَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ كَانَ تَكْرَارًا مَحْضًا.
قَالَ (فَإِنْ بَاشَرَهَا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا ثَوْبٌ فَانْتَشَرَ لَهَا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - اسْتِحْسَانًا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ كَالتَّقْبِيلِ، وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ مَنْ بَلَغَ فِي الْمُبَاشَرَةِ هَذَا الْمَبْلَغَ خُرُوجُ الْمَذْيِ مِنْهُ حَقِيقَةً فَيُجْعَلُ كَالْمُمْذِي بِنَاءً لِلْحُكْمِ عَلَى الْغَالِبِ دُونَ النَّادِرِ كَمَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ تَيَقَّنَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ فِي الْمِصْرِ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمَ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ أَنَّ الْمَاءَ فِي الْمِصْرِ لَا يَعْدَمُ، وَفَسَّرَ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْمُبَاشَرَةَ الْفَاحِشَةَ بِأَنْ يُعَانِقَهَا، وَهُمَا مُتَجَرِّدَانِ، وَيَمَسَّ ظَاهِرُ فَرْجِهِ ظَاهِرَ فَرْجِهَا.
قَالَ (وَإِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ، وَغَابَتْ الْحَشَفَةُ، وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ، أَوْ لَمْ يُنْزِلْ)، وَهُوَ قَوْلُ الْمُهَاجِرِينَ عُمَرَ وَعَلِيّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَأَمَّا الْأَنْصَارُ كَأَبِي سَعِيدٍ وَحُذَيْفَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالُوا
[ ١ / ٦٨ ]
لَا يَجِبُ الِاغْتِسَالُ بِالْإِكْسَالِ مَا لَمْ يُنْزِلْ، وَبِهِ أَخَذَ سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - ﷺ - «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ».
(وَلَنَا) حَدِيثٌ شَاذٌّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ أَنْزَلَ، أَوْ لَمْ يُنْزِلْ»، وَهُوَ قَوْلُ الْمُهَاجِرِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْأَصَحُّ «أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمْ يُسَوِّغْ لِلْأَنْصَارِ هَذَا الِاجْتِهَادَ حَتَّى قَالَ لِزَيْدٍ أَيْ عَدُوَّ نَفْسِكَ مَا هَذِهِ الْفَتْوَى الَّتِي تَقَشَّعَتْ عَنْكَ فَقَالَ سَمِعْت عُمُومَتِي مِنْ الْأَنْصَارِ يَقُلْنَ ذَلِكَ فَجَمَعَهُنَّ عُمَرُ، وَسَأَلَهُنَّ فَقُلْنَ كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَلَا نَغْتَسِلُ فَقَالَ عُمَرُ، أَوَ كَانَ يَعْلَمُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ؟ - ﷺ - فَقُلْنَ: لَا، فَقَالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَبَعَثَ إلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ فَعَلْت ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَاغْتَسَلْنَا فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِزَيْدٍ لَئِنْ عُدْت إلَى هَذَا لَأَذَيْتُكَ»، وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ سَبَبٌ لِاسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَنِيِّ عَادَةً فَقَامَ مَقَامَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ مَغِيبٌ عَنْ بَصَرِهِ فَرُبَّمَا لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ لَمَّا خَرَجَ لِقِلَّتِهِ فَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الِاحْتِيَاطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَالَ (وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مَا لَمْ يُنْزِلْ)؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الْفَرْجِ لَيْسَ نَظِيرَ الْفَرْجِ فِي اسْتِطْلَاقِ وِكَاءِ الْمَنِيِّ بِمَسِّهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْحَدِّ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْإِكْسَالِ فَقَالَ يُوجِبُ فِيهِ الْحَدَّ، وَلَا يُوجِبُ فِيهِ صَاعًا مِنْ مَاءٍ.
قَالَ (وَمَنْ احْتَلَمَ، وَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّهُ تَفَكَّرَ فِي النَّوْمِ فَهُوَ كَالتَّفَكُّرِ فِي الْيَقَظَةِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْإِنْزَالُ (قَالَ) فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ، وَلَكِنَّهُ اسْتَيْقَظَ فَوَجَدَ عَلَى فَخِذِهِ، أَوْ فِرَاشِهِ مَذْيًا فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - احْتِيَاطًا (وَقَالَ) أَبُو يُوسُفَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ فَلَا يُصْبِحُ جُنُبًا بِالشَّكِّ
، وَخُرُوجُ الْمَذْيِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ دُونَ الِاغْتِسَالِ.، وَحُجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «مَنْ أَصْبَحَ فَوَجَدَ مَاءً، وَلَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ احْتَلَمَ، ثُمَّ أَصْبَحَ عَلَى جَفَافٍ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ»، وَلَسْنَا نُوجِبُ الِاغْتِسَالَ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ إنَّمَا نُوجِبُهُ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَلَكِنْ مِنْ طَبْعِ الْمَنِيِّ أَنْ يَرِقَّ بِإِصَابَةِ الْهَوَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخَارِجَ كَانَ مَنِيًّا قَدْ رَقَّ قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ، وَمُرَادُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ قَوْلِهِ فَوَجَدَ مَذْيًا مَا يَكُونُ صُورَتُهُ صُورَةَ الْمَذْيِ لَا حَقِيقَةَ الْمَذْيِ.
ثُمَّ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ الْفَاحِشَةِ، وَمَسْأَلَةِ الْفَأْرَةِ الْمُنْتَفِخَةِ أَخَذَ بِالِاحْتِيَاطِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَافَقَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ
[ ١ / ٦٩ ]
لِوُجُودِ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ هُوَ سَبَبُ خُرُوجِ الْمَذْيِ، وَخَالَفَهُ فِي الْفَصْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِانْعِدَامِ الْفِعْلِ مِنْهُ وَمُحَمَّدٌ - ﵀ - وَافَقَهُ فِي الِاحْتِيَاطِ فِي مَسْأَلَةِ النَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَكَانَ الْمَوْضِعُ مَوْضِعَ الِاحْتِيَاطِ بِخِلَافِ الْفَصْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَإِنَّ الْمُبَاشِرَ لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيُحِسُّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
قَالَ (، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الِاحْتِلَامِ) لِحَدِيثِ «أُمِّ سُلَيْمٍ حِينَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ فَقَالَ إنْ كَانَ مِنْهَا مِثْلُ مَا يَكُونُ مِنْ الرَّجُلِ فَلْتَغْتَسِلْ»، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَذَكَّرَتْ الِاحْتِلَامَ، وَالتَّلَذُّذَ، وَلَمْ تَرَ شَيْئًا فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ مَنِيَّهَا يَتَدَفَّقُ فِي رَحِمِهَا فَلَا يَظْهَرُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ مُتَعَلِّقٌ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَالْمَنِيُّ يَخْرُجُ مِنْهَا عِنْدَ الْمُوَاقَعَةِ كَمَا يَخْرُجُ مِنْ الرَّجُلِ.
قَالَ (وَإِذَا احْتَلَمَتْ الْمَرْأَةُ، ثُمَّ أَدْرَكَهَا الْحَيْضُ فَإِنْ شَاءَتْ اغْتَسَلَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ أَخَّرَتْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضِ)؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ لِلتَّطْهِيرِ حَتَّى تَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْحَائِضِ قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَإِنْ شَاءَتْ اغْتَسَلَتْ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ يُعِينُ عَلَى دُرُورِ الدَّمِ (وَكَانَ مَالِكٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْجُنُبَ مَمْنُوعٌ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْحَائِضَ لَا تُمْنَعُ.
قَالَ (وَإِذَا عَرَقَ الْجُنُبُ، أَوْ الْحَائِضِ فِي ثَوْبٍ لَمْ يَضُرَّهُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَأْمُرُ الْحَائِضَ مِنْ نِسَائِهِ بِالِاتِّزَارِ، ثُمَّ كَانَ يُعَانِقُهَا طُولَ اللَّيْلِ، وَالْحَرُّ حَرُّ الْحِجَازِ فَكَانَا يَعْرَقَانِ لَا مَحَالَةَ، وَلَمْ يَتَحَرَّزْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ عَرَقِهَا»، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى بَدَنِ الْإِنْسَانِ الْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ فَهُوَ وَأَعْضَاءُ الْمُحْدِثِ سَوَاءٌ.
قَالَ (وَإِذَا وَقَعَتْ الْجِيفَةُ، أَوْ النَّجَاسَةُ فِي الْحَوْضِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَهُوَ قِيَاسُ الْأَوَانِي وَالْجِبَابِ يَتَنَجَّسُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الْحَدِيثُ «يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا»، وَإِنْ كَانَ الْحَوْضُ كَبِيرًا فَهُوَ قِيَاسُ الْبَحْرِ لَا يَتَنَجَّسُ) لِقَوْلِهِ - ﷺ - فِي الْبَحْرِ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ».
وَالْفَصْلُ بَيْنَ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ يُعْرَفُ بِالْخُلُوصِ فَإِذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ أَلْقَى فِيهِ الصَّبْغَ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ صَغِيرٌ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّ النَّجَاسَةَ تَخْلُصُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ كَمَا خَلَصَ اللَّوْنُ هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْمَذْهَبُ الظَّاهِرُ فِي تَفْسِيرِ الْخُلُوصِ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِحَالٍ لَوْ حُرِّكَ جَانِبٌ مِنْهُ يَتَحَرَّكَ الْجَانِبُ الْآخَرُ فَهُوَ صَغِيرٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَرَّكَ الْجَانِبُ الْآخَرُ فَهُوَ كَبِيرٌ.
وَصِفَةُ التَّحْرِيكِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ اعْتَبَرَ تَحْرِيكَ الْمُتَوَضِّئِ وَأَبُو يُوسُفَ - ﵀ - اعْتَبَرَ تَحْرِيكَ
[ ١ / ٧٠ ]
الْمُنْغَمِسِ فَرِوَايَةُ أَبِي حَنِيفَةَ، أَوْسَعُ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي الْحَوْضِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمَاءِ الْجَارِي، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النَّجَاسَةُ يَتَنَجَّسُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي الْكِتَابِ، وَقَالَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُتْرَكُ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ قَدْرَ الْحَوْضِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَخْلُصُ إلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ هُوَ مُفَسَّرٌ فِي الْإِمْلَاءِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَى هَذَا قَالُوا: مَنْ اسْتَنْجَى فِي مَوْضِعٍ مِنْ حَوْضٍ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَبْلَ تَحْرِيكِ الْمَاءِ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِالْمِسَاحَةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو عِصْمَةَ كَانَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَدِّرُ فِي ذَلِكَ عَشْرَةً فِي عَشْرَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ: لَا أُقَدِّرُ فِيهِ شَيْئًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مُحَمَّدٍ - ﵀ - أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذَا فَقَالَ: إنْ كَانَ مِثْلَ مَسْجِدِي هَذَا فَهُوَ كَبِيرٌ فَلَمَّا قَامَ مَسَحُوا مَسْجِدَهُ فَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ اثْنَا عَشَرَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ فَكَانَ مَنْ رَوَى ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ مَسَحَ الْمَسْجِدَ مِنْ دَاخِلٍ، وَمَنْ رَوَى اثْنَيْ عَشَرَ مَسَحَهُ مِنْ خَارِجٍ، وَلَا عِبْرَةَ بِعُمْقِ الْمَاءِ حَتَّى قَالُوا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ فَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي.
هَذَا كُلُّهُ فِي بَيَانِ مَذْهَبِنَا (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ) إذَا كَانَ الْمَاءُ بِقَدْرِ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَالْقُلَّةُ اسْمٌ لِجَرَّةٍ تُحْمَلُ مِنْ الْيَمَنِ تَسَعُ فِيهَا قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا فَالْقُلَّتَانِ خَمْسُ قِرَبٍ كُلُّ قِرْبَةٍ خَمْسُونَ مَنًّا فَيَكُونُ جُمْلَتُهُ مِائَتَيْنِ، وَخَمْسِينَ مَنًّا.
وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ خَبَثًا» (قُلْنَا) هَذَا ضَعِيفٌ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ بَلَغَنِي بِإِسْنَادٍ لَمْ يَحْضُرْنِي مَنْ ذَكَرَهُ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ» الْحَدِيثَ، وَمِثْلُ هَذَا دُونَ الْمُرْسَلِ، ثُمَّ قِيلَ مَعْنَاهُ لَيْسَ لِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَحْتَمِلُ النَّجَاسَةَ فَيَتَنَجَّسُ بِهِ كَمَا يُقَالُ: مَالُ فُلَانٍ لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ لِقِلَّتِهِ.
وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْقُلَّةِ فَقِيلَ إنَّهَا الْقَامَةُ، وَقِيلَ إنَّهُ رَأْسُ الْجَبَلِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إذَا بَلَغَ مَاءُ الْوَادِي قَامَتَيْنِ، أَوْ رَأْسَ الْجَبَلَيْنِ، وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ مَعْنَاهُ بَحْرًا، وَبِهِ نَقُولُ (وَكَانَ) مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ الْقَلِيلُ، وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَذْهَبَهُ.
قَالَ (وَيَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ مِنْ الْحَوْضِ الَّذِي يَخَافُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَذَرٌ، وَلَا يَسْتَيْقِنُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ)؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَاءِ الطَّهَارَةُ فَعَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ غَيْرُهُ، وَخَوْفُهُ بِنَاءً عَلَى الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ لِلْحَاجَةِ عِنْدَ عَدَمِ الدَّلِيلِ، وَأَصْلُ الطَّهَارَةِ دَلِيلٌ مُطْلَقٌ لَهُ الِاسْتِعْمَالُ فَلَا حَاجَةَ إلَى السُّؤَالِ.
(أَلَا تَرَى) أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - ﵁ -
[ ١ / ٧١ ]
أَنْكَرَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سُؤَالَهُ بِقَوْلِهِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ بِقَوْلِهِ لَا تُخْبِرْنَا، وَكَذَلِكَ إنْ أَنْتَنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جِيفَةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَتَى عَلَى بِئْرِ رُومَةَ فَوَجَدَ مَاءَهَا مُنْتِنًا فَأَخَذَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ مَجَّهُ فِي الْبِئْرِ فَعَادَ الْمَاءُ طَيِّبًا»، وَلِأَنَّ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ قَدْ يَكُونُ بِوُقُوعِ الطَّاهِرِ كَالْأَوْرَاقِ، وَغَيْرِهَا، وَتَغَيُّرَ الرَّائِحَةُ يَكُونُ بِطُولِ الْمُكْثِ كَمَا قِيلَ الْمَاءُ إذَا سَكَنَ مُنْتِنُهُ تَحَرَّكَ نَتِنُهُ، وَإِذَا طَالَ مُكْثُهُ ظَهَرَ خُبْثُهُ فَلَا يَزُولُ أَصْلُ الطَّهَارَةِ بِهَذَا الْمُحْتَمَلِ فَلِهَذَا لَا نَدَعُ التَّوَضُّؤَ بِهِ.
قَالَ (وَإِذَا نَسِيَ الْمُتَوَضِّئُ مَسْحَ رَأْسِهِ فَأَصَابَهُ مَاءُ الْمَطَرِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ، أَوْ لَمْ يَمْسَحْهُ أَجْزَأَهُ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ)، وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ إذَا وَقَفَ فِي الْمَطَرِ الشَّدِيدِ حَتَّى غَسَلَهُ، وَقَدْ أَنْقَى فَرْجَهُ، وَتَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَكَذَلِكَ الْمُحْدِثُ إذَا جَرَى الْمَاءُ عَلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿، وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وَالطَّهُورُ الطَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ التَّطَهُّرِ بِهِ عَلَى فِعْلٍ يَكُونُ مِنْهُ كَالنَّارِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ الِاحْتِرَاقِ بِهَا عَلَى فِعْلٍ يَكُونُ مِنْ الْعَبْدِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْمَغْسُولِ ثَبَتَ فِي الْمَمْسُوحِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْمَغْسُولِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ إصَابَةُ الْبَلَّةِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا بِجَوَازِ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ بِدُونِ النِّيَّةِ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵀ -): لَا يَجُوزُ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ هِيَ عِبَادَةٌ فَلَا تَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِقَصْدٍ، وَعَزِيمَةٍ مِنْ الْعَبْدِ بِخِلَافِ غُسْلِ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ.
(وَلَنَا) آيَةُ الْوُضُوءِ فَفِيهَا تَنْصِيصٌ عَلَى الْغُسْلِ، وَالْمَسْحِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ النِّيَّةِ فَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ إذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْمَنْصُوصِ مَا يَدُلُّ عَلَى النِّيَّةِ، وَالزِّيَادَةُ لَا تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا بِالْقِيَاسِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَصْدِ لُغَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿، وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فَفِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فَكَانَتْ كَغُسْلِ النَّجَاسَةِ، وَتَأْثِيرُ مَا قُلْنَا أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَدَثُ الْحُكْمِيُّ دُونَ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ فَإِذَا عَمِلَ الْمَاءُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ بِدُونِ النِّيَّةِ فَفِي إزَالَةِ الْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ أَوْلَى، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُضُوءَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَا يَكُونُ عِبَادَةً، وَلَكِنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا تَبَعٌ غَيْرُ مَقْصُودٍ إنَّمَا الْمَقْصُودُ إزَالَةُ الْحَدَثِ، وَزَوَالُ الْحَدَثِ يَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَوُجِدَ شَرْطُ جَوَازِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْقِيَامُ إلَيْهَا طَاهِرًا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَجُوزُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا فِي الِابْتِدَاءِ، وَبِهِ نُجِيبُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ فَإِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ بِحَسَبِ النِّيَّةِ، وَبِهِ نَقُولُ، وَعَنْ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُزِيلٍ
[ ١ / ٧٢ ]
لِلْحَدَثِ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَوْ أَبْصَرَ الْمُتَيَمِّمُ الْمَاءَ كَانَ مُحْدِثًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا مَعْنَى التَّعَبُّدِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ النِّيَّةَ تَقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْفِعْلِ فِي التَّيَمُّمِ حَتَّى إذَا أَصَابَ الْغُبَارُ وَجْهَهُ، وَذِرَاعَيْهِ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ التَّيَمُّمِ. وَفِي الْوُضُوءِ، وَالِاغْتِسَالِ لَا مُعْتَبَرَ بِالْفِعْلِ حَتَّى إذَا سَالَ مَاءُ الْمَطَرِ عَلَى أَعْضَائِهِ زَالَ بِهِ الْحَدَثُ فَكَذَلِكَ بِدُونِ النِّيَّةِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالتَّمَسُّحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ) لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ فَوَضَعْنَا لَهُ مَاءً فَاغْتَسَلَ، وَالْتَحَفَ بِمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ حَتَّى أَثَّرَ الْوَرْسُ فِي عُكَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -»، وَلِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ فَإِنَّ مَنْ اغْتَسَلَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ لَا يَأْمُرُهُ أَحَدٌ بِالْمُكْثِ عُرْيَانًا حَتَّى يَجِفَّ فَلَعَلَّهُ يَمُوتُ قَبْلَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّمَسُّحِ بِثِيَابِهِ، أَوْ بِمِنْدِيلٍ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ مَا زَايَلَ الْعُضْوَ فَأَمَّا الْبَلَّةُ الْبَاقِيَةُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ حَتَّى لَوْ جَفَّ كَانَ طَاهِرًا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَمْسَحَ ذَلِكَ بِالْمِنْدِيلِ.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ، أَوْ يُعَاوِدَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ) لِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُصِيبُ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَنَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً فَإِذَا انْتَبَهَ رُبَّمَا عَاوَدَ، وَرُبَّمَا قَامَ فَاغْتَسَلَ»، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ بِغُسْلِ وَاحِدٍ فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا، وَنَقُولُ إنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُعْطِيَ قُوَّةَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا».
قَالَ (وَإِنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ فَهُوَ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَصَابَ مِنْ أَهْلِهِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ نَامَ»، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ، وَالْوُضُوءَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنَّوْمِ، وَالْمُعَاوَدَةِ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ ازْدَادَ نَظَافَةً فَكَانَ أَفْضَلَ.
(فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ، وَيَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ يَأْكُلُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ الْجُنُبِ أَيَأْكُلُ، وَيَشْرَبُ قَالَ نَعَمْ إذَا تَوَضَّأَ»، وَالْمُرَادُ غَسْلُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ لَا تَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ عَادَةً فَالْمُسْتَحَبُّ إزَالَتُهَا بِالْمَاءِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَتَوَضَّأْ حَتَّى شَرِبَ كَانَ مِنْ وَجْهٍ شَارِبًا لِلْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ يَدِهِ أَصْلٌ، وَفِي النَّجَاسَةِ شَكٌّ.
قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْجَبَائِرُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَسَحَ عَلَيْهَا)، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - شُجَّ وَجْهُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَدَاوَاهُ بِعَظْمٍ بَالٍ، وَعَصَبَ عَلَيْهِ فَكَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْعِصَابَةِ»، «وَلَمَّا كُسِرَتْ إحْدَى زَنْدَيْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَوْمَ حُنَيْنٍ حَتَّى سَقَطَ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِهِ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - اجْعَلُوهَا فِي يَسَارِهِ
[ ١ / ٧٣ ]
فَإِنَّهُ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ فَقَالَ مَاذَا أَصْنَعُ بِجَبَائِرِي فَقَالَ امْسَحْ عَلَيْهَا».
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْغُسْلُ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَاءِ حَارٌّ، أَوْ بَارِدٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ أَقْوَى مِنْ الْمَسْحِ، وَلَمَّا سَقَطَ الْغُسْلُ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ لِخَوْفِ الضَّرَرِ فَكَذَلِكَ الْمَسْحُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ الْمَسْحُ مَسَحَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ فَإِنْ تَرَكَ الْمَسْحَ، وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ
قَالَ فِي الْأَصْلِ - لَمْ يُجْزِهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِمَا.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْغُسْلَ، وَهُوَ لَا يَضُرُّهُ لَمْ يُجْزِهِ فَكَذَلِكَ الْمَسْحُ اعْتِبَارًا لِلْبَدَلِ بِالْأَصْلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ لَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْمَسْحَ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ، وَنَصْبُ الْأَبْدَالِ بِالْآحَادِ مِنْ الْأَخْبَارِ لَا يَجُوزُ الْبَدَلُ، ثُمَّ وُجُوبُ الْبَدَلِ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يَجِبْ الْأَصْلُ، وَهَا هُنَا لَوْ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ بَادِيًا لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ بَدَلًا عَنْهُ، وَبِهِ فَارَقَ الْخُفَّ.
قَالَ (وَإِنْ مَسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ سَقَطَتْ الْجَبَائِرُ عَنْهُ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ)، وَهَذَا إذَا كَانَ سُقُوطُهَا عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ فَإِنْ كَانَ عَنْ بُرْءٍ فَعَلَيْهِ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَاسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ لِزَوَالِ الْعُذْرِ فَأَمَّا إذَا سَقَطَ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ فَالْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ كَالْغُسْلِ لِمَا تَحْتَهُ مَا دَامَتْ الْعِلَّةُ بَاقِيَةً، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ بِخِلَافِ الْمَسْحِ بِالْخُفِّ.
قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحَةُ فِي جَانِبِ رَأْسِهِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِقْدَارَ الْمَسْحِ)؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ مِنْ الْمَسْحِ مِقْدَارُ رُبُعِ الرَّأْسِ، وَقَدْ وُجِدَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمَحَلِّ صَحِيحًا فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ، وَالْعِرَاقِيُّونَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ هَذَا: إنْ ذَهَبَ عِيرٌ فَعِيرٌ فِي الرِّبَاطِ.
قَالَ (وَإِذَا قَلَسَ أَقَلَّ مِنْ مِلْءِ فِيهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ ثَبَتَ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْقَلْسَ حَدَثٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ.
(وَلَنَا) قَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ عَدَّ الْأَحْدَاثَ فَقَالَ أَوْ دَسْعَةً تَمْلَأُ الْفَمَ، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الْقَلْسَ لَا يَكُونُ حَدَثًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ خَارِجٌ نَجِسٌ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ، وَالْقَلْسُ مُخْرَجٌ لَا خَارِجٌ فَإِنَّ مِنْ طَبْعِ الْأَشْيَاءِ السَّيَّالَةِ أَنَّهَا لَا تَسِيلُ مِنْ فَوْقٍ إلَى فَوْقٍ إلَّا بِدَافِعٍ دَفَعَهَا، أَوْ جَاذِبٍ جَذَبَهَا فَهُوَ كَالدَّمِ إذَا ظَهَرَ عَلَى رَأْسِ الْجُرْحِ
[ ١ / ٧٤ ]
فَمَسَحَهُ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ عِنْدَ مِلْءِ الْفَمِ - بِالْآثَارِ فَبَقِيَ مَا دُونَهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ فِي الْقَلِيلِ مِنْهُ بَلْوًى فَإِنَّ مَنْ يَمْلَأُ مِنْ الطَّعَامِ إذَا رَكَعَ فِي الصَّلَاةِ يَعْلُو شَيْءٌ إلَى حَلْقِهِ فَلِلْبَلْوَى جَعَلْنَا الْقَلِيلَ عَفْوًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إذَا تَجَشَّأَ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ شَيْءٍ، وَلِهَذَا خَبُثَ رِيحُهُ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَإِنَّ الْفُسَاءَ جُعِلَ حَدَثًا، وَحَدُّ مِلْءِ الْفَمِ أَنْ يَعُمَّهُ، أَوْ يَمْنَعَهُ مِنْ الْكَلَامِ، وَقِيلَ أَنْ يَزِيدَ عَلَى نِصْفِ الْفَمِ، وَعَلَى هَذَا حِكَايَةُ عَابِدٍ بِبَلْخٍ يُقَالُ عَلِيُّ بْنُ يُونُسَ أَنَّ ابْنَتَهُ سَأَلَتْهُ فَقَالَتْ إنْ خَرَجَ مِنْ حَلْقِي شَيْءٌ فَقَالَ لَهَا إذَا وَجَدْتِ طَعْمَهُ فِي حَلْقِكِ فَأَعِيدِي الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَأَيْت النَّبِيَّ - ﷺ - فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَا يَا عَلِيُّ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ فَجَعَلْت عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُفْتِي بَعْدَ هَذَا أَبَدًا.
(فَإِنْ قَاءَ مِلْءَ الْفَمِ مُرَّةً، أَوْ طَعَامًا، أَوْ مَاءً فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «مَنْ قَاءَ، أَوْ رَعَفَ، أَوْ أَمْذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ»، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْقَيْءُ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ فِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا شَرِبَ الْمَاءَ، وَقَاءَ مِنْ سَاعَتِهِ لَا يُخَالِطُهُ شَيْءٌ لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، وَجَعَلَهُ قِيَاسَ خُرُوجِ الدَّمْعِ، وَالْعَرَقِ، وَالْبُزَاقِ، وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّهُ بِالْوُصُولِ إلَى الْمَعِدَةِ يَتَنَجَّسُ فَإِنَّمَا يَخْرُجُ، وَهُوَ نَجِسٌ فَكَانَ كَالْمُرَّةِ، وَالطَّعَامِ سَوَاءٌ.
(وَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا، أَوْ بُزَاقًا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ) أَمَّا الْبُزَاقُ طَاهِرٌ، وَبِخُرُوجِ الطَّاهِرِ مِنْ الْبَدَنِ لَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، وَالْبَلْغَمُ كَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ نَجِسٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ إذَا مَلَأَ الْفَمَ قِيلَ إنَّمَا أَجَابَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا يَعْلُو مِنْ جَوْفِهِ، وَهُمَا فِيمَا يَنْحَدِرُ مِنْ رَأْسِهِ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ فَالْمُنْحَدِرُ مِنْ رَأْسِهِ طَاهِرٌ بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ خَرَجَ مِنْ جَانِبِ الْفَمِ، أَوْ الْأَنْفِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلنَّجَاسَاتِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا يَعْلُو مِنْ الْجَوْفِ فَأَبُو يُوسُفَ - ﵀ - يَقُولُ: الْبَلْغَمُ إحْدَى الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ فَكَانَ نَجِسًا كَالْمُرَّةِ، وَالصَّفْرَاءِ، وَلِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَاتِ فَكَانَ نَجِسًا بِالْمُجَاوَرَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: الْبَلْغَمُ بُزَاقٌ، وَالْبُزَاقُ طَاهِرٌ.
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الرُّطُوبَةَ فِي أَعْلَى الْحَلْقِ تَرِقُّ فَتَكُونُ بُزَاقًا، وَفِي أَسْفَلِهِ تَثْخُنُ فَيَكُونُ بَلْغَمًا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ خُرُوجَهُ لَيْسَ مِنْ الْمَعِدَةِ بَلْ مِنْ أَسْفَلِ الْحَلْقِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلنَّجَاسَةِ فَالْبَلْغَمُ هُوَ النُّخَامَةُ «، وَقَالَ - ﷺ - لِعَمَّارٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا نُخَامَتُك، وَدُمُوعُ عَيْنِكَ، وَالْمَاءُ الَّذِي فِي رَكْوَتِكَ إلَّا سَوَاءً».
(قَالَ)، وَإِنْ قَاءَ دَمًا فَعَلَى
[ ١ / ٧٥ ]
قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِقَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْقَيْءِ فَيُعْتَبَرُ بِسَائِرِ الْأَنْوَاعِ، وَاحْتَجَّا بِأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ الدَّمِ فَخُرُوجُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِهِ فِي الْجَوْفِ فَإِذَا سَالَ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ كَالسَّائِلِ مِنْ جُرْحٍ فِي الظَّاهِرِ (وَرَوَى) الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ هَذَا إذَا قَاءَ دَمًا رَقِيقًا فَإِنْ كَانَ شِبْهَ الْعَلَقِ لَمْ يُنْتَقَضْ الْوُضُوءُ حَتَّى يَمْلَأَ الْفَمَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقٌ.
قَالَ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ دَمٌ، أَوْ صَدِيدٌ، أَوْ قَيْحٌ فَسَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقَضَ الْوُضُوءَ عِنْدَنَا)، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ - ﷺ - «لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ، قِيلَ وَمَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: صَوْتٌ، أَوْ رِيحٌ»، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَوْضِعِ الْحَدَثِ لَا عَيْنَيْهِ فَدَلَّ أَنَّ الْحَدَثَ مَا يَكُونُ مِنْ السَّبِيلِ الْمُعْتَادِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قَلِيلَ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ لَيْسَ بِحَدَثٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا يَكُونُ حَدَثًا فَالْقَلِيلُ مِنْهُ، وَالْكَثِيرُ سَوَاءٌ كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْجُرْحِ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الْمَخْرَجَ مَقَامَ الْخَارِجِ فِي ثُبُوتِ حُكْمِ الْحَدَثِ فَمَا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا النَّجَاسَةُ جُعِلَ الْخَارِجُ مِنْهُ حَدَثًا، وَنَجِسًا، وَمَا يَخْتَلِفُ الْخَارِجُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ حَدَثًا، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ نَجِسٌ تَيْسِيرًا لِلْأَمْرِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ»، وَقَالَ سَلْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَالدَّمُ يَسِيلُ مِنْ أَنْفِي فَقَالَ أَحْدِثْ لِمَا حَدَثَ بِكَ وُضُوءً»، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ خَارِجٌ نَجِسٌ، وَصَلَ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَكَانَ حَدَثًا كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْخَارِجِ دُونَ الْمَخْرَجِ حَتَّى الْوَاجِبِ بِاخْتِلَافِ الْخَارِجِ فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَخُرُوجُ الْمَذْيِ يُوجِبُ الْوُضُوءُ، وَالْمَخْرَجُ وَاحِدٌ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَمْ يَسِلْ؛ لِأَنَّهُ مَا صَارَ خَارِجًا إنَّمَا تَقَشَّرُ عَنْهُ الْجِلْدُ فَظَهَرَ مَا هُوَ فِي مَوْضِعِهِ، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ، وَفِي السَّبِيلِ، وَإِنْ قَلَّ مَا ظَهَرَ فَقَدْ فَارَقَ مَكَانَهُ، وَكَذَلِكَ الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلِ، وَمَعَهُ قَلِيلُ شَيْءٍ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ. يُقَرِّرُ مَا قُلْنَا أَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِمَعْنًى مِنْ
[ ١ / ٧٦ ]
بَدَنِهِ فَيَكُونُ حَدَثًا كَالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسِلْ فَإِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ غُسْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ غُسْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى مِنْ بَدَنِهِ فَلَا تَتَغَيَّرُ صِفَةُ طَهَارَةِ بَدَنِهِ، ثُمَّ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الدَّمَ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ حَتَّى انْحَدَرَ انْتَقَضْ بِهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَدِرْ، وَلَكِنَّهُ عَلَا فَصَارَ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ لَمْ تُنْتَقَضَ بِهِ الطَّهَارَةُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ إنْ مَسَحَهُ قَبْلَ أَنْ يَسِيلَ فَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ تُرِكَ لَسَالَ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَسِلْ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ فِي الدَّمِ إذْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ فَهُوَ حَدَثٌ، وَإِلَّا فَلَا.
قَالَ (فَإِنْ بَزَقَ فَخَرَجَ مِنْ بُزَاقِهِ دَمٌ فَإِنْ كَانَ الْبُزَاقُ هُوَ الْغَالِبُ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ)؛ لِأَنَّ الدَّمَ مَا خَرَجَ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ الْبُزَاقُ، وَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ (وَإِنْ كَانَ الدَّمُ هُوَ الْغَالِبُ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ)؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ.
وَإِنْ كَانَا سَوَاءً فَفِي الْقِيَاسِ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِصِفَةِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ فِي شَكٍّ مِنْ الْحَدَثِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ الْبُزَاقُ سَائِلٌ بِقُوَّةِ نَفَسِهِ فَمَا سَاوَاهُ يَكُونُ سَائِلًا بِقُوَّةِ نَفَسِهِ أَيْضًا. ثُمَّ اعْتِبَارُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَاعْتِبَارُ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ فَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ أَوْلَى لِقَوْلِهِ - ﷺ - «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ، وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا وَقَدْ غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ».
وَفِي الْكِتَابِ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِمَا بَيَّنَّا.
قَالَ (وَالْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَالتَّبَسُّمُ لَا يَنْقُضُهُ) أَمَّا التَّبَسُّمُ فَلِحَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ «مَا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا تَبَسَّمَ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ»، وَرُوِيَ «أَنَّهُ - ﷺ - تَبَسَّمَ فِي صَلَاتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ - ﵊ - فَقَالَ مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» فَدَلَّ أَنَّ التَّبَسُّمَ لَا يَضُرُّ الْمُصَلِّي فَأَمَّا الْقَهْقَهَةُ فِي الصَّلَاةِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - ﵀ -؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ يَكُونُ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ كَانَ هَذَا حَدَثًا لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ، وَقَاسَ بِالْقَهْقَهَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَاسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا - ﵏ - لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - إذْ أَقْبَلَ أَعْمَى فَوَقَعَ فِي بِئْرٍ، أَوْ رَكِيَّةٍ هُنَاكَ فَضَحِكَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ، وَالصَّلَاةَ».
وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ قَالَ
[ ١ / ٧٧ ]
- ﷺ - «مَنْ ضَحِكَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى قَرْقَرَ فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ، وَالصَّلَاةَ»، وَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِالسُّنَّةِ.، وَالضَّحِكُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَيْسَ فِي مَعْنَى الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حَالَ الصَّلَاةِ حَالَ الْمُنَاجَاةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَتَعْظُمُ الْجِنَايَةُ مِنْهُ بِالضَّحِكِ فِي حَالِ الْمُنَاجَاةِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، وَكَذَلِكَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَالْمَخْصُوصُ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ لَا يَلْحَقُ بِهِ مَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ (وَلَا يَنْقُضُ النَّوْمُ الْوُضُوءَ مَا دَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا، أَوْ قَاعِدًا، وَيَنْقُضُهُ مُضْطَجِعًا، أَوْ مُتَّكِئًا، أَوْ عَلَى إحْدَى أَلْيَتَيْهِ) أَمَّا نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ بِالسُّنَّةِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ طَاهِرًا ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ، وَخُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهُ لَيْسَ بِيَقِينٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ عَيْنَهُ حَدَثٌ، وَالثَّانِي، وَهُوَ: أَنَّ الْحَدَثَ مَا لَا يَخْلُو عَنْهُ النَّائِمُ عَادَةً فَيُجْعَلَ كَالْمَوْجُودِ حُكْمًا فَإِنَّ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ يَسْتَحِكُمْ فَتَسْتَرْخِي مَفَاصِلُهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِقَوْلِهِ «الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ».
وَهُوَ ثَابِتٌ عَادَةً كَالْمُتَيَقِّنِ بِهِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالنَّوْمِ مُضْطَجِعًا حَتَّى يَعْلَمَ بِخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَانَ إذَا نَامَ أَجْلَسَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ فَإِذَا انْتَبَهَ سَأَلَهُ فَإِنْ أُخْبِرَ بِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْهُ أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَالْمُتَّكِئُ كَالْمُضْطَجِعِ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُ زَائِلٌ عَنْ الْأَرْضِ فَأَمَّا الْقَاعِدُ إذَا نَامَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ - ﵀ - إنْ طَالَ النَّوْمُ قَاعِدًا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ، وَحُجَّتُنَا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ «نِمْتُ قَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى وَقَعَ ذَقَنِي عَلَى صَدْرِي فَوَجَدْت بَرْدَ كَفٍّ عَلَى ظَهْرِي فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقُلْت أَعَلَيَّ فِي هَذَا وُضُوءٌ؟ فَقَالَ: لَا حَتَّى تَضْطَجِعَ»، وَلِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ فَلَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يُطِلْ نَوْمَهُ. فَأَمَّا إذَا نَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - ﵁ - يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الْمُرَادِيِّ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَيَالِيهَا إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ لَكِنْ مِنْ بَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ، أَوْ نَوْمٍ» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ إلَّا أَنَّا خَصَّصَنَا نَوْمَ الْقَاعِدِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ فَبَقِيَ مَا سِوَاهُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ، وَلِأَنَّ مَقْعَدَهُ زَائِلٌ عَنْ الْأَرْضِ فِي حَالِ نَوْمِهِ فَهُوَ كَالْمُضْطَجِعِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا، أَوْ رَاكِعًا، أَوْ سَاجِدًا إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ
[ ١ / ٧٨ ]
مُضْطَجِعًا فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ»، وَهُوَ الْمَعْنَى فَإِنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ مَعَ النَّوْمِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَسْقُطْ، وَبَقَاءُ الِاسْتِمْسَاكِ يُؤَمِّنُهُ مَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ كَالْقَاعِدِ بِخِلَافِ الْمُضْطَجِعِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - قَالَ إذَا تَعَمَّدَ النَّوْمَ فِي السُّجُودِ اُنْتُقِضَ وُضُوءُهُ، وَإِنْ غَلَبْته عَيْنَاهُ لَمْ يُنْتَقَضْ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فِي نَوْمِ السَّاجِدِ أَنَّهُ حَدَثٌ كَنَوْمِ الْمُضْطَجِعِ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْتَادُ النَّوْمَ عَلَى وَجْهِهِ. تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِلْبَلْوَى فِيهِ لِلْمُجْتَهِدِينَ، وَهَذَا إذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ لَا إذَا تَعَمَّدَ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «إذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ يُبَاهِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَلَائِكَتَهُ فَيَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي، وَجَسَدُهُ فِي طَاعَتِي»، وَإِنَّمَا يَكُونُ جَسَدُهُ فِي الطَّاعَةِ إذَا بَقِيَ وُضُوءُهُ، وَلِأَنَّ الِاسْتِمْسَاكَ بَاقٍ فَإِنَّهُ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ، وَذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ نَوْمَ الْقَائِمِ، وَالرَّاكِعِ، وَالسَّاجِدِ إنَّمَا لَا يَكُونُ حَدَثًا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ يَكُونُ حَدَثًا، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِبَقَاءِ الِاسْتِمْسَاكِ فَإِنْ كَانَ الْقَاعِدُ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ فَنَامَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ أُزِيلَ سَنَدُهُ عَنْهُ يَسْقُطُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ مَقْعَدَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْأَرْضِ فَيَأْمَنُ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنْهُ. فَإِنْ نَامَ قَاعِدًا فَسَقَطَ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ جَنْبُهُ إلَى الْأَرْضِ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ النَّوْمِ، وَهُوَ الْحَدَثُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ بِالنَّوْمِ حِينَ سَقَطَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ انْتَبَهَ قَبْلَ أَنْ يُزَايِلَ مَقْعَدُهُ الْأَرْضَ لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ، وَإِنْ زَايَلَ مَقْعَدُهُ الْأَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَبِهَ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ.
قَالَ (وَلَا يَنْقُضُ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ الْوُضُوءَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ يَعْنِي الْخَارِجَ النَّجِسَ، وَلِأَنَّهُ لَا كَلَامَ أَفْحَشَ مِنْ الرِّدَّةِ، وَالْمُتَوَضِّئُ إذَا ارْتَدَّ - نَعُوذُ بِاَللَّهِ -، ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ لِلْمُتَسَابَّيْنِ: إنَّ بَعْضَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ شَرٌّ مِنْ الْحَدَثِ فَجَدِّدُوا الْوُضُوءَ إنَّمَا أَمَرَتْ بِهِ اسْتِحْسَانًا لِيَكُونَ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ مُكَفِّرًا لِذُنُوبِهِمَا.
قَالَ (وَلَا وُضُوءَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَمَا لَمْ تَمَسَّهُ فِيهِ سَوَاءٌ) وَأَصْحَابُ الظَّوَاهِرِ يُوجِبُونَ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ خَاصَّةً لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «تَوَضَّئُوا
[ ١ / ٧٩ ]
مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ».
(وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَكَلَ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، وَقَالَ جَابِرٌ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ لِيَخْرُجَ فَرَأَى عِرْقًا أَيْ عَظْمًا فِي يَدِ بَعْضِ صِبْيَانِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ صَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ضَعِيفٌ قَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ: أَلَسْنَا نَتَوَضَّأُ بِالْحَمِيمِ، وَلَوْ ثَبَتَ فَالْمُرَادُ مِنْهُ غَسْلُ الْيَدِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَأُتِينَا بِقَصْعَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ، وَالْوَدَكِ فَجَعَلْت آكُلُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَقَالَ - ﷺ - كُلْ مِمَّا يَلِيكَ فَإِنَّ الطَّعَامَ وَاحِدٌ، ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ مِنْ رُطَبٍ فَجَعَلْت آكُلُ مِمَّا يَلِينِي فَقَالَ: أَجِلْ يَدَكَ فَإِنَّ الرُّطَبَ أَلْوَانٌ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتُهُ النَّارُ»، وَلِهَذَا فَصَّلَ فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ لَحْمِ الْإِبِلِ، وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِلَحْمِ الْإِبِلِ مِنْ اللُّزُوجَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَكَلَ الطَّعَامَ نِيئًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْوُضُوءُ فَالنَّارُ لَا تَزِيدُهُ إلَّا نَظَافَةً.
قَالَ (، وَيُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ، وَأَصَابِعَهُ فِي الْوُضُوءِ) فَإِنْ لَمْ يُخَلِّلْ لِحْيَتَهُ أَجْزَأَهُ، وَأَمَّا تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ سُنَّةٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ حَتَّى لَا يَتَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ»، وَأَمَّا اللِّحْيَةُ فَقَدْ رَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَخِلَالُ الشَّعْرِ لَيْسَ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ لِحْيَتِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْبَشَرَةَ الَّتِي اسْتَتَرَتْ بِالشَّعْرِ كَانَ يَجِبُ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَيْهَا قَبْلَ نَبَاتِ الشَّعْرِ فَإِذَا اسْتَتَرَتْ بِالشَّعْرِ يَتَحَوَّلُ الْحُكْمُ إلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الشَّعْرُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: إنْ مَسَحَ مِنْ لِحْيَتِهِ ثُلُثًا، أَوْ رُبُعًا أَجْزَأَهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاسْتِيعَابَ فِي الْمَمْسُوحِ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنْ تَرَكَ مَسْحَ اللِّحْيَةِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي عُضْوٍ وَاحِدٍ غَسْلٌ، وَمَسْحٌ، وَغَسْلُ الْوَجْهِ فَرْضٌ فَلَا يَجِبُ الْمَسْحُ فِيهِ، وَاللِّحْيَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَجْهِ فَأَمَّا تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ فَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْآثَارِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ فَلَمْ يَعُدَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ لَا يَبْدُو لِلنَّاظِرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّخْلِيلُ سُنَّةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ إذَا تَوَضَّأَ، وَقَالَ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «رَأَيْت أَصَابِعَ رَسُولِ - ﷺ - فِي لِحْيَتِهِ كَأَنَّهَا أَسْنَانُ الْمِشْطِ، وَقَالَ نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه
[ ١ / ٨٠ ]
فَأَمَرَنِي أَنْ أُخَلِّلَ لِحْيَتِي إذَا تَوَضَّأْت».
قَالَ (وَإِذَا حَتَّ النَّجَاسَةَ عَنْ الثَّوْبِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ الْيَابِسِ خَاصَّةً)؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ رَقِيقٌ تَتَدَاخَلُ النَّجَاسَةُ فِي أَجْزَائِهِ فَلَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْمَاءُ فَأَمَّا الْحَتُّ يُزِيلُ مَا عَلَى ظَاهِرِهِ دُونَ مَا يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَائِهِ فَأَمَّا الْمَنِيُّ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَجِسٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵀ - طَاهِرٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ الْمَنِيُّ كَالْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنْكَ، وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ، وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ لِخِلْقَةِ الْآدَمِيِّ فَكَانَ طَاهِرًا كَالتُّرَابِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - خُلِقُوا مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِيلَ مِنْ غِذَاءِ الْحَيَوَانِ إنَّمَا يَكُونُ نَجِسًا إذَا كَانَ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتِنٍ، وَفَسَادٍ، وَالْمَنِيُّ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ إلَى فَسَادٍ، وَنَتِنٍ فَهُوَ كَاللَّبَنِ، وَالْبَيْضَةِ.
(وَلَنَا) قَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ «إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالْخَمْرِ، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ»، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْبَدَنِ يَجِبُ الِاغْتِسَالُ بِخُرُوجِهِ فَكَانَ نَجِسًا كَدَمِ الْحَيْضِ، وَخُرُوجُهُ مِنْ مَكَانِ النَّجَاسَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَجَّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَإِنْ يَكُنْ نَجِسًا فِي نَفْسِهِ، وَكَوْنُهُ أَصْلَ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ لَا يَنْفِي صِفَةَ النَّجَاسَةِ عَنْهُ كَالْعَلَقَةِ، وَالْمُضْغَةُ، وَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - شَبَّهَهُ بِالْمُخَاطِ فِي الْمَنْظَرِ لَا فِي الْحُكْمِ، وَأَمَرَ بِالْإِمَاطَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ غَسْلِهِ فَإِنَّ قَبْلَ الْإِمَاطَةِ تَنْتَشِرُ النَّجَاسَةُ فِي الثَّوْبِ إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ، وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّهُ مَا دَامَ رَطْبًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ فَإِنْ جَفَّ فَحَتُّهُ، وَفَرْكُ الثَّوْبِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَطْهُرَ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ إلَّا أَنَّهُ نَضِيجٌ فَهُوَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الدَّمِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ. اسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالُوا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فِي الْمَنِيِّ إذَا رَأَيْته رَطْبًا فَاغْسِلِيهِ، وَإِذَا رَأَيْته يَابِسًا فَافْرُكِيهِ». «، وَقَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَهُوَ يُصَلِّي»، وَلِأَنَّ جُرْمَ الْمَنِيِّ لَا يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْفَرْكِ فَهُوَ نَظِيرُ سَيْفِ الْمُجَاهِدِ، وَسِكِّينِ الْقَصَّابِ إذَا مَسَحَهُ بِالتُّرَابِ يَطْهُرُ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمَنِيِّ إذَا أَصَابَ الْبَدَنَ لَا يَطْهُرُ بِهِ إلَّا بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ لِينَ الْبَدَنِ يَمْنَعُ زَوَالَ أَثَرِهِ بِالْحَتِّ، وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إذَا كَانَ الْمَنِيُّ غَلِيظًا فَجَفَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ، وَقَالَ إذَا أَصَابَ الْمَنِيُّ ثَوْبًا ذَا طَاقَيْنِ فَالطَّاقُ الْأَعْلَى يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ، وَالْأَسْفَلُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الْبِلَّةُ دُونَ الْجُرْمِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ فَإِنَّ الْفَحْلَ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِي، وَالْمَذْيُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ
[ ١ / ٨١ ]
الْمَذْيَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَغْلُوبًا مُسْتَهْلِكًا بِالْمَنِيِّ فَكَانَ الْحُكْمُ لِلْمَنِيِّ دُونَ الْمَذْيِ.
قَالَ (وَإِنْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ الْخُفَّ، أَوْ النَّعْلَ فَمَا دَامَ رَطْبًا لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ)؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ لَا يُزِيلُهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إذَا مَسَحَ بِالْأَرْضِ حَتَّى لَمْ تَبْقَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَلَا رَائِحَتُهَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْخُفِّ، وَاعْتَبَرَ الْبَلْوَى فِيهِ لِلنَّاسِ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لِلنَّجَاسَةِ جُرْمٌ كَالْبَوْلِ، وَالْخَمْرِ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْبِلَّةَ تَدَاخَلَتْ فِي أَجْزَاءِ الْخُفِّ، وَلَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ جُرْمٌ حَتَّى يَزُولَ بِالْمَسْحِ بِالْأَرْضِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَهَا جُرْمٌ كَالْعَذِرَةِ، وَالرَّوْثِ فَمَسَحَهُ بِالْأَرْضِ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغُسْلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَدَاخَلَتْ فِي أَجْزَاءِ الْخُفِّ أَلَا تَرَى أَنَّهَا بَعْدَ الْجَفَافِ تَبْقَى مُتَّصِلَةً بِالْخُفِّ فَلَا يُطَهِّرُهَا إلَّا الْغُسْلُ كَمَا إذَا أَصَابَتْ الثَّوْبَ، أَوْ الْبِسَاطَ اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَا يَطْهُرُ بِالْمَسْحِ بِالْأَرْضِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأَرْضِ» «، وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رُبَّمَا أَمْشِي عَلَى مَكَان نَجِسٍ، ثُمَّ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ فَقَالَ الْأَرْضُ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا»، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ لِلْجِلْدِ صَلَابَةً تَمْنَعُ دُخُولَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِي بَاطِنِهِ، وَلِهَذِهِ النَّجَاسَةُ جُرْمٌ يُنْشِفُ الْبِلَّةَ الْمُتَدَاخِلَةَ إذَا جَفَّ فَإِذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ فَقَدْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِصَابَةِ بِخِلَافِ الثَّوْبِ، أَوْ الْبِسَاطِ فَإِنَّهُ رَقِيقٌ تَتَدَاخَلُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فِي بَاطِنِهِ فَلَا يُخْرِجُهُ إلَّا الْمَاءُ فَإِنَّ الْمَاءَ لِلَطَافَتِهِ يَتَدَاخَلُ فِي أَجْزَاءِ الثَّوْبِ فَيُخْرِجُ النَّجَاسَةَ، ثُمَّ يَخْرُجُ عَلَى أَثَرِهَا بِالْعَصْرِ.
قَالَ (، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَغْمِيضِ الْمَيِّتِ، وَغَسْلِهِ، وَحَمْلِهِ وُضُوءٌ، وَلَا غُسْلٌ إلَّا أَنْ يُصِيبَ يَدَهُ، أَوْ جَسَدَهُ شَيْءٌ فَيَغْسِلُهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ الْمُسْلِمَ طَاهِرٌ، وَمَسُّ الطَّاهِرِ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا فَمَسُّ النَّجِسِ لَيْسَ بِحَدَثٍ أَيْضًا، وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «مَنْ غَمَّضَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ، وَمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» ضَعِيفٌ قَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَ أَيَلْزَمُنَا الْوُضُوءُ بِمَسِّ عِيدَانٍ يَابِسَةٍ، وَلَوْ ثَبَتَ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ «مَنْ غَمَّضَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ» غُسْلُ الْيَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ قَذَارَةٍ عَادَةً، وَقَوْلُهُ «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» إذَا
[ ١ / ٨٢ ]
أَصَابَتْهُ الْغُسَالَاتُ النَّجِسَةُ، وَقَوْلُهُ «مَنْ حَمَلَ جِنَازَةً فَلْيَتَوَضَّأْ» إذَا كَانَ مُحْدِثًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
قَالَ (، وَالْحِجَامَةُ تُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَغُسْلَ مَوْضِعِ الْمَحْجَمَةِ)، وَهُوَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُوجِبُ مَوْضِعَ الْمَحْجَمَةِ، وَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - اغْسِلْ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ، وَحَسْبُكَ.
وَعُلَمَاؤُنَا قَالُوا مَعْنَاهُ: وَحَسْبُكَ مِنْ الِاغْتِسَالِ. فَإِنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانُوا يُوجِبُونَ الِاغْتِسَالَ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ، وَالْحِجَامَةِ فَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ هَذَا رَدًّا عَلَيْهِمْ فَأَمَّا الْوُضُوءُ وَاجِبٌ بِخُرُوجِ النَّجِسِ كَمَا بَيَّنَّا فَإِنْ تَوَضَّأَ، وَلَمْ يَغْسِلْ مَوْضِعَ الْمَحْجَمَةِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَجْزَأْته، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تُجْزِئُهُ فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ كَالْكَثِيرِ عِنْدَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ.
قَالَ (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ دَابَّةٌ، أَوْ رِيحٌ يُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ)، وَالْمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودُ، وَهُوَ لَا يَخْلُو عَنْ قَلِيلِ بِلَّةٍ تَكُونُ مَعَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ الْقَلِيلُ كَالْكَثِيرِ فِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَقَطَ الدُّودُ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ بِلَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ الْخَارِجِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَائِلٍ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ فَأَمَّا الرِّيحُ إذَا خَرَجَ مِنْ الدُّبُرِ كَانَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «الشَّيْطَانُ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَيَقُولُ: أَحْدَثْت أَحْدَثْت فَلَا يَنْصَرِفَنَّ أَحَدُكُمْ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا». فَإِنْ خَرَجَ الرِّيحُ مِنْ الذَّكَرِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ حَدَثٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، وَعَامَّةُ مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ هَذَا لَا يَكُونُ حَدَثًا، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاجٌ فَلَا يُنْتَقَضُ بِهِ الْوُضُوءُ، وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ الرِّيحُ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ قَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّهُ لَا يَكُونُ حَدَثًا إلَّا أَنْ تَكُونَ مُفْضَاةً يَخْرُجُ مِنْهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ، وَلَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ بِخُرُوجِ الرِّيحِ مِنْ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.
قَالَ (وَإِنْ رَعَفَ قَلِيلًا لَمْ يَسِلْ لَمْ يُنْقَضْ وُضُوءُهُ)، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ فِيمَا صَلُبَ مِنْ أَنْفِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلَى مَا لَانَ مِنْهُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّوَادِرِ: إذَا نَزَلَ الدَّمُ إلَى قَصَبَةِ الْأَنْفِ انْتَقَضَ بِهِ الْوُضُوءُ بِخِلَافِ الْبَوْلِ إذَا نَزَلَ إلَى قَصَبَةِ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ النَّجَاسَةَ لَمْ تَصِلْ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْأَنْفِ قَدْ وَصَلَتْ النَّجَاسَةُ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الْجَنَابَةِ فَرْضٌ، وَفِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ.
قَالَ (، وَيَتَوَضَّأُ صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيُصَلِّي بِذَلِكَ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ
[ ١ / ٨٣ ]
وَالنَّوَافِلِ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ)، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ فَإِنَّ دَمَ الْمُسْتَحَاضَةِ حَدَثٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ مِنْ الْخَارِجِ لَا يَكُونُ حَدَثًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ حَدَثٌ قَوْلُهُ - ﷺ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ»، ثُمَّ عِنْدَنَا يَلْزَمُهَا الْوُضُوءُ فِي كُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَا شَاءَتْ مِنْ النَّوَافِلِ بِذَلِكَ، وَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ «لِقَوْلِهِ - ﷺ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ اُسْتُحِيضَتْ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ»، وَمُطْلَقُهُ يَتَنَاوَلُ الْمَكْتُوبَةَ، وَلِأَنَّ طَهَارَتَهَا طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِاقْتِرَانِ الْحَدَثِ بِهَا، وَيَتَجَدَّدُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ ضَرُورَةً فَيَلْزَمُهَا وُضُوءٌ جَدِيدٌ فَأَمَّا النَّوَافِلُ تَبَعٌ لِلْفَرَائِضِ فَثُبُوتُ حُكْمِ الطَّهَارَةِ فِي الْأَصْلِ يُوجِبُ ثُبُوتَهُ فِي التَّبَعِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ».
مَا رُوِيَ «لِكُلِّ صَلَاةٍ» فَالْمُرَادُ مِنْهُ الْوَقْتُ فَالصَّلَاةُ تُذْكَرُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ قَالَ - ﷺ - «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا، وَآخِرًا» أَيْ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: آتِيكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ أَيْ وَقْتَهُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْأَوْقَاتَ مَشْرُوعَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ فِيهَا فَإِنَّ النَّاسَ فِي الْأَدَاءِ مُخْتَلِفُونَ فَمِنْ بَيْنِ مُطَوِّلٍ، وَمُوجِزٍ فَشُرِعَ لِلْأَدَاءِ وَقْتٌ يَفْصِلُ عَنْهُ تَيْسِيرًا، وَإِذَا قَامَ الْوَقْتُ مَقَامَ الصَّلَاةِ لِهَذَا فَتَجَدُّدُ الضَّرُورَةِ يَكُونُ بِتَجَدُّدِ الْوَقْتِ، وَمَا بَقِيَ الْوَقْتُ يَجْعَلُ الضَّرُورَةَ كَالْقَائِمَةِ حُكْمًا تَيْسِيرًا عَلَيْهَا فِي إقَامَةِ الْوَقْتِ مَقَامَ الْفِعْلِ، وَبَعْدَ مَا فَرَغَتْ مِنْ الْأَدَاءِ إنْ بَقِيَتْ طَهَارَتُهَا فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ فَرْضًا آخَرَ، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ طَهَارَتُهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ النَّوَافِلَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ شَرْطِهَا. ثُمَّ انْتِقَاضُ طَهَارَتِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبِهِمَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَتَبَيَّنُ هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - ﵀ -، وَلَوْ تَوَضَّأَتْ فِي، وَقْتِ الضَّحْوَةِ فَزَالَتْ الشَّمْسُ لَا تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهَا إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُمَا يَقُولَانِ طَهَارَتُهَا قَبْلَ وُقُوعِ الْحَاجَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَبِدُخُولِ الْوَقْتِ تَتَجَدَّدُ الْحَاجَةُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهَا فَيَلْزَمُهَا بِهِ الطَّهَارَةُ.
(وَلَنَا) أَنَّ انْتِقَاضَ طَهَارَتِهَا بِوُقُوعِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا، وَذَلِكَ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، ثُمَّ صَاحِبُ الْجُرْحِ السَّائِلِ عِنْدَنَا فِي مَعْنَى الْمُسْتَحَاضَةِ؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ حَدَثٌ عِنْدَنَا فَيَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَوْ قُلْنَا بِمَا قَالَهُ زُفَرُ - ﵀ - لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْتُهُ بَعِيدًا عَنْ الْجَامِعِ فَلَوْ انْتَظَرَ لِلْوُضُوءِ
[ ١ / ٨٤ ]
زَوَالَ الشَّمْسِ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ.
قَالَ (وَإِنْ سَالَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ حَتَّى نَفَذَ الرِّبَاطُ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ مَا بَقِيَ الْوَقْتُ) «؛ لِأَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَمَّا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إنِّي أَثُجُّ الدَّمَ ثَجًّا قَالَ احْتَشِي، وَالْتَجِمِي، وَصَلِّي»، وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ قَطْرًا فَإِنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَغْسِلَهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُفِيدًا بِأَنْ كَانَ لَا يُصِيبُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى إذَا لَمْ يَغْسِلْهُ، وَصَلَّى، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ مُفِيدًا بِأَنْ كَانَ يُصِيبُهُ ثَانِيًا، وَثَالِثًا، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ - ﵀ - يَقُولُ: عَلَيْهِ غَسْلُ ثَوْبِهِ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ مَرَّةً بِالْقِيَاسِ عَلَى الْوُضُوءِ، وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا يَقُولُ: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوُضُوءِ عَرَفْنَاهُ بِالنَّصِّ، وَنَجَاسَةُ الثَّوْبِ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْحَدَثِ حَتَّى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهُ يَكُونُ عَفْوًا فَلَا يَلْحَقُ بِهِ فَإِنْ سَالَ الدَّمُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ أَعَادَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا؛ لِأَنَّ هَذَا حَدَثٌ جَدِيدٌ، وَتَقَدُّرُ طَهَارَتِهِ بِالْوَقْتِ كَانَ لِلْحَدَثِ الْمَوْجُودِ بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ فَمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ الْحَدَثِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ.
قَالَ (وَمَنْ خَاضَ مَاءَ الْمَطَرِ إلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ دَاسَ الطِّينَ لَمْ يَنْقُضْ ذَلِكَ وُضُوءَهُ)؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الْوُضُوءِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ الْبَدَنِ، وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ يَوْمًا، وَالسَّمَاءُ تَسْكُبُ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ بِيَدِهِ، وَخَاضَ الْمَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ قَدَمَيْهِ، وَدَخَلَ، وَصَلَّى، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، وَلَا غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ بَلْ يَمْسَحُ قَدَمَيْهِ، وَيُصَلِّي هَذَا إذَا كَانَ التُّرَابُ طَاهِرًا فَإِنَّ الطِّينَ النَّازِلَ مِنْ السَّمَاءِ، وَالتُّرَابَ الطَّاهِرَ طَاهِرٌ فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا إمَّا الْمَاءُ، وَإِمَّا التُّرَابُ نَجِسًا فَالطِّينُ نَجِسٌ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا مَسَحَ قَدَمَيْهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ كَيْ لَا يُؤَدِّي إلَى تَلْوِيثِ الْمَسْجِدِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - ﵀ - رَأَى رَجُلًا يَمْسَحُ خُفَّيْهِ بِأُسْطُوَانَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ لَوْ مَسَحْته بِلِحْيَتِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا مُعَدًّا لِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَا يُصَلَّى فِيهِ عَادَةً.
قَالَ (وَمَنْ سَالَ عَلَيْهِ مِنْ مَوْضِعٍ شَيْءٌ لَا يَدْرِي مَا هُوَ فَغُسْلُهُ أَحْسَنُ)؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ لَا يَرِيبُهُ، وَتَرْكُهُ يَرِيبُهُ.
وَقَالَ - ﷺ - «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» فَإِنْ تَرَكَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ فِي ثَوْبِهِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ حَقِيقَةِ النَّجَاسَةِ فَإِنْ كَانَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ أَنَّهُ نَجِسٌ غَسَلَهُ؛ لِأَنَّ أَكْبَرَ الرَّأْي فِيمَا لَا تُعْلَمُ حَقِيقَتَهُ كَالْيَقِينِ قَالَ - ﷺ - «الْمُؤْمِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى»، وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ - ﵀ - يَقُولُ فِي بَلْدَتِنَا لَا بُدَّ مِنْ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّ
[ ١ / ٨٥ ]
الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاقُ الْبَوْلُ، أَوْ الْمَاءُ النَّجِسُ مِنْ السُّطُوحِ.
قَالَ (وَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ مِنْ الْبَوْلِ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُهُ)
؛ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوًى فَإِنَّ مَنْ بَال فِي يَوْمِ رِيحٍ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ خُصُوصًا فِي الصَّحَارِيِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ يَكُونُ عَفْوًا.
قَالَ (وَمَنْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا شَكَّ غَسَلَ الْمَوْضِعَ الَّذِي شَكَّ فِيهِ) لِأَنَّ غَسْلَهُ لَا يَرِيبُهُ، وَلِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْحَدَثِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ غَسْلِهِ.
وَلَمْ يُرِدْ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ قَطُّ مِثْلُ هَذَا إنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّ الشَّكَّ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَصِرْ عَادَةً لَهُ حَتَّى قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَسَاوِسِ، وَالسَّبِيلُ فِي الْوَسَاوِسِ قَطْعُهَا، وَتَرْكُ الِالْتِفَاتِ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهَا لَمْ يَتَفَرَّغْ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فَكُلَّمَا قَامَ إلَيْهَا يُبْتَلَى بِمِثْلِ هَذَا الشَّكِّ. .
قَالَ (وَمَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ عَلَى وُضُوئِهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَشَكَّ فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ عَلَى حَدَثِهِ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُعَارِضُ الْيَقِينَ، وَمَا تَيَقَّنَ بِهِ لَا يَرْتَفِعُ بِالشَّكِّ)، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْمُتَوَضِّئُ إذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْخَلَاءَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَشَكَّ أَنَّهُ خَرَجَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهَا، أَوْ بَعْدَ مَا قَضَاهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ إلَّا بَعْدَ قَضَائِهَا.
وَكَذَلِكَ الْمُحْدِثُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ، وَمَعَهُ الْمَاءُ، وَشَكَّ فِي أَنَّهُ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، أَوْ بَعْدَ مَا تَوَضَّأَ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَقُومُ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الظَّاهِرِ، وَاجِبٌ مَا لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ.
قَالَ (وَمَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ رَأَى الْبَلَلَ سَائِلًا عَنْ ذَكَرِهِ أَعَادَ الْوُضُوءَ)؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ سَالَ مِنْهُ، وَهُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قَالَ رَآهُ سَائِلًا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْبِلَّةِ مُحْتَمَلَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَاءِ الطَّهَارَةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَوْلٌ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَائِلًا، وَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُرِيهِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَوْلٌ، أَوْ مَاءٌ مَضَى عَلَى صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْوَسَاوِسِ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ - ﷺ - «إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ، وَيَقُولُ أَحْدَثْت أَحْدَثْت فَلَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا»، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ الْوَلَهَانُ لَا شُغْلَ لَهُ إلَّا الْوَسْوَسَةَ فِي الْوُضُوءِ» فَلَا يَلْتَفِتُ إلَى ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ، وَإِزَارَهُ بِالْمَاءِ إذَا تَوَضَّأَ قَطْعًا لِهَذِهِ الْوَسْوَسَةِ حَتَّى إذَا أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَحَالَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَنْضَحُ إزَارَهُ بِالْمَاءِ إذَا تَوَضَّأَ»، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَالَ «نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ - ﵇ -، وَأَمَرَنِي بِذَلِكَ». .
قَالَ (وَلَيْسَ دَمُ الْبَقِّ، وَالْبَرَاغِيثِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ سَائِلٍ، وَلَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ) خُصُوصًا فِي زَمَنِ الصَّيْفِ فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ لَهُ
[ ١ / ٨٦ ]
إلَّا ثَوْبٌ، وَاحِدٌ يَنَامُ فِيهِ كَمَا كَانَ لِأَصْحَابِ الصُّفَّةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَكَذَلِكَ دَمُ السَّمَكِ لَيْسَ بِشَيْءٍ يَعْنِي لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ حَقِيقَةً، وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - فِي الْكِبَارِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ أَنَّهُ نَجِسٌ، وَلَا اعْتِمَادَ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا دَمُ الْحَلَمِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَعَادَ مَا صَلَّى، وَهُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ سَائِلٍ، وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ الْأَذَى كَانَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حِينَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ» كَانَ دَمُ حَلَمٍ.
قَالَ (وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمَاءٍ فَأَخْبَرَهُ بَعْضٌ أَنَّهُ قَذِرٌ لَمْ يَتَوَضَّأْ بِهِ)؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي أَمْرِ الدِّينِ حُجَّةٌ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً حَتَّى كَانَ رِوَايَتُهُ الْحَدِيثَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ فَكَذَلِكَ إخْبَارُهُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِ.
قَالَ (وَإِذَا أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِي كُوزِ مَاءٍ، وَلَا يُعْلَمُ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ بِهِ)؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى النَّجَاسَاتِ عَادَةً فَالظَّاهِرُ أَنَّ يَدَهُ لَا تَخْلُو عَنْ نَجَاسَةٍ فَالِاحْتِيَاطُ فِي التَّوَضُّؤِ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الطَّهَارَةِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَحَالُهُ كَحَالِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا سُؤْرَهَا.
قَالَ (وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ مِنْ حُبٍّ يُوضَعُ كُوزُهُ فِي نَوَاحِي الدَّارِ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَذِرٌ)؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ النَّاسِ، وَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النُّزُوعِ عَنْ هَذِهِ الْعَادَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ فَيُتَمَسَّكُ بِهِ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِالنَّجَاسَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ اسْتَسْقَى الْعَبَّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ أَلَا نَأْتِيكَ بِالْمَاءِ مِنْ بَعْضِ الْبُيُوتِ فَإِنَّ النَّاسَ يُدْخِلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي مَاءِ السِّقَايَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - نَحْنُ مِنْهُمْ».
قَالَ (وَإِذَا وَقَعَ بَعْرُ الْغَنَمِ، أَوْ الْإِبِلِ فِي الْبِئْرِ لَمْ يَضُرَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَثِيرًا فَاحِشًا)، وَفِي الْقِيَاسِ يَتَنَجَّسُ الْبِئْرُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِنَاءِ يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَيَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا، وَقُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يَنْجُسُ لِلْبَلْوَى فِيهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْآبَارِ فِي الْفَيَافِي، وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا، ثُمَّ الرِّيحُ تُسْفِي بِهِ فَتُلْقِيهِ فِي الْبِئْرِ فَلَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهِ كَانَ فِيهِ انْقِطَاعُ السُّبُلِ، وَالرُّسُلِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ فِي الْقَلِيلِ دُونَ الْكَثِيرِ، وَإِذَا كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا أَخَذْنَا فِيهِ بِالْقِيَاسِ فَقُلْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْزَحُوا مَاءَ الْبِئْرِ كُلَّهُ، وَالْكَثِيرُ مَا اسْتَكْثَرَهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ، وَقِيلَ أَنْ يُغَطِّيَ رُبُعَ وَجْهِ الْمَاءِ، وَقِيلَ أَنْ لَا تَخْلُو دَلْوٌ عَنْ بَعْرَةٍ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِمْلَاءِ قَالَ هَذَا إذَا كَانَ يَابِسًا فَإِنْ كَانَ رَطْبًا تَفْسُدُ الْبِئْرُ بِقَلِيلِهِ، وَكَثِيرِهِ، ثُمَّ قَالَ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ ثَقِيلٌ لَا يَسْفِي بِهِ الرِّيحُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّطْبِ مِنْ الصَّلَابَةِ، وَالِاسْتِمْسَاكِ مَا لِلْيَابِسِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْيَابِسَ
[ ١ / ٨٧ ]
بِالْوُقُوعِ فِي الْبِئْرِ يَصِيرُ رَطْبًا، وَمَا عَلَى الرَّطْبِ مِنْ الرُّطُوبَةِ رُطُوبَةُ الْأَمْعَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُتَفَتِّتِ فَإِنْ كَانَ مُتَفَتِّتًا، فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَدْخُلُ فِي أَجْزَائِهِ فَيَتَنَجَّسُ، ثُمَّ يَخْرُجُ، وَهُوَ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ اسْتَحْسَنَ فِي الْقَلِيلِ مِنْ الْمُتَفَتِّتِ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ قَائِمَةٌ.
وَأَمَّا السِّرْقِينِ فَقَلِيلُهُ، وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ يُفْسِدُ الْمَاءَ رَطْبًا كَانَ، أَوْ يَابِسًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنْ الصَّلَابَةِ كَمَا لِلْبَعْرِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي تَبِنَةٍ، أَوْ تَبِنَتَيْنِ مِنْ الْأَرْوَاثِ تَقَعُ فِي الْبِئْرِ اسْتَحْسَنَ أَنَّهُ لَا يُفْسِدُهُ، وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِقِيَامِ الْبَلْوَى فِيهِ حَتَّى قَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ لَوْ حَلَبَ عَنْزًا فَبَعَرَتْ فِي الْمَحْلَبِ يَرْمِي بِالْبَعْرَةِ، وَيَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوًى فَإِنَّ الْعَنْزَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحْلَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْعَرَ فِي الْمَحْلَبِ.
قَالَ (وَلَا يَتَوَضَّأُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ سِوَى الْمَاءَ) إلَّا بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَمَّا نَبِيذُ التَّمْرِ فَفِي الْأَصْلِ قَالَ يَتَوَضَّأُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ مَعَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَلَا يَتَيَمَّمُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - ﵀ - لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَرَوَى نُوحُ فِي الْجَامِعِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ، وَاحْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وَخَبَرُ نَبِيذِ التَّمْرِ كَانَ بِمَكَّةَ، وَآيَةُ التَّيَمُّمِ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فَانْتَسَخَ بِهَا خَبَرُ نَبِيذِ التَّمْرِ؛ لِأَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ جَائِزٌ، وَالْقِيَاسُ هَكَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ فَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ كَسَائِرِ الْأَنْبِذَةِ تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا الْقِيَاسَ بِحَدِيثِ «ابْنِ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - لَيْلَةَ الْجِنِّ فَلَمَّا انْصَرَفَ إلَيْهِ عِنْدَ الصَّبَاحِ قَالَ أَمَعَكَ مَاءٌ يَا ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لَا إلَّا نَبِيذَ تَمْرٍ فِي إدَاوَةٍ فَقَالَ تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ، وَمَاءٌ طَهُورٌ، وَأَخَذَهُ، وَتَوَضَّأَ بِهِ»، وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ نَبِيذُ التَّمْرِ طَهُورُ مَنْ لَا يَجِدْ الْمَاءَ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالسُّنَّةِ، وَبِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ فَقِيهًا فَأَمَّا آيَةُ التَّيَمُّمِ تَتَنَاوَلُ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَهَذَا مَاءٌ شَرْعًا كَمَا قَالَ - ﷺ - «، وَمَاءٌ طَهُورٌ»، وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْآيَةَ تُوجِبُ التَّيَمُّمَ، وَالْخَبَرَ يُوجِبُ التَّوَضُّؤُ بِالنَّبِيذِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا، وَإِذَا قُلْنَا بِالِاحْتِيَاطِ فِي سُؤْرِ الْحِمَارِ أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ فَهَا هُنَا أَوْلَى.
وَصِفَةُ نَبِيذِ التَّمْرِ الَّذِي يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ أَنْ يَكُونَ حُلْوًا رَقِيقًا يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ كَالْمَاءِ فَإِنْ كَانَ ثَخِينًا فَهُوَ كَالرُّبِّ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مُشْتَدًّا فَهُوَ حَرَامٌ شُرْبُهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ حُلْوًا
[ ١ / ٨٨ ]
كَانَ، أَوْ مُشْتَدًّا؛ لِأَنَّ النَّارَ غَيَّرَتْهُ فَهُوَ كَمَاءِ الْبَاقِلَا فَأَمَّا سَائِرُ الْأَنْبِذَةِ فَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ - ﵀ - يَقُولُ بِجَوَازِ التَّوَضُّؤِ بِهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى نَبِيذِ التَّمْرِ، وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ مَخْصُوصٌ مِنْ الْقِيَاسِ بِالْأَثَرِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الِاغْتِسَالِ بِنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ؛ لِأَنَّ الْأَثَرَ فِي الْوُضُوءِ خَاصَّةً، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ يَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ (، وَالْإِغْمَاءُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَوَضَّأَ فِي مَرَضِهِ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ تَوَضَّأَ ثَانِيًا»، وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ فِي غَفْلَةِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا نُبِّهَ انْتَبَهَ، وَهَا هُنَا لَا يَنْتَبِهُ، وَكَذَلِكَ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ لَوْ عَرَضَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، وَيَمْنَعُ مِنْ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ مُسْتَحْسَنٌ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، وَالْإِغْمَاءُ لَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْإِمَامُ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمُ الصَّلَاةَ بِإِمَامٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَلِهَذَا اسْتَقْبَلُوا.
قَالَ (وَلَيْسَ الْغُسْلُ بِوَاجِبٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ) إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَحُجَّتُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، أَوْ قَالَ حَقٌّ».
(وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا، وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ».
وَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ - ﵁ - يَخْطُبُ فَقَالَ أَيَّةُ سَاعَةِ الْمَجِيءِ هَذِهِ، قَالَ: مَا زِدْت بَعْدَ أَنْ سَمِعْت النِّدَاءَ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت فَقَالَ، وَالْوُضُوءُ أَيْضًا، وَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَأْمُرُنَا بِالِاغْتِسَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ»، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالِانْصِرَافِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا: كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَيَعْرَقُونَ فِيهِ، وَالْمَسْجِدُ قَرِيبُ السَّمْكِ فَكَانَ يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَائِحَةِ الْبَعْضِ فَأُمِرُوا بِالِاغْتِسَالِ لِهَذَا، ثُمَّ انْتَسَخَ هَذَا حِينَ لَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ، وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِأَيْدِيهِمْ، وَاخْتَلَفَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الِاغْتِسَالَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْيَوْمِ أَمْ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْيَوْمِ، وَإِظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ كَمَا قَالَ - ﷺ - «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ»، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَدَّاةٌ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَلَهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، وَفَائِدَةُ هَذَا
[ ١ / ٨٩ ]
الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى الْجُمُعَةَ. عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَكُونُ مُقِيمًا لِلسُّنَّةِ، وَعِنْدَ الْحَسَنِ - ﵀ - يَكُونُ
وَالِاغْتِسَالُ فِي الْحَاصِلِ أَحَدَ عَشَرَ نَوْعًا. خَمْسَةٌ مِنْهَا فَرِيضَةٌ. الِاغْتِسَالُ مِنْ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَمِنْ إنْزَالِ الْمَاءِ، وَمِنْ الِاحْتِلَامِ، وَمِنْ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْهَا سُنَّةٌ. الِاغْتِسَالُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ، وَعِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَفِي الْعِيدَيْنِ. وَوَاحِدٌ وَاجِبٌ، وَهُوَ غُسْلُ الْمَيِّتِ، وَآخَرُ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْ جَاءَهُ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ»، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا فَإِنْ أَجْنَبَ، وَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى أَسْلَمَ فَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ صِفَةِ الْجَنَابَةِ بَعْدَ إسْلَامِهِ كَبَقَاءِ صِفَةِ الْحَدَثِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ بِهِ، وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.