بَابُ السَّجْدَةِ (قَالَ - ﵁ -): وَيُكْرَهُ لِلْمَرْءِ تَرْكُ آيَةِ السَّجْدَةِ مِنْ سُورَةٍ يَقْرَؤُهَا لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْفِرَارِ عَنْ السَّجْدَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِأَنَّهُ فِي صُورَةِ هَجْرِ آيَةِ السَّجْدَةِ وَلَيْسَ شَيْءٌ
[ ٢ / ٣ ]
مِنْ الْقُرْآنِ مَهْجُورًا وَلِأَنَّ الْقَارِئَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ التَّأْلِيفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أَيْ تَأْلِيفَهُ وَبِغَيْرِ التَّأْلِيفِ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَإِذَا قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ مِنْ بَيْنِ آيِ السُّورَةِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَ مَعَهَا آيَاتٍ وَإِنْ اكْتَفَى بِقِرَاءَةِ آيَةِ السَّجْدَةِ لَمْ يَضُرَّهُ لِأَنَّ قِرَاءَةَ آيَةِ السَّجْدَةِ مِنْ بَيْنِ الْآيِ كَقِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنْ بَيْنِ السُّوَرِ وَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهَا آيَاتٍ لِيَكُونَ أَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى وَالْإِعْجَازِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْتَقِدُ هُوَ أَوْ بَعْضُ السَّامِعِينَ مِنْهُ زِيَادَةَ فَضِيلَةٍ فِي آيَةِ السَّجْدَةِ وَمَنْ حَيْثُ إنَّ قِرَاءَةَ الْكُلِّ سَوَاءٌ فَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ مَعَهَا آيَاتٍ
(قَالَ): وَمَنْ قَرَأَ آيَةَ السَّجْدَةِ أَوْ سَمِعَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَهَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ حِينَ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الشَّرَائِعَ وَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرَهَا؟ فَقَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ فَلَوْ كَانَتْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَاجِبَةً لَمَا تَرَكَ الْبَيَانَ بَعْدَ السُّؤَالِ وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَسَجَدَ ثُمَّ تَلَاهَا فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ فَنَشَزَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ: إنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إذَا تَلَا ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي فَيَقُولُ: أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَلَمْ أَسْجُدْ فَلِي النَّارُ» وَالْأَصْلُ أَنَّ الْحَكِيمَ مَتَى حَكَى عَنْ غَيْرِ الْحَكِيمِ وَلَمْ يُعَقِّبْهُ بِالنَّكِيرِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صَوَابٌ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ آدَمَ مَأْمُورٌ بِالسُّجُودِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَعَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا: السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ تَلَاهَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا عَلَى مَنْ جَلَسَ لَهَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ بِهَذِهِ وَعَلَى كَلِمَةِ إيجَابِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَبَخَّ تَارِكَ السُّجُودِ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٠] ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١] وَالتَّوْبِيخُ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عُمَرَ لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا التَّعْجِيلَ بِهَا فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْقَوْمِ التَّأْخِيرَ عَنْ حَالَةِ الْوُجُوبِ وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ بَيَانُ الْوَاجِبَاتِ ابْتِدَاءً دُونَ مَا يَجِبُ بِسَبَبٍ مِنْ الْعَبْدِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْمَنْذُورَةَ
(قَالَ) فَإِنْ قَرَأَهَا أَوْ سَمِعَهَا وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَمْ يُجْزِئْهُ التَّيَمُّمُ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُهُ وَلِأَنَّهُ بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ يَتَوَصَّلُ إلَى أَدَائِهَا بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ
(قَالَ): وَمَنْ سَمِعَهَا مِنْ صَبِيٍّ أَوْ كَافِرٍ أَوْ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِأَنَّ الْمَتْلُوَّ قُرْآنٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَلِهَذَا مُنِعَ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ مِنْ قِرَاءَتِهِ فَتَقَرَّرَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ فِي حَقِّ السَّامِعِ
(قَالَ)
[ ٢ / ٤ ]
: وَلَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ سَجْدَةٌ قَرَأَتْ أَوْ سَمِعَتْ لِأَنَّ السَّجْدَةَ رُكْنٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْحَائِضُ لَا تَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ مَعَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ وَهُوَ شُهُودُ الْوَقْتِ فَلَا يَلْزَمُهَا السَّجْدَةُ أَيْضًا بِخِلَافِ الْجُنُبِ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ بِسَبَبِ الْوَقْتِ فَتَلْزَمُهُ السَّجْدَةُ بِالتِّلَاوَةِ أَوْ السَّمَاعِ
(قَالَ) وَيَسْتَوِي فِي حَقِّ التَّالِي إذَا تَلَاهَا بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَفِي حَقِّ السَّامِعِ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَهِمَ أَوْ لَمْ يَفْهَمْ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ بِالْقِرَاءَةِ الْفَارِسِيَّةِ وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَ السَّامِعُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَعَلَيْهِ سُجُودُ السَّجْدَةِ وَإِلَّا فَلَا وَفِي الْعَرَبِيَّةِ عَلَيْهِ السَّجْدَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَكِنْ يُعْذَرُ بِالتَّأْخِيرِ مَا لَمْ يَعْلَمْ
(قَالَ): وَإِنْ قَرَأَهَا وَمَعَهُ قَوْمٌ فَسَمِعُوهَا سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ وَلَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ قَبْلَهُ لِأَنَّ التَّالِيَ إمَامُ السَّامِعِينَ هَكَذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِلتَّالِي كُنْت إمَامَنَا لَوْ سَجَدْت لَسَجَدْنَا مَعَك فَكَانُوا فِي حُكْمِ الْمُقْتَدِينَ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ قَبْلَهُ لِهَذَا وَإِنْ فَعَلُوا أَجْزَأَهُمْ لِأَنَّهُ لَا مُشَارَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَإِنْ تَبَيَّنَ فَسَادُ سَجْدَتِهِ بِسَبَبٍ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِمْ
(قَالَ) وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي قِرَاءَةِ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ سَمَاعِهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَكْثَرُ مِنْ سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - كَانَ يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ فَيَقْرَأُ آيَةَ السَّجْدَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ يَقْرَؤُهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى أَصْحَابِهِ وَلَا يَسْجُدُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلِأَنَّ مَبْنَى السَّجْدَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ فَإِنَّ التِّلَاوَةَ مِنْ الْأَصَمِّ وَالسَّمَاعَ مِنْ السَّمِيعِ مُوجِبَانِ لَهَا ثُمَّ لَوْ تَلَاهَا سَمِيعٌ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّهِ التِّلَاوَةُ وَالسَّمَاعُ لِأَنَّ السَّبَبَ وَاحِدٌ وَهُوَ حُرْمَةُ الْمَتْلُوُّ فَالْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ تَكْرَارٌ مَحْضٌ بِسَبَبِ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ فَلَا يَتَجَدَّدُ بِهِ الْمُسَبِّبُ وَهَذَا الْحَرْفُ أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَوْ تَلَاهَا وَسَجَدَ ثُمَّ تَلَاهَا فِي مَجْلِسِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أُخْرَى وَالتَّدَاخُلُ لَا يَكُونُ بَعْدَ أَدَاءِ الْأَوَّلِ فَدَلَّ أَنَّ الصَّحِيحَ اتِّحَادُ السَّبَبِ. وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إذَا ذَكَرَهُ أَوْ سَمِعَ ذِكْرَهُ فِي مَجْلِسٍ مِرَارًا فَالْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُونَ هَذَا قِيَاسَ السَّجْدَةِ فَيَقُولُونَ: يَكْفِيهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِاتِّحَادِ السَّبَبِ وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لِأَنَّهُ حَقُّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَمَا قَالَ «لَا تَجْفُونِي بَعْدَ مَوْتِي قِيلَ: وَكَيْفَ تُجْفَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَنْ أُذْكَرَ فِي مَوْضِعٍ فَلَا يُصَلَّى عَلَيَّ» وَحُقُوقُ الْعِبَادِ لَا تَتَدَاخَلُ وَلِهَذَا قَالُوا مَنْ عَطَسَ وَحَمِدَ اللَّهَ فِي مَجْلِسٍ يَنْبَغِي لِلسَّامِعِ أَنْ يُشَمِّتَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَاطِسِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ
[ ٢ / ٥ ]
لَا يُشَمِّتُهُ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِلْعَاطِسِ بَعْدَ الثَّلَاثِ: قُمْ فَانْتَثِرْ فَإِنَّك مَزْكُومٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَرَأَهَا فَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ أُخْرَى لِأَنَّهُ تَجَدَّدَ لَهُ بِالرُّجُوعِ مَجْلِسٌ آخَرُ وَيَتَجَدَّدُ الْمَجْلِسُ بِتَجَدُّدِ السَّبَبِ لِلتِّلَاوَةِ حُكْمًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ - ﵀ - قَالَ: هَذَا إذَا بَعُدَ عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَأَمَّا إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ سَجْدَةٌ أُخْرَى فَكَأَنَّهُ تَلَاهَا فِي مَكَانِهِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ وَكَانَ يَزْحَفُ إلَى هَذَا تَارَةً وَإِلَى هَذِهِ تَارَةً فَيُعَلِّمُهُمْ آيَةَ السَّجْدَةِ وَلَا يَسْجُدُ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِنْ قَرَأَ آيَةً أُخْرَى وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ فَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ أُخْرَى لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ تَجَدَّدَ فَإِنَّ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ الْأُولَى