(بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) (قَالَ) - ﵁ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ فَكَبَّرَ ثُمَّ رَعَفَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ وَقَدْ صَلَّى الْإِمَامُ قَالَ يَقُومُ مِقْدَارَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَرْكَعُ بِالرَّابِعَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَاحِقٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَسْبُوقٌ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِمَا هُوَ لَاحِقٌ فِيهِ وَهِيَ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ فَيَقْضِيهَا بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ وَاَلَّذِي قَالَ إنَّهُ يَقُومُ مِقْدَارَ الْقِرَاءَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ، فَأَمَّا فَرْضُ الْقِيَامِ فَيَتَأَدَّى بِأَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ هَذِهِ الرَّكْعَةِ قَامَ فَقَضَى الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِقِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ فِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ هَهُنَا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا ثُمَّ بِالتَّكْبِيرِ وَذَكَرَ بَعْدَ هَذَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكِتَابِ وَقَالَ يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ بِالْقِرَاءَةِ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ كِلَاهُمَا فِي صَفْحَةٍ وَاحِدَةٍ فَالرِّوَايَةُ الَّتِي قَالَ يَبْدَأُ فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ جَوَابُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا فَاتَهُ فَيَقْضِيه كَمَا فَاتَهُ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي قَالَ يَبْدَأُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَالْجَامِعِ وَالزِّيَادَاتِ وَالسِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوهَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
وَإِذَا صَلَّى الرَّجُلُ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْعِيدِ رَكْعَةً ثُمَّ تَكَلَّمَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَعْضِ النَّوَادِرِ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ رَكْعَتَيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ بِالشُّرُوعِ الْتَزَمَ أَدَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ الْتَزَمَ ذَلِكَ بِالنَّذْرِ كَانَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُمَا فَكَذَلِكَ إذَا الْتَزَمَ ذَلِكَ بِالشُّرُوعِ وَقِيَاسًا بِسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ هُوَ بِالشُّرُوعِ مَا قَصَدَ أَدَاءَ شَيْءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قَصَدَ إقَامَةَ مَا هُوَ مِنْ إعْلَامِ الدَّيْنِ وَذَلِكَ مُسْتَحَقٌّ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ هَذَا فِي الْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ الشُّرُوعِ فِي أَدَاءِ الْفَرِيضَةِ وَذَلِكَ لَا يُلْزِمُهُ شَيْئًا لَيْسَ
[ ٢ / ١٢٣ ]
عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَذَا الشُّرُوعُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ قَصَدَ الْإِسْقَاطَ لَا الِالْتِزَامَ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ تَكَلَّمَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا مَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَهُوَ أَدَاءُ الظُّهْرِ فَكَذَلِكَ هُنَا. يُوَضِّحُهُ أَنَّا لَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْقَضَاءَ فَإِمَّا أَنْ يَقْضِيَ مَعَ التَّكْبِيرَاتِ أَوْ بِدُونِ التَّكْبِيرَاتِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْضِيَ مَعَ التَّكْبِيرَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إلَّا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْمُنْفَرِدُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ بِدُونِ التَّكْبِيرَاتِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ، وَرَدُّوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمٍ آخَرَ وَهَذَا فِي الْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - ﵀ - يَقُولُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بِغَيْرِ صِفَةِ الْأَدَاءِ وَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ وَهُمَا يَعْتَبِرَانِ الْأَصْلَ لِإِيجَادِ الْقَضَاءِ بِدُونِ الصِّفَةِ فَكَذَلِكَ هُنَا ثُمَّ ذَكَرَ بَابَ التَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مِنْ الْمَسَائِلِ إلَّا مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ
وَذَكَرَ بَابَ صَلَاةِ الْخَوْفِ أَيْضًا وَمَسَائِلَهُ عَيْنَ مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُ نَصَّ هُنَا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - إنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْخَوْفِ بِصِفَةِ الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ الْيَوْمَ، إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - خَاصَّةً، وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَسْأَلَةَ هُنَاكَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ رَعَفَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدَّمَ رَجُلًا مِنْ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بَقِيَّةَ صَلَاةِ الْإِمَامِ ثُمَّ يَنْفَتِلُ هُوَ وَمَنْ خَلْفَهُ فَيَقُومُونَ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ وَهَذَا لَا يَشْكُلُ فِي حَقِّ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّهُمْ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ فَأَوَانُ انْصِرَافِهِمْ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الْعَدُوِّ عِنْدَ تَمَامِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، فَأَمَّا فِي حَقِّهِ فَنَقُولُ هُوَ خَلِيفَةُ الْإِمَامِ فِي إتْمَامِ بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ وَقَدْ فَعَلَ فَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فَلِهَذَا يَنْصَرِفُ مَعَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ يَعُودُ مَعَهُمْ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.