الْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - (قَالَ) «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ النَّاسُ: إنَّمَا انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ لِمَوْتِهِ فَقَالَ - ﵊ -: إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ: «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَصَلَّى ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ لَا تُرْسَلُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَكِنْ يُرْسِلُهَا اللَّهُ تَعَالَى لِيُخَوِّفَكُمْ بِهَا فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَاذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى وَاسْتَغْفِرُوهُ» ثُمَّ الصَّلَاةُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَانِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَنَا كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعٍ وَسَجْدَتَيْنِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ -: كُلُّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعَيْنِ وَسُجُودَيْنِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - ﵂ - وَابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ بِأَرْبَعِ رُكُوعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَلَنَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵊ - صَلَّى فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ رَكْعَتَيْنِ كَأَطْوَلِ صَلَاةٍ
[ ٢ / ٧٤ ]
كَانَ يُصَلِّيهَا فَانْجَلَتْ الشَّمْسُ مَعَ فَرَاغِهِ مِنْهَا» وَفِي الْكِتَابِ ذَكَرَ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي الْكُسُوفِ ثُمَّ كَانَ الدُّعَاءُ حَتَّى تَجَلَّتْ» وَهُوَ كَانَ مُقَدَّمًا فِي بَابِ الْإِخْبَارِ فَإِنَّمَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَا يَصِحُّ مِنْهَا فَدَلَّ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ جَازَ الْأَخْذُ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ - ﵃ - لَجَازَ الْأَخْذُ بِمَا رَوَى جَابِرٌ - ﵁ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ بِسِتِّ رُكُوعَاتٍ وَسِتِّ سَجَدَاتٍ» وَقَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْكُسُوفِ رَكْعَتَيْنِ بِثَمَانِ رُكُوعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» وَبِالْإِجْمَاعِ هَذَا غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَعْهُودِ فَكَذَلِكَ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -.
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - طَوَّلَ الرُّكُوعَ فِيهَا فَإِنَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فَمَلَّ بَعْضُ الْقَوْمِ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَظَنَّ مَنْ خَلْفَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ ثُمَّ عَادَ الصَّفُّ الْمُتَقَدِّمُ إلَى الرُّكُوعِ اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ - ﵊ - فَرَكَعَ مَنْ خَلْفَهُمْ أَيْضًا وَظَنُّوا أَنَّهُ رَكَعَ رُكُوعَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَمِثْلُ هَذَا الِاشْتِبَاهِ قَدْ يَقَعُ لِمَنْ كَانَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ وَعَائِشَةُ - ﵂ - كَانَتْ وَاقِفَةً فِي صَفِّ النِّسَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي صَفِّ الصِّبْيَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلِهَذَا نَقَلَا كَمَا وَقَعَ عِنْدَهُمَا وَلَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانَ أَمْرًا بِخِلَافِ الْمَعْهُودِ فَيَنْقُلُهَا الْكِبَارُ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَحَيْثُ لَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ دَلَّ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْنَا ثُمَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ لَا يُقِيمُهَا بِالْجَمَاعَةِ إلَّا الْإِمَامُ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ فَأَمَّا أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ فَرِيقٍ فِي مَسْجِدِهِمْ فَلَا لِأَنَّهُ أَقَامَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَإِنَّمَا يُقِيمُهَا الْآنَ مَنْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا الْإِمَامُ صَلَّى النَّاسُ فُرَادَى إنْ شَاءُوا رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءُوا أَرْبَعًا لِأَنَّ هَذَا تَطَوُّعٌ وَالْأَصْلُ فِي التَّطَوُّعِ أَدَاؤُهَا فُرَادَى إنْ شَاءُوا رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءُوا أَرْبَعًا وَذَلِكَ أَفْضَلُ ثُمَّ إنْ شَاءُوا طَوَّلُوا الْقِرَاءَةَ وَإِنْ شَاءُوا قَصَّرُوا ثُمَّ اشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ حَتَّى تَنْجَلِي الشَّمْسُ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ الِاشْتِغَالُ بِالتَّضَرُّعِ إلَى أَنْ تَنْجَلِيَ وَذَلِكَ بِالدُّعَاءِ تَارَةً وَبِالْقِرَاءَةِ أُخْرَى وَصَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ «قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كَانَ بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِقَدْرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ» فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُطَوِّلَ الْقِرَاءَةَ فِيهَا
فَأَمَّا كُسُوفُ الْقَمَرِ فَالصَّلَاةُ حَسَنَةٌ وَكَذَلِكَ فِي الظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَالْفَزَعِ لِقَوْلِهِ - ﵊ - «إذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَالِ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» وَعَابَ أَهْلُ الْأَدَبِ عَلَى مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا
[ ٢ / ٧٥ ]
اللَّفْظِ وَقَالُوا: إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَمَرِ لَفْظُ الْخُسُوفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْخُسُوفُ ذَهَابُ دَائِرَتِهِ وَالْكُسُوفُ ذَهَابُ ضَوْئِهِ دُونَ دَائِرَتِهِ فَإِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ هَذَا النَّوْعَ بِذِكْرِ الْكُسُوفِ ثُمَّ الصَّلَاةُ فِيهَا فُرَادَى لَا بِجَمَاعَةٍ لِأَنَّ كُسُوفَ الْقَمَرِ بِاللَّيْلِ فَيَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الِاجْتِمَاعُ وَرُبَّمَا يَخَافُ الْفِتْنَةَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِيهَا بِالْجَمَاعَةِ وَالْأَصْلُ فِي التَّطَوُّعَاتِ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا مَا خَلَا قِيَامَ رَمَضَانَ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ وَكُسُوفَ الشَّمْسِ لِوُرُودِ الْأَثَرِ بِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ مِنْ الصَّلَاةِ يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ وَلَا يُؤَذَّنُ لِلتَّطَوُّعَاتِ وَلَا يُقَامُ فَدَلَّ أَنَّهَا لَا تُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ
(قَالَ) وَلَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - وَيَجْهَرُ بِهَا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - ﵀ - وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ - ﵀ - تَعَالَى مُضْطَرِبٌ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَدِيثُ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّهُ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَخْصُوصَةٌ تُقَامُ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ فَيَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ كَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ حَرْفٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ وَفِي الْحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» أَيْ لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّهُ وَقَعَ اتِّفَاقًا أَوْ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ فِيهَا مَشْرُوعَةٌ
(قَالَ): وَلَا يُصَلَّى الْكُسُوفُ فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا تَطَوُّعٌ كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ
(قَالَ): وَلَا صَلَاةَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ إنَّمَا فِيهَا الدُّعَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُصَلِّي فِيهَا رَكْعَتَيْنِ بِجَمَاعَةٍ كَصَلَاةِ الْعِيدِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَكْبِيرَاتٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَهُوَ رِوَايَةُ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ -: فِيهَا تَكْبِيرَاتٌ كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ - ﵄ - «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] فَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِالِاسْتِغْفَارِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ ﴿يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ - ﵁ - «أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ يَسْتَسْقِيَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو فَمَا نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ حَتَّى نَشَأَتْ سَحَابَةٌ فَمُطِرْنَا إلَى الْجُمُعَةِ الْقَابِلَةِ»
[ ٢ / ٧٦ ]
الْحَدِيثُ وَأَنَّ عُمَرَ - ﵁ - خَرَجَ لِلِاسْتِسْقَاءِ فَمَا زَادَ عَلَى الدُّعَاءِ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: لَقَدْ اسْتَسْقَيْت لَكُمْ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي يَسْتَنْزِلُ بِهَا الْمَطَرُ وَرُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ بِالْعَبَّاسِ - ﵁ - فَأَجْلَسَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَوَقَفَ بِجَنْبِهِ يَدْعُو وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّك - ﷺ - وَدَعَا بِدُعَاءٍ طَوِيلٍ فَمَا نَزَلَ عَنْ الْمِنْبَرِ حَتَّى سَقَوْا فَدَلَّ أَنَّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ الدُّعَاءَ وَهُوَ الِاسْتِغْفَارُ وَالْأَثَرُ الَّذِي نُقِلَ أَنَّهُ صَلَّى فِيهَا - ﷺ - شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَمَا يَحْتَاجُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ إلَى مَعْرِفَتِهِ لَا يُقْبَلُ فِيهِ شَاذٌّ وَهَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فِي دِيَارِهِمْ ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَخْطُبُ الْإِمَامُ بَعْدَ الصَّلَاةِ نَحْوَ الْخُطْبَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الدُّعَاءُ فَلَا يَقْطَعُهَا بِالْجِلْسَةِ وَقَدْ وَرَدَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: يَخْطُبُ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - ﵁ - وَقَدْ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ فَإِذَا مَضَى صَدْرٌ مِنْ خُطْبَتِهِ قَلَبَ رِدَاءَهُ وَصِفَتُهُ إنْ كَانَ مُرَبَّعًا جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَإِنْ كَانَ مُدَوَّرًا جَعَلَ الْجَانِبَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ حَدِيثٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَعَلَهُ وَلَا تَأْوِيلَ لَهُ سِوَى أَنْ يُقَالَ تُغَيَّرُ الْهَيْئَةُ لِيَتَغَيَّرَ الْهَوَاءُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِدَ فِي خُطْبَتِهِ عَلَى عَصًا وَأَنْ يَتَنَكَّبَ قَوْسًا بِهِ وَرَدَ الْأَثَرُ وَهَذَا لِأَنَّ خُطْبَتَهُ تَطُولُ فَيَسْتَعِينُ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى عَصًا وَإِذَا قَلَبَ الْإِمَامُ رِدَاءَهُ لَمْ يَقْلِبْ النَّاسُ أَرْدِيَتَهُمْ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّاسَ فَعَلُوا ذَلِكَ حِينَ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ وَبِهِ أَخَذَ مَالِكٌ. وَتَأْوِيلُهُ إنَّهُمْ اقْتَدُوا بِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا سُنَّةٌ كَمَا خَلَعُوا نِعَالَهُمْ حِينَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَمَا يَكُونُ مِنْ سُنَّةِ الْخُطْبَةِ يَأْتِي بِهِ الْخَطِيبُ دُونَ الْقَوْمِ كَالْقِيَامِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: إنْ شَاءَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَإِنْ شَاءَ أَشَارَ بِأُصْبُعِهِ لِأَنَّ رَفْعَ الْيَدِ عِنْدَ الدُّعَاءِ سُنَّةٌ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَدْعُو بِعَرَفَاتٍ بَاسِطًا يَدَيْهِ كَالْمُتَضَرِّعِ الْمِسْكَيْنِ» وَإِنَّمَا يَخْرُجُونَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يُنْقَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُخْرِجُونَ الْمِنْبَرَ فِيهَا كَمَا بَيَّنَّا فِي صَلَاةِ الْعِيدِ
(قَالَ): وَلَا يَخْرُجُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنْ خَرَجُوا لَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ أَثَرٌ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي عَهْدِ بَعْضِ الْخُلَفَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّمَا يَخْرُجُ النَّاسُ لِلدُّعَاءِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلَّا فِي ضَلَالٍ وَلِأَنَّهُمْ بِالْخُرُوجِ يَسْتَنْزِلُونَ الرَّحْمَةَ وَمَا يَنْزِلُ عَلَى الْكُفَّارِ إلَّا اللَّعْنُ
[ ٢ / ٧٧ ]
وَالسَّخَطُ وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِتَبْعِيدِ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» فَلِهَذَا لَا يُمَكَّنُونَ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ
(قَالَ): وَيَنْصِتُ الْقَوْمُ لِخُطْبَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ يَعِظُهُمْ فِيهَا وَفَائِدَةُ الْوَعْظِ إنَّمَا تَظْهَرُ بِالْإِنْصَاتِ وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَلَا يُشْكِلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا صَلَاةٌ بِالْجَمَاعَةِ إنَّمَا فِيهَا الدُّعَاءُ فَإِنْ شَاءُوا صَلَّوْا فُرَادَى وَذَلِكَ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا صَلَاةٌ بِالْجَمَاعَةِ لَكِنَّهَا تَطَوُّعٌ كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَلَيْسَ فِيهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَاَللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ