بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: بُنِيَ مَسَائِلُ أَوَّلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَبَيْنَ فَرْضِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ إلَّا فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ أَوْ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ كَثْرَةِ الْفَوَائِتِ (وَقَالَ): لَوْ أَنَّ رَجُلًا نَسِيَ الظُّهْرَ فَصَلَّى مِنْ الْعَصْرِ رَكْعَةً فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ ذَكَرَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الْعَصْرَ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِلظُّهْرِ عِنْدَ الشُّرُوعِ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُ فِي الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَإِذَا ذَكَرَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَصْرِ لَا يُمْكِنُهُ إتْمَامُ الْعَصْرِ أَيْضًا كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا أَبْصَرَ الْمَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَفِي قَوْلِهِ: يَقْطَعُ الْعَصْرَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَذَكُّرِ الظُّهْرِ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الْعَصْرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهَذَا لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَاشْتِبَاهِ الْآثَارِ فِيهِ، وَالسَّبِيلُ فِي الْعِبَادَاتِ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَتَمَامُ الِاحْتِيَاطِ فِي أَنْ يَقْطَعَ الْعَصْرَ قَالَ: فَإِنْ مَضَى فِي الْعَصْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْجَوَازِ فَإِنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ بَعْدَ التَّذَكُّرِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَصْرِ ثُمَّ يُجْزِئُهُ عَنْ التَّطَوُّعِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ أَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَوَاهُ الْحَسَنُ وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُجْزِئُهُ عَنْ التَّطَوُّعِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلصَّلَاةِ جِهَةً وَاحِدَةً فَإِذَا فَسَدَتْ صَارَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِفَسَادِ الْجِهَةِ لَا يَفْسُدُ أَصْلُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا اعْتَرَضَ مُنَافِيًا لِأَصْلِ الصَّلَاةِ، وَتَذَكُّرُ الظُّهْرِ لَا يُنَافِي أَصْلَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ أَدَاءَ الْعَصْرِ فَيَفْسُدُ الْعَصْرُ وَيَبْقَى أَصْلُ الصَّلَاةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَفِّرِ بِالصَّوْمِ إذَا أَيْسَرَ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلظُّهْرِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْعَصْرِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ حَتَّى لَوْ ضَحِكَ قَهْقَهَةً لَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ وَفَرَّقَ بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ فَقَالَ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ: عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ
[ ٢ / ٨٧ ]
بِفَرْضِ الْوَقْتِ.
وَلَوْ بَدَأَ بِالْفَائِتَةِ أَجْزَأَهُ إذَا كَانَ الْوَقْتُ قَابِلًا لِلْفَائِتَةِ، وَعِنْدَ سِعَةِ الْوَقْتِ عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْفَائِتَةِ.
وَلَوْ بَدَأَ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ النَّهْيَ عَنْ الْبُدَاءَةِ بِالْفَائِتَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِيهَا بَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ فَرْضِ الْوَقْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَمَا يُنْهَى عَنْ الْبُدَاءَةِ بِالْفَائِتَةِ يُنْهَى عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالتَّطَوُّعِ، وَالنَّهْيُ مَتَى كَانَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَعِنْدَ سَعَةِ الْوَقْتِ النَّهْيُ عَنْ الْبُدَاءَةِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لِمَعْنًى فِيهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُنْهَى عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالتَّطَوُّعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَالنَّهْيُ مَتَى كَانَ لِمَعْنًى فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَانَ مُفْسِدًا لَهُ.
فَإِنْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ نَاسٍ لِلظُّهْرِ فَصَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً ثُمَّ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّ الظُّهْرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ تَذَكُّرَ الظُّهْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يَمْنَعُ افْتِتَاحَ الْعَصْرِ فَلَا يَمْنَعُ الْمُضِيَّ فِيهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَهَا، وَاشْتَغَلَ بِالظُّهْرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ فَفِيهِ تَفْوِيتُ الصَّلَاتَيْنِ عَنْ الْوَقْتِ فَكَانَ تَذَكُّرُ الظُّهْرِ وُجُودًا وَعَدَمًا بِمَنْزِلَةٍ (قَالَ): وَهِيَ تَامَّةٌ يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ لَا مِنْ حَيْثُ الِاسْتِحْبَابُ، فَإِنَّ أَدَاءَ الْعَصْرِ فِي هَذَا الْوَقْتِ مَكْرُوهٌ عَلَى مَا قَالَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي صَلَاةٌ حِينَ تَحْمَرُّ الشَّمْسُ بِفَلْسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلظُّهْرِ فَصَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً ثُمَّ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ مَا صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا مَعَ ذِكْرِهِ لِلظُّهْرِ، وَالْبِنَاءُ عَلَى الْفَاسِدِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ صَلَاتَهُ ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الْعَصْرَ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا صَارَ شَارِعًا فِي التَّطَوُّعِ وَلَكِنَّ أَدَاءَ التَّطَوُّعِ بَعْدَمَا احْمَرَّتْ الشَّمْسُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَأَدَاءُ عَصْرِ الْيَوْمِ مَأْمُورٌ بِهِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَيَشْتَغِلُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ غَيْرُ شَارِعٍ فِي الصَّلَاةِ أَصْلًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَصْرَ، وَإِنْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَمْرَاءُ وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلظُّهْرِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا أَدَاءُ الظُّهْرِ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَاةِ سِوَى عَصْرِ الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِمَا يَكُونُ الْوَقْتُ قَابِلًا لَهُ؛ وَلِأَنَّ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ عَنْ هَذَا الْوَقْتِ تَفْوِيتَهَا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ عَنْ وَقْتِهَا يَكُونُ تَفْوِيتًا لِأَدَائِهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَلَوْ اشْتَغَلَ بِالْفَائِتَةِ كَانَ مُتَدَارِكًا لِمَا فَوَّتَ بِتَفْوِيتِ مِثْلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ فِي الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا، وَطَعَنَ عِيسَى فِي هَذَا وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْدَأُ بِالظُّهْرِ ثُمَّ
[ ٢ / ٨٨ ]
بِالْعَصْرِ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ الْوَقْتُ قَابِلٌ لِلظُّهْرِ، وَالْمَعْنَى الْمُسْقِطُ لِمُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ ضِيقُ الْوَقْتِ، وَقَدْ انْعَدَمَ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَدْ اتَّسَعَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ نَاسٍ لِلظُّهْرِ ثُمَّ تَذَكَّرَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا يَعْرِضُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ افْتِتَاحِهَا كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ أَوْ الْعَارِي إذَا وَجَدَ الثَّوْبَ وَمَا ذَكَرَهُ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: لَوْ قَطَعَ صَلَاتَهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ كَانَ مُؤَدِّيًا جَمِيعَ الْعَصْرِ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا.
وَلَوْ أَتَمَّهَا كَانَ مُؤَدِّيًا بَعْضَ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا، وَكَمَا سَقَطَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ لِحَاجَتِهِ إلَى أَدَاءِ جَمِيعِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا يَسْقُطُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ لِحَاجَتِهِ إلَى أَدَاءِ بَعْضِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ بِالِابْتِدَاءِ كَانَ مَأْمُورًا بِالشُّرُوعِ فِي الْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا.
وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَانِعًا لَهُ مِنْ إتْمَامِ الْعَصْرِ لَكَانَ تَيَقُّنُهُ بِهِ عِنْدَ الشُّرُوعِ مَانِعًا لَهُ مِنْ افْتِتَاحِ الْعَصْرِ، وَأَحَدٌ لَا يَقُولُ إنَّهُ لَا يُفْتَتَحُ الْعَصْرُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا يُوَضِّحُهُ أَنَّ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَبَعْدَمَا سَقَطَ التَّرْتِيبُ فِي صَلَاةٍ لَا يَعُودُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ حَالَةِ النِّسْيَانِ فَهُنَاكَ التَّرْتِيبُ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ بَقِيَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ كَمَا كَانَ.
(قَالَ): فَإِنْ كَانَ افْتَتَحَ الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلظُّهْرِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُهَا، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ وَاسِعٌ، وَقَدْ صَارَتْ الْعَصْرُ فَائِتَةً كَالظُّهْرِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ فَرْضِ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا لِلظُّهْرِ حِينَ افْتَتَحَ الْعَصْرَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَمَّا صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً ذَكَرَ أَنَّ الظُّهْرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ عَصْرُهُ وَيُصَلِّي الظُّهْرَ؛ لِأَنَّ التَّذَكُّرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ يَمْنَعُهُ مِنْ افْتِتَاحِ الْعَصْرِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ إتْمَامِهَا أَيْضًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ وَلَكِنَّهُ يُعْذَرُ لِلنِّسْيَانِ فَإِذَا زَالَ الْعُذْرُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
وَإِنْ افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ نَاسٍ لِلظُّهْرِ فَلَمَّا صَلَّى مِنْهَا رَكْعَةً احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الظُّهْرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَمْضِي فِيهَا؛ لِأَنَّ شُرُوعَهُ فِي الْعَصْرِ قَدْ صَحَّ فِي الِابْتِدَاءِ لِكَوْنِهِ نَاسِيًا لِلظُّهْرِ، وَإِنَّمَا تَذَكَّرَ بَعْدَمَا احْمَرَّتْ الشَّمْسُ، وَمُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ سَاقِطٌ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَكَانَ تَذَكُّرُهُ وُجُودًا وَعَدَمًا بِمَنْزِلَةٍ يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ صَلَاتَهُ حِينَ تَذَكَّرَ لَكَانَ يَسْتَقْبِلُ الْعَصْرَ، وَلَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يَقْطَعَ عَصْرًا صَحَّ شُرُوعُهُ فِيهِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُهَا
[ ٢ / ٨٩ ]
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلظُّهْرِ حِينَ افْتَتَحَهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا صَحَّ شُرُوعُهُ فِي الْعَصْرِ فَهُوَ إنَّمَا يَقْطَعُ التَّطَوُّعَ لِيَشْتَغِلَ بِأَدَاءِ الْعَصْرِ فِي وَقْتِهَا، وَذَلِكَ مُفِيدٌ ثُمَّ الْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ أَدَاءُ الْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَيَقَعُ الْعَصْرُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ عِنْدَهُ مَا بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْعَصْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَبَيَّنَّا الِاخْتِلَافَ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ تَغَيُّرُ الضَّوْءِ أَمْ تَغَيُّرُ الْقُرْصِ، وَيُحْكَى عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْفَصْلِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتًا لِلْعَصْرِ وَلَكِنَّ تَأْخِيرَ الْعَصْرِ إلَيْهِ مَكْرُوهٌ، وَعَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَعْنَى الْكَرَاهَةِ يُسْقِطُ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ كَمَا أَنَّ مَعْنَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِ يُسْقِطُ ذَلِكَ بَيَانُهُ فِي مُصَلِّيَ الْجُمُعَةِ إذَا تَذَكَّرَ الْفَجْرَ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْفَجْرِ تَفُوتُهُ الْجُمُعَةُ وَلَا يَفُوتُهُ الْوَقْتُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَلْزَمُهُ وَلَكِنْ يُتِمُّ الْجُمُعَةَ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجُمُعَةِ لِلصَّحِيحِ الْمُقِيمِ فِي الْمِصْرِ مَكْرُوهٌ فَيَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ خَوْفِ فَوَاتِ الْوَقْتِ فِي سُقُوطِ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فَهَذَا مِثْلُهُ (قَالَ) - ﵁ -: وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ هَهُنَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ - ﵀ - أَنَّ الْجُمُعَةَ أَقْوَى مِنْ الْفَجْرِ فَإِنَّهَا أَدْعَى لِلشَّرَائِطِ وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ كَانَ فَرْضُهُ الْجُمُعَةَ فَالْأَضْعَفُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا لِلْأَقْوَى وَخَوْفُ فَوَاتِ الْأَقْوَى يَمْنَعُهُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْأَدْنَى، وَهَهُنَا الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ يَسْتَوِيَانِ فِي الْقُوَّةِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ إلَّا بِخَوْفِ فَوَاتِ الْوَقْتِ.
(رَجُلٌ) تَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ، وَصَلَّى ثُمَّ أَصَابَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ نَبِيذَ التَّمْرِ طَهُورٌ فِي حَالِ عَدَمِ الْمَاءِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ بَعْدَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْمُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ، فَإِنْ قِيلَ: الْوَقْتُ بَاقٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ وُجُودَ الْمَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَوُجُودِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ قُلْنَا: وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ لَا لِأَجْلِ الْوَقْتِ، وَمَا وُجِدَ الْمَاءُ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَكَذَا الْمُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ
[ ٢ / ٩٠ ]
إذَا أَيْسَرَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ وُجُودُهُ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى.
رَجُلٌ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ مِنْ الظُّهْرِ مَعَ الْإِمَامِ فَلَمَّا رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ قَامَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَقْعُدْ مَعَهُ فَإِنْ كَانَ قَرَأَ بَعْدَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ مِقْدَارَ مَا يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا لَمْ تُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ وَقِرَاءَتَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ مَا لَمْ يَقْعُدْ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُقْتَدٍ مَا لَمْ يَفْرُغْ الْإِمَامُ مِنْ التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ الْإِمَامِ مُقْتَدِيًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ إلَّا فِي وَقْتٍ لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ، وَمَا لَمْ يَقْعُدْ الْإِمَامُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ لَوْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَخْرُجُ هُوَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ، وَلَا يَعْتَدُّ بِقِرَاءَةِ الْمُقْتَدِي؛ وَلِأَنَّ الْعَوْدَ إلَى الْقُعُودِ مَعَ الْإِمَامِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ التَّشَهُّدِ فَيُجْعَلُ هُوَ فِي الْحُكْمِ كَالْقَاعِدِ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا فِي الصُّورَةِ فَإِذَا رَكَعَ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ فَكَأَنَّهُ تَرَكَ الْقِيَامَ وَالْقِرَاءَةَ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ فَلَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ قَرَأَ بَعْدَمَا قَعَدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ مِقْدَارَ مَا يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ جَازَتْ صَلَاتُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَامَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَإِنْ قِيلَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ رُكْنٌ، وَقَدْ تَرَكَهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ قُلْنَا: هَذِهِ الْقَعْدَةُ فِي حَقِّهِ لَيْسَتْ هِيَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فَإِنَّ الْقَعْدَةَ الْأَخِيرَةَ مَا يَكُونُ خَتْمُ الصَّلَاةِ بِهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقَضَاءِ، وَقَدْ أَتَى بِهَا، وَإِنْ كَانَ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا قَالَ: إنْ كَانَ قَرَأَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ إنْ قَرَأَ فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْرَأْ بَعْدَ قُعُودِ الْإِمَامِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ شَيْئًا اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْقِرَاءَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقِيَامَ فَكُنِّيَ بِالْقِرَاءَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ قَائِمًا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّشَهُّدِ جَازَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَفَرْضُ الْقِرَاءَةِ رُكْنٌ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَفَرْضُ الْقِيَامِ يَتَأَدَّى بِأَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قِيَامُهُ مَا لَمْ يَفْرُغْ الْإِمَامُ مِنْ التَّشَهُّدِ فَإِذَا بَقِيَ قَائِمًا بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ فَقَدْ وَجَدَ فَرْضَ الْقِيَامِ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ، وَقَدْ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا فَتَتِمُّ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ رَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ الْإِمَامُ قَدْرَ التَّشَهُّدِ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ لِانْعِدَامِ الْقِيَامِ الْمُعْتَدِّ بِهِ فِي هَذِهِ الرَّكْعَةِ.
وَإِنْ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا مَعَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَصَلَّى مَعَهُ حَتَّى فَرَغَ الْإِمَامُ لَمْ تَجُزْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١] الْآيَةُ فَالْمُرَادُ بَيَانُ أَحْوَالِ الْمُصَلِّي بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وَكَذَلِكَ
[ ٢ / ٩١ ]
إنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَجَعَلَ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَهُوَ قَاعِدٌ لَمْ تُجْزِئْهُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ حِينَ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَعْدَمَا افْتَتَحَهَا قَائِمًا جَعَلَ يُومِئُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ وَيَتْبَعَ الْإِمَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَهِيَ تَامَّةٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ قَاعِدٌ يَتَأَدَّى بِهِ التَّطَوُّعُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ فَإِذَا لَمْ يُجْزِئْ مَا أَدَّى عَنْ الْفَرْضِ كَانَ نَفْلًا وَاشْتِغَالُهُ بِأَدَاءِ النَّفْلِ قَبْلَ إكْمَالِ الْفَرْضِ مُفْسِدٌ لِلْفَرْضِ فَعَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْإِيمَاءُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْعُذْرِ فَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ التَّطَوُّعِ بِهِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْفَرْضِ فَلَمْ يَكُنْ هُوَ مُؤَدِّيًا لِلنَّفْلِ، وَلَكِنَّهُ مُؤَخِّرٌ أَدَاءَ الْأَرْكَانِ بَعْدَمَا صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ بِالْإِمَامِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ وَيُؤَدِّيَ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ مُسِيئًا لِمُخَالَفَتِهِ الْإِمَامَ بِالتَّأْخِيرِ، وَالثَّانِي أَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ عَمَلٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَاشْتِغَالُهُ بِعَمَلٍ كَثِيرٍ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ صَلَاتِهِ يَكُونُ مُفْسِدًا لِصَلَاتِهِ، فَأَمَّا الْإِيمَاءُ فَلَيْسَ بِعَمَلٍ، وَهُوَ يَسِيرٌ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ لَا يَكُونُ قَطْعًا لِصَلَاتِهِ كَالِالْتِفَاتِ فَلِهَذَا يَقُومُ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ
وَلَوْ ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ الْإِمَامَ قَدْ كَبَّرَ، وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَ فَكَبَّرُوا ثُمَّ قَهْقَهَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ شُرُوعُهُمْ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَضِحْكُهُمْ لَمْ يُصَادِفْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ لَوْ كَبَّرَ قَبْلَ الْإِمَامِ ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ كَبَّرَ الرَّجُلُ يَكُونُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ وَيَكُونُ تَكْبِيرُهُ هَذَا قَطْعًا لِمَا كَانَ فِيهِ وَشُرُوعًا فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَارِعٌ فِي الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الْإِمَامِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ أَنَّهُ نَوَى أَصْلَ الصَّلَاةِ، وَنَوَى الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ فَصَحَّتْ نِيَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ، وَلَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ فَيَكُونُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ هَهُنَا أَنَّهُ نَوَى صَلَاةَ الْإِمَامِ، وَلَمْ تَصِحَّ نِيَّتُهُ هَذَا حِينَ لَمْ يُكَبِّرْ الْإِمَامُ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ مَا أَجَابَ بِهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ بِفَسَادِ الْجِهَةِ عِنْدَهُمَا لَا يَفْسُدُ أَصْلُ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِذَا لَمْ تَصِحَّ نِيَّةُ الْجِهَةِ تَبْقَى نِيَّةُ أَصْلِ الصَّلَاةِ فَيَصِيرُ شَارِعًا فِي صَلَاةِ نَفْسِهِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفَسَادِ الْجِهَةِ يَفْسُدُ أَصْلُ الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ بِبُطْلَانِ نِيَّةِ الْجِهَةِ هَهُنَا تَبْطُلُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ هُنَا فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ
وَلَوْ أَنَّ إمَامًا صَلَّى بِقَوْمٍ وَسَلَّمَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَضَحِكَ بَعْضُ مَنْ خَلْفَهُ أَوْ ضَحِكَ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ، أَمَّا الْإِمَامُ
[ ٢ / ٩٢ ]
إذَا ضَحِكَ؛ فَلِأَنَّهُ بِالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ صَارَ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ - ﵊ - «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ»، وَقَدْ وُجِدَ وَتَسْلِيمُهُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْجَفَاءِ وَلِتَعْمِيمِ جَمِيعِ الْقَوْمِ بِالسَّلَامِ فَلَا يَتَوَقَّفُ خُرُوجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى وُجُودِهِ، وَإِذَا صَارَ خَارِجًا بِالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ فَضِحْكُهُ لَمْ يُصَادِفْ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْمُقْتَدِي إذَا ضَحِكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ فَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي التَّبَعِ ثُبُوتُهُ فِي الْمَتْبُوعِ، وَكَمَا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ السَّلَامُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ تَبَعٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ السَّلَامُ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِي تَبَعٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ خُرُوجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَالْمُقْتَدِي إنَّمَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ بِسَلَامِ نَفْسِهِ، وَإِذَا ضَحِكَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ كَانَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذِكْرٍ يَكُونُ الْمُقْتَدِي فِيهِ تَبَعًا لِإِمَامِهِ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمُقْتَدِي أَصْلًا كَالْقِرَاءَةِ؛ وَلِأَنَّ التَّحْلِيلَ مُعْتَبَرٌ بِالتَّحْرِيمِ فَكَمَا لَا يَصِيرُ الْمُقْتَدِي شَارِعًا بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ لَا يَصِيرُ خَارِجًا مِنْ الصَّلَاةِ بِتَسْلِيمِ الْإِمَامِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هُوَ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ بَقِيَ مَقْصُودًا وَفِيمَا يَكُونُ هُوَ تَبَعًا لَا يَكُونُ مَقْصُودًا (قَالَ): - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ - ﵀ - يَقُولُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَبَيَّنُ جَهْلُ بَعْضِ النَّاسِ مِمَّنْ يَشْتَغِلُ بِالدَّعَوَاتِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ فَإِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُسَلِّمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِالدَّعَوَاتِ لِيَكُونَ خُرُوجُهُ بِسَلَامِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَ صَارَ خَارِجًا بِسَلَامِ الْإِمَامِ يَعْنَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ الْجَوَابِ مُطْلَقًا يَكُونُ خَارِجًا عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ فَإِنَّ الْجَوَابَ مُطْلَقٌ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُ يَصِيرُ خَارِجًا بِسَلَامِ الْإِمَامِ لَا بِسَلَامِ نَفْسِهِ فَلَا تَكُونُ دَعَوَاتُهُ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْأَوْلَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵁ - أَنْ يُكَبِّرَ مَعَ الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ يَأْتِي بِسَائِرِ الْأَفْعَالِ مَعَهُ، وَفِي التَّسْلِيمِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يُسَلِّمُ مَعَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكُ الْإِمَامِ وَالْمُشَارَكَةُ تَقْتَضِي الْمُقَارَنَةَ وَعِنْدَهُمَا الْأَوْلَى أَنْ يُكَبِّرَ عَقِيبَ تَكْبِيرِ الْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِإِمَامِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ حِينَ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ اقْتَدَى بِهِ رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ صَارَ خَارِجًا مِنْهَا فَكَيْفَ يَقْتَدِي بِهِ غَيْرُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الصَّلَاةِ