(قَالَ) وَإِنْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا صُلِّيَ فِي الْقَبْرِ عَلَيْهَا إنَّمَا لَا يُخْرَجُ مِنْ الْقَبْرِ لِأَنَّهُ قَدْ سُلِّمَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ. جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ» وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يُؤَدُّوا حَقَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ تَتَأَتَّى فَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَلِهَذَا يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ تَفَرَّقَ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ لَا عَلَى أَعْضَائِهِ وَفِي الْأَمَالِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَقْدِيرٍ لَازِمٍ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَبِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَيِّتِ فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ أَكْبَرُ الرَّأْيِ وَاَلَّذِي رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ» مَعْنَاهُ دَعَا لَهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقِيلَ: إنَّهُمْ كَمَا دُفِنُوا لَمْ تَتَفَرَّقْ أَعْضَاؤُهُمْ وَهَكَذَا وُجِدُوا حِينَ أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُحَوِّلَهُمْ فَتَرَكَهُمْ
(قَالَ) وَيُصَفُّ النِّسَاءَ خَلْفَ الرِّجَالِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ لِقَوْلِهِ - ﵊ - «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا» وَإِنْ وَقَفَتْ امْرَأَةٌ بِجَنْبِ رَجُلٍ لَمْ تُفْسِدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْفَسَادَ بِسَبَبِ الْمُحَاذَاةِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّصُّ بِهِ فِي صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِصَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ وَلِهَذَا لَا وُضُوءَ عَلَى مَنْ قَهْقَهَ فِيهَا بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ
(قَالَ): وَإِذَا صَلَّوْا قُعُودًا أَوْ رُكْبَانًا فِي الْقِيَاسِ يُجْزِيهِمْ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِأَنَّ رُكْنَ الْقِيَامِ مُعْتَبَرٌ بِسَائِرِ الْأَرْكَانِ كَالْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِمْ الْإِعَادَةُ لِأَنَّ فِيهَا شَيْئَيْنِ التَّكْبِيرَ وَالْقِيَامَ فَكَمَا أَنَّ تَرْكَ التَّكْبِيرِ يَمْنَعُ الِاعْتِدَادَ فَكَذَلِكَ تَرْكُ الْقِيَامِ وَالْقِيَامُ هَهُنَا كَوَضْعِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَكَمَا لَا تَتَأَدَّى السَّجْدَةُ إلَّا بِهِمَا كَذَا هُنَا
(قَالَ): وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ نِسَاءً لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ امْرَأَتُهُ غَسَّلَتْهُ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ - ﵁ - أَوْصَى إلَى امْرَأَتِهِ أَسْمَاءَ
[ ٢ / ٦٩ ]
أَنْ تُغَسِّلَهُ وَهَكَذَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ - ﵁ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: لَوْ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا نِسَاءَهُ وَلِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الْقَائِمِ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ فَإِنَّ الْمَوْتَ مُحَوِّلٌ لِلْمِلْكِ لَا مُبْطِلٌ وَمِلْكُ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ التَّحَوُّلَ إلَى الْوَرَثَةِ فَبَقِيَ مَوْقُوفًا عَلَى الزَّوَالِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ وَلَوْ ارْتَفَعَ النِّكَاحُ بِالْمَوْتِ فَإِنَّمَا ارْتَفَعَ إلَى خَلْفٍ وَهِيَ الْعِدَّةُ وَهَذِهِ الْعِدَّةُ حَقُّ النِّكَاحِ فَتَقُومُ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ فِي إبْقَاءِ حِلِّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ أُمُّ وَلَدِهِ لَمْ تُغَسِّلْهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآخِرِ وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهَا مُعْتَدَّتُهُ مِنْ فِرَاشٍ صَحِيحٍ فَهِيَ كَالْمَنْكُوحَةِ، وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخِرِ إنَّهَا عَتَقَتْ بِالْمَوْتِ فَصَارَتْ أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ وَوُجُوبُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِبْرَاءِ وَلِهَذَا لَا يَخْتَلِفُ بِالْحَيَاةِ وَالْوَفَاةِ فَلَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ كَالْعِدَّةِ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
(قَالَ): وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ امْرَأَةٌ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ تُغَسِّلْهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِ طَلَاقٍ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ ارْتَفَعَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَالْعِدَّةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَلِهَذَا تُقَدَّرُ بِالْأَقْرَاءِ وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ تُغَسِّلْهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الرِّدَّةَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا تَرْفَعُ النِّكَاحَ فَقَدْ ارْتَفَعَ بِالْمَوْتِ بِخِلَافِ الرِّدَّةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: النِّكَاحُ كَالْقَائِمِ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فَارْتَفَعَ بِالرِّدَّةِ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ فَقَدْ بَقِيَ حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ وَكَمَا تَرْفَعُ الرِّدَّةُ مُطْلَقَ الْحِلِّ تَرْفَعُ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَهُوَ حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ وَعَلَى هَذَا لَوْ طَاوَعَتْ ابْنَ زَوْجِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ وَطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لَمْ تُغَسِّلْهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَمْ تُغَسِّلْهُ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حِلُّ الْغُسْلِ عِنْد الْمَوْتِ لَهَا فَلَا يَثْبُتُ بَعْدَهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أُخْتُهَا تَعْتَدُّ مِنْهُ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيَّةُ إذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِ زَوْجِهَا الْمُسْلِمِ لَمْ تُغَسِّلْهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ أَمَتُهُ لَمْ تُغَسِّلهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ -: لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهَا يَبْقَى حُكْمًا لِحَاجَتِهِ إلَى مَنْ يُغَسِّلُهُ.
(وَلَنَا) أَنَّهَا قَدْ انْتَقَلَتْ إلَى الْوَارِثِ وَصَارَتْ كَسَائِرِ إمَائِهِ وَهَذَا لِأَنَّ حِلَّ الْمَسِّ يَعْتَمِدُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ لَا مِلْكَ الْمَالِيَّةِ وَمِلْكَ الْمُتْعَةِ فِي الْأَمَةِ تَبَعٌ فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهَا لَهُ بَعْدَ تَحَوُّلِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ إلَى الْوَارِثِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ فِيهِنَّ أَحَدٌ مِنْ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِ لِأَنَّ
[ ٢ / ٧٠ ]
الْمَحْرَمَ فِي حُكْمِ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ فَكَذَلِكَ ذَوَاتُ مَحَارِمِهِ وَلَكِنْ يُيَمِّمَ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ لِانْعِدَامِ مَنْ يُغَسِّلُهُ فَصَارَ كَتَعَذُّرِ غُسْلِهِ لِانْعِدَامِ مَا يُغَسَّلُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَنْ يُيَمِّمُهُ مَحْرَمًا يَمَّمَهُ بِغَيْرِ خِرَقِهِ لِأَنَّهُ حَلَّ لَهَا مَسُّ هَذَيْنِ الْعُضْوَيْنِ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً يَمَّمَتْهُ بِخِرْقَةٍ تَلُفُّهَا عَلَى كَفِّهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَمَسَّهُ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ثُمَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَقَامَ الْإِمَامُ مِنْهُنَّ وَسْطَهُنَّ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ كَافِرٌ عَلَّمْنَهُ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِيُغَسِّلَهُ لِأَنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ فِي الدِّينِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُغَسِّلُ قَرَابَتَهُ مِنْ الْكُفَّارِ
وَلَوْ مَاتَتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ الرِّجَالِ وَفِيهِمْ زَوْجُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُغَسِّلَهَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: لَهُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَقُولُ: وَارْأَسَاهُ فَقَالَ: وَأَنَا وَارْأَسَاهُ لَا عَلَيْك إنَّك لَوْ مِتَّ غَسَّلْتُك وَكَفَّنْتُك وَصَلَّيْت عَلَيْك» وَمَا جَازَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَجُوزُ لِأُمَّتِهِ إلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَإِنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - غَسَّلَ فَاطِمَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلِأَنَّ النِّكَاحَ انْتَهَى بَيْنَهُمَا بِالْمَوْتِ فَيُفِيدُ الْبَاقِي مِنْهُمَا حِلَّ الْغُسْلِ كَالرَّجُلِ إذَا مَاتَ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُنْتَهَى مُتَقَرِّرٌ فِي حَقِّ أَحْكَامِهِ نَحْوَ الْإِرْثِ وَغَيْرِهِ وَلِأَنَّ الْمِلْكَ جُعِلَ كَالْقَائِمِ لِحَاجَةِ الْمَيِّتِ مِنْهُمَا إلَى الْغُسْلِ وَمِلْكُ الْحِلِّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا.
(وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ تَمُوتُ بَيْنَ رِجَالٍ فَقَالَ: تُيَمَّمُ الصَّعِيدَ» وَلَمْ يُفَصِّلْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ زَوْجُهَا أَوْ لَا يَكُونُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ بِمَوْتِهَا ارْتَفَعَ بِجَمِيعِ عَلَائِقِهِ فَلَا يَبْقَى حِلُّ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّهَا بِالْمَوْتِ صَارَتْ مُحَرَّمَةً أَلْبَتَّةَ وَالْحُرْمَةُ تُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً وَلِهَذَا جَازَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ الزَّوْجُ ثُمَّ الزَّوْجُ بِالنِّكَاحِ مَالِكٌ وَالْمَرْأَةُ مَمْلُوكَةٌ فَبَعْدَ مَوْتِهِ يُمْكِنُ إبْقَاءُ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ لَهُ حُكْمًا لِبَقَاءِ مَحَلِّ الْمِلْكِ فَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهَا فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ الْمِلْكِ مَعَ فَوَاتِ الْمَحَلِّ وَمَعْنَى قَوْلِهِ - ﵊ -: غَسَّلْتُك أَيْ: قُمْت بِأَسْبَابِ غُسْلِك كَمَا يُقَالُ بَنَى فُلَانٌ دَارًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بَنَى وَحَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ غَسَّلَهَا فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ فَاطِمَةَ غَسَّلَتْهَا أُمُّ أَيْمَنَ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - غَسَّلَهَا فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - حَتَّى قَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَّا عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ فَاطِمَةُ زَوْجَتُك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَادِّعَاؤُهُ الْخُصُوصِيَّةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا بَيْنَهُمْ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُغَسِّلُ زَوْجَتَهُ وَقَدْ قَالَ - ﵊ -: «كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ
[ ٢ / ٧١ ]
يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ إلَّا سَبَبِي وَنَسَبِي» فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْضًا لِأَنَّ نِكَاحَهُ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَإِذَا لَمْ تُغَسَّلْ يَمَّمَهَا فَإِنْ كَانَ مِنْ يُيَمِّمُهَا مَحْرَمًا لَهَا يَمَّمَهَا بِغَيْرِ خِرْقَةٍ وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا يُيَمِّمُهَا بِخِرْقَةِ يَلُفُّهَا عَلَى كَفِّهِ وَيُعْرِضُ وَجْهَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهَا دُونَ وَجْهِهَا لِأَنَّ فِي حَالَةِ حَيَاتِهَا مَا كَانَ لِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى ذِرَاعَيْهَا فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ امْرَأَةٌ كَافِرَةٌ عَلَّمُوهَا غُسْلَ الْمَيِّتِ لِتُغَسِّلَهَا ثُمَّ يُصَلِّي عَلَيْهَا الرِّجَالُ لِمَا بَيَّنَّا