(قَالَ:) وَالْحُلِيُّ عِنْدَنَا نِصَابٌ لِلزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ لِلرِّجَالِ أَوْ لِلنِّسَاءِ مَصُوغًا صِيَاغَةً تَحِلُّ أَوْ لَا تَحِلُّ. وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ قَوْلَانِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَا شَيْءَ فِيهِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إنَّهُ مُبْتَذَلٌ فِي مُبَاحٍ فَلَا يَكُونُ مَالُ الزَّكَاةِ كَمَالِ الْبِذْلَةِ بِخِلَافِ حُلِيِّ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ مُبْتَذَلٌ فِي مَحْظُورٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَظْرَ شَرْعًا يُسْقَطُ اعْتِبَارَ الصَّنْعَةِ وَالِابْتِذَالَ حُكْمًا فَيَكُونُ مَالُ الزَّكَاةِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُبَاحًا شَرْعًا وَهُوَ نَظِيرُ ذَهَابِ الْعَقْلِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا بِخِلَافِ ذَهَابِ الْعَقْلِ بِسَبَبِ شُرْبِ دَوَاءٍ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا.
(وَلَنَا) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - «رَأَى امْرَأَتَيْنِ تَطُوفَانِ بِالْبَيْتِ وَعَلَيْهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَتُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُمَا، فَقَالَتَا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّرَكُمَا اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ، فَقَالَتَا: لَا، فَقَالَ: - ﷺ - أَدَّيَا زَكَاتَهُمَا»، وَالْمُرَادُ الزَّكَاةُ دُونَ الْإِعَارَةِ؛ لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الْوَعِيدَ بِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ، وَالْإِعَارَةُ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ أَوْضَاحًا لَهَا مِنْ ذَهَبٍ فَسَأَلَتْ - ﷺ - أَكَنْزٌ هِيَ، فَقَالَ: إنْ أَدَّيْتِ مِنْهَا الزَّكَاةَ فَلَيْسَتْ بِكَنْزٍ»، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الزَّكَاةَ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا يَسْقُطُ بِالصَّنْعَةِ كَحُكْمِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ عِنْدَ بَيْعِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَجَرَيَانِ الرَّبَّا وَبَيَانِ الْوَصْفِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ مَا اعْتَبَرَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَعَ اسْمِ الْعَيْنِ وَصْفًا آخَرَ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فَعَلَى أَيْ وَجْهٍ أَمْسَكَهُمَا الْمَالِكُ لِلنَّفَقَةِ أَوْ لِغَيْرِ النَّفَقَةِ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَوْ كَانَ لِلِابْتِذَالِ فِيهِمَا عِبْرَةٌ لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا أَوْ مُبَاحًا كَمَا فِي السَّوَائِمِ إذَا جَعَلَهَا حَمُولَةً ثُمَّ الِابْتِذَالُ هَاهُنَا لِمَقْصُودِ الْحَمْلِ زَائِدٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَيَاةُ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ فَلَا تَنْعَدِمُ بِهِ صِفَةُ التَّنْمِيَةِ الثَّابِتَةِ لِهَذَيْنِ الْجَوْهَرَيْنِ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ
(قَالَ:) وَإِنْ كَانَ لَهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ ضَمَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ بَلْ يَعْتَبِرُ كَمَالَ النِّصَابِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ فَلَا يَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ لِيُكْمِلَ النِّصَابَ كَالسَّوَائِمِ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ غَيْرُ مُشْكِلٍ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا رِبَا الْفَضْلِ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ - ﵁ - قَالَ: «مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَضُمَّ الذَّهَبَ إلَى الْفِضَّةِ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ، وَمُطْلَقُ السُّنَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى
[ ٢ / ١٩٢ ]
سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -» وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ يُكْمِلُ نِصَابَ أَحَدِهِمَا بِمَا يُكْمِلُ بِهِ نِصَابَ الْآخَرِ فَيُكْمِلُ نِصَابَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَالسُّودِ مَعَ الْبِيضِ وَالنَّيْسَابُورِيّ مِنْ الدَّنَانِيرِ مَعَ الْهَرَوِيِّ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ نِصَابَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَكْمُلُ بِمَالِ التِّجَارَةِ، وَهَذَا لِأَنَّهُمَا وَإِنْ كَانَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ صُورَةً فَفِي حُكْمِ الزَّكَاةِ هُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ حَتَّى يَتَّفِقَ الْوَاجِبُ فِيهِمَا فَيَتَقَدَّرُ بِرُبُعِ الْعُشْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِمَا بِاعْتِبَارِ مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ الْقَائِمَةُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِمَا فَإِذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عِنْدَ ضَمِّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِيمَا يُؤَدَّى فَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُؤَدِّي مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا وَمِنْ عَشْرَةِ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ رُبُعَ مِثْقَالٍ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْمُعَادَلَةِ وَالنَّظَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ يُقَوِّمُ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ ثُمَّ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ نُصُوصِ الزَّكَوَاتِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمِّ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَهُ فِي نَوَادِرِ هِشَامٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَخَمْسَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ تُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَعَشْرَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبٍ تُسَاوِي مِائَةً وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَتَجِبُ الزَّكَاةُ وَعِنْدَهُمَا يَضُمُّ بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، وَقَدْ مَلَكَ نِصْفَ نِصَابِ أَحَدِهِمَا وَرُبُعَ نِصَابِ الْآخَرِ فَلَا يَجِبُ فِيهِمَا شَيْءٌ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُعْتَبَرُ فِي التَّقْوِيمِ مَنْفَعَةُ الْفُقَرَاءِ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ يُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَوِّمَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ التَّقْوِيمَ فِي النُّقُودِ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنَّ سَائِرَ الْأَشْيَاءِ تُقَوَّمُ بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ إبْرِيقَ فِضَّةٍ وَزْنُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ وَقِيمَتُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ لَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَوْ كَانَ لِلتَّقْوِيمِ عِبْرَةٌ فِي بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ هَهُنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هُمَا عَيْنَانِ وَجَبَ ضَمُّ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فَكَانَ الضَّمُّ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ دُونَ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْأَمْوَالَ أَجْنَاسٌ بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ
[ ٢ / ١٩٣ ]
بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ فِيهَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِبْرِيقِ فَإِنَّهُ مَا وَجَبَ ضَمُّهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ حَتَّى تُعْتَبَرَ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا تَظْهَرُ شَرْعًا عِنْدَ مُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَإِنَّ الْجَوْدَةَ وَالصَّنْعَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا إذَا قُوبِلَتْ بِجِنْسِهَا لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ».
فَأَمَّا عِنْدَ مُقَابَلَةِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَيَظْهَرُ لِلْجَوْدَةِ قِيمَةٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَتَى وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَقْوِيمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يُقَوَّمُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ فَكَذَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فِي نِصَابِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمُعْتَبَرِ فِيهِمَا الْوَزْنُ دُونَ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ فِي النَّصِّ ذِكْرَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَهُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالْوَزْنِ مِنْ الدَّوَانِيقِ وَالْحَبَّاتِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدَّنَانِيرِ وَزْنُ الْمِثْقَالِ، وَفِي الدَّرَاهِمِ وَزْنُ سَبْعَةٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا بِوَزْنِ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ وَهُوَ الْوَزْنُ الْمَعْرُوفُ فِي الدَّرَاهِمِ فِي غَالِبِ الْبُلْدَانِ وَأَصْلُهُ وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَوْعَانِ مِنْ الدَّرَاهِمِ يُقَالُ لَهُمَا مَثَاقِيلُ وَخِفَافٌ فَلَمَّا أَرَادُوا فِي الْإِسْلَامِ ضَرْبَ الدَّرَاهِمِ جَمَعُوا أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَجَعَلُوهُ دِرْهَمَيْنِ فَكَانَ وَزْنَ سَبْعَةٍ وَلَمْ يُبَيَّنْ فِي الْكِتَابِ صِفَةُ الدَّرَاهِمِ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي الْجِيَادِ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالزُّيُوفِ وَالْمُبَهْرَجَةِ وَالْمُكَحَّلَةِ وَالْمُزَيَّفَةِ، قَالَ: لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي كُلِّهَا الْفِضَّةُ وَمَا يَغْلِبُ فِضَّتُهُ عَلَى غِشِّهِ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الدَّرَاهِمِ مُطْلَقًا، أَمَّا فِي السَّتُّوقَةِ وَهُوَ مَا يَغْلِبُ غِشُّهُ عَلَى فِضَّتِهِ نُظِرَ إلَى مَا يَخْلُصُ مِنْهُ مِنْ الْفِضَّةِ فَإِنْ بَلَغَ وَزْنُهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا وَمُرَادُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ لِلتِّجَارَةِ، فَالْعِبْرَةُ بِقِيمَتِهَا كَمَا فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ فِي الْفُلُوسِ وَالدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ مِنْ الصُّفْرِ إذَا كَانَ لَا يَخْلُصُ مِنْهَا فِضَّةٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ مِمَّا يَغْلِبُ فِيهَا الْفِضَّةُ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُفْتِي بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمِائَتَيْنِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْغِطْرِيفِيَّةِ عَدَدًا وَكَانَ يَقُولُ هِيَ مِنْ أَعَزِّ النُّقُودِ فِينَا بِمَنْزِلَةِ الْفِضَّةِ فِيهِمْ وَنَحْنُ أَعْرَفُ بِنُقُودِنَا وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْحَلْوَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي
(قَالَ:) رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَرْضٌ أَوْ ثَمَنُ مَتَاعٍ كَانَ لِلتِّجَارَةِ فَحَالَ الْحَوْلُ وَوَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّ صَيْرُورَةَ الْمَالِ دَيْنًا كَانَ بِتَصَرُّفِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَأْخِيرِ حَقِّ الْفُقَرَاءِ فَإِنَّهُ كَمَا لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِمْ لَا يَمْلِكُ التَّأْخِيرَ وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ مَمْلُوكٌ كَالْعَيْنِ.
(وَلَنَا) أَنَّ
[ ٢ / ١٩٤ ]
الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنْ النِّصَابِ فَإِذَا كَانَ النِّصَابُ دَيْنًا فَيَدُهُ مَقْصُورَةٌ عَمَّا هُوَ حَقُّ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ مَا لَمْ تَصِلْ يَدُهُ إلَيْهِ بِالْقَبْضِ كَابْنِ السَّبِيلِ. ثُمَّ الدُّيُونُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: دَيْنٌ قَوِيٌّ وَهُوَ مَا يَكُونُ بَدَلًا عَنْ مَالٍ كَانَ أَصْلُهُ لِلتِّجَارَةِ لَوْ بَقِيَ فِي مِلْكِهِ، وَدَيْنٌ وَسَطٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ لَا زَكَاةَ فِيهِ لَوْ بَقِيَ فِي مِلْكِهِ كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَالْمِهْنَةِ، وَدَيْنٌ ضَعِيفٌ وَهُوَ مَا يَكُونُ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَفِي الدَّيْنِ الْقَوِيِّ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ مَا لَمْ يَقْبِضْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَإِذَا قَبَضَ الْمِقْدَارَ أَدَّى دِرْهَمًا وَكَذَلِكَ كُلَّمَا قَبَضَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَفِي الدَّيْنِ الْمُتَوَسِّطِ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ مَا لَمْ يَقْبِضْ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَحِينَئِذٍ يُؤَدِّي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَفِي الدَّيْنِ الضَّعِيفِ لَا تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ مَا لَمْ يَقْبِضْ وَيَحُولُ الْحَوْلُ عِنْدَهُ. وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الدَّيْنَ نَوْعَانِ وَجَعَلَ الْوَسَطَ كَالضَّعِيفِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: الدُّيُونُ كُلُّهَا سَوَاءٌ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَكُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ بِقَدْرِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مَا خَلَا دَيْنَ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى عِنْدَهُمَا دَيْنَانِ الْكِتَابَةُ وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الدُّيُونَ فِي الْمَالِيَّةِ كُلَّهَا سَوَاءٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُطَالَبَةَ تَتَوَجَّهُ بِهَا فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْوَفَاةِ وَتَصِيرُ مَالًا بِالْقَبْضِ حَقِيقَةً فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّهَا وَيَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ بِقَدْرِ مَا يَصِلُ إلَيْهِ كَابْنِ السَّبِيل بِخِلَافِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدَيْنٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَا تَتَوَجَّهَ الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا، وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وُجُوبُهَا بِطَرِيقِ الصِّلَةِ لَا أَنَّهُ دَيْنٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَا يُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَةِ مَنْ مَاتَ مِنْ الْعَاقِلَةِ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَا هُوَ بَدَلٌ عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ فَمِلْكُ الْمَالِيَّةِ يَثْبُتُ فِيهِ ابْتِدَاءً فَهُوَ دَيْنٌ وَالدَّيْنُ لَيْسَ بِمَالٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ صَاحِبُهُ أَنْ لَا مَالَ لَهُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ الْمَالِيَّةُ فِيهِ عِنْدَ تَعْيِينِهِ بِالْقَبْضِ فَلَا يَصِيرُ نِصَابُ الزَّكَاةِ مَا لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ صِفَةُ الْمَالِيَّةِ، وَالْحَوْلُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا عَلَى نِصَابِ الزَّكَاةِ فَأَمَّا مَا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالِ التِّجَارَةِ فَمِلْكُ الْمَالِيَّةِ كَانَ تَامًّا فِي أَصْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ دَيْنًا فَبَقِيَ عَلَى مَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْخَلَفَ يَعْمَلُ عَمَلَ الْأَصْلِ فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَكِنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ وَنِصَابُ الْأَدَاءِ يَتَقَدَّرُ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا بَيَّنَّا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْمِائَتَيْنِ وَأَمَّا بَدَلُ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَالْمِهْنَةِ فَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ إلَى أَنَّ
[ ٢ / ١٩٥ ]
أَصْلَهُ لَمْ يَكُنْ مَالًا شَرْعًا حَتَّى لَمْ يَكُنْ مَحِلًّا لِلزَّكَاةِ فَهُوَ وَمَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ مَالًا عَلَى الْحَقِيقَةِ سَوَاءٌ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ أَصْلَيْنِ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَصْلَهُ مَالٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمِنْ الْمَهْرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَصْلَهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ شَرْعًا فَيُوَفِّرُ حَظَّهُ مِنْهُمَا، وَيُقَالُ أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ ابْتِدَاءً فَيُعْتَبَرُ فِي الْمَقْبُوضِ أَنْ يَكُونَ نِصَابُ الزَّكَاةِ وَهُوَ الْمِائَتَانِ وَيَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مِلْكَ الْمَالِيَّةِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الدَّيْنِ ابْتِدَاءً. وَفِي الْأُجْرَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةٍ جَعَلَهَا كَالْمَهْرِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ الْمَالِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ جَعَلَهَا كَبَدَلِ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّ أُجْرَةَ دَارِ التِّجَارَةِ أَوْ عَبْدَ التِّجَارَةِ بِمَنْزِلَةِ ثَمَنِ مَتَاعِ التِّجَارَةِ كُلَّمَا قَبَضَ مِنْهَا أَرْبَعِينَ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ اعْتِبَارًا لِبَدَلِ الْمَنْفَعَةِ بِبَدَلِ الْعَيْنِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ وَجَبَ لَهُ بِمِيرَاثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أُوصِيَ لَهُ بِهِ فَفِي كِتَابِ الزَّكَاةِ جَعَلَهُ كَالدِّينِ الْوَسَطِ، وَقَالَ: إذَا قَبَضَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ لِمَا مَضَى؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْوَارِثِ يَنْبَنِي عَلَى مِلْكِ الْمُورِثِ، وَقَدْ كَانَ فِي مِلْكِ الْمُورِثِ بَدَلًا عَمَّا هُوَ مَالٌ، وَفِي نَوَادِرِ الزَّكَاةِ جَعَلَهُ كَالدِّينِ الضَّعِيفِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ مَلَكَهُ ابْتِدَاءً وَهُوَ دَيْنٌ فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَقْبِضَ وَيَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ ضَمَانَ قِيمَةِ عَبْدٍ أَعْتَقَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَاخْتَارَ تَضْمِينَهُ فَهَذَا وَالدَّيْنُ الْوَاجِبُ بِسَبَبِ بَيْعِهِ نَصِيبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الضَّمَانَ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِشَرِيكِهِ فِي نَصِيبِهِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ سِعَايَةً لَزِمَ ذِمَّةَ الْعَبْدِ بِعِتْقِ شَرِيكِهِ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَفِي الْكِتَابِ يَقُولُ هُوَ وَدَيْنُ الْكِتَابَةِ سَوَاءٌ لَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ بَعْدَ الْقَبْضِ، قِيلَ: هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ الْمُسْتَسْعَى عِنْدَهُ مُكَاتِبٌ، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْمُسْتَسْعَى حُرٌّ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَيَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا وَعُذْرُهُمَا أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ هَذَا الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَبْدِ فَكَانَ صِلَةً فِي حَقِّهِ فَلَا يَتِمُّ الْمِلْكُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ كَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ
(قَالَ): رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ ثُمَّ اشْتَرَى بِهَا عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ فَمَاتَ الْعَبْدُ لَمْ يَضْمَنْ الزَّكَاةَ وَإِنْ اشْتَرَى بِهَا عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ مَحِلٌّ لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ فَهُوَ بِتَصَرُّفِهِ حَوَّلَ حَقِّهِمْ مِنْ مَحِلٍّ إلَى مَحَلٍّ فَلَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا وَكَانَ هَلَاكُ الْبَدَلِ فِي يَدِهِ كَهَلَاكِ الْأَصْلِ، فَأَمَّا عَبْدُ الْخِدْمَةِ فَلَيْسَ بِمَحِلٍّ لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ حَتَّى صَارَ هُوَ بِتَصَرُّفِهِ مُفَوِّتًا مَحِلَّ حَقِّهِمْ فَيَصِيرُ ضَامِنًا لِلزَّكَاةِ مَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ أَوْ بَقِيَ. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَنْقَطِعْ فِيهِ
[ ٢ / ١٩٦ ]
الْحَوْلُ بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى بِالْأَلْفِ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ وَلَوْ أَبْدَلَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّنَانِيرَ بِالدَّرَاهِمِ فِي خِلَالِ الْحَوْلِ لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا بَادَلَ بِالدَّنَانِيرِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ حَتَّى لَا يَضُمَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرَ فَهُوَ كَالسَّوَائِمِ، وَعِنْدَنَا هُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي حُكْمِ الزَّكَاةِ حَتَّى يَضُمَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ يُبَادِلُ بِهَا فِي خِلَالِ الْحَوْلِ
(قَالَ): رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَلَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ لِغَيْرِ التِّجَارَةِ بِقِيمَةِ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مَصْرُوفٌ إلَى الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهِ مُعَدٌّ لِلتَّقْلِيبِ وَالتَّصَرُّفِ بِهِ فَكَانَ الدَّيْنُ مَصْرُوفًا إلَيْهِ فَأَمَّا الدَّارُ وَالْخَادِمُ فَمَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ فَلَا يُصْرَفُ الدَّيْنُ إلَيْهِ.
(قَالَ) فِي الْكِتَابِ أَرَأَيْتَ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَكُونُ مَوْضِعًا لِلصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ الْمَالَ مَشْغُولٌ بِالدَّيْنِ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ وَمِلْكُ الدَّارِ وَالْخَادِمِ لَا يُحَرِّمُ عَلَيْهِ أَخْذَ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُزِيلُ حَاجَتَهُ بَلْ يَزِيدُ فِيهَا فَالدَّارُ تُسْتَرَمُّ وَالْعَبْدُ يُسْتَنْفَقُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُمَا وَهُوَ فِي مَعْنَى مَا نُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ تَحِلُّ لِلرَّجُلِ وَهُوَ صَاحِبُ عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، قِيلَ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ: يَكُونُ لَهُ الدَّارُ وَالْخَادِمُ وَالْكُرَاعُ وَالسِّلَاحُ وَكَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا قَالَ مَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ الْفَقِيهَ إذَا مَلَكَ مِنْ الْكُتُبِ مَا يُسَاوِي مَالًا عَظِيمًا وَلَكِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ فَضْلًا عَنْ حَاجَتِهِ مَا يُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ
(قَالَ:) وَإِنْ كَانَ لِلرَّجُلِ التَّاجِرِ دُيُونٌ عَلَى النَّاسِ وَفِيهِمْ الْمَلِيءُ وَغَيْرُ الْمَلِيءِ وَحَال الْحَوْلُ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُقِرًّا مَلِيًّا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَزِمَهُ الْأَدَاءُ إذَا قَبَضَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَمِنْ كَانَ مِنْهُمْ جَاحِدًا فَلَيْسَ فِيهِ الزَّكَاةُ عَلَى صَاحِبِهِ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي تَفْسِيرِ مَالِ الضِّمَارِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُقِرًّا مُفْلِسًا فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهَا الزَّكَاةُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ فَلَا زَكَاةَ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ مَرَّ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ التَّفْلِيسَ يَتَحَقَّقُ فَيَصِيرُ الْمَالُ تَاوِيًا وَمَرَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ التَّفْلِيسَ لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ فَلَا يَصِيرُ بِهِ الْمَالُ تَاوِيًا وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ التَّفْلِيسُ وَإِنْ كَانَ يَتَحَقَّقُ عِنْدِي وَلَكِنْ لَا يَسْقُطُ بِهِ الدَّيْنُ إنَّمَا تَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ فَهُوَ نَظِيرُ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَالزَّكَاةُ فِي الدَّيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ الْمُؤَجَّلِ، ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَنَا وَإِنْ فَعَلَ كَانَ فَضْلًا كَمَنْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ قَبْلَ حَوْلَانِ الْحَوْلِ
[ ٢ / ١٩٧ ]
قَالَ:) وَلَيْسَ عَلَى التَّاجِرِ زَكَاةُ مَسْكَنِهِ وَخَدَمِهِ وَمَرْكَبِهِ وَكِسْوَةِ أَهْلِهِ وَطَعَامِهِمْ وَمَا يَتَجَمَّلُ بِهِ مِنْ آنِيَةٍ أَوْ لُؤْلُؤٍ وَفَرَسٍ وَمَتَاعٍ لَمْ يَنْوِ بِهِ التِّجَارَةَ؛ لِأَنَّ نِصَابَ الزَّكَاةِ الْمَالُ النَّامِي وَمَعْنَى النَّمَاءِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ بِدُونِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، وَكَذَلِكَ الْفُلُوسُ يَشْتَرِيهَا لِلنَّفَقَةِ فَإِنَّهَا صُفْرٌ وَالصُّفْرُ لَيْسَ بِمَالِ الزَّكَاةِ بِاعْتِبَارِ عَيْنِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ طَلَبِ النَّمَاءِ مِنْهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِيمَا إذَا اشْتَرَاهُ لِلنَّفَقَةِ.
وَذَكَر بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الصَّبَّاغَ إذَا اشْتَرَى الْعُصْفُرَ وَالزَّعْفَرَانَ لِيَصْبُغَ بِهِمَا ثِيَابَ النَّاسِ فَعَلَيْهِ فِيهِمَا الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ عِوَضٌ عَنْ الصَّبْغِ الْقَائِمِ بِالثَّوْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّ عِنْدَ فَسَادِ الْعَقْدِ يُصَارُ إلَى التَّقْوِيمِ فَكَانَ هَذَا مَالُ التِّجَارَةِ بِخِلَافِ الْقَصَّارِ إذَا اشْتَرَى الْحَوْضَ وَالصَّابُونَ وَالْقَلْيَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ آلَةُ عَمَلِهِ فَيَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا وَلَا يَبْقَى فِي الثَّوْبِ عَيْنُهُ فَمَا يَأْخُذُ مِنْ الْعِوَضِ يَكُونُ بَدَلَ عَمَلِهِ لَا بَدَلَ الْآلَةِ، وَنَخَّاسُ الدَّوَابِّ إذَا اشْتَرَى الْجِلَالَ وَالْبَرَاقِعَ وَالْمَقَاوِدَ فَإِنْ كَانَ يَبِيعُهَا مَعَ الدَّوَابِّ فَعَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَ يَحْفَظُ الدَّوَابَّ بِهَا وَلَا يَبِيعُهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ إذَا لَمْ يَنْوِ التِّجَارَةَ عِنْدَ شِرَائِهَا، ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ إذَا اقْتَرَنَتْ بِالشِّرَاءِ أَوْ الْإِعَارَةِ صَارَ الْمَالُ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ اقْتَرَنَتْ بِعَمَلِ التِّجَارَةِ، وَلَوْ وَرِثَ مَالًا فَنَوَى بِهِ التِّجَارَةَ لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ تَجَرَّدَتْ عَنْ الْعَمَلِ فَالْمِيرَاثُ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ وَلَوْ قَبِلَ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةُ فِي مَالٍ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَكُونُ لِلتِّجَارَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: نِيَّةُ التِّجَارَةِ لَا تَعْمَلُ إلَّا مَقْرُونَةً بِعَمَلِ التِّجَارَةِ، وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ لَيْسَتْ بِتِجَارَةٍ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: التِّجَارَةُ عَقْدُ اكْتِسَابِ الْمَالِ فَمَا لَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ إلَّا بِقَبُولِهِ فَهُوَ كَسْبُهُ فَيَصِحُّ اقْتِرَانُ نِيَّةِ التِّجَارَةِ بِفِعْلِهِ كَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ.
(قَالَ:) وَمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَالِ لِلتِّجَارَةِ فَنَوَاهُ لِلْمِهْنَةِ خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى تَرْكَ التِّجَارَةِ وَهُوَ تَارِكٌ لَهَا لِلْحَالِ فَاقْتَرَنَتْ النِّيَّةُ بِالْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عَبِيدٌ لِلْخِدْمَةِ فَنَوَى التِّجَارَةَ لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ مَا لَمْ يَبِعْهُمْ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ تَجَرَّدَتْ عَنْ عَمَلِ التِّجَارَةِ وَهُوَ نَظِيرُ الْمُسَافِرِ يَنْوِي الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا وَالْمُقِيمُ يَنْوِي السَّفَرَ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى السَّفَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٢ / ١٩٨ ]