قَالَ: (وَيُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ تَغْطِيَةُ الْفَمِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «نَهَى أَنْ يُغَطِّيَ الْمُصَلِّي فَاهُ»، وَلِأَنَّهُ إنْ غَطَّاهُ بِيَدِهِ فَقَدْ قَالَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ غَطَّاهُ بِثَوْبٍ فَقَدْ نَهَى عَنْ التَّلَثُّمِ فِي الصَّلَاةِ، وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْمَجُوسِ فِي عِبَادَتِهِمْ النَّارَ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَهُوَ مُعْتَجِرٌ): «لِنَهْيِ الرَّسُولِ - ﵊ - عَنْ الِاعْتِجَارِ فِي الصَّلَاةِ»، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَشُدَّ الْعِمَامَةَ حَوْلَ رَأْسِهِ وَيُبْدِيَ هَامَتَهُ مَكْشُوفًا كَمَا يَفْعَلُهُ الشُّطَّار وَقِيلَ أَنْ يَشُدَّ بَعْضَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَبَعْضَهَا عَلَى بَدَنِهِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ لَا يَكُونُ الِاعْتِجَارُ إلَّا مَعَ تَنَقُّبٍ، وَهُوَ أَنْ يَلُفَّ بَعْضَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَطَرَفًا مِنْهُ يَجْعَلُهُ شِبْهَ الْمِعْجَرِ لِلنِّسَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَلُفَّهُ حَوْلَ وَجْهِهِ.
قَالَ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَهُوَ عَاقِصٌ) لِحَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ»، وَإِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ - ﵄ - كَانَ يُصَلِّي، وَهُوَ عَاقِصٌ شَعْرَهُ فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ - إلَى جَنْبِهِ فَحَلَّهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ شِبْهَ الْمُغْضَبِ فَقَالَ أَقْبِلْ عَلَى صَلَاتِكَ يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَنْهَانَا عَنْ هَذَا.
وَالْعَقْصُ فِي اللُّغَةِ الْإِحْكَامُ فِي الشَّدِّ حَتَّى قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ يَجْمَعَ شَعْرَهُ عَلَى هَامَتِهِ وَيَشُدُّهُ بِخَيْطٍ أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِصَمْغٍ لِيَتَلَبَّدَ وَقِيلَ أَنْ يَلُفَّ ذَوَائِبَهُ حَوْلَ رَأْسِهِ كَمَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِنَّ.
قَالَ: (وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَدَيْهِ إذَا انْحَطَّ لِلسُّجُودِ) وَقَالَ
[ ١ / ٣١ ]
ابْنُ سِيرِينَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ»،.
وَلَنَا حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «كَانَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ». وَرَوَى الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «نَهَى أَنْ يَبْرُكَ الْمُصَلِّي بُرُوكَ الْإِبِلِ وَقَالَ لَيَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ»، يَعْنِي أَنَّ الْإِبِلَ فِي بُرُوكِهَا تَبْدَأُ بِالْيَدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ الْمُصَلِّي بِالرِّجْلِ وَلِأَنَّهُ يَضَعُ أَوَّلًا مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَجْهَهُ، وَفِي الرَّفْعِ يَرْفَعُ أَوَّلًا مَا كَانَ أَبْعَدَ عَنْ الْأَرْضِ فَيَرْفَعُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ.
قَالَ: (وَيُخْفِي الْإِمَامُ التَّعَوُّذَ وَالتَّسْمِيَةَ وَالتَّشَهُّدَ وَآمِينَ وَرَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) أَمَّا التَّعَوُّذُ وَالتَّسْمِيَةُ فَقَدْ بَيَّنَّا وَالتَّشَهُّدُ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ الْجَهْرُ بِالتَّشَهُّدِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَالنَّاسُ تَوَارَثُوا الْإِخْفَاءَ بِالتَّشَهُّدِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَالتَّوَارُثُ كَالتَّوَاتُرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ " فَقَدْ طَعَنُوا فِيهِ وَقَالُوا مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُهَا أَصْلًا فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ جَوَابُهُ أَنَّهُ يُخْفِي بِهَا وَلَكِنَّا نَقُولُ عَرَفَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ لَا يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ لِحُرْمَةِ قَوْلِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَفَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِمَا أَنَّهُ يُخْفِي بِهَا إذَا كَانَ يَقُولُهَا كَمَا فَرَّعَ مَسَائِلَ الْمُزَارَعَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَهَا، فَأَمَّا " آمِينَ " فَالْإِمَامُ يَقُولُهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْفَاتِحَةِ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - ﵀ -، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَوْلِهِ - ﷺ -: «إذَا قَالَ الْإِمَامُ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ»، وَالْقِسْمَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقُولُهَا.
وَلَنَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَوْا زِيَادَةٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: «فَقُولُوا آمِينَ»، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا وَهَذَا اللَّفْظُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا وَمَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَجْهَرُ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ قَالَ آمِينَ وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ»، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -: «قَالَ فِي صَلَاتِهِ آمِينَ وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ»، وَتَأْوِيلُ حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ قَالَ اتِّفَاقًا لَا قَصْدًا أَوْ كَانَ لِتَعْلِيمِ النَّاسِ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَمِّنُ كَمَا يُؤَمِّنُ الْقَوْمُ، فَإِنَّهُ دُعَاءٌ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ عَلَى مَا قَالَ الْحَسَنُ اللَّهُمَّ أَجِبْ، وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ
[ ١ / ٣٢ ]
دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مُوسَى - ﵇ - كَانَ يَدْعُو وَهَارُونُ كَانَ يُؤَمِّنُ.
وَالْإِخْفَاءُ فِي الدُّعَاءِ أَوْلَى قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] وَقَالَ - ﵊ -: «خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي»، وَفِي التَّأْمِينِ لُغَتَانِ أَمِينَ بِالْقَصْرِ وَآمِينَ بِالْمَدِّ وَالْمَدُّ يَدُلُّ عَلَى يَاءِ النِّدَاءِ مَعْنَاهُ يَا آمِينَ كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ أَزِيدُ يَعْنِي يَا زَيْدُ.
وَمَا كَانَ مِنْ النَّفْخِ غَيْرَ مَسْمُوعٍ فَهُوَ تَنَفُّسٌ لَا بُدَّ لِلْحَيِّ مِنْهُ، فَلَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا أَفْسَدَهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَلَمْ يُفْسِدْهَا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّأْفِيفَ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ صَلَاتُهُ تَامَّةٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ التَّأْفِيفَ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ: «عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أُفّ أُفّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَنَّكَ لَا تُعَذِّبُهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ»، وَلِأَنَّ هَذَا تَنَفُّسٌ وَلَيْسَ بِكَلَامٍ فَالْكَلَامُ مَا يَجْرِي فِي مُخَاطَبَاتِ النَّاسِ وَلَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ وَلِهَذَا قَالَ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ إذَا أَرَادَ بِهِ التَّأْفِيفَ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ أَفَّفَ يُؤَفِّفُ تَأْفِيفًا كَانَ قَطْعًا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ عَيْنُهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ فَلَوْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنَّمَا تَبْطُلُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَقَاسَهُ بِالتَّنَحْنُحِ وَالْعُطَاسِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ قَطْعًا، وَإِنْ سُمِعَ فِيهِ حُرُوفٌ مُهَجَّاةٌ، وَهُوَ أَصْوَبُ.
(وَلَنَا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﵊ - مَرَّ بِمَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ رَبَاحٌ، وَهُوَ يَنْفُخُ التُّرَابَ مِنْ مَوْضِعِ سُجُودِهِ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَنْ نَفَخَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ»، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ " أُفٍّ " مِنْ جِنْسِ كَلَامِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ حُرُوفٌ مُهَجَّاةٌ وَلَهُ مَعْنًى مَفْهُومٌ يُذْكَرُ لِمَقْصُودٍ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] فَجَعَلَهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْقَائِلُ يَقُولُ
أُفًّا وَتَفًّا لِمَنْ مَوَدَّتُهُ إنْ غِبْتُ عَنْهُ سُوَيْعَةً زَالَتْ
وَإِنْ مَالَتْ الرِّيحُ هَكَذَا وَكَذَا مَال مَعَ الرِّيحِ أَيْنَمَا مَالَتْ.
وَالْكَلَامُ مُفْسِدٌ لِلصَّلَاةِ بِخِلَافِ التَّنَحْنُحِ، فَإِنَّهُ لِإِصْلَاحِ الْحَلْقِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ. وَالْعُطَاسُ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ فَكَانَ عَفْوًا بِخِلَافِ التَّأْفِيفِ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ فِي الصَّلَاةِ هِرٌّ وَنَحْوَهُ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ الْكُسُوفِ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتٍ كَانَ الْكَلَامُ فِي الصَّلَاةِ مُبَاحًا، ثُمَّ انْتَسَخَ.
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ»، وَسَأَلَ ثَوْبَانُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ: «فَقَالَ يَا ثَوْبَانُ أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ أَوْ قَالَ أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ».
(وَصِفَةُ) التَّوَشُّحِ أَنْ يَفْعَلَ بِالثَّوْبِ مَا يَفْعَلُهُ الْقَصَّارُ فِي الْمِقْصَرَةِ
[ ١ / ٣٣ ]
إذَا لَفَّ الْكِرْبَاسَ عَلَى نَفْسِهِ، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إذَا كَانَ ثَوْبُكَ وَاسِعًا فَاتَّشِحْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاِتَّزِرْ بِهِ»، وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ صَفِيقًا يَحْصُلُ بِهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا يَصِفُ مَا تَحْتَهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، فَلَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي قَمِيصٍ وَاحِدٍ.
(وَذَكَرَ) ابْنُ شُجَاعٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إنْ لَمْ يَزُرَّهُ يَنْظُرُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى عَوْرَتِهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَحِفًا لَا يَقَعُ بَصَرُهُ عَلَى عَوْرَتِهِ تَجُوزُ صَلَاتُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ لِحَدِيثِ: «نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، وَسَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَرْسَلْتُكَ فِي حَاجَةٍ كُنْتَ مُنْطَلِقًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الصَّلَاةَ فِي إزَارٍ وَاحِدٍ فِعْلُ أَهْلِ الْجَفَاءِ، وَفِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ أَبْعَدُ عَنْ الْجَفَاءِ، وَفِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ مِنْ أَخْلَاقِ الْكِرَامِ.
(وَيُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَرْفَعَ ثِيَابَهُ أَوْ يَكُفَّهَا أَوْ يَرْفَعَ شَعْرَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَأَنْ لَا أَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا»: وَقَالَ «إذَا طَوَّلَ أَحَدُكُمْ شَعْرَهُ فَلْيَدَعْهُ يَسْجُدْ مَعَهُ»، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ - لَهُ أَجْرٌ بِكُلِّ شَعْرَةٍ، ثُمَّ كَفُّهُ الثَّوْبَ وَالشَّعْرَ لِكَيْ لَا يَتَتَرَّبَ نَوْعُ تَجَبُّرٍ وَيُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي مَا هُوَ مِنْ أَخْلَاقِ الْجَبَابِرَةِ.
وَيَسْجُدُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَاظَبَ عَلَى هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَفِيهِ تَمَامُ السُّجُودِ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْجَبْهَةِ دُونَ الْأَنْفِ جَازَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ سَجَدَ عَلَى الْأَنْفِ دُونَ الْجَبْهَةِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - وَيُكْرَهُ وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - وَهُوَ رِوَايَةُ أُسَيْدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ -. أَمَّا الشَّافِعِيُّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يُمِسَّ أَنْفَهُ الْأَرْضَ فِي سُجُودِهِ كَمَا يُمِسُّ جَبْهَتَهُ، فَلَا سُجُودَ لَهُ»، وَالْمُرَادُ بِهَذَا عِنْدَنَا نَفْيُ الْكَمَالِ لَا نَفْيُ الْجَوَازِ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - بِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ فَرِيضَةٌ وَعَلَى الْأَنْفِ تَطَوُّعٌ» فَإِذَا تَرَكَ مَا هُوَ الْفَرْضُ لَا يُجْزِئُهُ، ثُمَّ الْأَنْفُ تَبَعٌ لِلْجَبْهَةِ فِي السُّجُودِ كَمَا أَنَّ الْأُذُنَ تَبَعٌ لِلرَّأْسِ فِي الْمَسْحِ، وَلَوْ اكْتَفَى بِمَسْحِ الْأُذُنِ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ لَا يُجْزِئُهُ فَهَذَا مِثْلُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ احْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -: فَإِنَّ زَيْدَ بْنَ رُكَانَةَ كَانَ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ فَكَانَ إذَا سَجَدَ سَقَطَ عَلَى جَبْهَتِهِ فَنَادَاهُ ابْنُ عُمَرَ
[ ١ / ٣٤ ]
- ﵄ - إذَا أَمْسَسْتَ أَنْفَكَ الْأَرْضَ أَجْزَأَكَ، وَلِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ السُّجُودُ عَلَى الْوَجْهِ كَمَا فُسِّرَ الْأَعْضَاءُ السَّبْعَةُ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْقَدَمَانِ. وَوَسَطُ الْوَجْهِ الْأَنْفُ فَبِالسُّجُودِ عَلَيْهِ يَكُونُ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَهُوَ أَحَدُ أَطْرَافِ الْجَبْهَةِ، فَإِنَّ عَظْمَ الْجَبْهَةِ مُثَلَّثٌ وَالسُّجُودُ عَلَى أَحَدِ أَطْرَافِهِ كَالسُّجُودِ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، وَلِأَنَّ الْأَنْفَ مَسْجِدٌ حَتَّى إذَا كَانَ بِجَبْهَتِهِ عُذْرٌ يَلْزَمُهُ السُّجُودُ عَلَى الْأَنْفِ وَمَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا بِالْعُذْرِ فِي الْمَسْجِدِ كَالْخَدِّ وَالذَّقَنِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ فَبِالسُّجُودِ عَلَيْهِ يَحْصُلُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] وَالْمُرَادُ مَا يَقْرَبُ مِنْ الذَّقَنِ، وَالْأَنْفِ أَقْرَبُ إلَى الذَّقَنِ مِنْ الْجَبْهَةِ، فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مَسْجِدًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.