(قَالَ - ﵀ -): وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ كَذَا، وَكَذَا وَيُعْتَقُ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا قَالَ إنْ كَانَ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا بِمِقْدَارِ ثُلُثِ مَالِهِ فَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ عَنْ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ حَطَّ عَنْهُ ثُلُثَ الْمَالِ وَيَسْعَى فِيمَا بَقِيَ اعْتِبَارًا لِمَا أَوْصَى بِهِ بِمَالٍ نَقَدَهُ فِي مَرَضِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ بِبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِبَيْعِهِ مِنْ مَعْلُومٍ بِثَمَنٍ مُسَمًّى وَجَبَ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ فَإِنْ حَطَّ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ فِي قِيمَتِهِ يَجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ مَنْفَعَةُ الْمُوصِي أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الْوَلَاءُ، إنَّمَا جَعَلْنَا هَذَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِ أَدَاءَ مَا يَقُومُ مَقَامَ مَالِيَّةِ رَقَبَةٍ فِي تَوَفُّرِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ فَإِنَّ حَقَّهُمْ فِي الْمَالِيَّةِ، وَذَلِكَ يَسْلَمْ لَهُمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَإِنْ أَعْتَقَ مَعَ هَذَا عَبْدًا عَلَى غَيْرِ جُعْلٍ بُدِئَ بِالْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ جُعْلٍ، ثُمَّ أَعْتَقْنَا هَذَا الْآخَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى مَا بَيَّنَّا؛ لِأَنَّ مَا نَفَذَ مِنْ الْعِتْقِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ مُقَدَّمُ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِتْقًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّ مَا بَعْدَهُ صَارَ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى التَّنْفِيذِ وَمَا أَوْصَى بِهِ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ فَلِهَذَا قَدَّمْنَا الْعِتْقَ الْمُنَفَّذَ فِي ثُلُثِهِ، وَإِذَا أَوْصَى أَنْ يَخْدُمَ عَبْدُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَرَثَتَهُ سَنَةً، ثُمَّ يُعْتَقُ لَمْ يَجُزْ
[ ٢٨ / ٤٣ ]
إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِالرَّقَبَةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ، ثُمَّ الْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ لِلْعَبْدِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهَا، فَإِذَا بَطَلَتْ الْأُولَى لِعَدَمِ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ تَبْطُلُ الثَّانِيَةُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا.
فَإِذَا صَحَّتْ الْأُولَى بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُمْ كِبَارٌ يَجِبُ تَنْفِيذُ الْأُخْرَى جَزْمًا عَلَى خِدْمَةِ الْعَبْدِ سَنَةً كَمَا أَوْصَى بِهِ، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَخْدُمَ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ سَنَةً، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ إيثَارُ بَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَلَكِنَّهُ إيفَاءُ مَا كَانَ مِنْ اسْتِخْدَامِ الْوَرَثَةِ إيَّاهُ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ أَوْصَى بِعِتْقِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجِبُ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ سَلَامَةَ خِدْمَتِهِ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ لَا بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ، وَالْإِرْثُ لَا يُرَدُّ لِكَرَاهَةِ الْوَرَثَةِ فَإِنْ قِيلَ الْخِدْمَةُ لَا تُوَرَّثُ قُلْنَا نَعَمْ مَقْصُودًا وَلَكِنَّهَا تُوَرَّثُ تَبَعًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَلَمَّا لَمْ يَجِبْ تَنْفِيذُ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ فِي الْحَالِ صَارَتْ الرَّقَبَةُ مَعَ الْخِدْمَةِ مَمْلُوكَةً لَهُمْ إرْثًا عَلَى أَنْ يُعَادَ إلَى الْمَيِّتِ حُكْمًا عِنْدَ الْإِعْتَاقِ، وَهُوَ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ لِتَسْلِيمِ الْوَلَاءِ لَهُ، ثُمَّ مَقْصُودُ مَنْ كَرِهَ مِنْهُمْ إبْطَالَ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، وَالْوَارِثُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فِي مَحَلِّ الْوَصِيَّةِ، وَهُوَ الثُّلُثُ فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يَخْدُمَ فُلَانًا سَنَةً، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ وَفُلَانٌ غَيْرُ وَارِثٌ فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ وَصِيَّتَيْنِ تَصِحُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً فَيَصِحُّ تَرَتُّبُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَيْضًا، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْخِدْمَةَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ هَهُنَا تُسَلَّمُ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَلِلْمُوصَى لَهُ حَقُّ الرَّدِّ فِي الْمُوصَى بِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالرَّقَبَةِ بَعْدَ هَذَا.
وَإِذَا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ الْأُولَى بِرَدِّهِ بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا مُرَتَّبَةً عَلَى الْأُولَى، وَقَدْ فَاتَ شَرْطُهَا حِينَ رَدِّ الْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ قُتِلَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ سَنَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْخِدْمَةِ تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْمُوصَى لَهُ فَإِنَّ الْإِرْثَ لَا يَجْرِي فِي مُجَرَّدِ الْمَنْفَعَةِ فَوَارِثُ الْمُوصَى لَهُ لَا يَخْلُفُهُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إذَا خَدَمَ فُلَانًا سَنَةً أَوْ إنْ خَدَمَ سَنَةً فَهُوَ حُرٌّ فَإِنَّ الشَّرْطَ يَفُوتُ بِمَوْتِ فُلَانٍ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ فَإِنْ كَانَ فُلَانٌ غَائِبًا فَقَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ فَالْخِدْمَةُ تَكُونُ لَهُ مِنْ يَوْمِ قَدِمَ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى ذَكَرَ سَنَةً مُنَكَّرَةً، وَلَا حَاجَةَ إلَى تَعْيِينِ السَّنَةِ الَّتِي تَعْقُبُ مَوْتَهُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمُوصَى بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ: يَخْدُمُ فُلَانًا هَذِهِ السَّنَةَ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَلَمْ يَقْدُمْ حَتَّى مَضَتْ السَّنَةُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ بِالْخِدْمَةِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا فَإِنَّهُ عَيَّنَ الْوَصِيَّةَ لِلْمَنَافِعِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي السَّنَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِمُضِيِّهَا، وَيَبْطُلُ الْعِتْقُ أَيْضًا لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَلَوْ قَالَ: يَخْدُمُ فُلَانًا سَنَةً، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَخْدُمُ فُلَانًا يَوْمًا وَالْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ عَتَقَ؛ لِأَنَّ
[ ٢٨ / ٤٤ ]
الْوَصِيَّةَ تَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي تَسْلِيمِ الْعَبْدِ إلَى الْمُوصَى لَهُ لِيَخْدُمَهُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ قَصْرُ يَدِ الْوَارِثِ عَنْ جَمِيعِ التَّرِكَةِ لِمَكَانِ الْوَصِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ ضِعْفُ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ فَقُلْنَا يَخْدُمُ الْمُوصَى لَهُ يَوْمًا، وَالْوَرَثَةَ يَوْمَيْنِ حَتَّى يَمْضِيَ ثَلَاثُ سِنِينَ فَيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا كَمَالَ حَقِّهِ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْخِدْمَةِ وَيُتِمُّ بِهِ شَرْطَ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، فَيُعْتَقُ ثُلُثَهُ وَعَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَخْدُمَ وَرَثَتَهُ سَنَةً، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَصَالَحُوهُ مِنْ الْخِدْمَةِ عَلَى دَرَاهِمَ وَعَجَّلُوا عِتْقَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُمْ بِالْمِيرَاثِ فَيَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ بِالْمَالِ، وَيُجْعَلُ وُصُولُ الْبَدَلِ إلَيْهِمْ كَوُصُولِ الْمُبْدَلِ بِأَنَّهُ يَخْدُمُهُمْ سَنَةً فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثُهُ، ثُمَّ هُمْ أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ عَنْ الْخِدْمَةِ بِعِوَضٍ، وَلَوْ أَسْقَطُوهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَعَجَّلُوا الْعِتْقَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ صَارَ رَاضِيًا بِالْتِزَامِ وَلَائِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَسْقَطُوهُ بِعِوَضٍ.
وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ فَوَلَدَتْ وَلَدًا، وَأَغَلَّتْ عَلَيْهِ قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ، وَتُعْتَقُ هِيَ مِنْ الثُّلُثِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْعِتْقِ لَا تَسْرِي إلَى الْوَلَدِ، وَلَا إلَى الْكَسْبِ وَالْغَلَّةِ، وَالْوَرَثَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ لَهُمَا فِيمَا هُوَ فَارِغٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ لَهُمْ فِيهَا قَدْ تَقَرَّرَ، وَالْبَاقِي لِمِلْكِ الْمَيِّتِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّا نَجْعَلُهَا كَالْبَاقِيَةِ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ حُكْمًا لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَى تَنْفِيذِ وَصِيَّتِهَا، وَفِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِلْوَرَثَةِ، إنْ جَنَتْ جِنَايَةً فَذَلِكَ إلَى الْوَارِث إنْ شَاءَ دَفَعَهَا بِالْجِنَايَةِ، وَأَبْطَلَ الْعِتْقَ، وَإِنْ شَاءَ فَدَاهَا بِالْأَرْشِ، وَأَعْتَقَهَا عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ لَهَا فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ فَإِنْ اخْتَارَ دَفْعَهَا دَفَعَ بِهِ مَحَلَّ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ، وَهُوَ مِلْكُ الْمَيِّتِ، إنْ اخْتَارَ الْفِدَاءَ فَقَدْ طَهُرَتْ عَنْ الْجِنَايَةِ وَبَقِيَتْ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ عَنْ الْمَيِّتِ كَمَا كَانَتْ، وَالْوَارِثُ مُتَبَرِّعٌ فِي الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا أَعْتَقَهَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَهُوَ حُرٌّ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْفِيذِ عِتْقِهِ، ثُمَّ عِتْقُهَا مُسْتَحَقٌّ عَنْ الْمَيِّتِ، وَمَا اُسْتُحِقَّ فِي عَيْنٍ بِجِهَةٍ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ أُتِيَ بِهِ يَقَعُ عَنْ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ حِصَّةُ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْوَرَثَةِ مِنْ قِيمَةِ الْخِدْمَةِ لِاحْتِبَاسِ ذَلِكَ عِنْدَهُ حَتَّى نَفَذَ الْعِتْقُ فِيهِ مِنْ بَعْضِ الْوَرَثَةِ.
وَذَلِكَ مُتَقَوِّمٌ فِيمَا هُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِذَا كَانَ أَعْتَقَهُ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَى أَحَدٍ إذَا كَانَ يُخْرِجُ قِيمَتَهَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَنْفِيذٌ لِلْوَصِيَّةِ، وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ بِمَنْزِلَةِ جَمَاعَتِهِمْ فِي تَنْفِيذِ جَمِيعِ وَصِيَّةِ الْمُوصِي فِي الْعِتْقِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إنْ دَبَّرَهَا وَارِثٌ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ عَنْ الْمَيِّتِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهَا بِشَرْطٍ آخَرَ، وَقَدْ يُوجَدُ الشَّرْطُ، إنْ لَمْ يَمُتْ فَتَدْبِيرُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إعْتَاقَهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ تَدْبِيرَهَا عَنْ نَفْسِهِ أَيْضًا وَلَيْسَ فِي التَّدْبِيرِ تَنْفِيذُ وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ
[ ٢٨ / ٤٥ ]
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْوَصِيُّ لِإِنْسَانٍ بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ: اعْتِقْهَا عَنْ الْمَيِّتِ فَأَعْتَقَهَا أَوْ اُحْتُضِرَ الْوَصِيُّ فَأَوْصَى إلَى آخَرَ أَنْ يُعْتِقَهَا عَنْ الْمَيِّتِ جَازَ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِالْعِتْقِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ إذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ نَائِبٌ مَحْضٌ، وَالْآمِرُ مَا أَنَابَهُ مَنَابَ نَفْسِهِ فِي الْوَصِيَّةِ إلَى الْغَيْرِ وَلِلْوَصِيِّ وِلَايَةُ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِنَفْسِهِ، وَفِي أَمْرِهِ غَيْرَهُ بِذَلِكَ وَإِيصَائِهِ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ تَحْصِيلُ مَقْصُودِ الْمُوصِي فَيَصِحُّ ذَلِكَ مِنْ الْوَصِيِّ.
وَإِذَا أَوْصَى بِعِتْقِ مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ كَالْمُنْفَصِلِ فِي حُكْمِ مَقْصُودِ الْمُعْتِقِ فِيهِ فَإِنْ أَعْتَقَ الْأُمَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فَهِيَ حُرَّةٌ عَنْهُ، وَمَا فِي بَطْنِهَا حُرٌّ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ تَابِعٌ لِلْأُمِّ فِي الْعِتْقِ الَّذِي أَوْجَبَهُ الْمُعْتِقُ فِيهَا.
وَلَوْ أَعْتَقَ الْجَنِينَ أَحَدُهُمَا عَتَقَ عَنْ الْمَيِّتِ فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ الْأُمَّ أَحَدُهُمْ، وَقَدْ صَارَتْ الْأُمُّ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمْ بِالْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهَا فَارِغَةٌ عَنْ الْوَصِيَّةِ، فَإِذَا أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمْ يُخَيَّرُ شُرَكَاؤُهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي عِتْقِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ الْمَمْلُوكَ الْمُشْتَرَكَ، إنْ دَبَّرَهَا قَبْلَ أَنْ تَلِدَ فَتَدْبِيرُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَمِنْ ضَرُورَةِ نُفُوذِ التَّدْبِيرِ مِنْهُ فِي نَصِيبِهِ مِنْهَا نُفُوذُهُ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ لَا يَنْفَصِلُ عَنْهَا فِي حُكْمِ التَّدْبِيرِ كَمَا لَا يَنْفَصِلُ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْهَا وَتَبْطُلُ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ فِي الْجَنِينِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي حُكْمًا لِيُعْتَقَ عَنْهُ فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لَهُ، وَيَنْفُذُ التَّدْبِيرُ مِنْ الَّذِي دَبَّرَ فِي بَعْضِ الْجَنِينِ عَنْ نَفْسِهِ بِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ، وَيَسْتَحِقُّ وَلَاءَهُ ضَرُورَةً فَيَفُوتُ بِهِ مَحَلُّ الْوَصِيَّةِ.
وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ جَارِيَتَهُ فُلَانَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ، وَهِيَ الثُّلُثُ فَبَاعَهَا الْوَرَثَةُ فَبَيْعُهُمْ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ حُكْمًا مَشْغُولَةٌ بِحَاجَتِهِ فَبَيْعُهُمْ إيَّاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَبَيْعِهِمْ إيَّاهَا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ كَبَيْعِ الْوَرَثَةِ التَّرِكَةَ الْمُسْتَغْرَقَةَ بِالدَّيْنِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ فَهَذَا أَيْضًا كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ إبْطَالَ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ أَصْلًا فَإِنْ وَلَدَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَالْوَلَدُ وَلَدُهُ، وَالْمُشْتَرِي مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْوَرَثَةِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ بِالْوَصِيَّةِ حِينَ اشْتَرَاهَا وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ إلَّا أَنَّ هَهُنَا لَا قِيمَةَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ وَجَبَتْ لِلْوَرَثَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ الْغُرُورِ فَلَا فَائِدَةَ فِي إيجَابِهَا، وَعَلَيْهِ الْعُقْرُ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ وَإِيجَابُ الْعُقْرِ مُقَيَّدٌ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرْجِعُ بِمَا يَغْرَمُ مِنْ الْعُقْرِ عَلَى الْبَائِع بِسَبَبِ الْغُرُورِ، وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَتُؤْخَذُ الْجَارِيَةُ وَتُعْتَقُ عَنْ الْمَيِّتِ بَعْدَ سَنَةٍ كَمَا أَوْصَى.
وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ جَارِيَتِهِ، وَقِيمَتُهَا أَلْفٌ، وَلَهُ أَلْفَانِ فَهَلَكَتْ الْأَلْفَانِ قَبْلَ أَنْ يُعْتِقَهَا الْوَصِيُّ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ يُعْتَقُ ثُلُثُهَا وَتَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ مَا هَلَكَ مِنْ الْمَالِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْوَرَثَةِ صَارَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ وَالْهَالِكُ قَبْلَ
[ ٢٨ / ٤٦ ]
مَوْتِ الْمُوصِي سَوَاءٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْجَارِيَةُ فَلَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُث فَيُعْتَقُ ثُلُثُهَا وَتَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.