قال أصحابنا ﵏: وقت الصوم من حين يطلع الفجر الثاني، وهو الفجر المستطير المنتشر في الأفق إلى وقت غروب الشمس خروج وقت الصوم، ولم ينقل عنهم أن العبرة لأول طلوع الفجر الثاني، أو لاستطارته وانتشاره، وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: العبرة لأوله، وبعضهم قالوا: العبرة لاستطارته، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: القول الأول أحوط، والثاني أوسع.
وإذا شك في الفجر قال في «الأصل»: أحب إليّ أن يدع الأكل والشرب، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الخليلي ﵀: الواجب على من شك في طلوع الفجر أن يطالع الفجر أو يأمر من ينوبه حتى يطالعه، فإن طالع وليس في السماء علة بأن لم تكن السماء مقمرة، ولا متغيمة وليس ببصره علة، وهو ينظر إلى مطلع الفجر، فله أن يأكل ما لم يطلع الفجر، فإن كان في موضع لا يرى طلوع الفجر، أو يرى، إلا أن السماء كانت مقمرة، أو متغيمة، فإن انضم إلى الشك علامة أخرى تدل على طلوع الفجر من حيث الظاهر بأن كان له ورد يوافق فراغه طلوع الفجر، ففرغ منها. (١٥٧أ١)
وشك في طلوع الفجر، أو كان يرى نجمًا إذا أخذ مكانًا من السماء يوافق ذلك طلوع الفجر، فإذا انضم إلى الشك مثل هذه العلامة يدع الأكل والشرب، ويكون مسيئًا إذا أكل أو شرب، ويكون عليه القضاء إن كان أكبر رأيه أن الفجر طالع، هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهرزاده.
وذكر القدوري: أن في هذا الفصل روايتين، وقال: الصحيح أنه لا قضاء عليه؛ لأن الأصل بقاء الليل، ونحن على ذكر الأصل حتى يقوم الدليل بخلافه، إلا أنه يستحب له القضاء احتياطًا لأمر العبادة، وإن لم يصم إلى الشك مثل ما ذكرنا من العلامة يستحب له أن يترك الأكل.
وإن أكل لا يكون مسيئًا، ولا قضاء عليه، إلا إذا كان أكبر رأيه أن الفجر طالع، فحينئذٍ يستحب له القضاء، وإن أمر إنسانًا ليطالع طلوع الفجر، فأخبره بالطلوع، فإن كان المخبر عدلًا يجوز له أن يأكل حرًا كان أو مملوكًا ذكرًا كان أو أنثى، وإن أخبره صبي عاقل لا يأكل إذا غلب على ظنه أنه صادق، وإن أخبره عدل بالطلوع، وعدل آخر بعدم الطلوع يتحرى سواء كان أحدهما حرًا، والآخر مملوكًا، وإن كان من أحد الجانبين عدلان، أو من الجانب الآخر عدل يأخذ بقول العدلين، وإن كان من أحد الجانبين عدلان حران، ومن الجانب الآخر مملوك يأخذ بقول الحرين، وإن كان يأكل، فأخبره
[ ٢ / ٣٧٣ ]
عدل أن الفجر طالع، فأتم الأكل لا تلزمه الكفارة؛ لأنه قد أكل قبل الإخبار، وفسد صومه، لا عن كفارة، فلا تلزمه الكفارة بأكل يوجد بعد ذلك حتى لو لم يكن أكل قبل الإخبار، وإنما أكل بعد الأخبار تلزمه الكفارة، وإن كان يأكل فقال: له واحد عدل محوركه سهده دمدمي أو قال: مي دمد، فأكل مع ذلك، وظهر أن الفجر كان طالعًا لزمه الكفارة.
في «مجموع النوازل»؛ لأن قوله: دمدمي إخبار أنه يطلع الآن، فما كان من الأكل قبل الإخبار، فإنما كان قبل طلوع الفجر، فلم يفسد به الصوم، وما وجد من الأكل بعد ذلك وجد بعد طلوع الفجر، وبعد العلم به فيكون عمد وقصد، فيوجب الكفارة.
ولو أخبره عدلان أن الفجر قد طلع، وعدلان أنه لم يطلع، فأكل بعد ذلك، ثم ظهر أن الفجر كان طالعًا هل تلزمه الكفارة؟ اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: لا تلزمه الكفارة؛ لأن البينتين قد تعارضتا، فتساقطتا، وكان سحرًا على ظن أن الفجر لم يطلع، وهناك لا تلزمه الكفارة، وبعضهم قالوا: تلزمه الكفارة.
ولو شهد واحد على طلوع الفجر، واثنان على أنه لم يطلع لم تجب الكفارة، ولو أراد أن يتسحر بالتحري، فإن ذلك إذا كان بحال لا يمكنه مطالعة الفجر بنفسه أو بغيره، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: أن من تسحر بأكبر الرأي لا بأس إذ كان هذا الرجل ممن لا يخفى على مثله، مثل ذلك، وإن كان ممن يخفى عليه مثل ذلك قبيله أن يدع الأكل، وإن أراد أن يتسحر بضرب طبل سَحَرِيَ، فإن كثر ذلك الصوت من كل جانب، وفي جميع أطراف البلدة، فلا بأس به، وإن كان يسمع صوتًا واحدًا، فإن علم عدالته يعتمد عليه وإن عرف فسقه لا يعتمد عليه وإن لم يعرف حاله يحتاط ولا يأكل.
وإن أراد أن يعتمد بصياح الديك، فقد أنكر ذلك بعض مشايخنا، وقال بعضهم: لا بأس به إذا كان قد جربه مرارًا، وظهر له أنه يضبط الوقت، إذا تسحر فدخل عليه قوم، وقالوا له: الفجر طالع، فقال: إذًا حصل الفطر آكل أكلًا مشبعًا، فأكل، ثم ظهر أن الأكل الأول كان قبل الصبح، والثاني بعد الصبح قال الحاكم أبو محمد الكوفي ﵀: إن كانوا مما عرف عدالتهم؟ لا كفارة.
وإن كان المخبر واحدًا إلا أنه عدل، فكذلك الجواب، وإن كان فاسقًا، فعليه الكفارة،
وإذا قالت المرأة لزوجها: طالعت الفجر، فلم يطلع بعد، فجامعها، ثم ظهر أن الفجر كان طالعًا قال الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀: إن صدقها، وهي ثقة لا كفارة عليه، وقال عبد الرحمن بن أبي الليث، في «فتاويه»: لا كفارة عليه من غير تقييد، وعليها الكفارة، وكذا أفتى القاضي الإمام أبو علي، والخطيب مصطفى بن اليمان، هذا كله بيان الأحكام المتعلقة بأول وقت الصوم.
جئنًا إلى بيان الأحكام المتعلقة بآخر الوقت قال بعض مشايخنا: لا يجوز الإفطار بالتحري، وعن محمد: إن كان في موضع يمكنه معاينة غروب شمس لا يمنعه عن ذلك
[ ٢ / ٣٧٤ ]
مانع لا يفطر بالتحري، بل يفطر بالمعاينة، وإن منعه عن ذلك مانع يفطر بالتحري بعد أن يتيقن فيه، ويحتاط نحو أن يتبع العلامة من الظلام ونحوه وبنحوه، روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀، وذكر شمس الأئمة الحلواني أن ظاهر مذهب أصحابنا: أنه يجوز الإفطار بالتحري،
وإن أفطر وغالب رأيه أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب بعد كان عليه قضاء ذلك اليوم، بخلاف ما إذا تسحر، وغالب رأيه أن الفجر لم يطلع؛ ثم تبين أنه قد طلع، فإنه لا يجب عليه القضاء، بل يستحب له القضاء على الرواية الصحيحة؛ لأن ثمة الأصل بقاء الليل، فلا يترك إلا بيقين مثله، وههنا الأصل بقاء النهار، فلا يترك إلا بيقين مثله
وأما إذا شك في غروب الشمس، والشك يساوي اليقين، فلو فطر، ثم تبين (١٥٧ب١) أن الشمس ما غربت تلزمه الكفارة، هكذا قاله الفقيه أبو جعفر، ووجه ما ذكرنا: أن الأصل بقاء النهار، وروى ابن رستم عن محمد أنه لا كفارة عليه استحسانًا، وإن أخبره مخبر بغروب الشمس، من المشايخ من قال: لا يجوز له الفطر بقول الواحد بل شرط المثنى.
قال شمس الأئمة الحلواني: كان الجواب أنه لا بأس بأن يعتمد على قوله إذا كان عدلًا، ويميل قلبه إلى صدقه كما في السحر،
ولو أخبره عدلان أن الشمس قد غربت، وأخبره عدلان أنها لم تغرب، فلا كفارة عليه؛ لأن اللذان شهدا بعدم الغروب لم تقبل شهادتهما، إما لأن هذه شهادة على النفي، أو لأن الأصل هو النهار، وإن بانت بدون شهادتهما، أو اللذان شهدا على الغروب شهدا على إثبات ما ليس بثابت بشهادتهما، فيثبت الغروب بشهادتهما؛ فلهذا لا تجب الكفارة، وبهذا الطريق تجب الكفارة عند بعض المشايخ في مسألة طلوع الفجر، وهو الصحيح
سئل شمس الأئمة الحلواني عن الإفطار يوم الغيم، فقال: جواب هذه المسألة لا يؤخذ في الكتب، والجواب فيها كالجواب في مراعاة الوقت ليصلي، وهناك قال أصحابنا: يؤخر المغرب فكذا ههنا يؤخر الإفطار يأخذ فيه بالثقة ما استطاع، والله أعلم.