قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: في امرأة تريد أن تمر بين يدي رجل وهو يصلي قال: يدرأها وإن مرت لا تقطع صلاته.
اعلم أن الكلام في هذه المسألة في مواضع: إحدها: أن المرور بين يدي المصلي لا تقطع الصلاة أي شيء كان المار، وهذا مذهبنا، وقال بعض الناس: بأن مرور المرأة والحِمار والكلب تقطع الصلاة (٦٨أ١) وهو قول بعض الصحابة، واحتج هذا القائل بما روى عبد الله بن الزبير عن النبي ﵇: أنه قال: «تقطع الصلاة مرور ثلاثة المرأة
[ ١ / ٤٢٩ ]
والحمار والكلب الأسود» فقيل ما بال الأسود من الأبيض فقال: «إن الأسود شيطان»، وروى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﵇ أنه قال: «لا يقطع مرور شيء الصلاة إلا ثلاث: الكلب والحمار والمرأة»، ولنا ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﵇ أنه قال: «لا يقطع الصلاة مرور شيء وادرؤا ما استطعتم»، وروي أن رسول الله ﵇؛ صلى في بيت أم سلمة، فأراد عمر بن أم سلمة أن يمر بين يدي رسول الله، فأشار إليه النبي ﵇ أن قف فتوقف، ثم أرادت زينبُ بنت أم سلمة ﵂ أن تمر بين يدي النبي ﵇، فأشار إليها النبي صلى الله عليه وسلّمأن قفي فلم تقف، ومرت بين يدي رسول الله ﵇، ورسول الله ﵇ مضى على صلاته.
وروي عن عبد الله بن عباس والفضل بن عباس ﵃ أنهما قالا: «أتينا رسول الله ﵇ على أتانٍ، فوجدناه يصلي فتركنا الأتان ودخلنا في صلاته، فكانت الأتان تتردد بين يدي رسول الله ورسول الله ﵇ مضى على صلاته»، وعن أبي ذر وأبي الدرداء ﵄ أنه قال صلى الله ﵇: الجمعة فلما قعد أراد كلب أن يمر بين يديه فقلت سبحانك لا إله إلا أنت يا حنان يا منان يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اقتل هذا الكلب فخر الكلب ميتًا قبل أن يضع رجله موضع يديه فلما فرغ رسول الله ﵇ من الصلاة قال: «من الداعي على الكلب فقلت: أنا، فقال دعيت عليه في ساعة لو دعوت على أهل الأرض أن يهلكوا لهلكوا، ثم قال ما حملك على هذا الدعاء فقلت: خشيت أن يمر بين يديك فيقطع صلاتك فقال ﵇: «لا يقطع الصلاة مرور شيء وادرؤوا ما استطعتم، وما روى من الحديث روي أن عائشة ﵂ لما بلغها هذا الحديث قالت: يا أهل العراق بئس ما قرنتمونا بالكلاب والحمير، كان رسول الله ﵇ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة وكان إذا سجد غمز رجلي»، ولا شك أن هذا أكثر من المرور أو كان ذلك في بدء الإسلام ثم انتسخ بما روينا من الأحاديث.
والثاني: أن المصلي هل يدرء المار وكيف يدرءه فنقول المصلي يدرء المار لما
[ ١ / ٤٣٠ ]
روينا من حديث ولدي أم سلمة وحديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي ذر وحديث أبي الدرداء ﵃ والأمر بالدرء في هذه الأحاديث بطريق الرخصة، والإباحة، كالأمر بقتل الأسودين في الصلاة.
واختلف المشايخ في كيفية الدرأ منهم من قال: يدرء بالإشارة لحديث ولدي أم سلمة على ما روينا، ومنهم من قال يدرء بالتسبيح؛ لأن هذه نائبة وقعت للمصلي، وقد قال ﵇: «إذا وقعت لأحدكم نائبة في الصلاة فليسبح»، وذكر في «الأصل» إذا سبح وأشار بإصبعه ليصرفه عن نفسه لم تقطع صلاته، وأحب إليّ أن لا تفعل.
اختلف المشايخ في معنى قوله أحب إليّ أن لا تفعل، قال بعضهم: لأنه جمع بين الإشارة والتسبيح، وكان يكفي أحدهما، وقال بعضهم: لأنه نسخ والنص ورد بالإشارة، وقال بعضهم يحتمل أن يكون معناه أن ترك الإشارة والتسبيح للدرأ أولى؛ لأن الكراهية في المرور ثابتة من غيره وهذا ثابت بفعله، وفعل النبي ﵇ محمول على الابتداء حين كان يجوز إدخال ما ليس من الصلاة في الصلاة، ثم أشار أو سبح أو جمع بينهما ولم يمتنع المار عن المرور، لا يزيد على ذلك، ولا يشتمل بالمعالجة، هذا هو مذهب علمائنا ﵏، ومن العلماء من أطلق للمصلي أن يأخذ ببعض ثيابه أو ببعض ببدنه، فيدرأ لظاهر قوله ﵇: «وادرؤوا ما استطعتم»، ومن العلماء من أطلق أن يضربه ضربًا، وجعلوا أن يقابله، فإن النبي ﵇ قال في آخر حديث أبي سعيد الخدري «ادرؤوا ما استطعتم فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان»، وعندنا لا يزيد على الإشارة والحديث محمول على الابتداء حين كان العمل في الصلاة مباحًا.
الثالث: أن المرور بين يدي المصلي مكروه والمار آثم، لما روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: «لو علم المار بين يدي المصلي ما عليه لوقف أربعين، قال أبو أيوب لا أدري أراد بقوله أربعين، أربعين عامًا أو شهرًا أو يومًا» .
الرابع: في مقدار ما يجب أن يكون بين يدي المصلي وبين المار حتى لا يكره المرور، وهذا فصل لا ذكر له في «الأصل» وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم: قالوا خمسون ذراعًا، وبعضهم قالوا: موضع صلاته وهو موضع قدمه إلى سجوده، وقال الفقيه أبو جعفر ﵀: إذا مر في موضع يقع بصر المصلي عليه وبصره إلى موضع سجوده، فذلك مكروه، وما زاد على ذلك فليس بمكروه.
وقال الفقيه أبو القاسم الصفار: إذا كان بينه وبين المار مقدار ما بين صف الأول إلى حائط القبلة فمر وراءه لم يضره، وهذا إذا كان في الصحراء أو لم يكن له سترة، فإن
[ ١ / ٤٣١ ]
كان له سترة فمر بينه وبين السترة فهو مكروه، فإن مر وراء السترة فهو ليس بمكروه، وكذلك لا يدرأه المصلي إذا مر من وراء السترة.
قال بعض مشايخنا: فإنما يكره المرور بين المصلي وبين السترة إذا كان بين المصلي والمار أقل من مقدار الصفين، أما إذا كان مقدار الصفين فصاعدًا فلا يكره، وإن كان يصلي في المسجد، فإن كان بينه وبين المار أسطوانة أو إنسان قائم أو قاعد لا يكره؛ لأن به وقعت الحيلولة بين المار وبين المصلي، وإن لم يكن بينهما حائل إن كان المسجد صغيرًا يكره في أي موضع يمر وإلى هذا أشار محمد في «الأصل»، فإنه قال في الإمام إذا فرغ من صلاته، فإن كانت صلاة لا تطوع بعدها فهو بالخيار، إن شاء انحرف عن يمينه وشماله، وإن شاء قام وذهب، وإن شاء استقبل الناس بوجهه إذا لم يكن بحذائه رجل يصلي ولم يفصل بين ما إذا كان المصلي في الصف الأول، أو في الصف الآخر وهذا هو ظاهر المذهب؛ لأنه إذا كان وجهه مقابل وجه الإمام في حال قيامه يكره ذلك، وإن كان بينهما صفوف.
ووجه الاستدلال بهذه المسألة: أن محمدًا ﵀ جعل جلوس الإمام في محرابه وهو مستقبل له بمنزلة جلوسه بين يديه وموضع سجوده، فكذا مرور المار في أي موضع يكون من المسجد يجعل بمنزلة مروره بين يديه، وفي موضع سجوده، وإن كان المسجد كبيرًا مثل مسجد الجامع، قال بعض المشايخ: هو بمنزلة المسجد الصغير، فكره المرور في جميع الأماكن، وقال بعضهم؛ هو بمنزلة الصحراء فيكون الجواب فيه كالجواب في الصحراء ومن المشايخ من قال: الحد في المسجد قدر ثلاثة أذرع، ويترك ذلك القدر فيما وراء ذلك الأمر واسع عليه.
وإن كان الرجل يصلي على الدكان أو على السطح، فمر إنسان بين يديه على الأرض، فقد مر بين يديه إن كان السطح والدكان على أقل من قامة الرجل، هكذا ذكر بعض المشايخ في شرح «الأصل» .
وذكر بعض المشايخ في شرح «الجامع الصغير»: إن كان بحيث يحاذي أعضاء المار أعضاء المصلي يكره، وما لا فلا ولو مر رجلان بين يدي المصلي متحاذيين فالذي يليه هو المار بين يديه، ولو مر بين يدي المصلي خلف الدابة، فليس بمار بين يديه.
وقال محمد ﵀: رجل يصلي في الصحراء يستحب له أن يكون بين يديه شيء مثل العصا ونحوه، وإن كان لا يجد العصا ليستتر بحائط أو سارية أو شجرة، والكلام هنا في مواضع.
أحدها: في أصل السترة وأنه مستحب، والأصل فيه؛ ما روي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: «رأيت رسول الله ﵇ يصلي إليها والناس يمرون من ورائها»، وقال ﵇: «من كان يصلي في الصحراء فليضع بين يديه
[ ١ / ٤٣٢ ]
مثل مؤخرة رحله أو واسطة رجل ثم لا يضره مرور شيء بين يديه.
والثاني: أن السنّة فيها الفرز لما روينا من حديث بلال.
والثالث: ينبغي أن يكون مقدار طولها ذراع، لأن العبرة قدر ذراع ولم يذكر في «الأصل» قدرها عرضًا، قيل: وينبغي أن يكون في غلظ إصبع (٦٨ب١) هكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ وأنه موفق لما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يجزىء من السترة السهم، وهكذا ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير»: قال محمد ﵀ في «السير»: بلغنا أن رسول الله ﵇ قال: «تجزىء من السترة السهم» بفتح الياء معناه يكفي، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة: ٤٨)، قال: وطول السهم قدر ذراع وغلظه قدر إصبع، وقال ﵇: «إذا صلى أحدكم وبين يديه أجرة الرجل أو واسطة الرجل فليصلِ إليها ولا يبالي ما مر به من كل كلب أو حمار»، وأجرة الرجل وواسطته يبلغ قدر ذراع، وأما إذا كان طول السترة أقل من ذراع ففيه اختلاف المشايخ.k
قال شيخ الإسلام خواهر زاده: فعلى هذا إذا وضع قباه أو حقيبته بين يديه إن كان ارتفع قدر ذراع يصير بلا خلاف وإن كان دون ذلك يكون فيه خلافًا.
والرابع: سترة الإمام تجزىء أصحابه، فقد صح أن رسول الله ﵇ صلى إلى العنزة بالبطحاء؛ ولم يكن للقوم سترة.
والخامس: ينبغي للمصلي أن يقرب إلى السترة، قال ﵇: «من صلى إلى سترة فليدن منها» .
والسادس: ينبغي أن يجعل السترة على أحد جانبيه إما الأيمن أو الأيسر، والأفضل أن يجعلها على جانبه الأيمن، قال في «الكتاب»؛ لأن النبي ﵇ لم يصل إلى شجرة ولا إلى عمود إلا جعله على جانبه الأيمن.
والسابع: إذا تعذر غرز السترة أيضًا به الأرض أو للحجر لا يضعها بين يديه عند بعض المشايخ، وعند بعضهم؛ يضع؛ لأن الشرع كما ورد بالغرز ورد بالوضع، ولكن يضع طولًا؛ لأنه لو أمكنه الغرز غرز طولًا ففي الوضع يكون كذلك.
والثامن: لا بأس بترك السترة إذا أمن المرور ولم يواجه الطريق؛ لأن الداعي إلى السترة قد زال، وقد فصل محمد ﵀ في طريق مكة ذلك غير مرة.
والتاسع: إذا لم يكن معه خشبة أو شيء يغرز أو يضع بين يديه هل يخط خطًا
[ ١ / ٤٣٣ ]
بين يديه، عامة المشايخ على أنه لا يخط، وهو رواية عن محمد، وقال بعض مشايخنا: يخط، وهو قول الشافعي، وهو رواية عن محمد أيضًا والذين قالوا بالخط، اختلفوا فيما بينهم في كيفية الخط: قال بعضهم: يخط طولًا، وقال بعضهم: يخط كالمحراب، والله أعلم.