الأصل عند أبي حنيفة: أن وجوب الصلاة يتعلق بآخر الوقت وأوله بسبب الأداء، وكان ابن شجاع ﵀ يقول: الوجوب تعلق بأول الوقت وجوبًا موسعًا ويتضيق بآخر الوقت، وعلى هذا كل عبادة مؤقتة يتسع وقتها لأداء أمثالها و الوقت يتخير المكلف بأول الوقت بين الاتخاذ والترك لا إلى بدل على عدم تعلق الوجوب بأول الوقت؛ إذ الواجب ما لا يتخير المرء فيه من الاتخاذ والترك.
وما قال ابن شجاع لا يصح، لأن وقوع الشيء موقع الفرض لا يدل على الوجوب كما لو كره قبل الحول والتكفير بعد الجرح قبل الموت.
قال: واختلف قول أبي الحسن ﵀: فيما إذا صلى في أول الوقت، ففي قول فرضًا ويتعين ذلك الوقت للوجوب فيه، وفي قول يتوقف فيه، فإن تبع آخر الوقت وهل أهل الوجوب دفع فرضًا، وإن خرج من أن يكون أهلًا كان نفلًا، وفي قول الواقع نفلًا، فإذا تبع آخر الوقت يسقط به الفرض، واختيار القاضي الإمام الكبير أبي زيد الدبوسي ﵀: أن الوقت حول للأداء وكل الوقت ليس بسبب؛ لأنه ظرف الأداء أيضًا، فلا يمكن أن يجعل كل الوقت سببًا بل السبب خروجه، فإذا (٨٦ب١) . وجد الجزء، والأول جعلناه سببًا لوجوده وعدم غيره، وعند قوله: يجعل الجزء والذي يليه سببًا، هكذا إلى آخر الوقت، فإذا شرع في الأداء بقي الجزء الذي تقدم على الشروع سببًا ضرورة تصحح الأداء.
قال: واختلف أصحابنا ﵏ في حكم آخر الوقت، فقال أكثرهم الوجوب يتعلق بمقدار التحريمة من آخر الوقت، وقال زفر ﵀: يتعلق إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدي فيه الصلاة، وهذا القول اختاره القدوري ﵀، والأول اختاره الشيخ أبو الحسن، والمحققون من أصحابنا كالقاضي الإمام أبي زيد الدبوسي رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٥٢٩ ]
وثمرة الاختلاف تظهر في الحائض إذا طهرت في آخر الوقت، والصبي يبلغ والكافر يسلم، والمجنون، والمغمى عليه سيان، والمسافر إذا نوى الإقامة والمقيم إذا سافر فعلى قول أكثر أصحابنا ﵏: يجب، ويتعين الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ما توجد فيه التحريمة، وعند زفر ﵀: ومن تابعه من أصحابنا لا يجب ولا يتعين الفرض إلا إذا أدرك من الوقت ما يمكن الأداء فيه؛ لأن الخطأ والأداء، فلا بد من تصور الأداء؛ ولأنه إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن الأداء لم يكن مخيرًا بين الإيجاد والترك، بل لزمه الإيجاد بل أثم، وهذا دليل على تعلق الوجوب به.
وجه قول أصحابنا ﵏: أن الوقت لما تعين سببًا للوجوب في الذمة، ثم الخروج عن عهدة ما وجب به يكون بالأداء، وقد يكون بالقضاء كالطهر في حق الحائض سبب للوجوب في ذمتها، والخروج عن القضاء دون الأداء ومتى كان الوقت معتبرًا للوجوب في الذمة، ولا يعتبر الوقت الذي يمكن الأداء فيه لا محالة.
قال: وإذا اعترضت هذه العوارض في آخر الوقت سقط الفرض بالإجماع أما على قول أبي الحسن وأكثر أصحابنا ﵏؛ فلأن الوجوب يتعلق بآخر الوقت، وهذه العوارض مانعة من الوجوب.
وأما على قول زفر ﵀: فلأن التكليف زال في البعض فيزول في الكل، ولو أن غلامًا صلى العشاء ونام واحتلم في منامه، ولم يستيقظ حتى طلع الفجر، فعليه قضاء العشاء إجماعًا، وهذه واقعة محمد سأل عنها أبا حنيفة رحمهما الله، فأجابه بما قلنا، فأعاد العشاء.