هذا الفصل يشتمل على أقسام:
الأول: يجب أن يعلم بأن النفاس هو الدم الذي يخرج عقيب الولادة.
قيل: إنه مشتق من النفس التي هو عبارة عن الولد بخروج الولد لا ينفك عن بلّة دم.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وقيل: هو عبارة عن نفس الولادة يقال: نفست المرأة ولدًا فهي نفساء، والولد منفوس والولد لا ينفك عن بلّة دم ولو ولدت ولم ترَ هي دمًا، فهي نفساء في رواية الحسن عن أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة ﵀ ثم رجع أبو يوسف، وقال هي طاهرة.
وثمرة الخلاف تظهر في حق وجوب الغسل، فأما الوضوء فواجب بالإجماع؛ لأن الولد لا ينفك عن بلّة تخرج معه، وتلك البلّة حدث يوجب الوضوء بالإجماع، فوجه قول أبي يوسف الآخر أن النفاس عبارة عن الدم الخارج من الرحم، يقال للمرأة إذا رأت الدم عقيب الولد: نفست، فإذا لم ترَ الدم لم تكن نفساء والغسل من حكم النفاس في هذه الصورة.
وجه قول أبي حنيفة ﵀: أن النفاس مأخوذ من كل واحد مما ذكرنا وكل واحد منهما لا يخلو عن بلّة دم، وأكثر المشايخ أخذوا بقول أبي حنيفة ﵀ وبه كان يفتي الصدر الشهيد ﵀، وبعضهم أخذوا بقول أبي يوسف ﵀.
ثم الأمة أجمعت على وجوب الغسل بالنفاس، فإما أن يكون باجتماعهم بناءً على نص ورد فيه، واكتفوا بالإجماع عن نقل النص لكون الإجماع أكثر منه، أو يكونوا قاسوه على دم الحيض لعلة أنه دم خارج عن الرحم، ويجوز انعقاد الإجماع عن القياس، وليس لعله له غاية على ظاهر رواية أصحابنا ﵏؛ لأنه لم يرد الشرع بتقديره، القليل منه كالكثير من حق كونه حدثًا فيكون هو نفاسًا، بخلاف قليل الحيض حيث يقدّر وهو في نفسه لورود الشرع بتقديره، ولا تقدير ههنا فيتبع فيه القياس؛ ولأن دم الترك ما يكون من الرحم ولديه النفاس علامة يستدل بها على أنه من الرحم وهو خروج الولد بخلاف دم الحيض، فإنه له علامة عليه، فيستدل على ذلك بالامتداد ومقدار الاعتداد عرف بالشرع.
وعن أبي يوسف ﵀: أنه قال أقل مدة النفاس مقدر بأحد عشر يومًا. وعن أبي حنيفة ﵀ أنه قدره بخمسة وعشرين يومًا وأكثر مدة النفاس مقدر بأربعين يومًا عندنا. وقال الشافعي: بستين يومًا، وقال مالك: بسبعين يومًا واعتمادنا على حديث أم سلمة ﵂ حيث قالت: كانت النفساء تعتد على عهد رسول الله ﵇ أربعين يومًا، وفي حديث أبي الدرداء وأبي هريرة ﵄ قالا: «وقّت رسول الله صلى الله عليه وسلّمللنفساء أربعين صباحًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك»، وفي حديث أنس ﵁ قال: وقّت رسول الله ﵇ للنفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، وإن زاد الدم على الأربعين فالزيادة على الأربعين استحاضة والأربعون نفاس في المبتدأة، وصاحبة العادة معروفها نفاس والزيادة عليها استحاضة (نوع منه)
[ ١ / ٢٦٣ ]
في الطهر المتخلل بين الأربعين في النفاس
قال أبو حنيفة ﵀: الطهر المتخلل بين الأربعين في النفاس لا يعتبر فاصلًا بين الدمين، سواء كان أقل من خمسة عشر أو كان خمسة عشر أو أكثر منها، ويجعل إحاطة الدمين بطرفه كالدم المتوالي؛ لأن الأربعين في النفاس عنده بمنزلة العشرة في الحيض، ثم الطهر بين العشرة في الحيض لا يعتبر فاصلًا بين الدمين عنده، وتجعل إحاطة الدمين بطرفيه كالدم المتوالي، وكذا في النفاس.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا كان الطهر المتخلل بين أربعين خمسة عشر فصاعدًا، يصير فاصلًا بين الدمين، ويجعل الأول نفاسًا والثاني حيضًا إن أمكن وإن كان أقل من خمسة عشر لا يصير فاصلًا بين الدمين، ويجعل كالدم المتوالي، فأبو يوسف ﵀ سوّى بين النفاس وبين الحيض، فلم يجعل الطهر أقل من خمسة عشر فاصلًا بين الدمين فيها ومحمد ﵀ (فرق) بينهما فجعل الطهر أقل من خمسة عشر في العشرة فاصلًا، ولم يجعله في الأربعين فاصلًا.
ووجهه: أنه إنما جعل ما دون خمسة عشر من الطهر في العشرة فاصلًا إذا كان الطهر غالبًا على الدم، ويتصور أن يكون طهرما دون خمسة عشر غالبًا على الدم في العشرة، أما لا يتصور أن يكون طهر ما دون خمسة عشر، فالأربعين غالبًا على الدم، في افترقا.
إذا رأت بعد الولادة يومًا دمًا وثمانية وثلاثين يومًا طهرًا ويومًا دمًا، فالأربعون كلها نفاس عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما نفاسها الدم الأول. ولو رأت مبتدأة خمسة دمًا بعد الولادة، فإن بلغت بالحبل وخمسة عشر يومًا طهرًا ثم رأت خمسة دمًا ثم رأت خمسة عشر يومًا طهرًا ثم استمرّ بها الدم، فعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله نفاسها هي الخمسة وعادتها في الطهر تكون خمسة عشر؛ لأنها رأت ذلك مرتين ولو رأت ذلك مرّة أليس أنها تصير عادتها لها، فههنا أولى ويكون حيضها هي الخمسة التي رأتها بعد العشرين، ويصير ذلك عادة لها برؤيتها إياها مرّة (٤١ب١) لكونها مبتدأة في الحيض.
وعند أبي حنيفة ﵀ نفاسها يكون خمسة وعشرون، الطهر الأول غير معتبرة عنده أصلًا لإحاطة الدم بطرفيه في الأربعين، والطهر الثاني صحيح معتبر؛ لأنه تم الأربعون ما أحاط الدم بطرفيه في مدة الأربعين، وتصير عادتها في الطهر خمسة عشر لرؤيتها ذلك مرة لكونها مبتدأة ولاعادة لها في الحيض، فيجعل حيضها من أول الاستمرار خمسة؛ لأنها صارت عادة لها عندهما وطهرها خمسة عشر وتصير عادة لها في النفاس عند أبي حنيفة خمسة وعشرون، وعندهما خمسة.
قسم آخر في معرفة وقت النفاس
وقد اختلف العلماء قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فهو من ولادة الولد الأول، وقال محمد وزفر رحمهما الله: هو من الولد الثاني.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا ولدت وفي بطنها ولد آخر. قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: كما ولدت الولد الأول تصير نفساء، وقال محمد (وزفر) ﵀: لا تصير نفساء ما لم تلد الولد الثاني.
حجة محمد وزفر رحمهما الله: أن النفاس حكم يتعلق بالولادة، كانقضاء العدة في حق انقضاء العدة يعتبر الولد الآخر، فكذا في حق النفاس وربما يقولان النفاس بمنزلة الحيض من حيث إن كل واحد منهما ينزل من الرحم ثم الحبل ينافي الحيض، فينافي النفاس أيضًا.
ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أن النفاس مأخوذ من واحد مما ذكرنا، فإنه يحصل بولادة الولد ودم الحامل إنما لا يعطى له حكم الحيض؛ لأنه ليس من الرحم؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أنّ المرأة إذا حبلت ينسد فم رحمها، وهذا المعنى لا يوجد ههنا؛ لأن فم الرحم قد انفتح بخروج الولد الأول، فكان نفاسًا. اعتبار النفاس بانقضاء العدة لا يصح، لأن انقضاء العدة متعلق بفراغ الرحم، ولا فراغ مع بقاء شيء من التنفل، فأما النفاس يتعلق بخروج الولد، وقد وجد خروج الولد.
وإن كان بين الولدين أربعون يومًا فصاعدًا، فقد اختلف المشايخ فيه على قول أبي حنيفة ﵀ قال بعضهم يجب عليها النفاس من الولد الثاني أيضًا عنده؛ لأن سبب النفاس ولادة الولد، وقد تحقق ولادتان فاستقام إيجاب نفاسين بخلاف الحيض؛ لأن سبب الحيض الوقت، ولا يجتمع وقتا الحيض على التوالي، وقال بعضهم: لا يجب عليها النفاس من الولد الثاني على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو الصحيح، وإلى هذا أشار في «الجامع الصغير»، فإنه ذكر المسألة الأولى، وذكر بعدها، وكذلك لو كان بين الولدين أربعون يومًا.
وحكي أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة رحمهما الله: أرأيت لو كان بين الولدين أربعون يومًا، قال: هذا لا يكون، قال أبو يوسف: وإن كان قال: لا نفاس لها من الولد الثاني، وإن رغم أنف أبي يوسف ولكنها تغتسل كما تضع الولد الثاني وتصلي، وهذا صحيح لأنه لا يتوالى نفاسان ليس بينهما طهر صحيح، كما لا يتوالى حيضان ليس بينهما طهر صحيح.
ومما يتصل بهذا القسم
امرأة ولدت ثلاثة أولاد بين كل ولدين أقل من ستة أشهر بين الولد الأول والثالث أكثر من ستة أشهر، فالأولاد الثلاثة هل تجعل من حَبَلٍ واحد؟ اختلف المشايخ: قال بعضهم منهم أبو علي الدقاق: يجعل من حَبَل واحد؛ لأن المحتمل يحمل على المقطوع به، وكون الأول مع الثاني من حَبَل واحد مقطوع به، وكذلك كون الثاني مع الثالث من حَبَل واحد مقطوع به، بخلاف ما إذا لم يكن الثاني؛ لأنه تمة ليس بمقطوع به يحمل عليه، أما ههنا بخلافه.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ومما يتصل بهذا القسم أيضًا
امرأة خرج بعض ولدها منها، فرأت الدم يسيل تصير نفساء. واختلَفت فيه الروايات روى خلف بن أيوب عن أبي يوسف رحمهما الله، وهو قول أبي حنيفة ﵀: أنه يعتبر فيه خروج أكثر الولد كما عرف أن أكثر الشيء له حكم كماله. وروى المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: أنه إذ خرج بعض الولد صارت به نفساء، وروى هشام عن محمد ﵀: أنها لا تصير نفساء حتى يخرج الرأس ونصف اليدين والرجلين، وأكثر من نصف البدن.
وعن محمد ﵀: أنها لا تصير نفساء حتى يخرج جميع ولدها، وهذا على أصله مستقيم، فإن عنده النفاس معلق بوضع الحمل كله، وعن أبي حنيفة أيضًا ﵀ أنها تصير نفساء بخروج بعض الولد؛ لانفتاح فم الرحم بخروج بعض الولد، وهو مستقيم على أصله أن النفاس من الولد الأول، وكذلك لو انقطع الولد الثاني في بطنها، فخرج أكثره تصير نفساء في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵀ وبخروج بعضه تصير نفساء على الرواية الأخرى.
ومما يتصل بهذا القسم أيضًا
المرأة إذا أسقطت سقطًا، فإن كان استبان شيء من خلقه فهي نفساء فيما رأت الدم، فإن لم يستبن شيء من خلقه فهي نفساء فيما رأت الدم، وإن لم يستبن شيء من خلقه فلا نفاس لها، ولكن إن أمكن جعل المرئي من الدم حيضًا بأن تقدّمه طهر تام يجعل حيضًا، وإن لم يمكن جعله حيضًا بأن لم يتقدمه طهر تام فهي استحاضة، وإن رأت دمًا قبل إسقاط السقط، ورأت دمًا بعد إسقاط السقط، فإن كان السقط مستبين الخلق، فما رأته قبل الإسقاط لا يكون حيضًا؛ لأنه تبيّن أنها حين رأته كانت حاملًا، وليس الحامل الحيض، وهي نفساء فيما رأت بعد إسقاط السقط، فإن لم يكن السقط مستبين الخلق، فما رأته قبل الإسقاط حيض إن أمكن جعله حيضًا بأن وافق أيام عادتها أو كان مرئيًا عقيب طهر صحيح؛ لأنه تبين أنها لم تكن حاملًا.u
ثم إن كان ما رأت قبل السقط مدة تامة بأن كان أيامها ثلاثة، فرأت قبل الإسقاط ثلاثة دمًا استمر بها الدم بعد الإسقاط، فما رأته بعده يكون استحاضة، وإن لم تكن مدة تامة بأن رأت قبل الإسقاط يومًا أو يومين دمًا تكمل مدتها، فما رأت بعد إسقاط السقط ثم هي مستحاضة بعده.
وإن كان لا يدرى حال السقط بأن أسقطت في المخرج، ولا يدرى أنه كان مستبين الخلق أو لم يكن واستمر بها الدم، وهي مبتدأة في النفاس، وصاحبة عادة في الطهر، والحيض كان عادتها في الحيض عشرة، وفي الطهر عشرون، فنقول: على تقدير أن السقط مستبين الخلق هي نفساء، ونفاسها يكون أربعون يومًا لأنها مبتدأة في النفاس، وقد استمر الدم، فيجعل نفاسها أكثر النفاس كما يجعل حيض المبتدأة في الحيض إذا استمر بحما الدم أكثر الحيض، وهي عشرة أيام، وعلى تقدير أن السقط لم يكن مستبين الخلق لا تكون نفساء، وتكون عشرة الأيام عقيب الإسقاط حيضًا إذا وافق عادتها أو كان ذلك
[ ١ / ٢٦٦ ]
عقيب طهر صحيح، فنرك الصلاة هي عقيب الإسقاط عشرة أيام بيقين؛ لأنها فيه إما حائض أو نفساء، ثم تغتسل هي وتصلي عشرين يومًا بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك لتردد حالها فيه بين الطهر والنفاس، ثم تترك الصلاة عشرة أيام بيقين؛ لأنها في هذه العشرة إما حائض أو نفساء، ثم تغتسل لتمام مدة النفاس والحيض ثم بعد ذلك يكون طهرها عشرون وحيضها عشرة، وذلك دأبها.
وإن كانت رأت قبل الإسقاط دمًا، فإن كان ما رأت قبل الإسقاط مستقلًا بنفسه لا تترك هي الصلاة بعد الإسقاط، وإن لم يكن ما رأت قبل الإسقاط مستقلًا بنفسه، فإنها تترك بعد الإسقاط قدر ما تتم به مدة حيضها، لا تترك الصلاة فيما رأت قبل الإسقاط على كل حال، ولو تركت فعليها صلاتها.
وإنما لا تترك الصلوات فيما رأت قبل الإسقاط؛ لأن على تقدير أن السقط مستبين الخلق فهي مستحاضة فيما رأت قبل الإسقاط، ثم إذا كان معروفها في الحيض عشرة، وفي الطهر عشرين يومًا بعد السقط عشرة دمًا اغتسلت وصلت عشرين يومًا بعد السقط؛ لأنه تردد حالها فيه بين النفاس والطهر ثم تترك عشرة بيقين؛ لأنها فيها نفساء لأنها مبتدأة في النفاس أو حائض إن كان السقط مستبين الخلق فهي نفساء، فيكون نفاسها أربعون، وإن لم يكن السقط مستبين الخلق فهي حائض فيها ثم تغتسل هي وتصلي عشرين يومًا عشرة بالشك، لتردُّدِ حالها فيه بين الطهر والنفاس ثم تغتسل وتصلي عشرة أخرى بيقين الطهر ثم تصلي عشرة أخرى بالشك لتردد حالها فيه بين (٤٢أ١) الطهر والحيض ثم تغتسل، وهكذا دأبها أن تغتسل في كل وقت يتوهم أنه وقت خروجها من الحيض أو النفاس، فإن رأت قبل الإسقاط خمسة دمًا ثم أسقطت هكذا، فإنها تترك الصلاة خمسة أيام بعد السقط؛ لأن السقط إن لم يكن مستبين الخلق، فهذه الخمسة تتم مدة حيضها.
وإن كان مستبين الخلق فهو أول نفاسها فتترك الصلاة في الخمسة بيقين؛ لأنها حيض أو نفاس ثم تغتسل وتصلي عشرين يومًا بالوضوء بالشك للتردد بين النفاس والطهر، ثم تترك عشرة بيقين؛ لأنه حيض أو نفاس، فبلغ الحساب خمسة وثلاثين ثم تغتسل وتصلي خمسة بالوضوء بالشك ثم تغتسل لتمام الأربعين، ثم تصلي خمسة عشر يومًا بالوضوء بيقين؛ لأنه طهر فبلغ الحساب خمسة وخمسين ثم تصلي خمسة بالوضوء للتردد بين أول الحيض إن لم يكن السقط مستبين الخلق وبين آخر الطهر إن كان مستبين الخلق، فبلغ الحساب ستين ثم تترك خمسة أيام؛ لأنها أول حيضها أو آخر حيضها ثم تغتسل وتصلي خمسة أيام بالوضوء بالشك ثم تغتسل مرة أخرى؛ لأنه آخر أيام حيضها إن كان مستبين الخلق ثم تصلي خمسة عشر بالوضوء بيقين.
وإن كانت المرأة معتادة في الحيض والطهر والنفاس، وكانت عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرون، وفي النفاس أربعون، فأسقطت في أول أيام حيضها، ولم تدر حال السقط فإنها تترك الصلاة عشرة بيقين؛ لأنها حيض أو نفاس ثم تغتسل وتصلي عشرين بالوضوء بالشك؛ لأنه نفاس أو طهر ثم تترك الصلاة عشرة؛ لأنها حيض أو نفاس
[ ١ / ٢٦٧ ]
ثم تغتسل وتصلي عشرين؛ لأنه طهر في الأحوال كلها، والله تعالى أعلم.
قسم في الضلال في النفاس
المرأة إذا كانت لها عادة معروفة في النفاس، فنسيت عادتها، وولدت بعد ذلك ولدًا ورأت الدم، فعليها أن تقعد عن الصلاة أربعين يومًا إن كانت ترى الدم، فإن لم يجاوز دمها أربعين، وطهرت من بعد الأربعين طهرًا كاملًا لم تعد هي شيئًا مما تركت من الصلاة؛ لأن الأربعين يعتبر نفاسًا في حقها، كما إذا زاد دمها في الحيض على عادتها، ولم يُجاوز الدم العشرة، فإنه يعتبر ذلك كله حيضًا في حقها، فإن جاوز الدم الأربعين أو لم يجاوز ولكن طهرت بعد الأربعين أقل من خمسة عشر يومًا؛ فإنّ عليها أن تتحرى في ذلك، فإن وقع أكثر رأيها وغالب ظنها على عدد أنه كان عادة نفاسها ذلك مضت على ذلك، وأعادت ما تركت من الصلاة في أكثر أيام نفاسها المعتادة.
وإن لم يكن لها رأي في ذلك احتاطت، فصلّت صلاة الأربعين كلها لجواز أن نفاسها كان ساعة، وإن كان دمها مستمرًا للحال انتظرت هي عشرة أيام قضت صلاة هذه الأربعين ثانبًا، لاحتمال حصول القضاء في أول مرة في حالة الحيض، والاحتياط في العبادات واجب.
قسم آخر
وإذا ولدت ولدًا فاستمر بها الدم وشكت في حيضها أو في طهرها أو فيهما، فهي ثلاثة أوجه: فإن شكت في حيضها أنه خمسة أو عشرة وتيقنت في الطهر أنه عشرون، فإنها تعد الأربعين للنفاس، فتغتسل وتصلي عشرين يومًا بيقين ثم تدع خمسة بيقين الحيض ثم تغتسل، فبلغ الحساب خمسة وعشرين يومًا ولها حسابان الأقصر والأطول ففي الأقصر استقبلها طهر عشرين، وفي الأطول بقي من حيضها خمسة فتصلي فيها بالوضوء بالشك، ثم تغتسل وتصلي خمسة عشر بالوضوء بيقين الطهر، فبلغ خمسة وأربعين وفي الأقصر استقبلها الحيض خمسة، وفي الأطول بقي من طهرها خمسة، فتصلي خمسة بالوضوء بالشك فبلغ الحساب خمسين ثم تغتسل، وفي الأقصر استقبلها طهر عشرين، وفي الأطول استقبلها طهر عشرين فتصلي عشرة بيقين، فبلغ سبعين، وفي الأقصر استقبلها حيض خمسة، وفي الأطول بقي من حيضها عشرة، فتصلي خمسة بالوضوء بالشك فبلغ خمسة وسبعين فتغتسل ثم في الأقصر استقبلها طهر عشرين، وفي الأطول بقي من طهرها خمسة فتصلي خمسة بالوضوء بيقين فبلغ مائتين، ثم في الأقصر بقي من طهرها خمسة عشر وفي الأطول استقبلها حيض عشرة، فتصلي عشرة بالوضوء بالشك فبلغ تسعين، فتغتسل، وفي الأقصر بقي من طهرها خمسة، وفي الأطول استقبلها طهر عشرين فتصلي خمسة بالوضوء بيقين بلغ خمسة وتسعين، وفي الأقصر استقبلها حيض خمسة، وفي الأطول بقي من طهرها خمسة عشر فتصلي خمسة بالوضوء بالشك ثم تغتسل، فبلغ الحساب مائة، وفي الأقصر استقبلها حيض خمسة، وفي الأطول بقي من طهرها خمسة
[ ١ / ٢٦٨ ]
عشر فتصلي خمسة بالوضوء بالشك ثم تغتسل، فبلغ الحساب مائة، وفي الأقصر استقبلها طهر عشرين، وفي الأطول بقي من طهرها عشرة، فتصلي عشرة بيقين بلغ مائة وعشرة ثم في الأقصر بقي من طهرها عشرة، وفي الأطول استقبلها حيض عشرة، فتصلي عشرة بالشك ثم تغتسل، فبلغ مائة وعشرين ثم في الأقصر استقبلها حيض خمسة، وفي الأطول استقبلها طهر عشرين، فتصلي خمسة بالوضوء بالشك، فبلغ مائة
وخمسمائة وعشرين، ثم في الأقصر استقبلها طهر عشرين، وفي الأطول بقي من طهرها خمسة عشر فتصلي خمسة بالوضوء بيقين، فبلغ مائة وأربعين، وفي الأقصر بقي من طهرها خمسة، وفي الأطول استقبلها حيض عشرة فتصلي خمسة بالوضوء بالشك بلغ مائة وخمسة وأربعين، ثم في الأطول بقي من حيضها خمسة وفي الأقصر استقبلها الحيض خمسة فتترك هذه الخمسة بيقين ثم تغتسل، فبلغ الحساب مائة وخمسين، واستقام دورها.
وعلى هذا: يخرج إذا شكت في الطهر أنه خمسة عشر أو عشرون واستقامة دورها يكون في مائة وخمسين.
وعلى هذا يخرج إذا شكت ههنا شك في الحيض أنه خمسة أو عشرة، وشكت في الطهر أنه خمسة عشر أو عشرون، واستقامة دورها يكون في ثلاثمائة والله أعلم
نوع آخر
امرأة ولدت وانقطع دمها بعد يوم أو يومين، فانتظرت إلى آخر الوقت واغتسلت وصلّت أمّا الانتظار إلى آخر الوقت لتوهم أن يعاودها الدم، وأما الاغتسال في آخر الوقت والصلاة فلكونها طاهرة ظاهرًا وقد بيّنا نظير ذلك في الحيض.
قسم آخر في المرأة إذا طلقها الزوج فأخبرت عن انقضاء العدة في كم تُصدَّق
وهذا فصل اختلف فيه العلماء، روى أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة ﵀ ﵁: أنها لا تصدق في أقل من خمسة وثمانين يومًا، وفي رواية الحسن عنه لا تُصدق في أقل من مائة يوم.
وذكر أبو سهل الفرائضي في «كتاب» الحيض عن أبي حنيفة ﵀: أنها لا تصدق، في أقل من مائة وخمسة عشر يومًا، وعلى قول أبي يوسف ﵀: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يومًا، وقال محمد ﵀: لا تصدق في أقل من أربعة وخمسين يومًا وساعة هذا إذا كانت حرة.
فأما إذا كانت أمة وقد طلقها الزوج بعد الولادة، فعلى رواية محمد عن أبي حنيفة لا تصدق في أقل من خمسة وستين يومًا، وعلى رواية الحسن عنه لا تصدق هي في أقل من خمسة وسبعين يومًا، على رواية أبي سهل الفرائضي لا تصدق هي في أقل من تسعين يومًا، وعلى قول أبي يوسف: لا تصدق في أقل من سبعة وأربعين يومًا. وعلى قول محمد: لا تصدق في أقل من ستة وثلاثين يومًا وساعة والله أعلم.
[ ١ / ٢٦٩ ]
قسم آخر في ختم النفاس بالطهر الفاسد
يجب أن يعلم بأن أبا يوسف ﵀ كان يرى ختم النفاس بالطهر الفاسد كما يرى ختم الحيض بالطهر الفاسد؛ إذ الأصل عنده أن كل طهر بين الدمين يكون هو أقل من خمسة عشر، فهو كدم مستمر وأبو حنيفة ﵀ على ما يروي عنه أبو يوسف يرى ختم النفاس بالطهر الفاسد، وعلى ما يروي عنه محمد لا يرى ختم النفاس بالطهر الفاسد.
واختلف المشايخ فيه على قول محمد، الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني، والفقيه أبو بكر الأعمش رحمهما الله أن محمدًا ﵀ لا يرى ختم النفاس به كما لا يرى ختم الحيض به، وقال جماعة منهم إن محمدًا ﵀ يرى ختم النفاس به، وفرقوا بين النفاس وبين الحيض.
وبيان ذلك: امرأة بلغت بالحبل فرأت الدم ثلاثين يومًا ثم طهرت أربعة عشر يومًا، ثم استمر بها الدم (٤٢ب١) أشهرًا، فعند من يرى ختم النفاس بالطهر الفاسد يكون نفاسها أربعون يومًا عادة أصلّية لها وطهرها عشرون عادة أصلية لها وحيضها عشرة، فتصلي بعد الأربعين عشرين يومًا وتدع الصلاة عشرة أيام وتصلي عشرين، وذلك دأبها ما دامت ترى الدم وعلى قول من يرى ختم النفاس بالطهر الفاسد يكون نفاسها ثلاثون يومًا عادة أصلية لها، وطهرها عشرون عادة أصلية وحيضها عشرة عادة لها أصلية، فتصلي بعد الثلاثين عشرين وتقعد عشرة ثم عشرين، والله أعلم.
قسم آخر في انتقال عادة النفاس
يجب أن يُعلم بأن انتقال العادة في النفاس إنما يكون بالخالص من النفاس، وخالصه أن يكون عقيب النفاس طهر تام خمسة عشر يومًا فصاعدًا، وإذا قصّر الدم بعد النفاس عن خمسة عشر يومًا، فكذلك النفاس فاسد غير خالص، ولا يفسد دم النفاس بدم يُرى قبل الولادة؛ لأنه لم يخرج من الرحم لانسداد فم الرحم بالولد، وتنتقل العادة في النفاس برؤية المخالف مرّة عند أبي يوسف ﵀، ويصير ذلك عادة لها، وعليه الفتوى.
وبيانه: امرأة كانت أيام حيضها، نفاسها أربعون يومًا عادة أصلية لها وأيام طهرها عشرون وأيام حيضها عشرة، فولدت فرأت الدم ثلاثين ثم طهرت خمسة عشر، ثم استمر بها الدم انتقلت عادتها في النفاس إلى ثلاثين، وفي الطهر إلى خمسة عشر وبقيت عادتها في الحيض عشرة، فتترك الصلاة من أول الاستمرار عشرة ثم تصلي خمسة عشر، وعلى هذا القياس فافهم، والله تعالى أعلم.
[ ١ / ٢٧٠ ]