اعلم بأن صلاة الكسوف مشروعة ثبتت شرعيتها بالكتاب والسنّة.
أما الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِالاْيَتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الاْوَّلُونَ وَءاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالاْيَتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ (الإسراء: ٥٩) والكسوف آية من آيات الله المخوفة، أما أنه من آيات الله؛ لأن الخلق عاجزون عن ذلك وأنه من آيات الله المخوفة؛ لأنها مبدلة لنعمة النور إلى الظلمة، وتبديل النعمة إلى ضدها تخويف؛ ولأن القلوب تفزع بذلك طبعًا، فكانت من آيات الله المخوفة، والله تعالى إنما يخوف عباده ليتركوا المعاصي، ويرجعون إلى طاعة الله تعالى التي فيها فوزهم، وأقرب أحوال العبد في الرجوع إلى ربه حالة الصلاة.
وأما السنّة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «إذا رأيتم من هذه الأفزع شيئًا فافزعوا إلى الصلاة» . بعد هذا يحتاج إلى أربعة أشياء: إلى معرفة سبب شرعيتها، وشرط جوازها، وصفتها، وكيفية أدائها.
[ ٢ / ١٣٣ ]
أما سبب شرعيتها: الكسوف؛ لأنها تضاف إليه، وتتكرر بتكرره.
وشرط جوازها: ما يشترط لسائر الصلوات.
وصفتها: أنها ليست بواجبة؛ لأنها ليست من شعار الإسلام، فإنه يوجد تعارض، ولكنها سنّة؛ لأنه واظب رسول الله ﵇ على ذلك.
وأما كيفية أدائها: أجمعوا أنه تؤدى بجماعة لكن اختلفوا في صفة أدائها.
قال علماؤنا ﵏: يصلي ركعتين كل ركعة بركوع وسجدتين كسائر الصلوت، إن شاء طولها وإن شاء قصرها، ويقرأ فيها ما أحب كما في سائر الصلاة المعهودة، ولا يوقت فيه شيء من القراءة، ثم الدعاء حتى تنجلي الشمس.
وقال الشافعي ﵀: يصلي ركعتين كل ركعة بركوعين وسجدتين.
وصورته: يقوم في الركعة الأولى ويقرأ فيه بفاتحة الكتاب وسورة البقرة (١١٢ب١) إن كان يحفظها، وإن كان لا يحفظها يقرأ غير ذلك مما يعدلها، ثم يركع، ويمكث في ركوعه مثل ما يمكث في قيامه، ثم يرفع رأسه ويقوم، ويقرأ سورة آل عمران إن كان يحفظها عن ظهر القلب، وإن كان لا يحفظها عن ظهر القلب يقرأ غيرها مما يعدلها ثم يركع ثانيًا، ويمكث في ركوعه مثل ما يمكث في قيامه هذا، ثم يرفع رأسه ثم يسجد سجدتين، ثم يقوم، فيمكث في قيامه ويقرأ فيه مقدار ما قرأ في القيام الثاني في الركعة الأولى، ثم يركع ويمكث في ركوعه مثل مكثه في هذا القيام، ثم يقوم ويمكث في قيامه مثل ما مكث في الركوع أو نحوه، ثم يرفع رأسه ويقوم مثل ثلثي قيامه في القيام الأول من هذه الركعة الثانية هكذا يفعل، ثم يسجد سجدتين ويتم الصلاة.
احتج الشافعي ﵀ بحديث عائشة وابن عباس ﵄ «أن النبي ﵇ صلى صلاة الكسوف ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات»، وروي عن ابن عمر ﵄ «أن النبي ﵇ صلى بالناس صلاة الكسوف ركعتين في كل ركعة ركوعين» .
وعلماؤنا ﵏: احتجوا بحديث عبد الله بن عمر، والنعمان بن بشير، وأبي بكرة، وسمرة بن جندب بألفاظ مختلفة «أن النبي ﵇ صلى في كسوف الشمس ركعتين كأطول الصلاة كان يصليها فانجلت الشمس مع فراغه منها» وفي «الكتاب» ذكر حديث إبراهيم أن النبي ﵇ «صلى ركعتين في الكسوف ثم كان الدعاء حتى انجلت الشمس»، وهو كان مقدمًا في علم الأخبار، وكان ذا احتياط وثبت وثقة، فكان
[ ٢ / ١٣٤ ]
لا يأخذ ولا يروي إلا ما كان يصح عنده.
والمعنى فيه: أن صلاة الكسوف لا تخلو إما أن تكون معتبرة بالنوافل أو بالفرائض أو الواجبات وبأيها اعتبرنا لا يجوز أن يجتمع في ركعة منها ركوعان وقومتان.
وتأويل حديث عائشة، وابن عباس ﵃ ما أشار الحاكم الشهيد ﵀ في «إشاراته»: أن النبي ﵇ إنما ركع ركوعين على وجه الصورة لا على وجه التحقيق؛ لأنه في تلك الصلاة قربت إليه الجنة والنار، وكان في تلك الصلاة يتقي شرها بيده ويتقدم ويتأخر، وقد قال في تلك الصلاة مرارًا «ألم تعدني أن لا أعذبهم وأنا فيهم»، فلما فرغ منها قال: «أدنيت مني النار حتى كنت أتقي شررها بيدي، وقربت مني الجنة حتى لو كدت أن آخذ ثمارها لفعلت» . وفي رواية «حتى لو كدت أن أقطف عنبها لفعلت قائمًا» رفع رسول الله ﵇ رأسه من الركوع فزعًا حين قربت منه النار فكان ذلك رفعًا على وجه الصورة لا على وجه الحقيقة، ثم عاد إلى الركوع حيث أمن منها جبرًا للركع الأول وإتمامًا له لا أن يكون ركوعًا ثانيًا، فلم يركع في كل قيام إلا ركوعًا واحدًا كما في الصلاة المعهودة، وإنما مثال هذا من كان في الركوع في صلاته، فتذكر سجدة تركها قبل الركوع، فإنه يرفع رأسه من الركوع ويحولها ساجدًا، ثم يعود إلى الركوع جبرًا وإتمامًا له لا أن يكون ركوعًا على حدة.
قال شمس الأئمة الحلواني: وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ يذكر جوابًا آخر وهو الذي يعتمد عليه أن النبي ﵇ طول الركوع فيها للمعنى الذي ذكرنا فمل بعض القوم فرفعوا رؤوسهم وظن من خلفهم أن النبي ﵇ رفع رأسه، ورفعوا رؤوسهم، ثم عاد الصف الأول إلى الركوع اتباعًا لرسول الله ﵇ فركع من خلفهم وظنوا أنه ركع ركوعين في كل ركعة.
ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن كان في آخر الصفوف، وعائشة كانت واقفة في صف النساء، وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت، فلهذا نقلا كما وقع عندهما، وإن كان هذا صحيحًا، فكان أمرًا بخلاف المعهود، فينقله الكبار من الصحابة الذين كانوا يأتون رسول الله ﵇، وحيث لم ينقله أحد دل أن الأمر كما قلنا: وهو تأويل حديث ابن عمر ﵄.
ولا يصلي هذه الصلاة بجماعة إلا الإمام الذي يصلي الجمعة، فأما أن يصلي الناس في مساجدهم جماعة فإني لا أحب ذلك، وليصلوا وحدانًا، هكذا قال في «الكتاب»: قال شيخ الإمام خواهر زاده: يريد به أن يصلي في موضع واحد كما يصلي الجمعة.
وروي عن أبي حنيفة في غير رواية «الأصول»: أن لكل إمام مسجد أن يصلي في مسجده، وجه رواية أبي حنيفة ﵀ وهو أن هذه صلاة تؤدى بجماعة لا يشترط
[ ٢ / ١٣٥ ]
لإقامتها المصر، فلا يشترط السلطان قياسًا على سائر الصلوات.
وجه ظاهر الرواية: وهو أن ﵇ صلى صلاة الكسوف بجمع واحد وهو كان إمام الأئمة، فلا يجوز أداؤها إلا على ذلك الوجه. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: فإن عدم الإمام الذي يصلي الجمعة فإنهم يصلون وحدانًا في مساجدهم إلا إذا كان الإمام الأعظم الذي يصلي الجمعة والعيدين أمرهم بذلك، فحينئذٍ يجوز أن يصلوا بجماعة ويؤمهم فيها إمام حيهم في مسجدهم.
ولا يجهر بالقراءة في صلاة الجماعة في كسوف الشمس في قول أبي حنيفة ﵀، ويجهر بها عند أبي يوسف، وقول محمد فيه مضطرب، وقول الشافعي مثل قول أبي يوسف.
وجه قول أبي يوسف والشافعي: حديث علي ﵁ أنه جهر بالقراءة في صلاة الكسوف؛ ولأنها صلاة مخصوصة تقام بجمع عظيم، فيجهر فيها بالقراءة كالجمعة والعيدين.
وجه قول أبي حنيفة ﵀: حديث ابن عباس، وسمرة بن جندب ﵃: أن النبي ﵇: «لم يسمع منه حرف من قراءته في صلاة الكسوف»؛ ولأنها صلاة النهار، وفي الحديث: «صلاة النهار عجماء» أي ليس فيها قراءة مسموعة، وتأويل حديث علي ﵁ أنه وقع اتفاقًا لا قصدًا، أو تعليمًا للناس أن القراءة فيها مشروعة.
قال شمس الأئمة ﵀: والظاهر أن محمدًا ﵀ مع أبي حنيفة ﵀، والحاكم الشهيد ذكر قول محمد مع أبي يوسف.
وفي القدوري: ولا يصلي في الكسوف في الأوقات المنهية عنها؛ لأنها تطوع كسائر التطوعات، ثم إذا فرغوا من الصلاة فالإمام يدعو؛ لأن الصلاة للدعاء، فإذا فرغوا منها يشتغلون بالدعاء، ثم الإمام في هذا الدعاء بالخيار إن شاء جلس مستقبل القبلة ودعا، وإن شاء قام ودعا، وإن شاء استقبل الناس بوجهه ودعا، ويؤمن القوم، قال شمس الأئمة الحلواني: وهذا أحسن، ولو قام واعتمد على عصا له، أو على قوس له، ودعا كان ذلك حسنًا أيضًا. وليس في هذه الصلاة خطبة وهذا مذهبنا.
وقال الشافعي ﵀: يخطب خطبتين بعد الصلاة كما في العيدين. احتج الشافعي بما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ﵇، فصلى رسول الله ﵇ ثم خطب حمد الله وأثنى عليه»، وهكذا روى سمرة بن جندب ﵀: أن النبي ﵇ صلى ركعتين ثم حمد الله
[ ٢ / ١٣٦ ]
تعالى وأثنى عليه» ولأنها صلاة تطوع تقام بجمع عظيم، فيكون من سننها الخطبة قياسًا على صلاة العيد.
وأصحابنا ﵏ احتجوا بما روى جابر ﵁ عن النبي ﵇ قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذ رأيتم من ذلك شيئًا فصلوا حتى تنجلي» فقد أمر بالصلاة ولم يأمر بالخطبة، وكذلك روي عن النبي ﵇ قال: «إنه إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئًا فافزعوا إلى الدعاء»؛ ولأن الخطبة مشروعة لأحد أمرين: إما شرطًا للجواز كما في صلاة الجمعة، أو للتعليم كما في صلاة العيدين، فإنه يحتاج فيهما إلى تعليم صدقة الفطر والأضحية، وهنا الخطبة ليست بشرط للجواز بالإجماع، ولا يجوز أن تكون مشروعة للتعليم؛ لأنه لا حاجة إلى التعليم في صلاة الكسوف؛ لأن التعليم حصل من حيث الفعل.
ألا ترى أن في خطبة العيدين؛ لا يسن تعليم صلاة العيدين لأن التعليم حاصل بالفعل، وإنما يسن تعليم صدقة الفطر والأضحية، فأما حديث عائشة ﵂، قلنا: الحديث محمول على أن النبي ﵇ احتاج إلى الخطبة بعد صلاة الكسوف؛ لأن الناس كانوا يقولون: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم (١١٣أ١) ولد النبي ﵇ فخطب لكي يرد عليهم ذلك، أو نقول: معنى قوله خطب أي: دعا فإن الدعاء يسمى خطبة. والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصلالصلاة في خسوف القمر
قال محمد ﵀: والصلاة في كسوف القمر وخسوفه حسن وحدانًا، وكذلك في الظلمة والريح والفزع لقوله ﵇: «إذا رأيتم من هذه الأهوال» أو قال: «من هذه الأفزاع شيئًا فأفزعوا إلى الصلاة» .k
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀ والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: وعاب بعض أهل اللغة والأدب على محمد ﵀ في هذا اللفظ، وقال: إنما يستعمل في القمر لفظ الخسوف، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (القيامة: ٧، ٨) والجواب عن هذا أن نقول: الخسوف ذهاب دائرته، والكسوف ذهاب ضوئه دون دائرته، ومراد محمد ﵀ من هذا ذهاب ضوئه لا ذهاب دائرته، فلهذا ذكر الكسوف.
ثم الصلاة فيها فرادى عندنا، وعند الشافعي يصلي بجماعة، احتج الشافعي بما روي عن عبد الله بن عباس ﵄ «أنه صلى بهم في خسوف القمر، وقال: صليت كما رأيت رسول الله ﵇ صلى»؛ ولأنه كسوف يصلى لأجله، فيكون
[ ٢ / ١٣٧ ]
من سنته الجماعة قياسًا على كسوف الشمس.
وعلماؤنا ﵏ قالوا: بأن كسوف القمر يكون بالليل، فيشق على الناس الاجتماع بالليل، وربما تخاف الفتنة؛ ولأن كسوف القمر كان على عهد رسول الله ﵇ ككسوف الشمس بل أكثر، فلو كان صلى بجماعة لنقل ذلك نقلًا مستفيضًا كما نقل في كسوف الشمس، ولأن الأصل في التطوعات ترك الجماعة فيها ما خلا قيام رمضان لاتفاق الصحابة عليه، وكسوف الشمس لورود الأثر به.
وهكذا قال في «الكتاب»: ويكره في صلاة التطوع جماعة ما خلا قيام رمضان، وصلاة كسوف الشمس، ولهذا قال ﵇: «أفضل صلاة الرجل صلاته في بيته إلا المكتوبة» . ألا ترى أن ما يؤدى بالجماعة من الصلوات يؤذن لها ويقام ولا يؤذن للتطوعات ولا يقام؟ فدل أنها لا تؤدى بالجماعة.
وأما حديث عبد الله بن عباس، فلا يصح لما بينا: أن النبي ﵇ لو كان صلى صلاة الخسوف بجماعة لنقل عنه نقلًا مستفيضًا، وأما اعتباره بصلاة كسوف الشمس لا يصح؛ لأنا عرفنا ذلك بالأثر، وهذا ليس في معناه، فالأثر الوارد ثم لا يكون واردًا ههنا. والله أعلم.