النوع الأول في بيان صفتها وكميتها وكيفية أدائها
أما الكلام في صفتها، فنقول: التراويح سنّة هو الصحيح من المذهب، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليه نصًا، والدليل على أنها سنّة قوله ﵇: «إن الله تعالى فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه»، وقد صح أنه ﵇ أقامها في بعض الليالي، وبين العذر في ترك المواظبة عليها، وهو خشية أن تكتب علينا ثم واظب عليها الخلفاء الراشدون، وقال ﵇: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وقال ﵇ في حديث سلمان؛ «إن الله تعالى فرض عليكم صيامه وسن لكم قيامه»، فهذا الخبر يشير إلى أنه سنّة الله، ومعناه: موضع الله ومرضاته وإنها سنة الرجال والنساء جميعًا ما روى عرفجة بن عبد الله الثقفي عن علي ﵁، بدليل أنه كان يأمر النساء بصيام رمضان، وكان يجعل للرجال إمامًا وللنساء إمامًا، قال عرفجة: فأمرني فكنت إمامًا للنساء. وعن هشام بن عروة عن أبي مكية أن عائشة ﵂ أعتقت ديجون عن دين، مكان قومها ومن معها في رمضان في المصحف، وقال أبو حنيفة ﵀ لم يرد ذلك، فإنه روى في إبراهيم النخعي ﵀ أنه قال: كانوا يكرهون أن يؤم الوصل في المصحف، لما فيه من الشبه باليهود.
وأما الكلام في كمها، فنقول إنها مقدرة العشرين ركعة عندنا والشافعي ﵀، وعند مالك رحمة الله عليه أنه مقدرة بست وثلاثين ركعة اتباعًا لعمر وعلي ﵄، فإن قاموا بما قال مالك بالجماعة، فلا بأس به عند الشافعي، وعندنا يكره بناءً على أن التنفل بجماعة، والمكروه عندنا خلافًا للشافعي ﵀، وإن أتوا ما على العشرين إلى تمام ست وثلاثين فرادى، فلا بأس به وهو مستحب.
وأما الكلام في كيفيته أدائها، روي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما أن الإمام يصلي بالقوم ويسلم في كل ركعتين، وكلما يصلي ترويحة ينتظر بعد الترويحة قدر ترويحة، وينتظر بعد الترويحة الخامسة قدر ترويحة ويوتر بهم والانتظار بين كل
[ ١ / ٤٥٦ ]
ترويحتين مستحب بقدر ترويحة عند أبي حنيفة ﵀. وعليه عمل أهل الحرمين، غير أن أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعًا، وأهل المدينة يصلون بدل ذلك أربع ركعات، وأهل كل بلدة بالخيار يسبحون أو يهللون أو ينتظرون سكوتًا، وهل يصلون؟ اختلف المشايخ، ومنهم من كره ذلك فكان أبو القاسم الصفار وإبراهيم بن يوسف، وخلف وشداد ﵏، لا يكرهون ذلك، وكان إبراهيم بن يوسف يقولون: ذلك حسن جميل، وأما الانتظار والاستراحة على رأس خمس تسليمات، فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يكره، وعامتهم على أنه يكره؛ لأنه يخالف أهل الحرمين.
وإذا صلى كل تسليمة إمام على حدة حتى يصير لكل ترويحة إمامان، فقد جوزه وبعض المشايخ. وعامتهم على أنه مكروه، وينبغي أن يؤدي كل ترويحة إمام على حده، وهو عمل أهل الحرمين وغيرهم.
نوع آخر في بيان أن الجماعة
ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء عن المعلى، عن أبي يوسف رحمهما الله أنه قال: من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في شهر رمضان، فأحب إليّ أن يصلي في بيته، وذكر نحوه عن مالك، وكان الشافعي ﵀ يقول في القائم صلاة المنفرد في قيام رمضان أحب إليّ.
أن قال الطحاوي ﵀: وقد قال قوم: إن الجماعة في ذلك أفضل، منهم عيسى بن أبان ﵀، وقد ذكر الطحاوي في «مختصره» استحب له أن يصلي التراويح في بيته، إلا أن يكون فقيهًا عظيمًا يقتدى به، ويكون في حضوره ترغيب لغيره في الامتناع عن الحضور تقليل الجماعة، فحينئذٍ (لا) يستحب له أن يصلي في بيته ينبغي أن يحضر المسجد.
وفي «نوادر هشام» قال سألت محمدًا ﵀ عن القيام في شهر رمضان في المسجد أحب إليك أم في البيت؟ قال: إن كان عمله يقتدى به فصلاته في المسجد أحب إليّ، وقال أبو سليمان كان محمد بن الحسين ﵀ يصلي مع الناس التراويح ويؤم ثم يرجع، وهكذا كان يفعل أبو مطيع وخلف وشداد وإبراهيم بن يوسف ﵏، فمن المشايخ من قال: من صلى التراويح منفردًا كان تاركًا للسنّة، وهو مسيء، وبه كان يعني ظهير الدين المرغيناني ﵀ لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقدر ما صلى التراويح صلى بجماعة، وهكذا نقل عن الصحابة رضون الله عليهم، ومن المشايخ من قال يكون تاركًا لفضيلة، فلا بأس به، فقد صح عن ابن عمر وسالم ونافع أنهم كانوا ينصرفون، ولا يقومون، فدل عن الجماعة، وليست السنّة ولكن المشايخ على أن إقامتها بالجماعة سنّة على سبيل ثبوته حتى لو ترك أهل مسجد كلهم إقامتها بالجماعة، فقد أساؤوا وتركوا السنّة.
وإن أقيمت التراويح بالجماعة في المسجد و، وزاد الناس وصلى
[ ١ / ٤٥٧ ]
في بيته، فقد ترك الفضيلة، ولم يكن مسيئًا، وإن صلوا بالجماعة في البيت، فقد اختلف المشايخ فيه، والصحيح أن للجماعة في البيت نصيبه؟ فضيلة أخرى، فهذا قد جاء إحدى الفضيلتين وترك الفضيلة الزائدة.
ولو أن إمامًا يصلي التراويح في مسجدين في كل مسجد على الكنار لا يجوز؛ لأنه لو؟ هكذا حكي عن أبي بكر الإسكاف ﵀، ثم قال أبو بكر، سمعت أبا نصر يقول يجوز لأهل كل المسجدين، قال أبو الليث ﵀: قول أبو بكر أحب إليّ، وذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ فمن صلى العشاء والتراويح والوتر في مسجد، ثم أم قومًا آخرين في التراويح ونوى الإمامة كره له، ولا يكوه للمأمومين.
ولو لم ينوِ الإمامة وشرع في الركوع، فاقتدى الناس لم يكره لواحد منهما، والمقتدي إذا صلى في مسجدين لا بأس به؛ لأن اقتداءه في المسجد الثاني يكون اقتداء المتطوع بمن يصلي السنّة، ولكن ينبغي أن يوتر في المسجد الثاني، هكذا حكي عن الفقيه أبي القاسم ﵀ معناه لا يوتر في المسجد الأول، ويوتر في المسجد الثاني.
ولو صلى التراويح ثم أرادوا أن يصلوا يصلون فرادى.
نوع آخر في بيان وقت التراويح
قال الشيخ الإمام الزاهد إسماعيل المستملي، وجماعة من متأخري مشايخ بلخ رحمة الله عليهم إلى وقت طلوع الفجر وقت إنهاء بعد العشاء قبل الوتر وبعد الوتر؛ لأنها مقام الليل فوقتها الليل.
وقال كافة مشايخ بخارى رحمة الله عليهم: وقتها ما بين العشاء والوتر، فإن صلاها قبل العشاء، أو بعد الوتر لم يؤدها في وقتها، وأكثر المشايخ على أن وقتهما ما بين العشاء إلى طلوع الفجر، حتى لو صلاها قبل العشاء لا تجوز، ولو صلاها (٧٢ب١) بعد الوتر يجوز؛ لأنها نوافل سنّت بعد العشاء، فأشبهت التطوع المسنون بعد العشاء في غير شهر رمضان، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: هذا القول يصح قال القاضي الإمام هذا أراد مشايخ بلدتنا تقديم التراويح على العشاء، لتعجيل الناس العشاء في ليالي رمضان؛ لأجل التراويح مخافة أن يقع العشاء قبل الوقت، لكن كرهوا مخالفة السلف.
وفي «الفتاوى»: إمام صلى العشاء بغير وضوء وهو لا يعلم، ثم صلى بهم إمام أخر التراويح ثم علموا، فعليهم أن يعيدوا العشاء والتراويح، وهذا الجواب في التراويح على قول من يقول أن وقت التراويح ما بين العشاء إلى آخر الليل.
[ ١ / ٤٥٨ ]
نوع آخر في نية التراويح
إذا نوى التراويح أو سنة الليل (أو) الوقت، أو قيام الليل في النيتين يجوز وصار كما إذا نوى الظهر أو فرض الوقت، فإنه يجوز وإن نوى صلاة مطلقة، أو نوى تطوعًا فحسب، اختلف المشايخ فيه، ذكر بعض المتقدمين أنه لا يجوز؛ لأنها سنّة والسنّة لا تتأدى بنية التطوع أو بنية الصلاة المطلقة روى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما ذلك في ركعتي الفجر، أو يقول: هذه الصلاة مخصوصة كالمكتوبات، فلا تتأدى بمطلق النية ولا بنية التطوع كالمكتوبات، وأكثر المتأخرين على أن التراويح وسائر السنن تتأدى بمطلق النية، لأنها نافلة لكن واظب عليها رسول الله ﷺ والنوافل تتأدى بمطلق النية، والاحتياط في التراويح أن ينوي التراويح، أو بنية الوقت أو قيام الليل، وفي سائر السنن الاحتياط أن ينوي الصلاة متابعًا لرسول الله ﵇.
ولو صلى التراويح بنية الفوائت من صلاة الفجر لم تكن محتسبة في التراويح ليشترط النية في كل شفع، فقد اختلف المشايخ فيه.
نوع آخر في بيان قدر القراءة في التراويح
اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم؛ يقرأ في كل ركعة كما يقرأ في المغرب؛ لأن التراويح أخف من أخف المكتوبات، وقال بعضهم: يقرأ في كل ركعة كما يقرأ في العشاء، وقال بعضهم: يقرأ في كل ركعتين في عشرين أية إلى مائتين.
وعن أبي حنيفة رحمة الله عليه: أنه يقرأ في كل ركعة عشر آيات.
والحاصل: أن السنّة الختم في التراويح مرة، والختم مرتين فضيلة، والختم ثلاث مرات في كل عشر مرة أفضل؛ لأن كل عشر من رمضان مميز مخصوص، والختم مرة يقع بقراءة عشر آيات في كل ركعة؛ لأن عدد ركعات التراويح في ثلاثين ليلة ستمائة، وآيات القرآنستة آلاف وشيء، فيكون في كل ركعة عشر آيات والختم مرتين يقع بقراءة عشرين آية في كل ركعة والختم ثلاث مرات يقع بقراءة ثلاثين آية في كل ركعة.
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمة الله عليه، إذا قرأ بعض القرآن في سائر الصلوات بأن كان القوم الختم في التراويح، فلا بأس به. ويكون لهم ثواب الصلاة، ولا يكون لهم ثواب الختم.
وسئل أبو بكر الإسكاف ﵀ عن الإمام في شهر رمضان أيجرد للفريضة قراءة على حدة، أو يخلط قراءة الفرض بقراءة التراويح؟ قال سهل إلى ما هو أخف للقوم.
وسئل أيضًا: عن الإمام إذا فرغ من التشهد هل يزيد عليها أو يقتصر، قال؛ إن علم
[ ١ / ٤٥٩ ]
أن ذلك لا يمل القوم يزيد في الصلوات والاستغفار ما شاء. وإن علم أنه يثقل على القوم لا يزيد.
قالوا: ويكره للإمام إذا ختم في التراويح أن يقرأ الإمام في ركعة واحدة إذا علم أن القوم يملون، وكذا يكره له أنه يعجل، ويختم القرآن في ليلة إحدى وعشرين إذا علم أن القوم يملون.
قال مشايخ بخارى: وينبغي للإمام إذا أراد الختم أن يختم في ليلة السابع والعشرين، أكثره ما جاء في الأخبار فيها أنها ليلة القدر، وإذا غلط في القراءة في التراويح، فترك سورة أو آية وقرأ ما بعدها، فالمستحب له أن يقرأ المتروكة ثم المقروءة ليكون قد قرأ القرآن على نحوه
وإذا فسد شفع وقد قرأ فيه هل يعتبر بما قرأ؟ اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يعتد ليكون الختم في صلاة صحيحة، وقال بعضهم: إذا فسد شفع وقرأ يعتد؛ لأن المقصود هو القراءة ولا فساد في القراءة؛ وإذا ختم القرآن، فله أن يبدأ من حيث شاء بقية الشهر.
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀، وإذا ختم في التراويح مرة وصلى العشاء يقية الشهر من غير تراويح يجوز من غير كراهة؛ لأن التراويح ما شرعت بحق نفسها بل لأجل القراءة فيها، فالسنّة هو الختم مرة وقد ختم مرة، فلو أمرناه بالتراويح بعد ذلك أمرناه بهابحق نفسها وإنها ما شرعت بحق نفسها.
وعن هذا قلنا: إن في النساء من كانت قارئة تصلي عشرين ركعة في كل ليلة وتختم القرآن في الشهر مرة، ومن لم تكن قارئة منهن تصلي ستًا وثمانيًا وعشرًا.
قال القاضي الإمام هذا ﵀: إذا كان إمامه يخلط لا بأس بأن يترك مسجده ويطوف، وكذلك إذا كان غيره أخف قراءة وأحسن صوتًا، وهذا يبين أنه إذا كان لا يختم في مسجد حيّه يطوف. وما ذكر الصدر الشهيد ﵀ أنه إذا كان يقرأ في مسجد حيه قدر المسنون لا يترك مسجد حيه لم يتضح في معناه.
ومما يتصل بهذا النوع
أن الفضل تعديل الصراط بعد التسليمات، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما وبنحوه ورد الأثر عن عمر ﵁ وإن خالف هذا، فلا بأس؛ لأن السنّة هي الختم، وإنها لا تفوت بترك التعديل، وأما في التسليمة الواحدة، فلا يستحب تطويل الركعة الثانية على الركعة الأولى، كما في سائر الصلوات، أما تطويل الركعة الأولى على الركعة الثانية فقد قيل لا بأس به، من غير ذكر خلاف، وقد قيل ذكر يجب أن المسألة على الخلاف على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ﵀ لا يطول.
[ ١ / ٤٦٠ ]
بل يسوي وقال محمد ﵀: يستحب تطويل الأولى كما في الظهر والعصر والعشاء.
نوع آخر في القوم يصلون التراويح قعودًا
اعلم بأن هذا النوع على وجوه:
الأول: أن يصلي الإمام والقوم جميعًا التراويح قعودًا من غير عذر، والكلام فيه في موضعين في الجواز وفي الاستحباب. أما الكلام في الجواز فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنها سنّة فصار كركعتي الفجر، وقال بعضهم: يجوز وهو القائل بفرق بين التراويح وبين سنّة الفجر.
والفرق: أن هذه نافلة لم تختص بزيادة تأكيد، فأشبهت سائر النوافل بخلاف ركعتي الفجر. وعلى قول من يقول بالجواز يكون ثوابه على نصف ثواب القائم، هكذا حكي عن القاضي الإمام أبي علي النسفي ﵀، وأيضًا الكلام في الاستحباب بلا خلاف أنه لا يستحب؛ لأنه (٧٣أ١) خلاف المتوارث، وخلاف عمل السلف.
الوجه الثاني: أن يصلي القوم والإمام جميعًا قعودًا بعذر، وإنه جائز بغير كراهة، والكلام فيه ظاهر.
الوجه الثالث: أن يصلي الإمام التراويح قاعدًا بعذر أو بغير عذر، واقتدى به قوم قيام، والكلام فيه في موضعين أيضًا، في الجواز والاستحباب، أما الكلام في الجواز فقد اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يجوز بناءً على اختلافهم في اقتداء القائم بالقاعد في الفرض.
ومنهم من قال يجوز الاقتداء إجماعًا، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمة الله عليه هو الصحيح، وإذا صح الاقتداء على الوفاق على قول هؤلاء هل يستحب للقوم القيام؟ اختلفوا فيما بينهم، قال بعضهم: لا يستحب احترازًا عن صورة المخالفة، وقال بعضهم عن قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما يستحب القيام، وعلى قول محمد يستحب القعود.
وذكر أبو سلمان عن محمد رحمهما الله: في رجل أم قومًا في رمضان جالسًا أيقومون؟ يعني القوم قال: نعم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، فبعض مشايخنا قالوا: إن محمدًا خص قول أبي حنيفة وأبي يوسف في بيان حكم الجواز، يعني على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: يجوز لقوم أن يصفوا قيامًا، والإمام قاعد وتخصص قولهما في بيان حكم الجواز دليل على أنه لا يصح اقتداؤهم به عند محمد رحمة الله عليه، وبعض مشايخنا قالوا خص قوليهما في بيان حكم الاستحباب يعني يستحب لهم القيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وعند محمد ﵀ لا يستحب، وهذا لأن عند محمد ﵀ الاختلاف بين الإمام والقوم في القيام والقعود اختلاف معتبر حتى يمنع الفرض من الجواز، فيمنع النفل في الاستحباب أيضًا.
[ ١ / ٤٦١ ]
نوع آخر
فيما إذا صلى ترويحة واحدة أو أكثر أو أقل بتسليمة واحدة.
يجب أن يعلم بأن هذه المسلة على وجهين:
الأول: أن يقعد على رأس الركعتين، في هذا الوجه اختلاف المشايخ، قال بعض المتقدمين: لا يجزئه إلا عن تسليمة واحدة، وقال بعض المتقدمين، وعامة المتأخرين: إنه يجزئه عن تسليمتين، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: لأنه أكمل ولم يجد بشيء إنما جمع المتفرق، واستدام التحريم، وإنه لا يؤثر في المنع في الجواز.
ألا ترى أن من أوجب على نفسه أن يصلي أربع ركعات بتسليمتين فصلى أربعًا بتسليمة واحدة، وقعد على رأس الركعتين يجوز عن جميع ما أوجبه على نفسه، كذا ها هنا. روى ذلك أصحاب «الأمالي» عن أبي يوسف رحمة الله عليه.
ولو صلى ستًا أو ثمانيًا بتسليمة واحدة، وقعد على رأس كل ركعتين لم يجزئه إلا عن ركعتين في قول بعض المتقدمين، وبعض المتقدمين وعامة المتأخرين الذين قالوا بالجوار عن تسليمتين إذا صلى أربعًا وقعد على رأس الركعتين اختلفوا فيما بينهم، عامتهم على أنه يجزئه كل ركعتين عن تسليمه تسليمتين؛ لأنه أكمل كل ركعتين بالقعود في آخرهما، وسائر الأفعال والتسليم قطع، وخروج، وليس بمقصود.
وقال بعضهم: متى صلى عددًا بتسليمة واحدة، وهي مستحبة في صلاة الليل، وكل ركعتين من ذلك يجزىء عن تسليمة واحدة، ومتى صلى بتسليمة واحدة عددًا بعضها مستحبة في صلاة الليل، وبعضها غير مستحبة في صلاة الليل فإنما يجزئه عن القدر المستحب؛ لأنه في الزيادة مسيء، فكيف ينوب عن التراويح وما كان في اختلاف كان في هذا اختلاف أيضًا.
فعلى هذا إذا صلى ستًا أو ثمانيًا بتسليمة واحدة، وقعد على رأس كل ركعتين قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يجزئه عن تسليمتين؛ لأن عندهما الزيادة على الأربع في صلاة الليل بتسليمة واحدة مكروهة، فلا تنوب الزيادة عن التراويح، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: فيما إذا صلى ستًا يقع ذلك عن ثلاث تسليمات باتفاق الروايات؛ لأن عنده إلى الست بتسليمة واحدة لا تكره باتفاق الروايات.
وفيما إذا صلى ثمانيًا يقع عن أربع تسليمات على ما ذكر في «الأصل» وعلى ما ذكر في «الجامع الصغير» يقع عن ثلاث تسليمات، وعلى ما قاله بعض المشايخ: إنه ليس في المسألة اختلاف الروايتين، ولكن طول في الأصل وأوجز في «الجامع» يجوز عن أربع تسليمات.
ولو صلى عشر ركعات بتسليمة وقعد في كل ركعتين، فعلى قولهما: يجوز عن أربع ركعات، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ في الروايات الظاهرة يجوز عن أربع تسليمات؛
[ ١ / ٤٦٢ ]
لأن ما زاد على الثماني ليس بمستحب عنده باتفاق الروايات الظاهرة، وعلى قول العامة وهو الصحيح يجوز عن خمس تسليمات كل ركعتين عن تسليمة.
ولو صلى التراويح كلها بتسليمة واحدة، وقعد على رأس كل ركعتين، فعندهما يجزئه عن أربع ركعات، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: يجوز عن ثماني ركعات وعلى قول عامة المشايخ: يجوز على كل ركعتين عن تسليمة عن أبي حنيفة ﵀.
ولو صلى أربعًا بتسليمة واحدة، ولم يقعد على رأس الركعتين، ففي هذا الوجه القياس، وهو قول محمد ﵀ وزفر وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵏: إنه تفسد صلاته، ويلزمه قضاء هذه الترويحة.
وفي الاستحسان وهو قول أبي حنيفة ﵀، وهو المشهور، وقول أبي يوسف ﵀: يجوز، ولكن يجوز عن تسليمة واحدة، وعن تسليمتين، وقال بعضهم: عن تسليمتين، وبه أخذ الفقيه أبو الليث ﵀، وهكذا كان يفتي الشيخ الإمام أبو عبد الله الخيزاخزي ﵀، وكان يقول التراويح سنّة مؤكدة، فكان كسنّة الظهر.
ولو صلى سنّة الظهر أربعًا، ولم يقعد على رأس الركعتين أجزأه عن الأربع، كذا ههنا، وكان الفقيه أبو جعفر الهنداوي ﵀ يقول: يجزئه عن تسليمة واحدة، وبه كان يفتي الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀. قال القاضي الإمام أبو علي النسفي قول الفقيه أبي جعفر والشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ أقرب إلى الاحتياط، فكان الأخذَ بالاحتياط، فكان الأخذ به أولى فهكذا اختار الصدر الشهيد حسام الدين ﵀، وعليه الفتوى.
فهذا لأن القعدة على رأس الثانية في التطوع فرض، فإذا تركها كان ينبغي أن تفسد صلاته أصلًا، كما هو وجه القياس.
وإنما جاز استحسانًا، فأخذنا بالقياس، فقلنا بفساد الشفع الأول، وأخذنا بالاستحسان في حق بقاء التحريمة.
وإذا بقيت التحريمة صح الشروع في الشفع الثاني، وقد أتمهما بالقعدة فجاز عن تسليمة واحدة.
وعن أبي بكر الإسكاف ﵀: أنه سئل عن رجل قام إلى الثالثة في التراويح، (٧٣ب١) ولم يقعد على رأس الثانية، قال: إن تذكر في القيام، فينبغي أن يعود إلى القعدة فيعود ويسلم، وإن تذكر بعد ما ركع الثالثة وسجد، فإن أضاف إليها ركعة أخرى كانت هذه الأربعة عن تحريمة واحدة، ورأيت في نسخة فيما إذا صلى أربعًا بتسليمة واحدة، ولم يقعد على رأس الركعتين إن على قول أبي حنيفة ﵀: يجوز عن تسليمتين، وعلى قول أبي يوسف ﵀ يكون عن تسليمة واحدة.
[ ١ / ٤٦٣ ]
وأما إذا صلى ثلاثًا بتسليمة واحدة، إن قعد على رأس الثانية يجرئه عن تسليمة واحدة، وعليه قضاء ركعتين؛ لأنه شرع في الشفع الثاني وصح الشروع فيه، وقد أفسده فيجب عليه قضاء الشفع الثاني.
وإن لم يقعد على رأس الثانية، ساهيًا أو عامدًا لا شك أن صلاته باطلة قياسًا، وهو قول محمد وزفر وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵏ في المشهور، وهو قول أبي يوسف رحمهما الله اختلف المشايخ، قال بعضهم: يجزيه عن تسليمة، وقال بعضهم: لا يجزيه أصلًا، وكذلك الاختلاف في غير التراويح في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الثالثة قد صحت حيث حكم بصحة التحريمة إن قعد في آخر الصلاة، ولم يكملها بضم أخرى إليها فيلزمه القضاء، وعلى قول من يقول: لا يجزئه الثلاثة أصلًا لزمه قضاء الأوليين، وهل يلزمه؛ لأجل الثالثة شيء؟ إن كان ساهيًا لا شيء عليه، لأنه شرع في مظنون. وإن كان عامدًا لزمه ركعتان في قول أبي يوسف لبقاء التحريمة، وفي قول أبي حنيفة ﵀: لا يلزمه شيء؛ لأن التحريمة قد فسدت حين لم يقعد على رأس الثالثة، ولم يأتِ بالرابعة، فإذا قام إلى الثالثة، فقد قام إليها بتحريمة فاسدة، وذلك موجب القضاء عند أبي يوسف ﵀، وعند أبي حنيفة لا في الصحيح من مذهبه.
فعلى هذا إذا صلى التراويح تسليمات كل تسليمة ثلاث ركعات، ولم يقعد على رأس الركعتين، فعلى جواب القياس، وهو قول محمد وزفر ﵀: عليهما وهو رواية عن أبي حنيفة رحمة الله عليه قضاء التراويح كلها، ولا شيء عليه سوى ذلك.
وأما قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
فعلى قول من يقول: إذا صلى ثلاث ركعات لا غير بتسليمة واحدة يجزئه عن تسليمة واحدة أجزأه هنا عن التراويح كلها، ولا شيء عليه إن كان قام ساهيًا، وإن كان قام عامدًا فعليه قضاء عشرين ركعة، وعلى قول من يقول: لا يجزئه الثلاث عن تسليمة واحدة عليه قضاء التراويح كلها، ولا شيء عليه سوى ذلك في قول أبي حنيفة ﵀ كيف ما كان. وفي قول أبي يوسف ﵀: إن كان ساهيًا فهو كذلك، وإن كان عامدًا فعليه مع التراويح قضاء عشرين ركعة أخرى أيضًا.
وإذا صلى التراويح كلها ثلاثًا ثلاثًا يصلي إحدى وعشرين ركعة بسبع تسليمات، كل تسليمة ثلاث ركعات، ولم يقعد على رأس الركعتين ساهيًا رأيت في نسخة «مجموع النوازل»: أن عليه قضاء ركعتين لا غير عندهما، وعند محمد ﵀ يعيد التراويح كلها، ولا يلزمه بالقيام إلى الثالثة شيء قال ثمة: والصحيح قولهما؛ لأنه لما صلى ثلاثًا ولم يقعد في الثانية وسلم ساهيًا على رأس الثالثة فهذا السلام لم يخرجه عن حرمة الصلاة، ولو قام وكبّر وصلى ثلاث ركعات صار ست ركعات قد قعد في آخرهن فقام مقام ثلاث تسليمات، ثم الثلاث لهذه التسليمة عما عليه، فكان عليه قضاء الركعتين وثلاث وثلاث هكذا، فتصير ثماني عشرة ركعة قائمة مقام تسع تسليمات بقي
[ ١ / ٤٦٤ ]
عليه تسليمة واحدة، فإذا صلى ثلاث ركعات وترك القعدة على رأس الركعتين من هذا الوجه حتى لو تذكر، وضم إلى الثالثة ركعة أخرى جاز ترويحه، ولا شيء عليه.
نوع آخر في الشك في التراويح
إذا سلم الإمام في ترويحة، فاختلف القوم عليه قال بعضهم: صلى ثلاثًا وقال بعضهم: صلى ركعتين، قال أبو يوسف ﵀ يأخذ الإمام بعلم نفسه، ولا يدع علمه بقول غيره، وقال محمد رحمة الله عليه: يقبل قول غيره، ويكتمل بقول من معه. وإن كانوا أقل، وكذلك إذا وقع الاختلاف بين الإمام، وجميع القوم، وإن شك الإمام فأخبره عدلان يأخذ بقولهما.
وإذا شك أنه صلى عشر تسليمات، أو تسع تسليمات اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يعيدون تسليمة؛ لأن الزيادة على التراويح ليست بمشروعة، وقال بعضهم: عليهم أن يعيدوا تسليمة بالجماعة، وليس في هذا زيادة على التراويح بجماعة، بل هو إتمام التراويح، فالزيادة على التراويح إن يتموا التراويح، ثم يصلوا ويريدوا الزيادة بنية التراويح، وها هنا يشرعون في هذه التسليمة بنية إتمام التراويح، فلا يكره.
وهو نظير التطوع بعد العصر إذا شرع فيه مع العلم أنه يكره، وإذا شرع في التطوع بنية العصر، ثم علم أنه كان أذن فإنه يتم صلاته، ولا يكره كذا هنا.
وقال بعضهم: يريدون، ولا تسليمة أخرى احترازًا عن الزيادة على التراويح. وقال بعضهم: يصلون تسليمة واحدة فرادى، حتى يقع الاحتياط من بعد السنّة بتمامها، ويقع الأخير من غيره إذ النافلة غير التراويح في الجماعة، وهو الصحيح.
نوع آخرإذا صلى التراويح مقتديًا بمن صلى مكتوبة أو نافلة غير التراويح
اختلف المشايخ فيه، منهم من بنى هذا الاختلاف في النية، حتى قال المشايخ: إن التراويح لا تتأدى إلا بنيتها نقول ها هنا لا يصح؛ لأنها لو كانت لا تتأدى إلا بنيتها منه لا تتأدى بنية إمامه، وهي تخالف نيته، ومن قال بأنها تتأدى من غير نيتها بل بنية مطلقة يجب أن يقول بصحة الاقتداء هاهنا، ومنهم من قال: لا يصح، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀، وهو الأظهر والأصح.
وعلى هذا الخلاف إذا لم يسلم من العشاء حتى بنى عليه التراويح الصحيح: إنه لا يصح، وهذا أظهر؛ لأنه مكروه وعلى هذا الخلاف إذا بناها على السنة بعد العشاء الصحيح أنه لا يصح.
وكذلك لو كان الإمام يصلي التراويح واقتدى به رجل، ولم ينوِ التراويح، ولا صلاة للإمام لا يجوز، كما لو اقتدى رجل يصلي المكتوبة فنوى الاقتداء به، ولم ينوِ
[ ١ / ٤٦٥ ]
المكتوبة ولا صلاة للإمام لا يجوز وفي التراويح للقاضي الإمام أبو علي (٧٤أ١) النسفي ﵀:
رجل صلى العشاء بمنزله ثم أتى مجسدًا، ووجد الإمام في الصلاة ظن أنه في التراويح، فاقتدى به ثم ظهر أنه في العشاء، قال هذا متنفل اقتدى بمفترض بتحريمة، ولم يقل يجزيه عن التراويح أو عن النفل.
وفي «فتاوى النسفي»: إذا ظن المقتدي أن إمامه افتتح الوتر وأتم التراويح، ونوى الوتر ثم تبين أنه في التراويح فتابعه في ذلك قال: يجوز عن شفع يتأدى بنية النفل، هكذا: ونحوه في «فتاوى النسفي» وقد ذكرنا في قصد النية أن التراويح لا تتأدى إلا بنية التراويح، أو بنية سنّة الوقت أو قيام الليل في شهر رمضان عن بعض المشايخ.
وفي التراويح للقاضي الإمام أبي علي النسفي ﵀: إذا اقتدى الإمام في التراويح ينوي العشاء، بأن لم يأت لسنّة العشاء حتى قام الإمام إلى التراويح أجزأه.
وإذا اقتدى في التسليمة الأولى أو الثانية ثم يصلي التسليمة الخامسة أو السادسة، اختلف المشايخ فيه، قال الصدر الشهيد ﵀؛ فالصحيح أنه يجوز قال؛ لأن الصلاة واحدة ونية الأولى أو الثانية لغو الأولى أنه لو نوى الثالثة بعد الأولى لم يكن إلا الثانية.
وألا ترى أنه لو اقتدى في الركعتين بعد الظهر، فمن يصلي الأربع بعد الظهر يجوز، فهذا كذلك. وإذا لم يدر المقتدي أن الإمام في التراويح أو العشاء، فنوى أنه إن كان في العشاء، فقد اقتديت به. وإن لم يكن في العشاء وكان في التراويح ما اقتديت به لا يصح الاقتداء، سواء كان في العشاء أو في التراويح.
وإن نوى أنه إن كان في العشاء اقتديت به وإن كان في التراويح أيضًا اقتديت، فظهر أنه كان في التراويح أو في العشاء صح الاقتداء، وإذا فاتته ترويحة أو ترويحتان، وقام الإمام إلى الوتر يتابعه في الوتر أم يأتي بما زاد فإنه من الترويحات؟ فقد اختلف مشايخ زماننا فيه.
وذكر في «واقعات الناطفي» عن أبي عبد الله الزعفراني أنه يوتر مع الإمام، ثم يقضي ما فاته من الترويحات.
نوع آخر في إمامة الصبي في التراويح
جوزها أكثر علماء خراسان، ولم يجوزها مشايخ العراق، وفي «الفتاوى» عن نصر بن يحيى قال: لا بأس بأن يؤم الصبي في شهر رمضان، إذا بلغ عشر سنين يعني في التراويح، وقال أحمد بن سلمة ﵀: إنه لا يجوز، وعن محمد بن مقاتل ﵀: أنه قال: يجوز في التراويح خاصته.
وكان الحسن بن علي ﵄ يؤم عائشة ﵂ في التراويح، وإنه صبي، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: يفتي بالجواز وكان شمس الأئمة السرخسي ﵀: يفتي بعدم الجواز، وكان يقول الإمام ضامن والصبي لا يصلح
[ ١ / ٤٦٦ ]
للضمان، ولأن صلاة القوم صلاة حقيقية، وصلاة الصبي ليست حقيقية، ولا يجوز بناء الحقيقي على غير الحقيقي، فعلى لو أن هذا الصبي أم صبيًا
وفي «المنتقى»: لو أن قومًا صلوا خلف صبي لا تجوز صلاتهم؛ لأنهم يصلون للتقيد لا تقيد فيما ينفله الصبي، ولهذا قلنا إن الصبي لو أحرم ثم بلغ لا يمضي على إحرامه.
نوع آخرإذا فاتت التراويح عن وقتها هل تقضى؟
اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يقضي ما لم يدخل وقت تراويح آخر، وقال بعضهم: يقضي ما لم يمضِ رمضان، وقال بعضهم: لا يقضي أصلًا وهو الأصح؛ لأن التراويح ليست بأكثر من في السنّة بعد المغرب والعشاء، وهي لا تقضى، فهذا أولى.
والدليل عليه: أنها لا تقضى بالجماعة بالإجماع، ولو كانت تقضى لقضيت كما فانت، فإن قضاها منفردًا كان نفلًا مستحبًا كسنّة المغرب إذا قضيت.
وفي «الفتاوى»، من ترك السنّة سئل عن تركها وإذا فاتت عن وقتها لا يؤمر بالقضاء، قال الفقيه أبو الليث ﵀: من ترك السنّة بعذر، فهو معذور في تركه بغير عذر، فهو غير معذور، وإذا تذكرها في الليلة الثانية أنه فسد عليهم شفع سنّته الأولى، فأرادوا أن يقضوا يكره لهم؛ لأنهم لو قضوا بنية التراويح تزيد على تراويح هذه الليلة، وإنه مكروه.
نوع آخر في المتفرقات
إمام شرع في الوقت على ظن أنه التراويح، فلما صلى ركعتين تذكر أنه ترك تسليمة يسلم على رأس الركعتين، لم يجزىء ذلك عن التراويح؛ لأنه ما صلى بنية التراويح، ويكره للمقتدي أن يقعد في التراويح، فإذا أراد الإمام أن يركع يقوم؛ لأن هذا إظهار للكاسد في الصلاة والتشهد كالمنافقين، قال الله تعالى ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ (النساء: ١٤٢) وكذلك إذا غلبه النوم يكره له أن يصلي، بل ينصرف حتى يسقط لأن في الصلاة مع النوم تهاونًا وغفلة وترك تقيد.
وكذا لو صلى على السطح في شدة الحر، لقوله تعالى ﴿قل نار جهنم أشد حرًا لو كانوا بفقهون﴾ (التوبة: ٨١)، وكذا يكره أن يضع يديه على الأرض عند القيام، بل يقوم بواحدة؛ لأن وضع اليد على الأرض تشبه بالمنافقين، إلا أن لا يستطيع، فحينئذٍ لا يكره، ويكره عد الركعات في التراويح لما فيه من إظهار الملالة، ولا يصلي تطوعٌ بجماعة إلا قيام رمضان، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجده إلا مكتوبة»، ولو كان أداء النافلة بالجماعة لكان أداؤها في المسجد أفضل،
[ ١ / ٤٦٧ ]
كما في المكتوبة، ولأن الجماعة لإظهار السعاية، فيختص بالمكتوبات فأما قيام رمضان، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّمفي المسجد الحديث، واستشهاد عمر ﵁ الصحابة رضوان الله عليهم أن يجمع الناس على قارىء فلم يخالفوه، فجمعهم على أبي بن كعب، فدل ذلك على جوازه فباعده، فردوه إلى الأصل وحكي من الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀ أن التطوع بالجماعة إذا صلوا التطوع سبيل التداعي أما إذا اقتدى واحد بواحد لا يكره، وإذا اقتدى ثلاثة بواحدة، ذكر هو ﵀: أن فيه اختلاف المشايخ، قال بعضهم: يكره وقال بعضهم: لا يكره. وإذا اقتدى أربعة بواحد يكره بلا خلاف.
(فصل في الوتر)
جئنا إلى مسائل الوتر: ذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: أن الوتر بالجماعات أحب إليّ في رمضان، قال وأجاز علماؤنا ﵏: أن يوتر في منزله في رمضان كما اجتمعوا على التراويح فيها بعمر ﵁ كان يؤمهم فيها في رمضان، وأبي بن كعب كان لا يؤمهم فيها.
والوتر ثلاث ركعات عندنا. وقال الشافعي إن شاء أوتر بركعة أو ثلاث أو خمس أو سبع أو إحدى عشرة، لقوله ﵇: «من شاء أوتر بركعة، ومن شاء أوتر بثلاث أو بخمس» .
ولنا ما روي عن عائشة ﵂ وابن مسعود وابن عباس ﵃: أن النبي ﵇ «أوتر بثلاث ركعات»، وقال الحسن أجمع المسلمون أنه يصلى الوتر (٧٤ب١) ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن، وما روى الخصم محمول على ما قبل استقرار الوتر، وإنها سنّة عن أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما وعن أبي حنيفة ﵀ في الوتر ثلاث روايات، في رواية هي واجبة، وفي رواية قال هي سنّة وفي رواية هي فرض.
وفي الصحيح أنها واجبة عنده، ومعنى قولنا إنه فرض عنده أنها فرض عملًا لا اعتقادًا حتى إن جاحده لا يكفر، ومعنى قوله على رواية: إنها سنّة أن وجوبه ثلاث بالسنّة.
حجة أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما في المسألة قوله ﵇: «ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الوتر والضحى والأضحى»، وفي رواية: «خصصت بثلاث وهي لكم سنّة الوتر الضحى والأضحى»؛ ولأن هذه صلاة لم يشرع لها أذان ولا
[ ١ / ٤٦٨ ]
إقامة، ولا جماعة ولا يشرع لها وقت على حدة وشرعت القراءة في الركعات، وكل ذلك إبانة كونها سنّة.
ولأبي حنيفة ﵀ ما روي عن ﵁ خرح علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّممستبشرًا وقال: «إن الله تعالى زادكم صلاة على صلواتكم الخمس ألا وهي الوتر، فحافظوا عليها» فالاستدلال بها من وجهين:
أحدهما: أن النبي ﵇ سمى الوتر زيادة، والزيادة من جنس المزيد عليه، لا يقال زادني الثمر إذا وهب.
والثاني: أمر بالمحافظة عليها، والأمر للوجوب، وما روي من الحديث محمول على الابتداء، وإنما لم يشرع لها أذان وإقامة وجماعة؛ لأن هذه الأشياء شرعت فيما هو فرض عملًا واعتقادًا والوتر عندنا، فرض عملًا لا اعتقادًا، ولأنه شرع باسم الزمان، فلا يلحق بالأصل في حق الشرائط، وإنما شرعت القراءة في الكل لأنها سنّة عملًا، فأوحينا القراءة في الكل احتياطًا على أنه يجوز أن تجب القراءة في الفريضة في جميع الركعات احتياطًا، فإن من دخل في صلاة إمام قد سبقه بركعتين وأحدث الإمام، واستخلف هذا المسبوق يجب عليه أن يقرأ في هاتين الركعتين، وإذا أتم صلاة الإمام يستخلف أحدًا أدرك أول الصلاة حتى يسلم بهم، يقوم ويصلي ركعتين بقراءة فهذه صلاة فريضة مع ذلك افترضت القراءة فيها في جميع الركعات.
وفي «المنتقى»: عن أبي يوسف ﵀، قال: سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: الوتر فريضة واجبة فقد جمع بين صفة الفرضية وصفة الوجوب، والواجب عند أهل الفقه غير الفريضة.
والجواب: أنها فريضة عملًا لا علمًا، وواجبة علمًا، وتفسيره أن من نفى فرضيته لا يكفر أو نقول بين بقوله واجبة أن وجوبها لم يثبت بطريق قطعي، كسائر الواجبات في اليوم والليلة.
وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: الوتر سنّة واجبة قيل في طريق الجمع بين السنّة والواجب إنه أراد بالسنّة الطريقة بمعنى قوله الوتر سنّة واجبة ووجوب الوتر طريقة مسنونة.
وقيل أراد به بيان الطريق الذي عرفنا وجوب الوتر به؛ لأن وجوب الوتر ما عرف إلا بالسنّة، ففي القولين استناد إلى أن الوتر واجبة عند أبي يوسف ﵀، وإنه خلاف المشهور من قوله.
وفي «النوازل»: أهل قرية اجتمعوا على ترك الوتر آذاهم الإمام وحبسهم، فإن لم
[ ١ / ٤٦٩ ]
يمتنعوا قاتلهم، هذا الجواب ظاهر على قول أبي حنيفة، وكذلك على قولهما على ما اختاره بخارى ﵏، فإنهم قالوا إذا اجتمع أهل البلدة على الامتناع من أداء الوتر فجواب أئمة بخارى أن الإمام يقاتلهم كما يقاتلهم على ترك الفريضة.
ولو ترك الوتر حتى يطلع الفجر، فعليه قضاؤها في ظاهر رواية أصحابنا ﵏، وعن أبي يوسف ﵀ في غير رواية «الأصول» أنه لا قضاء عليه، وعن محمد ﵀ في غير رواية «الأصول» أحب إليّ أن يقضيها، وما ذكر في الجواب في ظاهر الرواية ظاهر على مذهب أبي حنيفة ﵀؛ لأن الوتر على مذهبه واجب، والواجب تقضى بعد فواتها يشكل على قولهما لأنها سنّة عندهما، والسنّة إذا فاتت عن وقتها لا تقضى وبهذا الفصل يستدل أبو حنيفة ﵀ أن قضية القياس أن لا تقضى، لكن تركنا القياس بالأثر، وهو ما روي أن النبي ﵇ قضى الوتر ليلة وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقال: «من نام عن وتر أو نسيه، فليصله إذا ذكره»، وربما تذكر بعد ذهاب الوقت، والله أعلم.
ومتى قضي الوتر قضي بالقنوت؛ لأنه لا وتر بدون القنوت، فإذا وجب قضاء الوتر وجب قضاؤه بقنوته.
ثم إذا أراد أن يصلي الوتر كبر وفعل بعد التكبير ما يفعل في سائر الصلوات فإذا فرغ من نوع القراءة في الركعة الثالثة كبّر ورفع يديه حذاء أذنيه ويقنت، والأصل فيه قوله ﵇: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن، وذكر في جملتها قنوت الوتر» .
والكلام في الوتر في مواضع.
أحدها: أنه لا قنوت إلا في الوتر عندنا.
والثاني: أن القنوت في الوتر مشروع عندنا قبل الركوع، وعند الشافعي بعد الركوع.
والثالث: أن القنوت في الوتر في جميع السنّة عندنا. وقال الشافعي لا قنوت إلا في النصف الآخر من شهر رمضان.
والرابع: أن مقدار القيام في القنوت قدر سورة إذا السماء انشقت وليس فيه دعاء مؤقت؛ لأن القراءة أهم من القنوت، فإذا لم يؤقت في القراءة بشيء من الصلاة، ففي الدعاء أولى، وقد روي عن محمد ﵀ أن التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب.
قال بعض مشايخنا ﵏: يريد بقوله ليس فيه دعاء مؤقت ليس فيه سوى قوله: اللهم إنا نستعينك دعاء مؤقت، والصحابة اتفقوا على هذا في الوتر وقال بعضم لا بل ليس فيه شيء مؤقت أصلًا مما ذكرنا والأولى أن يقأ: اللهم إنا نستعنيك ويقرأ بعده
[ ١ / ٤٧٠ ]
اللهم اهدنا فيمن هديت، هكذا علم رسول الله صلى الله عليه وسلّمالحسن بن علي ﵄.
والخامس: إذا نسي القنوت حتى ركع فذكر في الركوع، ففي أصحابنا عنه روايتان نسي القنوت، وتذكر في الركوع في رواية يعود إلى القيام ويقنت؛ لأن الركوع له حكم القيام الأولى أنه لو أدرك الإمام في الركوع كان مدركًا للركعة، وهي رواية أخرى يمضي على ركوعه، ولا يرفع رأسه للقنوت؛ لأنها شيء فائت عن وقتها فتسقط بخلاف تكبيرات العيد إذا تذكرها في الركوع، فإنها لا تسقط.
والفرق: أن محل القنوت القيام المحض، فكذا محل القنوت، ولا يمكن أن يأتي به في الركوع؛ لأن الركوع ليس بمحله ولا يمكن نقض الركوع لأجله؛ لأن الركوع فرض والقنوت سنّة، ولا يجوز نقض الفرض لأداء السنّة، وأما تكبيرات العيد فكما شرعت في القيام المحض شرعت (٧٥أ١) فيما له حكم القيام، وهو الركوع.
وذكر في بعض المواضع يعود إلى القيام، ويأتي بهما ثم إذا عاد إلى القيام وقنت على إحدى الروايتين، لا يعيد الركوع؛ لأن ركوعه لم يرتفض بالعود إلى القيام للقنوت لأن الركوع فرض والقنوت واجبة، ولا يجوز رفض الفرض لإقامة الواجب.
ولو أوتر وقرأ في الثالثة القنوت ولم يقرأ الفاتحة ولا السورة أو قرأ الفاتحة دون السورة، وركع ثم تذكر ذلك في الركوع فإنه يعود إلى القيام ويقرأ ثم يركع؛ لأن ركوعه قد ارتفض في هذه الصورة، أما إذا لم يقرأ أصلًا لأن القراءة فرض وجاز أن يرتفض الفرض بالفرض، وأما إذا قرأ الفاتحة دون السورة؛ فلأن ضم السورة إلى الفاتحة، وإن كان من الواجبات، ولكن إذا ضم السورة إلى الفاتحة يصير الكل فرضًا، فيكون هذا نقض الفرض، لأجل الفرض، ثم قال: وعليه السجود للسهو عاد أو لم يعد قنت أو لم يقنت.
السادس: إنه يجهر بالقنوت أو يخافت به وقع في بعض الكتب أن على قول محمد ﵀ يخافت؛ لأنه دعاء والسبيل في الدعاء الإخفاء، على قول أبي يوسف ﵀ يجهر به لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه كان يجهر به، حتى روي أن الصحابة ﵃ تعلموا القنوت في قراءة رسول الله ﵇، ووقع في بعض الكتب الخلاف على عكس هذا على قول أبي يوسف ﵀ (كانت) به، وعلى قوله محمد ﵀ يجهر به وذكر القاضي الإمام علاء الدين المعروف ﵀ في «شرح المختلفات»: أن المنفرد يخافت بالقنوت، والإمام يخافت عند بعض المشايخ.
منهم: الشيخ الإمام أبو بكر بن محمد الفضل، والشيخ الإمام أبو حفص الكبير ﵀ فلولا علم في إشارة محمد بن الحسن رحمة الله عليه: أنه من سنّته المخافتة وإلا لما خالف أستاذه، وهذا لأنه دعاء على الحقيقة وخير الدعاء الخفي قال ﵀، وقد كانوا يستحسنون الجهر في بلاد العجم، ليتعلموا كما جهر عمر ﵁ إلينا حين قدم وفد العراق، وقال بعض مشايخ زماننا إن كان الغالب في الفقه أنهم لا يعلمون دعاء القنوت،
[ ١ / ٤٧١ ]
فالإمام يجهر به ليتعلموا منه. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمجهر به، والصحابة تعلموا القنوت في قراءته، وإن كان الغالب فيهم أنهم يعلمون يخفي به، لأنه دعاء، والسبيل في الدعاء الخفية، وقال بعض المشايخ: يجب أن يجهر به، لأن له شبهًا بالقرآن، فإن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا فيه، قال بعضهم هما سورتان من القرآن ويجهر بما هو فرض على الحقيقة، فكذا بما له نسبة بالقرآن، وقال صاحب «شرح الطحاوي»: الإمام يجهر بالقنوت، ويكون ذلك الجهر دون الجهر بالقراءة في الصلاة.
السابع: في بيان المقتدي هل يقرأ القنوت؟
ذكر القاضي الإمام عز الدين في «شرح المختلفات»: إن على قول أبي يوسف ﵀: يقرأ، وعلى قول محمد ﵀: لا يقرأ، وهكذا ذكر في «الفتاوى»، وذكر في موضع آخر أن القوم يُؤمنون عند محمد ﵀ ويسكتون، عند أبي يوسف ﵀ القوم بالخيار إن شاؤوا قرأوا، وإن شاؤوا سكتوا.
وقال محمد ﵀: إن شاؤوا قرؤوا وإن شاؤوا أمنوا لدعائه، وذكر الطحاوي ﵀: أن القوم يتابعونه إلى قوله؛ إن عذابك بالكفار ملحق، فإذا دعا الإمام، فعند أبي يوسف ﵀ يتابعونه، وعند محمد ﵀ يؤمنون.
الثامن: أن في حالة القنوت يرسل يديه أو يعتمد: كان الفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀ يعتمد، وكان الفقيه أبو بكر بن أبي سعيد يرسل، وكذلك في صلاة الجنازة، وكذلك في الركوع والسجود، وكان الفقيه أبو جعفر يختار هذا القول.
التاسع: في الصلاة على النبي ﵇ في القنوت، وفي الشك الواقع فيه.
قال بعضهم: هذا ليس موضع الصلاة على النبي ﵇ يعني لا يصلي عليه، وقال الفقيه أبو الليث ﵀: هذا دعاء، والأفضل في الدعاء أن يكون فيه الصلاة على النبي ﷺ فإن صلى على النبي في القنوت وفي الشك الواقع فيه لم يصلِ في القعدة الأخيرة عند بعضهم، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أن عليه السهو، وقال محمد ﵀:؟ أن ألزمه السهو لأجل الصلاة على النبي ﵇. وإذا قنت في الركعة الأولى أو الثانية ساهيًا لم يقنت في الثالثة لأنه لا يتكرر في الصلاة الواحدة، وإن شك أنه قنت أم لا يعني في الثالثة وهو في قيام الثالثة تحرى، فإن لم يحضره شيء قنت، لأنه عسى لم يقنت.
وذكر في «الواقعات»: رجل شك في الوتر وهو في حالة القيام أنه في الأولى أو الثانية أو في الثالثة فإنه يأخذ بالأقل احتياطًا إن لم يقع تحريه على شيء ويقعد في كل ركعة، ويقرأ، وأما القنوت: فقد قال أئمة بلخ: إنه يقنت في الركعة الأولى لا غير، وعن أبي حفص الكبير ﵀: إنه يقنت في الركعة الثانية أيضًا، وبه أخذ القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀.
[ ١ / ٤٧٢ ]
ولو شك في حالة القيام أنه في الثانية أو في الثالثة تمت تلك الركعة، ويقنت فيها، لجواز أنها الثالثة ثم يقعد ويقوم فيضيف إليها أخرى، ويقنت فيها أيضًا على قول أبي حفص الكبير، والقاضي الإمام أبي علي النسفي، فرقا بين هذا وبين المسبوق ركعتين في الوتر في شهر رمضان إذا قنت مع الإمام في الركعة الأخيرة من صلاة الإمام حيث لا يقنت في الركعة الأخيرة إذا قام إلى القضاء في قولهم جميعًا.
والفرق: أن المسبوق هو مأمور بأن يقنت مع الإمام فصار ذلك موضعًا له فما أدى به مع الإمام وقع في موضعه فلا يقنت مرة أخرى لأن تكرار القنوت ليس بمشروع.
أما في مسألة الشك لم يتيقن بوقوع الأولى في موضعها فيقنت مرة أخرى، وعن الشيخ الإمام أبي بكر الفضل ﵀ أن في مسألة الشك لا يقنت مرة أخرى كما هو قول أئمة بلخ في المسألة الأولى.
وإذا صلى الفجر خلف (من) لا يقنت فيها لا يتابعه في القنوت في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف ﵀: يتابعه، ولو صلى الوتر خلف من يقنت في الوتر بعد الركوع تابع فيه.
وكذلك لو اقتدى بمن نوى سجود السهو قبل السلام تابعه فيه، وكذلك لو اقتدى بمن يرى الزيادة في تكبير العيد يتابعه فيها ما لم يخرج عن حد الاجتهاد، وإن اقتدى في صلاة الجنازة بمن يرى التكبير خمسًا لا يتابعه في الخامسة.