الأوقات التي تكره فيها الصلاة خمسة، ثلاثة يكره فيها التطوع والفرض:
وذلك: عند طلوع الشمس، ووقت الزوال، وعند غروب الشمس إلا عصر يومه، فإنه لا يكره عند غروب الشمس، وعن أبي يوسف أنه جوز التطوع وقت الزوال يوم الجمعة، ولا يجوز في هذه الأوقات صلاة جنازة، ولا سجدة تلاوة ولا سجدة سهو ولا قضاء فرض.
ولو قضى فرضًا من قضاء الفائتات في هذه الأوقات لا يعيدها، ولو صلى صلاة الجنازة لا يعيدها، وكذلك لو سجد لتلاوة في هذه الأوقات لا يعيدها وتسقط عنه، وإذا تلا آية السجدة في هذه الأوقات، فالأفضل أن لا يسجد في هذه الأوقات ولو سجد جاز ولا يعيدها.
ووقتان آخران يكره فيهما التطوع وهو ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إلا ركعتي الفجر. وما بعد صلاة العصر إلى وقت غروب الشمس ولا يكره فيها الفرائض ولا صلاة الجنازة ولا يجوز أداء المنذورة في هذين الوقتين، وإن كانت الصلاة المنذورة واجبة إلا أنها وجبت بإيجاب العبد.
والواجبات على قسمين: قسم وجب بإيجاب العبد، كالمنذورة، وقسم وجب بإيجاب الله تعالى، كالوتر على إحدى الروايات عن أبي حنيفة ﵀ وسجدة التلاوة وسجدتي السهو، فما وجب بإيجاب الله تعالى يجوز أداؤه في هذين الوقتين، وما وجب بإيجاب العبد لا يجوز أداؤه في هذين الوقتين، ولو أوجب على نفسه صلاة في هذه الأوقات، فالأفضل له أن يصلي في وقت مباح، ولو صلى في هذا الوقت سقط عنه ولا تجوز ركعتي الطواف في هذين الوقتين.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وههنا وقت آخر، وهو ما بعد غروب الشمس قبل أن يصلي المغرب والصلاة فيه مكروه، لكن لا لمعنى في الوقت، بل لتأخير المغرب.
بقي الكلام في الوقت الذي تباح فيه الصلاة: إذا طلعت الشمس، والمذكور في «الأصل»: إذا طلعت حتى ارتفعت قدر رمحين أو قدر رمح تباح الصلاة، وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ يقول: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس، فالشمس في الطلوع لا تباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر تباح فيه الصلاة، وقال الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن الفضل ما دامت الشمس محمرة أو مصفرة على رؤوس الحيطان والجبال والأشجار فهي في الطلوع، فلا تحل الصلاة. فإذا ابيضت فقد طلعت وحلّت الصلاة وقال الفقيه أبو حفص السفكردري ﵀: يؤتى بطست ويوضع في أرض مستوية ما دامت الشمس تقع في حيطانه فهو على الطلوع فلا تحل له الصلاة، وإذا وقعت في وسطه فقد طلعت وحلت الصلاة.
ولو شرع في النفل في الأوقات الثلاثة، فالأفضل له أن يقطعها، وإذا قطعها لزمه القضاء في المشهور من الرواية. ولو شرع في الوقتين في النافلة، ثم أفسدها لزمه القضاء، ولو افتتح الصلاة النافلة في وقت مستحب ثم أفسدها ثم أراد أن يقضيها بعد العصر قبل غروب الشمس لا يقضيها، وإن كانت واجبة؛ لأنها وجبت بشروعه فأَشْبَهَ المنذورة.
وعلى هذا لو شرع في سنة الفجر ثم أفسدها ثم أراد أن يقضيها بعدما صلى الفجر قبل طلوع الشمس لا يقضيها. هكذا قيل: وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل أن له أن يقضيها بعدما صلى الفجر قبل طلوع الشمس، وصورة ما حكي عن رجل جاء إلى الإمام في صلاة الفجر وخاف أنه لو اشتغل بالسنّة يفوته الفجر بالجماعة، قال: فقد جاز له أن يدخل في صلاة الإمام ويترك السنّة ويقضيها بعدما طلعت الشمس عند محمد، وإن أراد أن يقضيها قبل طلوع الشمس فالحيلة أن يشرع ثم يفسدها على نفسه ثم يشرع في صلاة الإمام من الفريضة ثم يقضيها قبل طلوع الشمس ولا يكره؛ لأنه بإفساده إياها صارت دينًا عليه، ويصير كمن شرع في التطوع ثم أفسد وما على نفسه ثم قضاها في هذا الوقت، وذلك لا يكره كذا ههنا.
ومن المشايخ من قال: في هذه الحيلة نوع الخطأ؛ لأن فيها أمرًا بإفساد العمل، والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ (محمد: ٣٣) والأحسن أن يقال يشرع في السنّة ويكبر لها ثم يكبّر مرة ثانية للفريضة، فيخرج بهذه التكبيرة من السنة ويصير شارعًا في الفريضة ولا يصير مفسدًا للعمل بل يصير مجاوزًا من العمل إلى العمل، وهو كمن كبّر للظهر في وقت العصر على ظن أنه لم يصلِ الظهر ثم يذكر أنه صلى الظهر في وقتها فكبّر ثانيًا من غير سلام ولا كلام، ينوي الدخول في العصر يصير شارعًا في العصر خارجًا عن الظهر كذا ههنا.
ولو غربت الشمس في خلال العصر لا يفسد عصره ويتمها، ولو طلعت الشمس في
[ ١ / ٢٧٧ ]
خلال الفجر يفسد فجره، والفرق: أن بالغروب يدخل وقت فرض مثله فلا يكون منافيًا، وبالطلوع لا يدخل وقت الفرض، ألا ترى أنه لو خرج وقت الجمعة في خلال الجمعة تفسد الجمعة، لأنه لا يدخل وقت فرض مثله، وعن الحسن بن زياد: يفسد إن صلى عصر يومه عند غروب الشمس لم يجزه، كما إذا صلى الفجر عند طلوع الشمس، وعن أبي يوسف أن من صلى ركعة من الفجر ثم طلعت الشمس لم تفسد صلاته، ولكنه يلبث كذلك إلى أن ترتفع الشمس وتبيض ثم تتم الصلاة.
ومما يتصل بهذا الفصل
ويكره الكلام بعد انشقاق الفجر إلى أن يصلي الفجر إلا بخير، لأثر عمر وابن مسعود، وعن إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون الكلام بعد طلوع الفجر إلا بخير، وقوله: هم كناية عن الصحابة، فإذا صلى الفجر فلا بأس بأن يتكلم في حاجته ويمشي في حاجته المعتادة ومعاشه والمراد من هذا الكلام الكلام المباح. أما الفاحش فحرام في جميع الأوقات، وقال بعض الناس يكره الكلام بعد صلاة الفجر أيضًا إلى طلوع الشمس، وقال بعضهم إلى أن ترتفع الشمس، وعن الحسن بن علي: أنه كان لا يتكلم إلى أن ترتفع الشمس، وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في كتاب «البستان» أن السمر بعد العشاء مكروه عند البعض، قال: وهو الكلام لأجل المؤانسة، وفي شرح كتاب الصلاة لبعض المشايخ ذكر الكراهة ولم ينسبه إلى البعض، وروي عن رسول الله ﵇ أنه قال: «لا سمر بعد العشاء» والله أعلم.