هذا الفصل يشتمل على أنواع أيضًا.
نوع منه في تعليم الاغتسال
قال محمد ﵀: ويبدأ في غسل الجنابة بيديه، فيغسلهما ثلاثًا ثم يأخذ الإناء بيمينه ويفرغه على شماله حتى يغسل فرجه ثلاثًا وينقيه، وكذلك المرأة إذا اغتسلت بدأت وغسلت فرجها، ثم يتوضأ وضوء الصلاة غير غسل القدمين، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثًا، ثم يتنحى عن مغتسله فيغسل قدميه؛ فقد أمر بتأخري غسل القدمين في حق الجنب.
وقد اختلفت الروايات في فعل رسول الله ﵇، روت عائشة ﵂ «أن رسول الله ﷺ، غسل القدمين في الوضوء»، وروت ميمونة «أنه ﵇ لم يغسل القدمين في الوضوء، بل أخره إلى ما بعد الاغتسال»، وعلماؤنا ﵏ أخذوا برواية ميمونة، لأن غسل القدمين قبل إفاضة الماء على رأسه لا يقبل؛ لأن قدميه في مستنقع الماء المستعمل، فيتنجس ثانيًا وثالثًا بوصول الماء المستعمل إليه فلا يفيد الاغتسال في الوضوء، حتى لو أفاد بأن كان قائمًا على حجر أو لوح لا يؤخر غسل القدمين عن الوضوء، ثم أشار ههنا إلى مسح الرأس في الوضوء، فإنه قال: يتوضأ وضوءه للصلاة، والوضوء اسم يشمل المسح والغسل جميعًا، وهو ظاهر المذهب.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يمسح برأسه في وضوئه؛ لأنه قد لزمه غسل الرأس، وفرضية المسح لا تظهر عند وجوب الغسل، والصحيح أن يمسح برأسه، فقد روت عائشة وميمونة ﵄ في بيان كيفية اغتسال رسول الله ﵇ أن رسول الله ﵇ «توضأ وضوءه للصلاة ثم أفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثًا» .
واسم الوضوء مشتمل على الغسل والمسح جميعًا، وما قال من المعنى ليس
[ ١ / ٧٨ ]
بصحيح لأن تقديم الوضوء على الإفاضة يقع سنة لا فرضًا ليقال فرضيته لا تظهر مع فرضية الغسل، وإن أفاض الماء على رأسه مرة واحدة تجزئه، وهذا الترتيب الذي ذكرنا مذكور في «الأصل» .
وفسر في «النوادر» فقال في موضع: يتوضأ وضوءه للصلاة، ولا يغسل قدميه ثم يبدأ بمنكبه الأيمن فيفيض الماء عليه ثلاثًا بمنكبه الأيسر ويفيض الماء عليه ثلاثًا، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثًا، ثم يتنحى فيغسل قدميه.
قال في «المعلى»: وقال أبو حنيفة ﵀: من اغتسل من الجنابة فليس عليه أن يضع في عينيه الماء.
قال في «الأصل»: والدلك في الاغتسال ليس بشرط عندنا، خلافًا لمالك؛ لأن الواجب بالنص التطهير، فاشتراط الدلك يكون زيادة على النص. وفي «المنتقى»: وقال أبو يوسف ﵀ في «الأمالي»: الدلك في الغسل شرط.
وإذا اغتسلت المرأة من الجنابة ولم تنقض رأسها إلا أنه بلغ الماء أصول شعرها وأبلها وإنه جائز بلا خلاف أجزأها، هكذا ذكر في «الأصل» .
واعلم أن ههنا فصلان: أحدهما: إذا بلغ الماء إلى (أصول الشعر) لما روي أن أم سلمة سألت رسول الله ﵇ وقالت: «إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضها إذا اغتسلت؟ فقال: لا»، وفي حديث جابر أن النبي ﵇ قال: «لا يضر الجنب والحائض أن ينقض الشعر إذا اغتسل بعد أن يصل الماء سور الشعر»، أي: أصول الشعر. وقالت عائشة ﵂: «كنت أنا ورسول الله ﵇ نغتسل من إناء واحد، وكان لا ينقض شعري» .
وأما إذا بلغ الماء أصول شعرها ولكن لم يدخل شعب عقاصها فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يجزئها لقوله ﵇: «تحت كل شعرة جنابة، ألا فبلوا الشعر» ولم يوجد بلّ الشعر ههنا.
وعن عبيد الله بن عمر أنه كان يأمر جواريه بنقض شعورهن عند الاغتسال من الحيض والجنابة، ويؤيد هذا القول ما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: تبل ذوائبها ثلاثًا، مع كل بلة عصرة، وفائدة اشتراط العصر أن يصل الماء تحت قرونها.
سئل الفقيه أحمد بن إبراهيم عن هذه المسألة فروى عن رسول الله ﵇ أنه
[ ١ / ٧٩ ]
علم أم سلمة الاغتسال، وقال لها: «احثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء مع كل حثية عصرة» قال: وفائدة اشتراط العصرة أن يبلغ الماء تحت قرونها، قاله الراوي عن الفقيه على أهل المجلس يذكر هذه المسألة.
وقال بعضهم: يجزئها لظاهر ما روينا من حديث أم سلمة وجابر وعائشة، ولأنها إذا نقضت شعرها احتاجت إلى الضفر ثانيًا وقال: فليحقها بذلك حرج وربما يتأثر بذلك شعرها، وفيه فساد، بخلاف اللحية لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى أثناء اللحية، فيجب إيصال الماء إليه حتى إن المرأة إذا كانت لا تتحرج في إيصال الماء إلى أثناء الشعر بأن كانت منقوضة الشعر يفرض عليها إيصال الماء إلى أثناء الشعر، هكذا حكي عن الفقيه أبي جعفر ﵀. وتأويل حديث جابر على هذا القول أن المراد منه إذا لم تكن منقوضة الشعر.
وأما الرجل إذا كان على رأسه شعر وقد ضفره كما يفعله العلويون والأتراك هل يجب عليه إيصال الماء إلى أثناء الشعر؟ فظاهر حديث جابر يدل على أنه لا يجب، وذكر الصدر الشهيد ﵀ أنه يجب، والاحتياط في إيصال الماء إليه، والله أعلم.
وسئل نجم الدين النسفي ﵀ عن امرأة تغتسل من الجنابة هل تتكلف لإيصال الماء إلى ثقب القرط، قال: إن كان القرط فيه وتعلم أنه لا يصل الماء إليه من غير تحريك فلا بد من التحريك كما في الخاتم، وإن لم يكن القرط فيه إن كان لا يصل الماء إليه لا تكلف، وكذلك إن انضم ذلك بعد نزع القرط وصار بحيث لا يدخل القرط فيه إلا بتكلف لا تتكلف أيضًا، وإن كان بحيث لو أمرَّت الماء عليه دخله، ولو عدلت لم يدخله أمرت الماء عليه حتى يدخله، ولا تتكلف إدخال شيء فيه سوى الماء من خشب أو نحوه لإيصال الماء إليه.
الأقلف إذا اغتسل من الجنابة ولم يدخل الماء داخل الجلدة جاز؛ لأنها خلقة، وقال في الأقلف إذا خرج بوله من طرف ذكره حتى صار في قلفته فعليه الوضوء.
ذكر القاضي الإسبيجابي هاتين المسألتين على هذا الوجه في «شرحه» وكل
[ ١ / ٨٠ ]
واحدة ترد إشكالًا على الأخرى، والجواب في هاتين المسألتين على هذا الوجه منقول عن ابن سلمة ﵀، وذكر في آخر «النوادر» قبيل باب التأويلات عن الفقيه أبي بكر ﵀ أن الأقلف إذا لم يدخل الماء داخل الجلدة، ففي الغسل لا يجزئه، وفي الوضوء يجزئه، وجعله كالمضمضة والاستنشاق والله أعلم.
نوع منه فى بيان فرائضه وسننه
والفرض فيه أن يغسل جميع بدنه ويتمضمض ويستنشق، والمضمضة والاستنشاق فرضان في الغسل، نفلان في الوضوء، والأصل فيه قوله ﵇: «تحت كل شعرة جنابة فبلوا الشعرة والبشرة»، وفي الأنف شعر وفي الفم بشرة. قال ابن الأعرابي: البشرة اسم لجلدة تقي اللحم من الأذى، ولأن الأنف والفم عضوان يمكن إيصال الماء إليهما من غير حرج، فيجب في الغسل عن الجنابة كما في سائر الأعضاء وهذا لأن الواجب تطهير البدن، قال الله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ (المائده:٦) واسم البدن يتناول الكل إلا ما لا يمكن إيصال الماء إليه يسقط اعتباره لمكان الضرورة، فأما إذا أمكن إيصال الماء إلى هذين العضوين من غير حرج لا ضرورة إلى إسقاط اعتبارهما. أما في الوضوء الواجب غسل الوجه، والوجه اسم لما يواجه الناظر، والمواجهة لا تقع بباطن الفم والأنف.v
وتقديم الوضوء على الاغتسال في الجنابة سنة، وليس فرضًا عند علمائنا ﵏، حتى إنه لو لم يتوضأ وأفاض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثًا أجزأه إذا كان قد تمضمض واستنشق.
رجل اغتسل من الجنابة ولم يتمضمض، إلا أنه شرب الماء، هل يقوم شرب الماء مقام المضمضة؟ كان الفقيه أحمد بن إبراهيم يقول لعمرو هكذا كان جواب الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ (٩ب١) حسب ما بلغ: إذا تمضمض يجوز، وما لا فلا، وبنحوه روى الحاكم الشهيد ﵀ في «المنتقى» عن محمد، والذي روي عنه جنب شرب الماء قال: إن كان الشرب أتى على جميع فمه يجزئه عن المضمضمة، وإن كان مص الماء مصًا، فلم يأت على جميع فمه لم تجزئه عن المضمضمة.
[ ١ / ٨١ ]
وفي «نوادر هشام»: جنب تمضمض وأدار الماء، قال: إن أصاب ذلك الفم كله أجزأه قال هشام: قلت لمحمد ﵀: إن أبا يوسف قال: لا يجزئه إلا أن يمجه، قال محمد: قال أبو يوسف: يجزئه إذا أصاب الفم كله، وعن بعض مشايخنا: إن الرجل إذا كان عالمًا لا يجزئه، وإن كان جاهلًا أجزأه، فإنه إذا كان عالمًا يمص الماء مصًا، وليس فيه مبالغة، فلا يصل الماء إلى جميع فمه، وإذا كان جاهلًا يغب الماء غبًا والتقريب ما ذكرنا. وفي «واقعات الناطفي»: أنه لا يجزئه كيف ما شرب ما لم يمجه.
وإذا اغتسل من الجنابة وبقي بين أسنانه طعام ولم يصل الماء تحته جاز؛ لأن ما بين الأسنان رطب، فلا يمنع وصول الماء إلى ما تحته، وذكر الناطفي في «واقعاته» أنه لا يجزئه ما لم يقلع ذلك الطعام ويجري الماء عليه.
وإذا كان على ظاهر بدنه جلد سميك أو خبز ممضوغ قد جف واغتسل ولم يصل الماء إلى ما تحته، لا يجوز ولو كان مكانه خرء ذباب أو برغوث وباقي المسألة بحالها جاز، وقد مر هذا في فصل الوضوء.
والمرأة إذا عجنت وبقي العجين في ظفرها فاغتسلت من الجنابة لم يجز، ولو بقي الدرن جاز يستوي فيه القروي والمدني عند عامة المشايخ وهو الصحيح، وقد مرت هذه المسألة في فصل الوضوء أيضًا، وذكرنا ثمة قول الإمام الزاهد الصفار ﵀.
نوع منه فى بيان أسباب الغسل
فنقول أسباب الغسل ثلاثة: الجنابة، والحيض، والنفاس، وهذا النوع لبيان الغسل عن الجنابة وأحكامها، ومسائل الحيض والنفاس تأتي في آخر الباب في فصل على حدة إن شاء الله تعالى فنقول: الجنابة تثبت بشيئين:
أحدهما: انفصال المني عن شهوة، والثاني: الإيلاج في الآدمي، واختلفت عبارة أصحابنا ﵏ في الإيلاج الذي تثبت به الجنابة، فالمروي عن محمد ﵀: أنه إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة إنه يجب الغسل، والمروي عن أبي يوسف أنه إذا توارت الحشفة في قبل أو دبر من الآدمي يجب الغسل على الفاعل والمفعول به أنزل أو لم ينزل.
والكرخي في «كتابه» يقول في الإيلاج في أحد السبيلين: إذا توارت الحشفة يوجب الغسل على الفاعل والمفعول به أنزل أو لم ينزل، وهذا هو المذهب لعلمائنا ﵏، فوجوب الغسل عند علمائنا ﵏ غير مقصور على التقاء الختانين، فإن الإيلاج في الدبر يوجب الغسل عليهما بالإجماع، وإن لم يوجب التقاء الختانين والإيلاج في البهيمة لا يوجب الغسل إلا بالإنزال؛ لأنه ناقص في قضاء الشهوة، فأشبه الاستمتاع بالكف، وذلك لا يوجب الغسل بدون الإنزال كذا ههنا.
الإيلاج في الميتة بمنزلة الإيلاج في البهائم لا يوجب الغسل ما لم ينزل والإيلاج في الصغيرة التي لا يجامع مثلها لا يوجب الغسل، هكذا ذكر في «الأجناس»، وفي «شرح الشافي» في كتاب الحدود أن عليه الغسل وإن لم ينزل.
[ ١ / ٨٢ ]
وفي «الفتاوى»: إذا أتى امرأته وهي بكر، فلا غسل عليه ما لم ينزل، لأن البكارة تمنع من التقاء الختانين وبدونه لا يجب الغسل ما لم ينزل، كذلك لا غسل عليها لانعدام السبب في حقها، وكذلك إذا كانت ثيبًا ولم يوار الحشفة، فلا غسل عليه ما لم ينزل ولا غسل عليها أيضًا لما قلنا، وقال محمد ﵀: في البكر إذا جومعت فيما دون الفرج فدخل من مائه فرجها: فلا غسل عليها؛ لأن الغسل إنما يجب بالتقاء الختانين أو بنزول الماء ولم يوجد واحد منهم حتى لو حبلت يجب الغسل لنزول مائها.
غلام ابن عشر سنين جامع امرأته البالغة، فعليها الغسل لوجود السبب في حقها وهو مواراة الحشفة بعد توجه الخطاب، ولا غسل على الغلام لعدم الخطاب إلا أنه يؤمر بالغسل تخلقًا واعتبارًا كما يؤمر بالصلاة تخلقًا واعتبارًا، ولو كان الرجل بالغًا والمرأة صغيرة يجامع مثلها، فعلى الرجل الغسل، ولا غسل عليها لوجود السبب في حقه وانعدام السبب في حقها، وجماع الخصي يوجب الغسل على الفاعل والمفعول به لوجود السبب هو مواراة الحشفة.
والكافر إذا أجنب ثم أسلم ففي وجوب الغسل عليه اختلاف المشايخ، قال بعضهم يجب، وإليه أشار محمد ﵀ في «السير الكبير»، والمذكور في «السير»: وينبغي للرجل إذا أسلم أن يغتسل غسل الجنابة، وعلل فقال؛ لأن المشركين لا يغتسلون من الجنابة ولا يدرون كيف الغسل في ذلك، وإنما أراد بما قال والله أعلم: إن من المشركين من لا يدين الاغتسال من الجنابة، ومنهم من يدين كقريش وبنو هاشم عامتهم توارثوا من إسماعيل ﵇ إلا أنهم لا يدرون كيفيته، فكانوا لا يتمضمضون ولا يستنشقون، وهما فرضان ألا ترى فرضية المضمضمة والاستنشاق في الاغتسال قد خفي على كثير من العلماء، فكيف على الكفار.
على (أن) ما أشار إليه في «الكتاب» لا يخلو عن أحد شيئين: لا إما يغتسلون عن الجنابة أو يغتسلون عنها، ولكن لا يدرون كيفيتها وأي ذلك ما كان يؤمرون بالاغتسال بعد الإسلام لبقاء حكم الجنابة.
ثم فيما ذكر محمد ﵀ بيان أن صفة الجنابة تتحقق في حق الكفار عند وجود سببها، وبه تبين أن ما ذكر بعض مشايخنا أن الغسل بعد الإسلام مستحب، وذلك في حق من لم يكن قبل ذلك أجنب، وبه تبين أن ما قال بعض المشايخ بأن الجنابة في حق الكفار لا توجب الاغتسال بعد الإسلام لأن الكفار غير مخاطبين، غير سديد.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ؛ لأن الكفار هل يخاطبون بالشرائع أو لا يخاطبون بها؟ فمن قال: يخاطبون بها، يقول: الغسل يجب عليه في حال كفره ولهذا لو أتى به يصح، وهذا ظاهر، ومن قال بأنهم لا يخاطبون بها، لا ينبغي أن يقول: بوجوب الغسل بعد الإسلام، ولذلك وجهان:
[ ١ / ٨٣ ]
أحدهما: أن الاغتسال لا يجب بالجنابة ليقال إنه وقت وجوب الاغتسال غير مخاطب في الشرائع، إنما وجوبه بإرادة الصلاة وهو جنب كما أن الوضوء لا يجب بالحدث، وإنما يجب بإرادة الصلاة وهو محدث، قلنا: وهو عند إرادة الصلاة جنب مسلم، فلذلك يلزمه الاغتسال.
والثاني: أن صفة الجنابة مستدامة، فاستدامتها بعد الإسلام كإنشائها، ولهذا قلنا: لو انقطع دم الحيض قبل أن تسلم ثم أسلمت لا يلزمها الاغتسال؛ لأنه لاستدامة للانقطاع حتى يجعل دوامه كابتدائه، فلم يوجد سبب وجوب الاغتسال في حقها بعد الإسلام لا حقيقة ولا حكمًا، فلا يلزمها الاغتسال. فظهر الفرق على هذا المعنى بين الكافر إذا أجنب ثم أسلم وبين الكافرة إذا حاضت وانقطع دمها ثم أسلمت. هذا هو الكلام في طرف الإيلاج.
جئنا إلى طرف انفصال المني؛ يجب أن يعلم بأن المني ماء دافق خاثر أبيض ينكسر منه الذكر هو المذكور في عامة الكتب، وزاد في «الشافي»: ويخلق منه الولد، فمتى كان حركته * يعني مفارقته عن مكانه * وخروجه عن شهوة، سواء كان بمس أو نظر أو فكرة، أو ما أشبه ذلك من الملاقاة وغيرها يجب الغسل بلا خلاف، ومتى كان مفارقته عن مكانه وخروجه لا عن شهوة لا يوجب الغسل عند علمائنا المتقدمين وعامة مشايخنا المتأخرين.
وحكي عن عيسى بن أبان ﵀ أنه قال: يجب الغسل بخروج المني على كل حال، وهو قول الشافعي: حتى إن من حمل شيئًا، فسبقه المني، فلا غسل عليه عند علمائنا المتقدمين وعامة المتأخرين، خلافًا لعيسى والشافعي. وكذلك الرجل إذا أصاب (١٠أ١) الضرب ظهره فسبقه المني لا غسل عليه عند عامة علمائنا المتقدمين، وعامة المتأخرين خلافًا لعيسى والشافعي.
ومتى كان مفارقته عن مكانه عن شهوة وخروجه لا عن شهوة، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله يجب الغسل، وعلى قول أبي يوسف لا يجب الغسل، فالعبرة عند أبي حنيفة ومحمد لانفصال المني عن مكانه على وجه الدفق والشهوة، لا لظهوره على وجه الشهوة، وعند أبي يوسف العبرة لخروجه وظهوره على وجه الشهوة. وثمرة الخلاف تظهر في مسائل:
إحداها: إذا استمتع بالكف فلما انفصل المني عن مكانه عن شهوة أخذ بإحليله حتى سكنت شهوته ثم خرج المني، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد يجب الغسل، خلافًا لأبي يوسف.
الثانية: إذا جامع امرأته فيما دون الفرج ثم انفصل المني عن مكانه عن شهوة أخذ بإحليله حتى سكنت شهوته ثم خرج المني، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد يجب الغسل، خلافًا لأبي يوسف.
الثالثة: إذا احتلم فلما انفصل المني عن مكانه عن شهوة استيقظ وأخذ بإحليله حتى انكسرت شهوته ثم خرج المني.
[ ١ / ٨٤ ]
الرابعة: إذا جامع امرأته واغتسل قبل أن يبول ثم سال منه بقية المني وجب الغسل عندهما، وكذلك إذا خرج مذي، وأجمعوا على أنه إذا بال ثم اغتسل أو نام ثم خرج المني أنه لا غسل عليه.
وفي «الأجناس»: لو جامع واغتسل قبل أن يبول وصلى، ثم بال فإنه يعيد الغسل عندهما ولا يعيد الصلاة بلا خلاف، وإذا بال فخرج من ذكره مني، فإن كان ذكره منتشرًا فعليه الغسل، وإن كان منكسرًا فعليه الوضوء.
وفي «مجموع النوازل»: المرأة؛ إذا اغتسلت بعدما جامعها زوجها ثم خرج منها مني الزوج، فعليها الوضوء دون الغسل؛ لأن الخارج ليس ماءها بل هو حدث.
ومما يتصل بطرف خروج المني مسائل الاحتلام
إذا استيقظ الرجل ووجد على فراشه بللًا وهو يذكر احتلامًا، إن تيقن أنه مني أو تيقن أنه مذي أو شك أنه مني أو مذي، فعليه الغسل، وليس في هذا إيجاب الغسل بالمذي بل فيه إيجاب الغسل بالمني؛ لأن سبب خروج المني قد وجد وهو الاحتلام، فالظاهر خروجه إلا أن طبع المني الرقة بإطالة المدة، فالظاهر أنه مني إلا أنه رق قبل أن يستيقط، وإن تيقن أنه ودي لا غسل عليه.
وإن رأى بللًا إلا أنه لم يتذكر الاحتلام، فإن تيقن أنه (مذي) لا يجب الغسل؛ لأن سبب خروج المني ههنا لم يوجد، فلا يمكن أن يقال بأنه مني ثم رق لطول المدة، بل هو مذي حقيقة، والمذي لا يوجب الغسل وإن شك أنه مني أو مذي، قال أبو يوسف ﵀: لا يوجب الغسل حتى يتيقن بالاحتلام، وقالا يجب الغسل، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀.
وإذا تذكر الاحتلام ولم ير بللًا فلا غسل عليه لظاهر قوله ﵇: «من احتلم ولم ير بللًا فلا شيء عليه»، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: ذكر هشام في «نوداره» عن محمد ﵀: إذا استيقظ الرجل فوجد البلل في إحليله ولم يذكر حلمًا إن كان ذكره منتشرًا قبل النوم، فلا غسل عليه، إلا إذا تيقن أنه مني، وإن كان ذكره ساكنًا قبل النوم فعليه الغسل، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: هذه المسألة يكثر وقوعها والناس عنها غافلون، فيجب أن تحفظ.
إذا نام الرجل قاعدًا أو قائمًا أو ماشيًا ثم استيقظ ووجد بللًا فهذا وما لو نام مضطجعًا سواء، وإذا احتلم الرجل وانفصل المني عن مكانه إلا أنه لم يظهر على رأس الإحليل، فلا غسل عليه، لأن الخروج بهذا لا يتحقق، ألا ترى أنه لا يلزمه الوضوء بنزول البول إلى هذا الموضع.
[ ١ / ٨٥ ]
المرأة إذا احتلمت، ولم تر بللًا روي عن محمد ﵀ في غير رواية الأصول أنها إذا تذكرت الاحتلام والإنزال والتلذذ فعليها الغسل وإن لم تر بللًا، وبه أخذ بعض المشايخ، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: ولا يؤخذ بهذه الرواية؛ لأن النساء يقلن: إن مني المرأة يخرج من الداخل كمني الرجل، وفي ظاهر الرواية: أنه يشترط الخروج من الفرج الداخل إلى الفرج الظاهر لوجوب الغسل، حتى لو انفصل منها عن مكانه ولم يخرج عن الفرج الداخل إلى الفرج الخارج لا غسل عليها، وبه كان يفتي الفقيه أبو جعفر، والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمة الله عليهما.
وفي «صلاة ابن عبد الله»: امرأة قالت حتى يأتيني في النوم مرارًا وأجد في نفسي ما أجد لو جامعني زوجي، وذكر (وجب) أنه غسل عليها.
رجل وامرأة ناما واستيقظا وجدا منيًا بينهما وكل واحد منهما ينكر الاحتلام وينكر أن المني منه، كان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ يقول: بوجوب الغسل عليهما وهو الاحتياط، ومن المشايخ من قال: إن (كان) ذلك الماء غليظًا أبيض فهو من الرجل، وإن كان رقيقًا أصفر فهو من المرأة، ومنهم من علل إن وقع طولًا فهو من الرجل وإن وقع مدودًا فهو من المرأة.
الرجل إذا صار مغشيًا عليه ثم أفاق ووجد مذيًا على فخذه أو ثيابه، فلا غسل عليه، وكذلك السكران إذا أفاق ووجد مذيًا على فخذه أو ثوبه، فلا غسل عليه، وليس هذا كالنوم والله تعالى أعلم.
نوع منه فى سبب وجوب الاغتسال
اختلف المشايخ في سبب وجوب الاغتسال، قال بعضهم: سبب وجوبها الجنابة، وقال بعضهم: سبب وجوبها إرادة ما حرم عليه بسبب الجنابة، وسيأتي بيان ما حرم عليه بسبب الجنابة في النوع الذي يلي هذا النوع.
قال محمد ﵀ في «الأصل»: أدنى ما يكفي في غسل الجنابة من الماء صاع لحديث جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ «كان يغتسل بالصاع، فقيل له: إن لم يكف؟ فغضب قال: لقد كفى من هو خير منكم، وأكثر شعرًا» والصاع ثمانية أرطال، كل رطل نصف مَنّ، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: الصاع خمسة أرطال وثلث رطل، وهو قول الشافعي، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الصوم إن شاء الله، وهذا التقدير لماء الإفاضة فإن أراد تقديم الوضوء زاد مدًا، وكل ذلك ليس بتقدير لازم بل يستعمل من الماء بقدر ما يقع عنده أنه حصل التطهير، ولا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد لحديث عائشة ﵂ قالت: «كنت أنا ورسول الله ﵇ نغتسل من إناء واحد، وكنت أقول له: أبقِ لي
[ ١ / ٨٦ ]
وهو يقول لي: أبقِ لي» .
وإذا أجنبت المرأة ثم أدركها الحيض فهي بالخيار إن شاءت اغتسلت؛ لأن فيه زيادة تنظيف وإزالة أحد الحدثين، وإن شاءت أخرت الاغتسال حتى تطهر؛ لأن الاغتسال للتطهير حتى تتمكن من أداء الصلاة، ألا ترى أن الجنب إذا أخر الاغتسال إلى وقت الصلاة لا يأثم، دل أن المقصود من الطهارة الصلاة، ومن لا يتمكن من الصلاة، فكان لها أن لا تغتسل.
وفي صلاة «فتاوى أبي الليث»: ثمن ماء الاغتسال على الزوج، وكذا ماؤها عليه غنية كانت أو فقيرة. وفي وصايا الطحاوي: روي عن محمد بن سلمة أن على الزوج الماء الذي تغسل المرأة (به) ثوبها أو بدنها من الوسخ، وليس عليه أن يشتري لها ماء الوضوء والغسل كما لا يلزمه الدواء، قال محمد: وهكذا قول أصحابنا ﵏، وقد قيل: ينبغي أن يجب عليه ماء الاغتسال، ولا يجب عليه ماء الوضوء؛ لأنه سبب لوجوب الاغتسال عليها، وليس سببًا لوجوب الوضوء عليها، بل وجوب الوضوء بإيجاب الله تعالى، وينبغي للجنب أن يدخل أصبعه في سرته إلا إذا علم أنه يصل الماء إليها من غير إدخال الأصبع، فحينئذٍ لا يلزمه ذلك.
المرأة إذا أجنبت ثم أدركها الحيض أو الحائض إذا أجنبت ثم طهرت حتى وجب عليها الاغتسال، فهذا الاغتسال يكون من الجنابة أو الحيض؟ حكي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي محمد عبد الرحيم بن محمد الكرميني ﵀ أنه كان يقول: اختلفت عبارات أصحابنا ﵏: وظاهر الجواب أن الاغتسال يكون منهما جميعًا. وقال أبو عبد الله الجرجاني: يكون من الأول، ولا يكون من الثاني، وكذلك الرجل إذا رعف ثم بال، فإن الوضوء يكون من الأول لا من الثاني على قوله (١٠ب١) وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀: إن كانا من جنسين متحدين يكون من الأول لا من الثاني، كما إذا بال ثم بال أما إذا كانا من جنسين مختلفين، فإنه يكون منها جميعًا، كما إذا رعف ثم بال.
وروي عن خلف بن أيوب أنه كتب إلى محمد بن الحسن ﵀ يسأله عمن رعف ثم بال إن الوضوء يكون من الثاني أو من الأول؟ فكتب إليه أن الوضوء يكون منهما، ولهذا روي عن أبي حنيفة ﵀ في غير رواية الأصول أن الوضوء يكون منهما جميعًا.
وثمرة الخلاف إنما تظهر بمسألة، وصورتها: إذا قال الرجل: إن توضأت من الرعاف فامرأته طالق، فرعف ثم بال ثم توضأ، فإنه يقع الطلاق عليها على الأقوال كلها أما على أبي عبد الله الجرجاني؛ لأنه وجد الرعاف أولًا، وأما على قول الفقيه أبي جعفر وهو رواية عن أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله، فلأن الوضوء منهما، وأما إذا بال ثم
[ ١ / ٨٧ ]
رعف ثم توضأ، فعلى قول أبي عبد الله الجرجاني لا يقع الطلاق عليها في هذه الصورة لأن شرط وقوع الطلاق عليها الوضوء من الرعاف والوضوء ههنا وقع من البول عنده، ولأنه هو الأول وعلى الأقوال الأخر يقع الطلاق؛ لأن على الأقوال الأخر الوضوء منهما.
قال الشيخ الإمام الزاهد عبد الرحيم ﵀: كنا نقول: الوضوء يكون بأغلظها حتى إن الرجل إذا رعف ثم بال فالوضوء يكون منهما لاستوائهما، فأما إذا رعف ثم أجنب أو بال ثم أجنب فالوضوء الذي يكون في الاغتسال من الجنابة لأنها أغلظ. ثم وجدنا رواية أبي حنيفة: أن الوضوء منهما. فرجعنا عن ذلك وأخذنا بقول أبي حنيفة والله أعلم.
ذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه»: أن الاغتسال على أحد عشر نوعًا، خمسة منها فريضة: الاغتسال من الحيض والنفاس، ومن التقاء الختانين، وغيبوبة الحشفة، ومن الاحتلام إذا أنزل، ومن إنزال المني عن شهوة دفعًا.
وأربعة منها سنّة: غسل يوم الجمعة وفي العيدين، والغسل يوم عرفة عند الإحرام. وواحد منها واجب وهو غسل الميت حتى لا تجوز الصلاة عليه قبل الغسل، والآخر مستحب وهو الكافر إذا أسلم، يريد بها: إذا لم يجنب قبل الإسلام فإنه يستحب له أن يغتسل.
وههنا فصل آخر، أن الكافرة إذا أسلمت بعدما انقطع دم الحيض والنفاس فإنه يستحب لها أن تغتسل، ولا يجب عليها ذلك، وإن كان انقطاع الدم بعد الإسلام فرض عليهم الغسل.
والكافر إذا أجنب قبل الإسلام فقد ذكرنا أن في وجوب الغسل عليه اختلاف المشايخ، وذكرنا أن الصحيح أنه يجب وفرقنا بين الحيض وبين النفاس. وههنا فصلان آخران: أحدهما: الصبي إذا بلغ بالاحتلام. والثاني: الصبية إذا بلغت بالحيض هل يجب عليهما الغسل؟ وفي الفصلين جميعًا اختلاف المشايخ والاحتياط في القول بالوجوب والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل بيان أحكام الجنابة
وإنها كثيرة: منها حرمة الصلاة لقوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ (النساء: ٤٣) .
ومنها دخول المسجد وإنها ثابتة بالسنّة عندنا وهو قوله ﵇: «إني لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» . وعند الشافعي بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ (النساء: ٤٣) حتى يجوز له الدخول في المسجد عنده على سبيل العبور دون القعود.
وعندنا لا يجوز له الدخول في المسجد أصلًا لا للعبور ولا للقعود لأنه لا فصل
[ ١ / ٨٨ ]
في السنة، والمراد من قوله تعالى: ﴿إلا عابري سبيل﴾ عندنا: المسافرون. سمّاهم الله تعالى بهذا الاسم لعبورهم على السبيل، كما أن المسافر يشبه ابن السبيل في المرور في السبيل.
ومنها حرمة الطواف بالبيت؛ لأن البيت في المسجد، ولا يحل له الدخول في المسجد فلا يحل له الطواف ضرورة. ومنها حرمة قراءة القرآن، فقد روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمكان نهى الجنب عن قراءة القرآن. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمكان لا يحجزه شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة، الآية وما دونها في تحريم القراءة سواء عند الكرخي؛ لأن الكل قرآن. وقيد الطحاوي حرمة القراءة بآية تامة؛ لأن المتعلق بالقراءة حكمان: أحدهما: جواز الصلاة به، والثاني: حرمة القراءة على الجنب في أَحَد حكمين وهو جواز الصلاة يفصل بين الآية وما دونها. /
فكذلك في الحكم الآخر وهو حرمة القراءة على الجنب، وهذا إذا قصد القراءة، فإن لم يقصدها فلا بأس به نحو قوله: الحمد لله، على سبيل الشكر. وكذلك إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم إن قصد القراءة يكره، وإن قصد به افتتاح الكلام لا يكره، وكذلك إذا ذكر دعاء في القرآن وهو آية تامة يريد به الدعاء لا يكره.
ولا يكره له قراءة دعاء القنوت في ظاهر مذهب أصحابنا لأنه ليس بقرآن. وعن محمد ﵀ أنه يكره لأنه قرآن عند بعض الصحابة. ولا يكره التهجي بالقرآن لأن التهجي بالقرآن ليس بقراءة القرآن. ويكره له قراءة التوراة والزبور والإنجيل. ذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «الفتاوى»: ولا يمس المصحف ولا اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن ولا الدرهم المكتوب (عليه) سورة الإخلاص لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (الواقعة: ٧٩) .
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلّمإلى بعض القبائل: «لا يمس القرآن حائض ولا جنب» . وكما لا يحل له مس الكتابة لا يحل له مس البياض وإن مسّ المصحف بغلافه فلا بأس به. والكلام في الغلاف في حق الجنب نظير الكلام فيه في حق المحدث. وإذا مسه بكمه أو ذيله فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في المحدث.
وإذا أراد أن يغسل الفم ويقرأ القرآن أو يغسل اليد ويمس المصحف، فإنه لا يحل له القراءة والمس لأن الجنابة لا تتجزأ زوالًا كما لا تتجزأ ثبوتًا. ويكره مسّ كتب التفسير ومس كتب الفقه وما هو من كتب الشريعة، وقد ذكر هنا الوجه في حق المحدث، والمشايخ المتأخرون توسعوا في مس كتب الفقه.
[ ١ / ٨٩ ]
ويكره له كتابة القرآن عند محمد، وهو قول الشعبي ومجاهد وابن المبارك لأنه في حكم الماس للصحيفة. وبقوله أخذ الفقيه أبو الليث ﵀، وكذلك الفقيه أبو جعفر أفتى بقوله إلا أن يكون أقل من آية، وعن أبي يوسف أنه لا بأس به إذا كانت الصحيفة على الأرض؛ لأنه ليس بحامل للقرآن والكتابة توجد حرفًا حرفًا. وإذ أراد الجنب الأكل فينبغي له أن يغسل يديه ثم يتمضمض ثم يأكل والله أعلم.