ذكر في «المنتقى» عن محمد: إذا زرع رجلان بالنصف، والبذر من رب الأرض، أو من العامل، فأخرجت الأرض خمسة أوسق، ففيها العشر، وإن كان البذر منهما نصفين فلا عشر فيها، إلا أن يبلغ نصيب كل واحد منها خمسة أوسق.
وفيه عنه أيضًا: إذا كان للرجل زرع في أرض العشر، فمات قبل أن يحصد، فوزنه، وفرقه، ولا يصيب كل واحد منهم خمسة أوسق، ففيه العشر؛ لأن ملك الورثة بناءً على ملك المورث، فيعتبر كمال النصاب في حق المورث، وقد وجد.
وفيه أيضًا: أرض بين رجلين، أخرجت خمسة أوسق حنطة، فاقتسماها، أو لم يقسماها قال: يؤخذ منه العشر، ولو تهايأا على الأرض فزرع كل واحد منهما طائفة منها لم تكن على واحد منها عشر حتى تخرج له خمسة أوسق.
وفي «القدوري»: إذا أخرجت الأرض المشتركة خمسة أوسق، ففيها العشر في إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروي عنه أنه لا يجب، وهو قول محمد، والله أعلم.
ويؤخذ العشر من الأراضي العشرية إذا كان المالك مسلمًا صغيرًا كان، أو كبيرًا عاقلًا كان، أو مجنونًا، وكذلك يجب في أرض المكاتب، وفي أرض الوقف؛ لأن هذا حق مال يجب بسبب أرض نامي، فيجب على هؤلاء كالخراج، وهذا لأن معنى المؤنة في العشر أصل، ومعنى العبادة تبع لأنه تجب بسبب أرض نامية، ونماء الأرض لا يحصل إلا بمؤنة عظيمة تلحق المالك، فعلم أنه أوجب بطريق المؤنة.
ألا ترى أن الزكاة لا تجب بسبب الإبل العوامل؛ لأن منفعتها لا تحصل إلا بمؤنة عظيمة تلحق المالك وجب العشر بسبب الأرض النامي الذي لا يحصل نماؤه إلا بمؤونة عظيمة تلحق المالك، علمنا أن الشرع ألحقه بالمؤن، إلا أن معنى العبادة فيه تبع من حيث المصرف، فإنه يصرف إلى الفقراء، وإذا كان معنى المؤن فيه أصلًا كانت العبرة لمعنى المؤن، فيجب على هؤلاء كالخراج، وهذا بخلاف الزكاة؛ لأن الزكاة عبادة محضة ليس فيها معنى المؤن، أوجبت شكرًا على نعمة الغنى، ألا ترى أنها لا تجب بسبب الإبل العوامل التي لا تحصل منفعتها إلا بمؤنة عظيمة تلحق المالك؟ والمعنى لا يثبت للمالك بما في يده، ولهذا حلت له الصدقة، فلا تجب عليه الزكاة، ويجب العشر على المديون بخلاف الزكاة؛ وهذا لأن الدين إنما منع وجوب الزكاة لنقصان في الملك، إلا أن نقصان الملك لا يمنع وجوب العشر، ألا ترى أنه يجب العشر في أرض المكاتب.
وإذا استأجر أرضًا عشرية وزرعها، فالعشر على رب الأرض في قول أبي حنيفة،
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وقال أبو يوسف، ومحمد: يجب العشر على المستأجر، وأما المستعير إذا زرع، فعليه العشر دون صاحب الأرض، في ظاهر رواية أصحابنا.
وروى المبارك عن أبي حنيفة أنه أوجب على المستعير، فأبو حنيفة على رواية ابن المبارك. لا يحتاج إلى الفرق بين المستعير وبين الآجر، وعلى ظاهر الرواية يحتاج. ووجه الفرق أن الخارج سلم للمستأجر بعوض، وكأنه اشترى الزرع بعد الإدراك، ولا كذلك المستعير، فإن الخارج سلم له بغير عوض.
وأما الغاصب، إذا زرع فإن نقصت الزراعة الأرض غرم الغاصب النقصان، وعلى رب الأرض العشر عند أبي حنيفة؛ لأن ضمان النقصان بمنزلة الأجر، وإن لم توجب زراعته نقصانًا في الأرض، فالعشر على الغاصب، (١٤٧ب١) لا على رب الأرض استحسانًا؛ لأنه لم يسلم لرب الأرض الخارج لا بعينه، ولا بيد له، إنما سلم ذلك للغاصب، فتكون المؤن على الغاصب لا على رب الأرض، وعلى قول أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله: العشر على الغاصب، أوجب زراعته نقصانًا في الأرض، أو لم يوجب؛ لأن ضمان النقصان ليس بإزاء الخارج، بل بإزاء منفعة الأرض، فقد سلم الخارج للغاصب بغير عوض، فيكون الخراج عليه كما لو كان مستأجرًا، فإن في الإجارة العشر على المستأجر لأن الأجرة بإزاء منفعة الأرض لا بإزاء الخارج، كذا ههنا.
مسلم له أرض عشرية باعها من ذمي كان عليه الخراج عند أبي حنيفة، وعند محمد عليه عشر واحد كما كان، وقال أبو يوسف: عليه عشران.
محمد ﵀ يقول: هذه وظيفة تقدرت في الأراضي، فلا تتبدل بتبدل المالك قياسًا على الخراج حتى أن المسلم إذا اشترى أرضًا خراجيًا، يبقى خراجيًا كما كان، أكثر ما فيه أن العشر معنى العبادة، إلا أن معنى العبادة فيه تبع، فيمكننا إلغاؤه، ويبقى العشر من حيث إنه مؤنة.
وأبو يوسف يقول: هذا حق مالي وجب أخذه من الذمي، فيؤخذ ضعف ما يؤخذ من المسلم كما في المال الممرور به على العاشر، وأبو حنيفة يقول: يقدر لها العشر؛ لأن في العشر معنى العبادة، والكفر ينافي العبادة، وما يقول: بأنه يلغي معنى العبادة عينًا فاسد؛ لأنه لا يحتمل الإلغاء والإسقاط، فإن الإمام لو أخذ العشر، وأراد أن يصرف إلى المقابلة لا يحجز، ولو فعل ذلك لمصلحة رأى يصير دينًا ببيت مال العشر في بيت مال الخراج.
وهذا بخلاف ما لو اشترى مسلم أرضًا خراجيًا؛ لأن معنى العقوبة في الخراج يحتمل الإلغاء، ألا ترى أن الإمام لو أراد أن يصرف الخراج إلى الفقراء له ذلك؟ ولو فعل ذلك لمصلحة رأى لا يصير دينًا لبيت مال الخراج في بيت مال الزكاة، فيلغي معنى العقوبة، ويبقي الخراج باعتبار معنى المؤنة، أما هنا بخلافه، ثم اتفقت الروايات عن أبي يوسف: أن ما يؤخذ من العشر المضاعف يصرف إلى المقابلة، وعن محمد في صرف ما يؤخذ من العشر الواحد روايتان.
[ ٢ / ٣٣١ ]
في رواية: يصرف إلى المقابلة مصرف الخراج؛ لأن معنى العبادة لما لغى عنده، وبقي معنى المؤنة التحق هذا العشر بالخراج، فيصرف مصرف الخراج.
وفي رواية: يصرف مصرف الزكاة، فيصرف إلى الفقراء؛ لأن إسقاط معنى العبادة مع الصرف إلى الفقراء ممكن، فإن الإمام لو صرف الخراج إلى الفقراء يجوز، وإذا أمكن إلغاء معنى العبادة مع الصرف إلى الفقراء لا ضرورة إلى تغيير المصرف، ومصرف هذا المال كان هو الفقراء في الأصل، فيبقى مصروفًا إليهم كما كان، فإن أخذها مسلم بالشفعة، ففيها عشر واحد عندهم جميعًا، وهذا لا يشكل على قول محمد، وكذلك عند أبي يوسف؛ لأنه لو اشتراها من المشتري كان عليه عشر واحد عنده؛ لأن التضعيف لكفر المالك، فإذا اشتراه مسلم، أو أخذها بالشفعة، فقد عدم كفر المالك، فيسقط التضعيف.
إنما يشكل على قول أبي حنيفة؛ لأنه لو اشتراها من المشتري كان خراجيًا في حقه عنده، والأخذ بالشفعة شرعي، والوجه في ذلك: أن الأخذ بالشفعة مع أن خيار المشتري يمنع وقوع الملك للمشتري في المشترى عند أبي حنيفة، وتملك على المشتري من وجه، فإنه لو أخذها من المشتري ترجع حقوق العقد إليه، ولو كان تملكًا على المشتري من كل وجه يكون خراجيًا في هذه الصورة، ولو كان تملكًا على البائع من كل وجه يكون عشريًا في هذه الصورة، فإذا وقع كان فيهما الشك في كونه خراجيًا في هذه الصورة، ولو كان تملكًا على البائع من كل وجه يكون عشريًا أو عشريًا، وقد كان عشريًا، فيبقى على ما كان، ولو كان الذمي اشتراها من المسلم بشرط الخيار للبائع يفسخ البائع العقد بحكم الخيار، فإنها تكون عشرية في حقه، وكذلك إذا كان الخيار للمشتري فرده بحكم الخيار، فإنها تكون عشرية في حق البائع، وكذلك إذا كان الرد من المشتري بخيار الرؤية؛ لأن الرد بهذه الأسباب فسخ من كل وجه، فعاد الأرض إلى قديم ملك البائع، وإن كان الرد بالعيب بعد القبض، إن كان قضاء، فإنها تكون عشرية، وإن كان بغير قضاء، فهو عشرية في قول أبي يوسف ومحمد.
وفي قول أبي حنيفة هو خراجي؛ لأن الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء، فسخ في حق المتعاقدين عقد جديد في حق الثالث، والعشر والخراج ثالث، فصار في حقها كأن البائع اشتراها من المشتري ثانيًا، ولو اشتراها من المشتري ثانيًا كان خراجيًا عند أبي حنيفة؛ عشريًا عندهما كذا ههنا.
إذا كان للرجل أرض عشرية، فيها زرع قد أدرك، فباع الأرض مع الزرع، فالعشر يكون على البائع لا على المشتري؛ لأن العشر إنما يجب على من سلم له الحب بغير عوض، والحب سلم للبائع بغير عوض، فيكون العشر عليه.
وإن كان الزرع بقلًا، وباع الأرض مع الزرع، وأدرك الزرع، فالعشر على المشتري؛ لأن الحب ههنا سلم للمشتري بغير عوض؛ لأن الأرض على ملكه حين انعقد الحب، فيكون العشر عليه، هذا إذا باع الأرض مع الزرع.
فأما إذا باع الزرع دون الأرض، والزرع قصيل؛ فإن كان البيع بشرط أن قفصله
[ ٢ / ٣٣٢ ]
المشتري، فقصله، فالعشر على البائع؛ لأن الخارج سلم للبائع بغير عوض، فيكون العشر عليه، واعتبره ما لو قصله أولًا، ثم باعه، وهناك العشر على البائع، فقد أوجب العشر في الفصل مع أن القصيل في الحقيقة تبن، ولا عشر في التبن.
وفرق بين هذا، وبينما إذا أدرك الزرع، ثم هلك الحب، وبقي التبن، فإنه لا يجب في التبن شيء.
والوجه في ذلك: أن البائع لما قصل بنفسه، أو أمر المشتري بذلك، فهو الذي منع الحب من الانعقاد بعد وجود سببه، فيصير الحب بغير، فلا يمكن أن يجعل باقيًا في حقه، وما بقي تبن، والعشر لا يجب في التبن، وإن كان البيع مطلقًا من غير شرط، وترك الزرع حتى أدرك، فإن كان الترك بغير أجر ذكر في «الأصل»: أن العشر على المشتري، ولم يحك فيه خلافًا.
وذكر في «نوادر الزكاة» لأبي سليمان على قول أبي حنيفة: فالعشر على المشتري، وعلى قول أبي يوسف: يقدر القصيل على البائع، وما زاد على ذلك إلى أن أدرك على المشتري؛ لأن بعض الخارج سلم للبائع بغير عوض، وهو قدر القصيل، فيكون عشره عليه، وما زاد على قدر القصيل إلى أن أدرك سلم المشتري بغير عوض، فيكون عشره على المشتري، لأبي حنيفة ﵀ عن عشر الحب وجب على المشتري، وما وراء ذلك تبن، ولا عشر في التبن بعدما وجب على أحد، فجاز أن يجب عشر القصيل على البائع بالطريق الذي قلنا، أما هنا بخلافه.
هذا إذا ترك القصيل في الأرض بغير أجر، فأما إذا تركه بأجر إلى أن أدرك، قال أبو حنيفة: العشر على البائع، وقال أبو يوسف ومحمد: العشر على المشتري، والخلاف في هذا نظير الخلاف فيمن استأجر أرضًا عشرية، وزرعها، فعلى قول أبي حنيفة: العشر على الآجر، وعلى قولهما العشر على المستأجر.
وفي «المنتقى»: رجل له أرض (١٤٨أ١) عشرية فيها نخل، وفي النخل طلع، باع ذلك كله بما في النخل من التمر، قال أبو حنيفة: العشر على المشتري الذي يدرك ذلك في يده، وقال أبو يوسف: العشر على البائع في قيمة الطلع إلى أن باعه إن كان يبلغ ذلك خمسة أوسق، وعلى المشتري تمام ذلك من يوم اشتراه إلى حين يبلغ. قال: وعلى هذا الزرع، ولو باع الطلع وحده، وقبضه المشتري، فإن أبا حنيفة يقول: لا عشر في كل واحد منهما، وقال أبو يوسف: العشر فيه على البائع إلى يوم باعه إن كانت قيمته ذلك الوقت تبلغ خمسة أوسق، ولا الزيادة فيه بعد البيع، ولا عشر فيه على المشتري. قال الحاكم أبو الفضل: قد صح رجوع أبي يوسف عن ذلك إلى قول أبي حنيفة.
[ ٢ / ٣٣٣ ]