يجب أن يعلم أن المسبوق من لم يدرك أول الصلاة وبعض أحكامه من الإتيان بالثناء والإتيان بالتعوذ، والإتيان بالدعوات المشروعة بعد الفراغ من التشهد. وقيامه إلى قضاء ما سبق به قد مر في فصل ما يفعله المصلي في صلاته بعد الافتتاح، وما يتصل بذلك الفصل فلا يعد.
واللاحق من أدرك أول الصلاة إلا أنه لم يصل مع الإمام إما؛ لأنه نام أو؛ لأنه أحدث وذهب، ثم توضأ ثم عاد، وانتبه النائم، وقد صلى الإمام بعض الصلاة. ومن حكم المسبوق أنه يصلي أولًا ما أدرك مع الإمام، فإذا فرغ الإمام من صلاته يقضي ما سبق به، ومن حكم اللاحق أنه يصلي ما فاته أولًا مع الإمام، ثم يتابع الإمام فيما بقي، والمسبوق في الحكم كأنه منفرد، ولهذا كان عليه القراءة فيما يقضي.
ولو سهى فيما يقضي كان عليه السهو، واللاحق في الحكم كأنه خلف الإمام، ولهذا لا قراءة عليه فيما يصلي، ولا سهو عليه إن كان قد سهى.
وكان الشيخ الإمام الزاهد عبد الله الخيراخري يقول عن أصحابنا ﵏
[ ٢ / ٢٠٦ ]
تعالى: اجعلوا المسبوق فيما يقضي كالمنفرد، إلا في ثلاث مسائل، وقد ذكرنا ذلك عامة في الفصل السابع من هذا الكتاب، ذكرنا ثمة الفرق في فصل محاذاة المرأة بين المسبوق وبين اللاحق، وذكرنا الفرق بين نية اللاحق الإقامة، وهو في قضاء ما عليه، وقد فرغ الإمام من صلاته، وبين نية المسبوق الإقامة، وهو في قضاء ما عليه، وذكرنا أيضًا الفرق بين دخول اللاحق المصر، وبين دخول المسبوق المصر.
في فصل المسافر المسبوق إذا سلم مع الإمام ساهيًا، ومسح يديه على وجهه بعد السلام كما يفعل في العادة، ثم تذكر ليس له أن يبني، لأن مسح اليدين على الوجه عمل كثير من رآه يفعل ذلك يظنه خارج الصلاة، وهذا هو حد عمل الكثير، فيصير خارجًا من الصلاة، ويؤيده رواية مكحول النسفي عن أبي حنيفة أن من رفع يديه عند الركوع، أو عند رفع الرأس من الركوع تفسد صلاته، واعتبر عملًا كثيرًا.
وفي «نوادر أبي سليمان»: عن محمد رجل فاتته ركعة مع الإمام، ثم سلم الإمام فسهى الرجل، ولا يدري أفاتته الركعة، أو لا، ثم علم، فقام فقضاها فعليه السهو، وإن كان ذلك قبل سلام الإمام، فلا سهو عليه؛ لأن قبل سلام الإمام هو على المتابعة، فلا يعتبر سهوه، بخلاف ما بعد سلام الإمام.
والمسبوق إذا لم ينتظر سلام الإمام وقام وقرأ، وركع ثم سلم الإمام، وسجد للسهو رجع إليه فسجدها معه، وأعاد القراءة والركوع، ولا سهو عليه (١٢٥أ١) وإذا قام الإمام إلى الخامسة وتابعه المسبوق، إن كان الإمام قعد في الرابعة فسدت صلاة المسبوق. والمسبوق يسجد سجدتي السهو مع الإمام.
وكذا المقيم إذا كان مقتديًا بالمسافر يسجد للسهو مع الإمام، واللاحق لا يأتي بسجود السهو حتى يفرغ من صلاته، فإن يسجد المسبوق ولا المقيم المقتدي بالمسافر مع الإمام سجدا إذا فرغا من صلاتهما استحسانًا.
والقياس: أن لا يسجد لأنهما انتقلا من صلاة الإمام إلى غيرها وجه الاستحسان: أن التحريمة واحدة، فكانت صلاة واحدة فإن سجدا معه، ثم سهوا أعادا السهو، فإن لم يسجدا مع الإمام وسهوا، فعليهما سجدتان عن السهوين، فإن سهى الإمام ثم أحدث ثم استخلف رجلًا فالخليفة يأتي بسجود السهو بعد تمام صلاة الإمام، وإن سهى الثاني يسجد أيضًا، وإذا اجتمع سهو الأول وسهو الثاني كفاه سجدتان، وإن لم يسهو الأول وسهى الثاني يسجد أيضًا ويتابعه الأول في ذلك.
إن أدركه رجلان سبقا ببعض الصلاة، وقاما إلى قضاء ما سبق به، واقتدى أحدهما بالآخر، فسدت صلاة المقتدي؛ لأنه اقتدى في موضع الانفراد.
رجل اقتدى بالإمام في ذوات الأربع بعدما صلى الإمام بعض صلاته، فأحدث الإمام، وقدم هذا الرجل، والمقتدي لا يدري كم صلى الإمام وكم بقي عليه، فإن المقتدي يصلي أربع ركعات، ويقعد في كل ركعة احتياطًا. وإذا ظن الإمام أن عليه سهو يسجد للسهو وتابعه المسبوق في ذلك، ثم علم أنه لم يكن على الإمام سهو ففيه روايتان:
[ ٢ / ٢٠٧ ]
في إحدى الروايتين تفسد صلاة المسبوق، وبه أخذ عامة المشايخ، وفي إحدى الروايتين لا تفسد، وبهذه الرواية كان يفتي الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص الكبير، فإن لم يعلم أنه لم يكن على الإمام سهو لم تفسد صلاة المسبوق بلا خلاف.
الإمام إذا سبقه الحدث في ذوات الأربع فاستخلف مسبوقًا بركعتين فإن المسبوق يصلي ركعتين ويقعد حتى يتم صلاة الإمام، ثم يقوم يقضي ما سبق به، ولو أن هذا المسبوق صلى ركعتين، ولم يقعد فسدت صلاتهم، كما لو اقتدى المقيم بالمسافر، فأحدث المسافر واستخلف المقيم، فصلى المقيم ركعتين ولم يقعد، وهناك تفسد الصلاة كذا ههنا، وهذا لأن الخليفة قائم مقام الإمام الأول ما لم يفرغ عن صلاة الأول، والأول لو ترك هذه القعدة فسدت صلاته فكذا إذا ترك الثاني.
المسبوق بركعة إذا سلم مع الإمام ساهيًا لا يلزمه سجود السهو؛ لأنه مقتد بعد، وإن سلم بعد الإمام كان عليه السهو؛ لأنه صار منفردًا. وإذا دخل الرجل في صلاة الرجل بعد ما سلم قبل أن يسجد للسهو فعلى قول محمد ﵀ اقتداؤه به صحيح على كل حال عاد الرجل إلى سجود السهو أو لم يعد، وعلى قول أبي حنيفة اقتداؤه موقوف إن عاد الرجل إلى سجوده صح اقتداؤه، وإن لم يعد لا يصح اقتداؤه.
ولو دخل في صلاته بعدما سجد سجدة واحدة، وهو في الثانية، فإنه يسجدها معه ولا يقضي الأولى، وكذلك إن دخل في صلاته بعدما سجدهما لم يقضيها.
صلى بقوم صلاة الفجر فسلم واحد من القوم بعد الفراغ من التشهد وحال الإمام الدعاء وأخر السلام حتى طلعت الشمس فسدت صلاة الإمام على قول من يرى ذلك، ولم تفسد صلاة من سبق بالسلام، وكذلك لو تذكر الإمام تلاوة بعد سلام هذا الرجل، فسجد الإمام للتلاوة بعد سلام هذا الرجل، أو كانت الصلاة ظهرًا فأدرك الإمام الجمعة لا تفسد صلاة من سلم إذا لم يدرك الجمعة.
وكذا المسبوق بركعة إذا قام إلى قضاء ركعته بعد سلام الإمام، ثم تذكر الإمام تلاوة، وسجد لها لا تفسد صلاة المسبوق إلا إذا تابعه في السجدة بعدما قيد ركعته بالسجدة.
أحدث الإمام وعليه سجود السهو، واستخلف مسبوقًا قد ذكرنا قبل هذا أنه لا ينبغي للإمام أن يقدمه، ولا له أن يتقدم، فلو أنه تقدم مع هذا كيف يصنع؟ قال: يصلي بالقوم بقية صلاتهم فإذا انتهى الإمام الصلاة إلى السلام يتأخر، ويقدم مدركًا يسلم به، ولا يسلم هذا المسبوق، فإن لم يكن ثمة مدرك كيف يصنع هذا المسبوق؟ قال: يتأخر من غير أن يسلم ثم يقوم ويقضي ما فاته وحده، وكذلك القوم يقومون، ويقضون ما فاتهم وحدانًا، فإذا فعلوا ذلك يأتون بسجود السهو التي وجبت على الإمام استحسانًا.
قد ذكرنا أن اللاحق لا يتابع الإمام في سجوده، ولو تابعه مع ذلك، وسجد معه لا يجزئه، وعليه أن يسجد إذا فرغ من صلاته؛ لأن ما أتى به من السجدة في غير محلها؛ لأن سجدة السهو شرعت في آخر الصلاة، وهو إنما أتى بها في وسط الصلاة.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
يجب أن يعلم أن ما يقضي المسبوق أول صلاته حكمًا، وآخر صلاته حقيقة؛ لأن ما أدرك مع الإمام أول صلاته حقيقة، وآخر صلاته حكمًا من حيث إن الأول اسم لفرد سابق يكون ما أدرك مع الإمام أولًا في حقه حقيقة، ومن حيث إنه آخر في حق الإمام؛ لأن الآخر اسم لفرد لاحق يكون آخرًا في حقه حكمًا تحقيقًا للتبعية، وتصحيحًا لاقتداء؛ لأن ما بين أول الصلاة وآخرها مغايرة من حيث الحكم، فإن القراءة فرض في الأوليين نفل في الآخريين، والمغايرة تمنع صحة الاقتداء.
ولما صح الاقتداء علمنا أن ما أدرك مع الإمام آخر صلاته حكمًا، وإذا كان ما أدرك أول صلاته حقيقة وآخرها حكمًا، وما يقضي آخره حقيقة أوله حكمًا، اعتبرنا الحقيقة فيما يقضي وفيما أدرك في حق الثناء.
فقلنا: بأن المسبوق يأتي بالثناء متى دخل مع الإمام في الصلاة حتى يقع الثناء في محله وهو ما قبل أداء الأركان، واعتبرنا الحكم فيما أدرك، وفيما يقضي في حق القراءة، فجعلنا ما أدرك صلاته وما يقضي أول صلاته، فتجب القراءة عليه، فيما يقضي؛ لأن القراءة ركن لا تجوز الصلاة بدونها، واعتبرنا الحكم فيما أدرك وفيما يقضي في حق القنوت، فجعلنا ما أدرك آخر صلاته في حق القنوت حتى أنه إذا أتى بالقنوت فيما أدرك مع الإمام لا يأتي بالقنوت فيما يقضي كيلا يؤدي إلى تكرار القنوت الذي هو ليس بمشروع، واعتبرنا الحقيقة في حق القعدة، وفيما يقضي، وفيما أدرك فألزمناه القعدة متى فرغ من صلاته؛ لأن قعدة الختم ركن لا تجوز الصلاة بدونها، فألزمناه القعدة في آخر الصلاة عملًا بالحقيقة ليخرج عن القعدة بيقين.
المسبوق بركعتين إذا قام إلى قضائها سبق، ولم يكن الإمام قرأ في الأوليين، وإنما قرأ في الأخريين، فإنه تجب عليه القراءة فيما يقضي، ولو ترك القراءة فيما يقضي لم تجز صلاته؛ لأن القراءة في الأخريين وقعت بطريق القضاء، فالتحقت بمحل الأداء، وصار كأنه قرأ في الأوليين، وهناك المسبوق يقرأ فيما يقضي كذا ها هنا.
وإذا قام المسبوق إلى قضاء ما سبق به قبل أن يتشهد الإمام أو بعدما تشهد قبل أن يسلم، فقد ذكرنا هذه المسألة قبيل الفصل الرابع، ومن فروعات هذه المسألة إذا قام بعدما تشهد الإمام، وعلى الإمام سجود السهو، فقرأ وركع ولم يسجد حتى عاد الإمام إلى سجود السهو، فعلى هذا الرجل أن يتابع الإمام في سجود السهو؛ لأنه لم يستحكم انفراده بأداء ما دون الركعة؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة، فعليه أن يعود إلى متابعة الإمام، ثم يقوم للقضاء، ولا يعتد بالذي أدى؛ لأنه صار رافضًا لها بالعود إلى متابعة الإمام.
وإن لم يعد إلى متابعة الإمام ومضى على ذلك جازت صلاته، لأنه لم يبق على الإمام ركن من أركان الصلاة، ويسجد للسهو في آخر صلاته استحسانًا، وإن قيد المسبوق الركعة بسجدة، ثم عاد الإمام إلى سجود السهو لم يعد إلى متابعة الإمام لأنه استحكم انفراده بأداء ركعة كاملة، وإن عاد إلى متابعته فسدت صلاته؛ لأنه اقتدى في موضع الانفراد، والاقتداء في موضع الانفراد تفسد الصلاة.
فإن قيل: الاقتداء في موضع الانفراد إذا لم يكن بركعة كاملة ينبغي أن لا يوجب فسادًا كالانفراد في موضع الاقتداء إذا لم يكن بركعة كاملة.
قلنا: الاقتداء في موضع الانفراد إنما يفسد الصلاة، وإن حصل الاقتداء بما دون الركعة؛ لأنه لما اقتدى به (١٢٥ب١) زال الانفراد؛ لأن بين الاقتداء والانفراد تنافي، فأما المسبوق بالاقتداء بالإمام صار تبعًا للإمام، وبالانفراد لم تزل التبعية؛ لأنه يؤدي ما أداه الإمام، والتبعية تنفى بهذا كما في النائم، وإذا لم تزل التبعية بنفس الانفراد بقي في صلاة الإمام وإذا بقي في صلاة الإمام لم تفسد صلاته إلا أن يأتي بركعة كاملة، فحينئذٍ تفسد صلاته لا لزوال المتابعة، ولكن لشروعه في صلاة أخرى. وهذه فصول:
أحدها: في السهو.
والثاني: في الصلبية إذا تذكر الإمام سجدة صلبية بعدما قام المسبوق إلى القضاء، إن لم يكن قيد الركعة بالسجدة عاد إلى متابعة الإمام كما ذكرنا في سجود السهو، وإن لم يعد فسدت صلاته؛ لأن الصلبية من أركان الصلاة، ألا ترى أنه لو لم يأت بها الإمام كانت صلاته فاسدة، فكذلك إذا لم يتابع المسبوق فيها، وإن كان قيد الركعة بالسجدة، فصلاته فاسدة عاد إلى متابعة الإمام أو لم يعد لما ذكرنا أن السجدة الصلبية ركن وبعد إكمال الركعة عاجز عن المتابعة فلهذا تفسد صلاته.
والثالث: إذا تذكر الإمام سجدة تلاوة، فإن كان المسبوق لم يقيد الركعة بالسجدة فعليه أن يعود إلى متابعة الإمام، ولأن الركعة الناقصة تحتمل الرفض على ما ذكرنا فصار كأنه لم يقم، ولو لم يقم يتابع الإمام فكذلك هنا، فلو لم يتابع، الإمام ومضى على ذلك فإنه ينظر، إن وجد منه القيام والقراءة بعد فراغ الإمام من القعدة الثانية مقدار ما تجوز به الصلاة جازت صلاته، وإلا فلا؛ لأن عود الإمام إلى سجدة التلاوة يرفع القعدة بدليل أنه لو لم يقعد بعدها لم تجر صلاته، والقعدة فرض أو ركن كالصلبية، وإذا ارتفعت القعدة صار كأنه قام إلى قضاء ما سبق به قبل فراغ الإمام من التشهد، ومضى على ذلك، فإنه يعتبر القيام والقراءة التي وجد بعد فراغ الإمام من التشهد كذلك هنا.
فإن قيد المسبوق الركعة بالسجدة قبل أن يعود الإمام إلى سجدة التلاوة ثم عاد الإمام إلى سجدة التلاوة، فإن تابعه المسبوق فصلاته فاسدة رواية واحدة؛ لأنه لما قيد الركعة بالسجدة استحكم انفراده، فإذا تابع الإمام، فقد اقتدى في
[ ٢ / ٢٠٩ ]
موضع كان عليه الانفراد، فيوجب فساد الصلاة، وإن لم يتابعه ففيه روايتان: قال في «الأصل»: صلاته فاسدة؛ لأنه حين سجد الإمام للتلاوة، ارتفضت القعدة في حق الإمام.
وإذا ارتفضت القعدة فسدت صلاته؛ لأن القعدة الأخيرة فرض.
وفي «نوادر» أبي سليمان قال: لا تفسد صلاته؛ لأنه حين قيد الركعة بالسجدة تم انفراده، ولم يبق على الإمام ركن من أركان الصلاة بدليل أنه لو لم يسجد الإمام للتلاوة، وذهب جازت صلاته، بخلاف الصلبية على ما ذكرنا، وفقه هذا الكلام أن قعوده كان معتدًا به، وإنما
[ ٢ / ٢١٠ ]
انتقض في حق الإمام بالعود إلى سجدة التلاوة؛ وذلك بعدما استحكم انفراد المسبوق عنه، فلا يتعدى ذلك إلى المسبوق، كرجل صلى بقوم، ثم ارتد والعياذ بالله، بطلت صلاته ولم تبطل صلاة القوم، وكذلك رجل صلى الظهر بالناس يوم الجمعة في القرية، ثم راح إلى الجمعة، فأدركها اعتبر المؤدى في حقه تطوعًا، وصار فرضه الجمعة، وبقي المؤدى في حق القوم فرضًا كما كان، فكذلك هنا، كذا ذكره الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀.
وذكر الشيخ الإمام خواهر زاده، والإمام الزاهد أبو نصر الصفار ﵏ الاختلاف على عكس ما ذكره الشيخ الإمام السرخسي ﵀ فقالا: في ظاهر الرواية لا تفسد صلاته، وفي رواية أبي سليمان تفسد صلاته.
إذا تذكر الإمام فائتة بعد الصلاة والسلام وخلفه مسبوق، حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر، محمد بن الفضل ﵀ أنه قال: لا رواية في هذا الفصل، وعندي أن صلاة المسبوق لا تفسد كما لو ارتد الإمام بعد السلام وخلفه مسبوق. وإذا صلى الإمام الظهر أربع ركعات، وقعد على الرابعة، وقام إلى الخامسة ساهيًا فجاء إنسان واقتدى به في صلاة الظهر.
قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀: يصح اقتداء الرجل؛ لأن الإمام لم يقيد الخامسة بالسجدة، فهو في تحريمة الظهر. وإذا كان الرجل يصلي الظهر، وخلفه مسبوق فقام الإمام إلى الركعة الخامسة تابعه المسبوق إن كان الإمام قعد على رأس الرابعة فسدت صلاة المسبوق؛ لأنه لما قعد على رأس الرابعة بقيت صلاته في حق المسبوق، فصار المسبوق في حكم المنفرد، فهذا اقتداء في موضع الانفراد، وإن لم يكن قعد على رأس الرابعة لا تفسد صلاة المسبوق؛ لأن الإمام على الصلاة الأولى حكمًا.
ولهذا قلنا: إذا لم يقعد الإمام على رأس الرابعة، وقام إلى الخامسة لا يسلم المقتدي ما لم يقيد الإمام الخامسة بالسجدة، بخلاف ما إذا قعد على رأس الرابعة فإن هناك للمقتدي أن يسلم. وكذلك قلنا في الإمام إذا كان يصلي المغرب، فقام إلى الرابعة، وتشهد المقتدي وسلم قبل أن يقيد الإمام الرابعة بالسجدة فإنه تفسد صلاة المقتدي، وطريقه ما قلنا.
وإذا جاء المسبوق إلى الإمام وهو راكع وفي يد هذا المسبوق شيء، فوضعه حتى فكبر تكبيرتين، ودخل في الصلاة قال هشام: قال أبو حنيفة ﵀: لو وقع تكبيرة الافتتاح قائمًا وهو مستوي أيضًا صح الشروع، وإن وقع وهو منحط عنه غير مستوى لا يجوز.
وإن ركع المسبوق وسوى ظهره صار مدركًا للركعة قدر على التسبيح أو لم يقدر، وإن لم يقدر على تسوية الظهر في الركوع حتى رفع الإمام رأسه فاته الركوع.
ولو كبر والإمام راكع، واشتغل هو بالثناء، ولم يركع حتى رفع الإمام رأسه، ثم ركع هو لم يصر مدركًا للركعة عند علمائنا الثلاثة ﵏ خلافًا لزفر ﵀، ولو
[ ٢ / ٢١١ ]
كبر قبل ركوع الإمام، ولم يركع معه حتى رفع الإمام رأسه من الركوع، ثم ركع هو صار مدركًا للركعة. وإذا سلم الإمام فالمؤتم المسبوق يتأنى، ولا يتعجل في القيام، وينظر هل يشتغل الإمام بقضاء ما نسيه من صلاته فإذا تيقين فراغ الإمام من صلاته حينئذٍ يقوم إلى قضائه، ولا يسلم مع الإمام؛ لأنه في وسط صلاته.
وفيه حكاية أن أبا يوسف كان على مائدة هارون الرشيد، فسأل زفر وقال: ما تقول يا أبا هذيل متى يقوم المسبوق إلى قضائه؟ فقال زفر ﵀: بعد سلام الإمام، فقال أبو يوسف ﵀: أخطأت، فقال زفر: بعدما سلم الإمام تسليمة واحدة، فقال أبو يوسف: أخطأت، فقال زفر: قبل سلام الإمام، فقال أبو يوسف: أخطأت، ثم قال أبو يوسف ﵀: إنما يقوم بعد تيقنه أن الإمام فرغ من صلاته فقال زفر: أحسنت أيد الله القاضي.
قال: مكث المسبوق حتى يقوم الإمام إلى تطوعه إن كانت صلاة بعدها تطوع، ويستدبر إلى المحراب إن كانت صلاة لا تطوع بعدها، وإن لم يمكث حتى يسلم الإمام، ولكن حين فرغ الإمام من قراءة التشهد قام المسبوق إلى قضاء ما سبق، جازت صلاته بالاتفاق، ولكنه مسيء فيما صنع، وإنما جازت صلاته لفراغ الإمام من الصلاة، حتى قالوا فيمن صلى مع الإمام الجمعة، والإمام في الجامع، وهو في الطريق، وهو مسبوق، فخاف أنه لو انتظر الإمام حتى يسلم، ثم يقوم هو إلى القضاء تفسد المارة عليه صلاته، فإذا علم أن الإمام فرغ من التشهد يقوم هذا إلى القضاء وتجوز صلاته.
روى ابن سماعة، وأبو سليمان في «نوادره» عن محمد: إذا نام المؤتم خلف الإمام، وسهى الإمام عن سجدة من أول الركعة، فقضاها في آخر صلاته وسلم، ثم استيقظ ذلك الرجل، فإنه يصلي، ويسجد تلك السجدة في موضعها من الركعة الأولى.
وفي رواية أبي سليمان إن كان الإمام ترك القعود في الثانية يقعد فيها هذا اللاحق قال: لأن الإمام يقضي السجدة، ولا يقضي الجلوس، وفي رواية ابن سماعة لو استيقظ هذا النائم قبل أن يسجدها الإمام، فإنه (١٢٦أ١) يصلي ما صلى إمامه، ولا يسجد تلك السجدة حتى يسجدها إمامه، فيسجدها معه؛ لأنه لا يجزئه أن يسجدها قبله، وكذلك إن لم يكن نام، ولكن سبقه الحدث فذهب وتوضأ، ثم انصرف.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد: رجل دخل في صلاة إمام بعدما صلى الإمام ركعة فلما كبر رعف، فذهب، وتوضأ، ثم جاء، وقد صلى الإمام ركعتين أخريتين، وبقيت عليه ركعة فاتبع الإمام حين جاء ولم يقض ما فاته، وصلى معه الرابعة، قال: يقوم ويصلي ركعة بغير قراءة ويقعد، ويصلي ركعة أخرى بغير قراءة، ويقعد؛ لأن بالنية وافقه الإمام، ثم يصلي ركعة بقراءة لأنه أول صلاته.
وفي «نوادر» أبي سليمان عن محمد لو نام الرجل خلف الإمام في التشهد الأخير، فلم يقرأ التشهد، وقرأه الإمام، ثم ضحك هذا الرجل بعدما انتبه قبل أن يتشهد، قال: عليه الوضوء لصلاة أخرى، وصلاته تامة، وإنما وجب عليه الوضوء، وإن كان الإمام قد
[ ٢ / ٢١٢ ]
سلم؛ لأن المقتدي إنما يخرج من حرمة الصلاة بتسليم الإمام إذا لم يكن عليه شيء من واجبات الصلاة، وههنا عليه التشهد.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف سبق، فقام يقضي قال أبو حنيفة: صلاته فاسدة وقال أبو يوسف: صلاته تامة، وإنما فسدت صلاته عند أبي حنيفة ﵀ لأنه بالاقتداء بالقارىء التزم صلاة بقراءة، وقد عجز عن إتمامها بذلك فجاء الفساد، وعلى هذا إذا صلى ركعة بركوع، وسجود ثم مرض، وصار إلى حالة الإتمام، فصلاته فاسدة في قول أبي حنيفة؛ لأنه التزم صلاة بركوع وسجود خلافًا لأبي يوسف. وروى المعلا عن أبي يوسف في الأخريين الخلاف على نحو ما ذكرنا في الأمي.
ابن سماعة في «الرقيات» عن محمد: رجل فاتته ركعة مع الإمام فلما تشهد الإمام قام الرجل يقضي ركعته، وقد كان الإمام نسي سجدة عليه من تلاوة، فلما سلم الإمام ذكر السجدة التي عليه من التلاوة قد فرغ الرجل من ركعته، أو لم يفرغ منها حتى سجد الإمام سجدة التلاوة، ومضى الرجل في ركعته، ولم يسجد معه سجدة التلاوة، قال محمد ﵀: إذا ركع، وسجد قبل أن يسجد الإمام سجدة التلاوة، فصلاته تامة؛ لأنه خرج من صلاة الإمام بالفراغ من تشهد الإمام قبل أن يبطل تشهد الإمام، فإن كان ركع وسجد بعدما سجد الإمام سجدة التلاوة، فصلاته فاسدة؛ لأن بعود الإمام يبطل تشهده؛ لأن من حق سجدة التلاوة الواجبة في الصلاة؛ أن تؤدى في الصلاة ولا تؤدى خارج الصلاة.
أرأيت لو نسي الإمام سجدة تلاوة حتى سلم، وتفرق القوم غير أن الإمام بعد في مصلاه، ثم تذكر الإمام السجدة وسجدها، فمن خرج من المسجد، أو تكلم قبل أن يسجدها الإمام فصلاته فاسدة. قال: وإنما هو بمنزلة مسافر صلى ركعتين، ثم تشهد، فخرج بعض القوم من المسجد، أو تكلم، ثم نوى المسافر الإقامة.