يجب أن نعلم بأن صلاة الخوف بقيت مشروعة بعد الرسول صلى الله عليه وسلّمفي ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن بن زياد عن أبي يوسف أنها لم تبق مشروعة حتى لو صلى الإمام صلاة الخوف في زماننا على الوجه الذي صلاها رسول الله ﵇ جاز في ظاهر رواية أصحابنا. وفي رواية الحسن عن أبي يوسف أنه لا يجوز وهذا ذكره محمد في الأثر عن أبي يوسف قال محمد: هذا قولي لولا الأثر أشار إلى أن القياس ما قاله أبو يوسف، لكن ترك القياس بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وجه رواية أبي يوسف: أن القياس أبى جواز صلاة الخوف لما فيه من المشي واستدبار القبلة، لكن عرفنا الجواز في زمن رسول الله ﵇ بالنص وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وحِدَةً وَلاَ
[ ٢ / ١٢٤ ]
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: ١٠٢) لإدراك الناس فضيلة الصلاة خلف رسول الله ﵇، وليس للصلاة خلف غير الرسول من الفضيلة بالصلاة خلف الرسول، فردت صلاة الخوف في زماننا إلى أصل القياس.
وجه ظاهر الرواية: أن الصحابة صلوا صلاة الخوف بعد رسول الله ﵇، روي عن سعيد بن أبي العاص أنه حارب المجوس بطبرستان ومعه الحسن بن علي، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمرو بن العاص فقال: أيكم شهد صلاة الخوف مع رسول الله ﵇، فقال حذيفة: أنا، فقام وصلى بهم صلاة الخوف، وروي عن أبي موسى الأشعري أنه صلى صلاة الخوف ولم ينكر عليهما أحد فحل محل الإجماع.
والذي قال: بأن صلاة الخوف إنما شرعت في زمن رسول الله ﵇ لإدراك الناس فضيلة الصلاة خلف رسول الله فاسد؛ لأن ترك المشي والاستدبار في الصلاة فريضة، والصلاة خلف النبي ﵇ فضيلة وسنّة؛ لأنه تجوز الصلاة خلف غيره، ولا يجوز ترك الفرض لإحراز الفضيلة، فلا يحال بجواز صلاة الخوف على ما قلتم، وإنما يحال على نفس الخوف؛ لأن للخوف أثرًا في إسقاط الفرض، والخوف متحقق في زماننا حسب تحققه في زمن الرسول ﵇، فتثبت الشرعية في زماننا حسب ثبوتها في زمن الرسول ﵇.
وكيفية صلاة الخوف: أن يجعل الإمام الناس طائفتين طائفة بإزاء العدو، وطائفة يفتتح الصلاة بهم ويصلي بهم، ويصلي بكل طائفة شطر الصلاة، فإن كانت الصلاة من ذوات الأربع كالظهر والعصر والعشاء في حق المقيم يصلي بالطائفة التي معه ركعتين، وتتشهد وتنصرف هذه الطائفة من غير سلام، ويقفون بإزاء العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم بقية الصلاة، ويتشهد ثم يسلم الإمام؛ لأنه تمت صلاته وتنصرف هذه الطائفة بغير سلام، ويقفون بإزاء العدو، ثم تعود الطائفة الأولى، فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة؛ لأنهم مدركون أول الصلاة، ويتشهدون ويسلمون ويذهبون، ثم تعود الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة؛ لأنهم مسبوقون، ويتشهدون ويسلمون، وإن كانت الصلاة من ذوات المثنى نحو الفجر في حق الكل، والعصر والعشاء في حق المسافر صلى بكل طائفة ركعة على نحو ما بينا.
وإن كانت الصلاة من ذوات الثلاث نحو المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة على نحو ما بينا؛ لأن حظ كل طائفة من صلاة الخوف الشطر وشطر المغرب ركعتان بدليل أن القعدة المشروعة عقيب الشطر شرعت في الغرب عقيب الركعتين؛ ولأن للطائفة الأولى حظًا من الركعة الثانية، والركعة الواحدة مما لا يتجزأ فرجحنا الطائفة الأولى بحكم السبق.
[ ٢ / ١٢٥ ]
ثم الحال لا يخلو من وجهين: إما أن يكون العدو مستدبر القبلة، أو مستقبل القبلة وكل وجه على خمسة أوجه: إما أن يكون الإمام والقوم مسافرين، أو الكل مقيمين، أو كان الإمام مقيمًا والقوم مسافرون، أو كان الإمام مسافرًا والقوم مقيمون، أو كان بعض القوم مقيمًا وبعض القوم مسافرًا، والإمام مقيم أو مسافر، فإن كان العدو مستدبر القبلة، والإمام والقوم مسافرون، وأرادوا أن يصلوا صلاة الخوف، إن لم يتنازع القوم في الصلاة خلفه، فإن الأفضل للإمام أن يجعل القوم طائفتين، فيأمر طائفة ليقيموا بإزاء العدو، ويصلي بالطائفة التي معه تمام الصلاة، ثم يأمر رجلًا من الطائفة التي بإزاء العدو حتى يصلي بهم تمام صلاتهم أيضًا، والطائفة التي صلت مع الإمام الأول يقومون بإزاء العدو (١١١أ١) وإن تنازع كل طائفة فقالوا: إنا نصلي معك، فإنه يجعل القوم طائفتين تقف إحداهما بإزاء العدو ويراقبون العدو، والطائفة الأخرى يقيمون الصلاة مع الإمام، فيصلي بهم ركعة، فإذا صلى بهم ركعة ذهبت هذه الطائفة التي مع الإمام، وقاموا بإزاء العدو ويراقبون العدو، ثم جاءت الطائفة التي كانت بإزاء العدو والإمام قاعد ينتظرهم، فيصلي بهم الركعة الأخرى ثم يتشهد ويسلم، ولا يسلم معه من كان خلفه، ولكن يقومون ويذهبون ويقفون بإزاء العدو، ثم تجيء الطائفة الأولى مكان صلاتهم فيصلون ركعة بغير قراءة؛ لأنهم مدركون أول الصلاة مع الإمام فصار كأنهم خلف الإمام، فإذا صلوا ركعة فقد قرأ قدر التشهد ويسلمون، ويذهبون ويقفون بإزاء العدو ويراقبونهم، ثم تجيء الطائفة الأخرى مكان صلاتهم، فيقضون ركعة بقراءة؛ لأنهم مسبوقون والمسبوق فيما يقضي يقضي بقراءة فيصلون صلاة الخوف على هذا الوجه عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله.
وللشافعي في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قول مثل قول أبي حنيفة، ومحمد.
والقول الثاني: قال: يصلي بالطائفة التي معه تمام الصلاة، ثم تذهب الطائفة التي صلت مع الإمام تمام صلاتهم، ويقفون بإزاء العدو، وتجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم مرة أخرى ويجزئهم ذلك، وإن كان هذا من اقتداء المفترض بالمتنفل، ولكن اقتداء المفترض بالمتنفل جائزة عنده.
والقول الثالث: وهو المشهور أنه يجعل القوم طائفتين طائفة تقوم بإزاء العدو وطائفة يفتتح الصلاة مع الإمام، فيصلي بالطائفة التي معه ركعة، فإذا صلى ركعة قام الإمام ووقف قائمًا، ولا يقرأ حتى تصلي هذه الطائفة التي معه تمام صلاتهم، ويذهبون ويقفون بإزاء العدو، ثم تجيء الطائفة الأخرى التي كانت بإزاء العدو فيصلي الإمام بهم ركعة ولا يسلم بل يمكث قاعدًا حتى تصلي هذه الطائفة الثانية تمام صلاتهم، ثم يسلم الإمام مع القوم.
فإن كان العدو مستقبل القبلة، فالخوف منه كالخوف فيما إذا كان العدو مستدبر القبلة عندنا. وقال الشافعي ﵀: إن كان العدو مستقبل القبلة، وكانوا في أرض مستوية لا يسترهم شيء، ولا يخافون الكمين من جهة العدو، فإنه يفتتح الصلاة بالقوم كلهم، ثم يركع ويركع معه كل القوم ثم يسجد ويسجد معه الصف الثاني، ولا يسجد
[ ٢ / ١٢٦ ]
الصف الأول، بل يحرسون الصف الثاني، ثم يمكث الإمام قاعدًا حتى يسجد الصف الأول السجدة الأولى، فإذا سجدوا السجدة الأولى سجد الإمام سجدة أخرى، ويسجد معه الصف الأول، ولا يسجد الصف الثاني، بل يحرسون الصف الأول حتى يحصل لكل طائفة سجدة مع الإمام، فيستويان، ثم يمكث حتى تسجد الطائفة الثانية السجدة الأخرى، ثم يدركون الإمام ثم يصلي بهم الركعة الأخرى على هذا الوجه إلا أنه في الركعة الثانية إن شاء تقدم الصف الثاني، وقام مقام الصف الأول حتى يستويان، وإن شاء يتقدم، وذلك أفضل وهو قول ابن أبي ليلى.
فإن كان الإمام والقوم مقيمين والصلاة من ذوات الأربع فإنه تقوم طائفة بإزاء العدو، ثم يفتتح الصلاة بالطائفة التي معه، فيصلي بهم ركعتين، ويقعد قدر التشهد؛ فإنه تذهب هذه الطائفة بإزاء العدو، ثم تجيء الطائفة الأخرى التي كانت بإزاء العدو مكان صلاتهم، والإمام قاعد منتظر مجيئهم، فيصلي بهم ركعتين، ثم يتشهد ويسلم، ولا تسلم معه الطائفة الثانية، بل يقومون فيذهبون بإزاء العدو، ثم تجيء الطائفة الأولى مكان صلاتهم فيصلون ركعتين بغير قراءة، ويسلمون ويقفون بإزاء العدو، ثم تجيء الطائفة الثانية مكان صلاتهم، ويصلون ركعتين بقراءة على نحو ما بينا.
وإن كان الإمام مقيمًا والقوم مسافرون فالجواب فيه كالجواب فيما إذا كان الكل مقيمين؛ لأن القوم صاروا مقيمين في حق هذه الصلاة حين اقتدوا بالمقيم.
فإن كان الإمام مسافرًا، والقوم مقيمين صلى بالطائفة التي معه ركعة، ثم انصرفوا بإزاء العدو، وصلى بالطائفة الثانية ركعة وسلم، ثم تجيء الطائفة الأولى فيصلون ثلاث ركعات بغير قراءة، نص على هذا في «الكتاب»، وهذا الجواب في الركعة الثانية لا يشكل؛ لأنهم في الركعة الثانية كأنهم خلف الإمام من حيث الحكم؛ لأنهم أدركوا أول الصلاة، إنما الإشكال في الركعتين الأخريين، لأنهم يؤدون الأخريين على سبيل الانفراد؛ لأن تحريمتهم هكذا انعقدت مع هذا قال: يقضيهما بغير قراءة.
وذكر الحسن بن زياد ﵀ في «المجرد»: أنه يقضيها بقراءة. وإن كان الإمام مسافرًا والقوم مقيمون ومسافرون صلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة، فمن كان مسافرًا خلف الإمام بقي إلى تمام صلاته ركعة ومن كان مقيمًا بقي إلى تمام صلاته ثلاث ركعات، ثم ينصرفون بإزاء العدو، وترجع الطائفة الأولى إلى مكان الإمام، فمن كان مسافرًا يصلي ركعة بغير قراءة؛ لأنه مدرك أول الصلاة، ومن كان مقيمًا يصلي ثلاث ركعات بغير قراءة في ظاهر الرواية.
وفي رواية الحسن: يقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب، وفي الركعة الأولى لا يقرأ فإذا تمت الطائفة الأولى صلاتهم ينصرفون بإزاء العدو وتجيء الطائفة الثانية إلى مكان صلاتهم فمن كان مسافرًا يصلي ركعة بقراءة؛ لأنه مسبوق ومن كان مقيمًا يصلي ثلاث ركعات الأولى بفاتحة الكتاب وسورة؛ لأنه كان مسبوقًا فيها، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب على الروايات كلها.
وإن كان الإمام مقيمًا، والقوم مقيمون ومسافرون، فالجواب فيه كالجواب فيما إذا
[ ٢ / ١٢٧ ]
كان الكل مقيمون؛ لأن المسافرين يصيرون مقيمين بالاقتداء وإن لم تقرأ الطائفة الثانية فيما يقصرون لم يجزئهم لأنهم مسبوقون، وإن اقتدى أحدهما بصاحبه فيما يقضي فسدت صلاة المقتدي، وصلاة الإمام تامة، وإذا سهى الإمام في صلاة الخوف وجب عليه سجدتا السهو.
ومن قاتل منهم في صلاته فسدت صلاته عندنا، ولو فعلوا كذلك وقال: لا تفسد صلاته وهو قول الشافعي ﵀، ولا يصلون وهم يقاتلون وإن ذهب الوقت لو فعلوا كذلك لا تجوز صلاتهم.
وكذلك من ركب منهم في صلاته عند انصرافه إلى وجه العدو فسدت صلاته، ولا يصلون جماعة ركبانًا إلا أن يكون الإمام والمقتدي على دابة فيصح اقتداء المقتدي به، وروي عن محمد ﵀: أنه جوز لهم في الخوف أن يصلوا ركبانًا بالجماعة وقال: أستحسن ذلك لينالوا فضيلة الجماعة.
عن محمد ﵀ أنه قال: إذا كان الرجل في السفر فأمطرت السماء، فلم يجد مكانًا يابسًا ينزل للصلاة، فإنه يقف على دابته مستقبل القبلة، فإنه يصلي مستدبر القبلة بالإيماء فعل هذا إذا كان يخاف النزول عن الدابة فيصلي بالإيماء إذا أمكنه إيقاف الدابة وإن لم يمكنه إيقاف الدابة، مستقبل القبلة فإنه يصلي راكبًا مستقبل القبلة، بالإيماء إن أمكنه، وإن لم يمكنه صلى مستدبر القبلة، ثم إنما يجزئه ذلك إذا كانت الدابة تسير بسير نفسها، فأما إذا كان يسيرها صاحبها لا تجزئه، فإن كان ماشيًا هاربًا من العدو، فحضرت الصلاة، ولم يمكنه الوقوف ليصلي، فإنه لا يصلي ماشيًا عندنا بل يؤخر.
وعند الشافعي يصلي في تلك الحالة بالإيماء ثم يعيد، وإن صلوا صلاة الخوف من غير أن يعاينوا العدو جازت صلاة الإمام، ولم تجز صلاة القوم إذا صلوها بصفة الذهاب والمجيء، ولو رأوا سوادًا وظنوا أنهم العدو، فصلوا صلاة الخوف، فإن تبين أنه كان سواد العدو فقد ظهر أن سبب الترخيص كان متقررًا، فتجزئهم صلاتهم.
وإن ظهر أن السواد سواد إبل أو بقر أو غنم فقد ظهر أن سبب الترخيص لم يكن متقررًا فلا تجزئهم صلاتهم والخوف من سبع يعاينوه كالخوف من العدو؛ لأن الرخصة لدفع سبب الخوف عنهم، ولا فرق في هذا بين السبع والعدو.
والراكب إذا أمكنه أن يصلي راكبًا، ولم يمكنه النزول يصلي قائمًا، وإذا صلى بالإيماء لم تلزمه الإعادة بعد زوال العذر في الوقت وخارج الوقت، والراجل يومىء إذا لم يقدر على الركوع والسجود، والراكب (١١١ب١) إذا كان طالبًا لا يصلي على الدابة، وإن كان مطلوبًا لا بأس بأن يصلي على الدابة. والله أعلم.
نوع آخرمن هذا الفصل
ينبني على ثلاثة أصول:
أحدها: أن الانحراف عن القبلة في خلال الصلاة في غير موضعه وأوانه مفسدة
[ ٢ / ١٢٨ ]
للصلاة، وترك الانحراف عن القبلة والثبات عليها في موضعه وفي غير موضعه غير مفسدة للصلاة؛ وهذا لأن نص الأصل الفساد بالانحراف مطلقًا في عموم الأحوال وإنما ترك نص هذا الأصل في صلاة الخوف مقيدًا بأوانه، وقد بينا أوان الانحرف لكل واحد من الطائفتين، فبقي ما عداه على نص الأصل، أما ترك الانحراف عن القبلة والثبات عليها في موضع الانحراف عمل بالأصل وتمسك بما هو عزيمة، فلا يصلح مفسدًا لكن يوجب الانتباه لمخالفة الجماعة أو السنّة.
الأصل الثاني: أن من أدرك الشطر الأول فهو من الطائفة الأولى، ومن أدرك الشطر الثاني فهو من الطائفة الثانية؛ لأن صلاة الخوف تقام بطائفتين لكل طائفة شطر من الصلاة، وللصلاة شطران، والتي يقام بها الشطر الأول يجعل من الطائفة الأولى، والتي يقام بها الشطر الثاني يجعل من الطائفة الثانية.
والأصل الثالث: أن المقتدي يتبع رأي الإمام لا رأي نفسه؛ لأنه بالاقتداء به ألزم متابعته، فيترك رأيه برأي الإمام إلا إذا تيقن بخطأ الإمام على ما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى، والمنفرد يتبع رأي نفسه؛ لأنه أصل بنفسه، ولم يلتزم متابعة غيره، والمسبوق فيما يقضي منفرد واللاحق كأنه خلف الإمام.
إذا عرفنا هذه الأصول جئنا إلى المسائل: قال محمد ﵀ في «الزيادات»: إذا صلى الإمام المغرب صلاة الخوف جعل الناس طائفتين، وصلى بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة على ما بينا، فلو أنه أخطأ وصلى بالطائفة الأولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعتين ظنًا منه أن المعتبر قسمة القراءة، ثم سلم الإمام وذهبت الطائفة الثانية، وجاءت الطائفة الأولى، فصلاة الإمام تامة؛ لأنه لم ينزح عن مكانه حتى أتم صلاته.
وصلاة الطائفتين فاسدة، أما الطائفة الأولى، فلأنهم انحرفوا بعد الركعة الأولى، وهذا ليس أوان انحرافهم، وأما الطائفة الثانية فهو من الطائفة الأولى؛ لأنهم أدركوا شيئًا من الشطر الأول إلا أنهم مسبوقون بركعة، فكان ينبغي لهم أن ينحرفوا عقيب الركعة الثانية غير أن ترك الانحراف والثبات على القبلة لا تفسد الصلاة وإن كان في غير موضعه إلا أنهم انحرفوا عن القبلة بعد سلام الإمام. وهذا أوان انصرافهم إلى القبلة لا أوان انحرافهم ففسدت صلاتهم، حتى لو لم ينحرفوا لا تفسد صلاتهم.
فإن صلى بالطائفة الأولى ركعة فانحرفوا، ثم جاءت الطائفة الثانية، فصلى بهم ركعة ثم انحرفوا ثم عادت الطائفة الأولى، فصلى بهم الركعة الثالثة، ثم انحرفوا، ثم عادت الطائفة الثانية، فقضوا الركعتين ثم جاءت الطائفة الأولى، فصلاة الإمام تامة لما ذكرنا.
وصلاة الطائفة الأولى فاسدة، لأنهم انحرفوا عن القبلة في غير أوانه وهو ما بعد الركعة الأولى، ففسدت صلاتهم فحين جاؤوا وصلوا مع الإمام الركعة الثالثة، فقد بنوا تلك الركعة على تحريمة فاسدة، والبناء على الفاسد فاسد.
وصلاة الطائفة الثانية جائزة؛ لأنهم من الطائفة الأولى، وقد انحرفوا في أوانه وهو ما بعد الركعة الثانية، فصحت صلاتهم، وعليهم أن يقضوا الركعة الثالثة أولًا بغير قراءة؛ لأنهم مدركون الثالثة، ثم يقضون الأولى بقراءة؛ لأنهم مسبوقون في حق الأولى، فلو أن الطائفة الأولى حين انصرفوا للركعة الثالثة جددوا التكبير والتحريمة، وصلوا الركعة الثالثة جازت صلاتهم؛ لأنهم الطائفة الثانية في الحقيقة، وقد انحرفوا في أوانه، فإذا رجعوا فعليهم أن يصلوا ركعتين بقرءاة؛ لأنهم مسبوقون فيهما. [
فإن جعل الإمام الناس ثلاث طوائف، وصلى بتلك الطائفة ركعة، ثم عادت الطائفة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فصلاة الإمام تامة لما مر، صلاة الطائفة الأولى فاسدة لما قلنا، صلاة الطائفتين جائزة، أما الطائفة الثانية، فلأنهم الطائفة الأولى في الحقيقة، وقد انحرفوا في أوانه، ويقضون الركعة الثالثة أولًا بغير قراءة؛ لأنهم مدركون لها، ويقضون الركعة الأولى بقراءة؛ لأنهم مسبوقون فيها، وأما الطائفة الثالثة فإنهم في الحقيقة هم الطائفة الثانية، وقد انحرفوا في أوانه، وهو
[ ٢ / ١٢٩ ]
ما بعد الثالثة ويقضون الركعتين بقراءة؛ لأنهم مسبوقون فيهما.
قال محمد ﵀: وإذا صلى الإمام صلاة الظهر في المصر أو في فنائه مواقعين للعدو جعل الناس طائفتين فصلى بكل طائفة ركعتين لما ذكرنا، فإن أخطأ الإمام وظن أنه يقسم القراءة بين طائفتين، وصلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الثانية بقية الصلاة فسدت صلاة الطائفتين جميعًا لوجود الانحراف في غير أوانه من الطائفتين، أما الطائفة الأولى؛ فلأنهم انصرفوا قبل القعدة الأولى، وأما الطائفة الثانية؛ فلأنهم من الطائفة الأولى؛ لأنهم أدركوا شيئًا من الشطر الأول، وقد انصرفوا بعد سلام الإمام، وهذا أوان عودهم لا أوان انصرافهم.
قال: ولو أن الإمام صلى بالطائفة الأولى ركعة وانصرفت، وبالطائفة الثانية ركعة وانصرفت، ثم صلى بالطائفة الأولى الركعة الثالثة، ثم بالطائفة الثانية الركعة الرابعة وانصرفوا، فصلاة الإمام تامة وصلاة الطائفة الأولى والطائفة الثانية فاسدة، أما صلاة الإمام فلما حلت غير مرة.
وأما صلاة الطائفة الأولى، فلأنهم انصرفوا في غير أوانه ففسدت صلاتهم، فلما عادوا وصلوا مع الإمام الركعة الثالثة إن لم يجددوا التحريمة فهذا بناءٌ على الفاسد، وإن جددوا التحريمة صح شروعهم، وكانوا من الطائفة الثانية في الحقيقة فلما انصرفوا بعد الركعة الثالثة كان هذا انصرافًا في غير أوانه، فإن أوان انصراف الطائفة الثانية ما بعد فراغ الإمام، فإذا انصرفوا قبل ذلك فسدت صلاتهم.
وأما الطائفة الثانية؛ فلأنهم من الطائفة الأولى لإدراكهم الركعة الثانية مع الإمام، وقد انصرفوا في أوانه، فلما جاؤوا وصلوا مع الإمام الركعة الرابعة فهذا المجيء منهم، وإن كان في غير أوانه إلا أنه لا يكون مفسدًا لصلاتهم لما مر في أصل الباب، ولكن لما سلم الإمام، وانصرفوا فسدت صلاتهم؛ لأنهم من جملة الطائفة الأولى، وليس هذا أوان الانصراف من الصلاة للطائفة الأولى، ففسدت صلاتهم، حتى لو لم تنصرف الطائفة
[ ٢ / ١٣٠ ]
الثانية بعد الفراغ من الرابعة لا تفسد صلاته، وعليهم أن يقضوا ركعتين الثالثة أولًا بغير قراءة؛ لأنهم لاحقون فيها، ثم الأولى بقراءة؛ لأنهم مسبوقون فيها.
قال: ولو أن الإمام جعل الناس على أربع طوائف وصلى بكل طائفة ركعة فصلاة الإمام تامة، وصلاة الطائفة الأولى والثالثة فاسدة.
أما الطائفة الأولى: فلأنهم انصرفوا في غير أوان الانصراف لما مر غير مرة.
أما الطائفة الثالثة: فلأنهم في الحقيقة الطائفة الثانية وقد انصرفوا في غير أوان انصراف الطائفة الثانية وهو ما بعد الركعة الثالثة.
وأما صلاة الطائفة الثانية والرابعة فجائزة، أما صلاة الطائفة الثانية؛ فلأنهم من جملة الطائفة الأولى لكنهم مسبوقون بركعة، وقد انصرفوا في أوان انصراف الطائفة الأولى فجازت صلاتهم، ثم إذا جاؤوا يتمون صلاتهم فعليهم أن يصلوا ركعتين بغير قراءة وهي الثالثة والرابعة؛ لأنهم لاحقون فيهما، ثم ركعة بقراءة وهي الركعة الأولى، لأنهم مسبوقون فيهما.
وأما الطائفة الرابعة: فلأنهم من جملة الطائفة الثانية؛ لأنهم أدركوا شيئًا من وظيفة الطائفة الثانية، وانصرفوا في أوان انصراف الثانية وهو ما بعد فراغ الإمام، فجازت صلاتهم، ولكنهم مسبوقون بثلاث ركعات فعليهم أن يصلوا ركعتن بقراءة الفاتحة والسورة، وفي الثالثة بالخيار، وإن شاؤوا قرأوا الفاتحة، وإن شاؤوا سبحوا، وإن شاؤوا سكتوا كما هو الحكم في المسبوق بثلاث ركعات.
قال محمد ﵀: وإذا قاتل الإمام العدو يوم العيد في المصر، فأراد أن يصلي بالناس صلاة الخوف جاز لوجود العلة كما في غيرها من الصلوات (١١٢أ١) فيجعل الناس طائفتين ويصلي بكل طائفة ركعة، فإن كان الإمام يرى مذهب ابن مسعود، وأتى بتسع تكبيرات في الركعتين ثلاث منها أصليات وست زوائد، ثلاث في الأولى وثلاث في الثانية، بدأ بالتكبير في الركعة الأولى، وبالقراءة في الركعة الثانية تابعته الطائفة الأولى في الركعة الأولى، وتابعته الطائفة الثانية في الركعة الثانية، وإن كان رأي كل واحدة من الطائفين خلاف رأي الإمام؛ لأن على المقتدي متابعة رأي الإمام على ما مر إلا إذا تيقن بخطأ الإمام بأن فعل ما لم يقل به واحد من الصحابة ولم يوجد ذلك هنا.
فإذا فرغ الإمام من صلاته انحرفت الطائفة الثانية وجاءت الطائفة الأولى يقضون الركعة الثانية بغير قراءة، فيقومون قدر قراءة الإمام، أو أقل أو أكثر، ثم يكبرون الزوائد، ويركعون بالرابعة كما فعله الإمام؛ لأنهم لاحقون في ذلك، فكانوا في حكم المقتدين، وإذا أتموا انحرفوا، وجاءت الطائفة الثانية يقضون الركعة الأولى بقراءة؛ لأنهم مسبوقون فيها يبدؤون بالقراءة ثم بالتكبير في رواية «الزيادات» و«الجامع» و«السير الكبير» وإحدى روايتي «النوادر»، وهو الاستحسان، وفي إحدى روايتي «النوادر» يبدؤون بالتكبير وهو القياس، وقد ذكرنا نظير هذا في فصل صلاة العيد.
قال محمد ﵀ في «الزيادات» أيضًا: إمام صلى الظهر بالناس صلاة الخوف،
[ ٢ / ١٣١ ]
وهم مقيمون فلما صلى بطائفة ركعتين انحرفوا إلا واحدًا منهم لم تفسد صلاته؛ لأنه لم يوجد منه إلا ترك الانحراف، والثبات على القبلة، وكل ذلك لا يفسد الصلاة، ولكن لا يستحب له ذلك: لأنه التزم الذهاب مع أصحابه ليكونوا رصدًا للطائفة الثانية، فإذا لم يذهب، فقد ضيعهم وترك الوفاء بما التزم فيكره له ذلك.
لهذا فإن صلى مع الإمام الركعة الثالثة، فعلم أنه أساء فيما صنع، فانحرف بعد الثالثة أو بعد الرابعة قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد، فصلاته صحيحة؛ لأنه من الطائفة الأولى، وما بعد الشطر الأول إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة أوان الانحراف للطائفة الأولى.
وإذا انحرف، فقد تدارك ما ترك في أوانه، وكذلك لو انحرف بعدما قعد مع الإمام قدر التشهد قبل السلام، فصلاته تامة، وإن كان هذا انحرافًا في غير أوانه، لأنه من الطائفة الأولى، وهذا أوان انصراف الطائفة الأولى إلى الصلاة إلا أنه إنما لم تفسد لانتهاء أركانها، فإن الصلاة بعد انتهاء أركانها لا تقبل الفساد حتى لو بقي عليه شيء من الأركان بأن بقي هذا الرجل بعد أداء الشطر الأول نائمًا أو قائمًا خلف الإمام، ولم يصل معه، وانحرف بعدما قعد الإمام قدر التشهد، أو كان مسبوقًا بركعة تفسد صلاته، ثم إذا لم تفسد صلاته بالانحراف بعدما قعد الإمام قدر التشهد لا يجب عليه أن ينصرف مع أصحابه، ليسلم؛ لأنه قد تمت صلاته وقد انحرف على وجه الرفض؛ لأنه انحرف ليشتغل بأمر العدو، والانحراف بعد تمام الصلاة على قصد الرفض يوجب رفض ما بقي، فلا يجب عليه العود بخلاف ما إذا أحدث بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم، وانصرف ليتوضأ ويبني، فإن عليه أن يعود ليجلس ويسلم؛ لأن هناك ما انحرف على وجه الرفض بل على وجه البناء، فلم يرفض ما بقي وقد بقي عليه سنّة، وهي الخروج بلفظة التسليم، فكان عليه أن يعود لإقامة السنّة، أما ههنا بخلافه.
وإذا لم يكن العدو حاضرًا ولكن خاف الإمام حضور العدو لا ينبغي له أن يصلي صلاة الخوف؛ لأن صلاة الخوف إنما جازت باعتبار الضرورة، فلا تجوز قبل تحققها.
فإن افتتح الإمام صلاة الظهر، وهم مسافرون، فلما صلى ركعة أقبل العدو، فانحرفت طائفة من المصلين، ووقفوا بإزاء العدو، وبقيت طائفة مع الإمام حتى أتموا صلاتهم، فصلاتهم تامة، أما صلاة من بقي مع الإمام فظاهر، وأما صلاة من انحرف؛ فلأن هذا انحراف في أوانه والضرورة متحققة عند الانصراف، وكانت العبرة لحالة الانصراف لا لحالة الشروع؛ لأن الرخصة في الانصراف، فيعتبر قيام الرخصة وقت الانصراف.
ولو افتتح الإمام بهم صلاة الظهر وهم مقيمون، فأقبل العدو، وانحرفت طائفة من المصلين بعد الركعتين لم تفسد صلاتهم، لأنهم لو انحرفوا حال حضور العدو بعد الركعتين لا تفسد صلاتهم، لأنه أوان الانحراف كذا هنا.
وإن انحرفوا بعدما صلوا ركعة فسدت صلاتهم؛ لأن هذا ليس أوان الانحراف، ولهذا لو كان العدو حاضرًا، وانحرفوا بعد الركعة الأولى تفسد صلاتهم، ولو حضر
[ ٢ / ١٣٢ ]
العدو بعدما صلى الظهر ثلاث ركعات، وانصرفت طائفة منهم ليقفوا بإزاء العدو، لا ذكر لهذا الفصل في «الكتاب» .
وقد اختلف المشايخ، قال بعضهم: لا تفسد صلاتهم؛ لأن بعد أداء الشطر إلى أن يفرغ الإمام أوان الانحراف للطائفة الأولى. وبعضهم قالوا: تفسد صلاتهم لأن الخوف تحقق في الشفع الثاني، فكان حكمهم حكم الطائفة الثانية، وليس هذا أوان الانحراف في حق الطائفة الثانية.
فلو أن الإمام قال لأصحابه: لتقف طائفة منكم في موضع كذا ينتظرون العدو حضور العدو وصلى بطائفة أخرى جاز له ذلك، هكذا ينبغي للإمام أن يفعل؛ لأن العدو إذا لم يكن حاضرًا لا يجوز له صلاة الخوف، وربما يحضر العدو في حال لا يمكنهم الانحراف، فكان النظر في هذا، فإن أقبل العدو فاستقبلهم الطائفة الواقفون وانحرف طائفة من المصلين مع الإمام، إن كان الانحراف بعد الركعة الأولى تفسد صلاتهم، وإن كان الانحراف بعد الركعة الثانية لا تفسد صلاتهم لما مر.
فإن افتتح الإمام الصلاة بطائفة والعدو حاضر، ثم ذهب العدو بعدما صلوا شطر الصلاة لا ينبغي لهم أن ينحرفوا ولكن الطائفة الثانية يأتون فيصلون بقية الصلاة، فإن انحرفت الطائفة الأولى تفسد صلاتهم، لأن الانحراف مفسد للصلاة بنصية «الأصل»، وإنما رخص بالشرع لأجل الضرورة، فإذا زالت الضررة يرد إلى الأصل.