وإنه مختلف فيه فأبو حنيفة ﵀: لا يعتبر النصاب، بل يوجب العشر في كل قليل وكثير أخرجته الأرض مما تستنمى به الأرض، ومما اعتبر النصاب قالا: لا يجب العشر حتى يبلغ الخارج خمسة أوسق، والوسق ستون صاعًا، فخمسة الأوسق تكون ثلثمائة أصوع، فما لم يبلغ الخارج ثلثمائة أصوع لا يجب فيه العشر، وإنما اعتبر النصاب لإيجاب العشر؛ لأن هذ نوع زكاة فيعتبر ههنا النصاب قياسًا على الزكاة المعهودة، ويؤيده قوله ﵇ «فيما دون خمسة أوسق صدقة» .
ولأبي حنيفة ﵀: العمومات الواردة في هذا الباب من غير فصل فيما إذا قل الخارج أو كثر، والحديث الذي روينا محمول على الزكاة؛ لأنها هي الصدقة المطلقة، وإنما قدراه بالأوسق إما اتباعًا للحديث؛ أو لأنهم كانوا يتبايعون بالأوسق وإنما قدرناه بالخمسة؛ لأن ما دون الخمسة الأوسق كان لا يبلغ مائتي درهم في ذلك الزمان، والتقدير بالأوسق عندهما فيما يدخل تحت الوسق، ويكال به كالحنطة، والشعير، والذرة، وأشباهها، فأما ما لا يدخل تحت الوسق، ولا يكال به كالقطن، والزعفران، والفانيد، والسكر، والعسل وأشباهها، فعند أبي يوسف: تعتبر القيمة.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
فبعد ذلك اختلفت الروايات عنه روى الفضل بن عاصم عنه: إذا بلغت قيمة الخارج فيه خمسة أوسق من أدنى الأشياء الخمسة الحنطة، والشعير، والذرة، والتمر، والزبيب يجب العشر، وما لا فلا، وروى ابن سماعة عنه: إذا بلغت قيمة الخارج فيه خمسة أوسق من أدنى ما يجب فيه العشر نحو الأرز، والعدس، والحمص، والمج يجب فيه العشر، وإلا فلا، وهو رواية ابن رستم عن محمد، وروى ابن سماعة عن محمد: أنه يعتبر خمسة أعداد على ما يقدر به ذلك الشيء، ففي القطن خمسة أحمال وفي العسل خمسة أفراق، والفرق ستون رطلًا بالعراقي، وفي الزعفران، والسكر، والفانيد خمسة أمنان، وهذا هو المشهور من قوله.
فأبو يوسف يقول: نصب النصاب بالرأي لا يكون ويكن فيما ورد عليه النص يعتبر المنصوص عليه، وفيما لا نص فيه تعتبر القيمة، ولا نص في هذه الأشياء، فتعتبر القيمة، بعد هذا قال: تعتبر قيمة الأدنى ولا تعتبر قيمة الأقصى نظرًا للفقراء غير أن في إحدى الروايتين لم يعتبر الأدنى من جملة ما يوسق، وكأنه فعل ذلك نظرًا لأرباب الأموال، لأنه كما يجب نظرًا للفقراء، يجب نظرًا لأرباب الأموال، فقد اعتبرنا نظرًا للفقراء حتى لم نعتبر الأقصى، فيجب اعتبار نظر أرباب المال، وذلك في أن لا يعتبر الأدنى من جميع ما يوسق.
ومحمد يقول: إن القيمة ساقطة الاعتبار في هذا الباب بالإجماع، فإن الغير يجب باعتبار العين بالإجماع، والشرع اعتبر الوسق في الموسقات أقصى ما يقدر به المغاير، فإنه يقدر أولًا بالمد، ثم بالصاع، ثم بالوسق، فاعتبرنا في هذه الأشياء التي لا تدخل تحت الوسق أقصى ما يقدر به من المغاير، استدلالًا بالموسقات، وأقصى ما يقدر به السكر، والفانيد، والزعفران المنّ، وأقصى ما يقدر به العسل الفرق، وأقصى ما يقدر به القطن الحمل، فقدرناه بذلك. هذا إذا كان الخارج جنسًا واحدًا، وإن أخرجت الأرض أجناسًا مختلفة كالحنطة، والشعير، والذرة، ولم يبلغ كل نوع منها خمسة أوسق، فعن أبي يوسف روايات:
أحدها: أنه لا يجب شيء حتى يبلغ كل نوع نصابًا؛ لأن العشر في ما يدخل تحت الوسق يجب باعتبار العين، والتكميل باعتبار العين متعذر لاختلاف العين كما في السوائم.
وفي رواية: كل نوعين لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا دليل المجانسة، قال القدوري: وهو قول محمد.
وفي رواية أخرى قال: كل ما أدرك في وقت واحد ضم بعضه إلى بعض، وما لا يدرك في وقت واحد لا يضم.
قال في «المنتقى»: وبهذه الرواية كان يقول محمد ﵀ أولًا، ثم رجع إلى الرواية الأولى.
وجه هذه الرواية أن الحق إنما يجب باعتبار المنفعة فما أدرك في وقت واحد،
[ ٢ / ٣٢٨ ]
فمنفعته واحدة، فلا يعتبر اختلافه كالعروض، ولو حصل خمسة أوسق مختلفة في وسائق مختلفة، فإن كان العامل واحد انضم البعض إلى البعض، وأخذ العشر، وإن اختلف العامل، فلا سبيل لأحد من العاملين على الخارج الذي في عمله حتى يبلغ خمسة أوسق، وهذا لأن حق الأخذ للعامل بالحماية، فإذا كان العامل مختلفًا فإنما حمى كل واحد منهما أقل من خمسة أوسق، فلا يثبت له حق الأخذ، ولا كذلك ما إذا كان العامل واحدًا، وهذا كله قول أبي يوسف، وقال محمد: لا يثبت لاختلاف العامل بعد اتحاد المالك.
ووجهه أن الأراضي كلها محمية بحماية الإمام الأكبر، فكان حق الأخذ باقيًا للإمام الأكبر، والعاشر نائب عنه، فيثبت له حق الأخذ بحكم النيابة، وذكر الحاكم الشهيد في «المنتقى»: رجل له في كور من أرض يخرج من كل واحد منهما وسقان ونصف من بر يوجب فيه العشر.
ولو كان له نخل وكرم، فخرج من كل واحد منهما أربعة أوسق لم يوجد منه شيء وكذلك الحنطة، والشعير.
وفي «المنتقى» أيضًا: أبو سليمان عن محمد عن أبي حنيفة في التمور المختلفة جمع بعضها إلى بعض من غير خلط، وقد بلغت خمسة أوسق أنه يؤخذ منها الصدقة من أوساطها، حتى إنه إذا اجتمع تمر دقل وتمر فارسي وتمر بري، أخذ العشر من الوسط، وهو قول محمد.
وقال أبو حنيفة بعد هذا: إنه يؤخذ من كل صنف بحصته، قال أبو الفضل، وهو القياس.
وفيه أيضًا: إذا كان له شجرة لها ثمر بان مثل العصفر والقرطم لا يجمعان كلاهما، وإن كانا لو جمعا بلغا خمسة أوسق من أدنى ما يخرج من الأرض، ولكن إذا بلغ كل واحد منها خمسة أوسق من أدنى ما تخرج الأرض، ففيه العشر.
وفيه أيضًا: ابن سماعة عن محمد: أرض زرعت مرتين في السنة، فأخرجت كل مرة أربعة أوسق، ففيه العشر؛ لأنه زرع سنة.
وفيه أيضًا: رجل زرع مراحًا له في السنة ثلاث مرات، فمرة خرج وسقان من سمسم، ومرة خرج وسقان من حنطة، ومرة خرج وسقان من شعير، فلا عشر فيه حتى يكون من نوع واحد خمسة أوسق. وقال إبراهيم بن هراسة: يضم البعض إلى البعض، وروى خالد بن صبح: أنه لا يضم.
وفيه أيضًا: إذا أخرجت الأرض خمسة أوسق من التمر الجاف، أو الزبيب كان فيه العشر فإن بيع رطبًا، أو عنبًا، أو بسرًا أخضر قال: يخرص ذلك تمرًا جافًا وزبيبًا، فإن بلغ خمسة أوسق وجب فيه العشر، وإلا فلا شيء عليه.
وفيه أيضًا: في الطلع يبيعه رب النخل إذا بلغ ثمنه خمسة أوسق من التمر أن فيه العشر، وكذلك العنب الأخضر يبيعه إن بلغ ثمنه خمسة أوسق من الزبيب ففيه العشر؛ لأن هذا جنس واحد وشيء واحد، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٣٢٩ ]