هذا الفصل يشتمل على أنواع: نوع منه الغائط يوجب الوضوء قل أو كثر، وكذلك البول، وكذلك الريح الخارج من الدبر، واختلف المشايخ أن عين الريح نجس، أو هو طاهر إلا أنه يتنجس بمروره على النجاسة، قالوا: وفائدة هذا الخلاف إنما تظهر فيما إذا
[ ١ / ٤٩ ]
خرج منه الريح وعليه سراويل مبتلة هل تتنجس سراويله، فمن قال عينه نجس يقول تتنجس، ومن قال عينه ليس بنجس يقول لا تتنجس.
وأما الريح الخارج من قبل المرأة وذكر الرجل، فقد روي عن محمد أنه يوجب الوضوء، هكذا ذكر القدوري، وبه أخذ بعض المشايخ، وقال أبو الحسن الكرخي: لا وضوء فيه إلا أن تكون المرأة مفضاة، فيستحب لها الوضوء.
وكان الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص الكبير ﵀ يقول: إذا كانت المرأة مفضاة يجب عليها الوضوء، وما لا فلا، وهكذا ذكر هشام عن محمد في «نوادره» .
ومن المشايخ من قال في المفضاة: إن كان الريح، نتنًا يجب عليها الوضوء ومالا فلا، والدودة إذا خرجت من قبل المرأة، فعلى الأقاويل التي ذكرنا، هكذا ذكر الزندويستي في «نظمه»، وفي «القدوري»: أنها توجب الوضوء.
وإن خرجت من الدبر وجب الوضوء بلا خلاف، فرق بين الخارج من الدبر وبين الخارج من الجراحة.
فإن الدودة الخارجة عن رأس الجراحة لا تنقض الوضوء، والفرق من وجهين:
أحدهما: أن الخارج من الدبر يولد من محل النجاسة، فيكون نجسًا والساقط عن رأس الجرح يولد من محل الطهارة لأنه يولد عن اللحم واللحم طاهر والمتولد منه يكون طاهرًا.
والثاني: أن عين الساقط حيوان ليس من جملة الأحداث إنما الحدث ما عليه من البلة وهي قليلة، غير أن القليل حدث في السبيلين، وليس بحدث في سائر الجراحات، لعدم السيلان، وعلى قياس مسألة الدودة الساقطة عن رأس الجراحة استحسن المشايخ في العرق المدني الذي يقال له بالفارسية «رشته» لو خرج من عضو إنسان لا ينقض وضوؤه، وإن خرجت الدودة من الإحليل حكي عن الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني ﵀ أنه ينقض، وكان يحيله إلى «فتاوى خوارزم» .
ولو خرجت الدودة من الفم قيل لا تنقض الوضوء وكذلك الخارجة من الأذن والأنف لا تنقض الوضوء. والمذي ينقض الوضوء، وهو الماء الأبيض الذي يخرج بعد البول، وكذلك الحصاة إذا خرجت من السبيلين تنقض الوضوء؛ لأنها لا تخلو عن بلة وتلك البلة بانفرادها إذا خرجت من السبيلين تنقض الوضوء.
والمني إذا خرج من غير شهوة بأن حمل شيئًا، فسبقه المني أو سقط من مكان مرتفع، فخرج منه مني لم يجب عليه الغسل لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله، ويوجب الوضوء، وكذا دم الاستحاضة حدث يوجب الوضوء عندنا، والأصل فيه قوله
[ ١ / ٥٠ ]
﵇: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة»، ولأنه خارج نجس فيكون حدثًا كالغائط والبول.
وفي هذا المقام نحتاج إلى بيان حد الاستحاضة، فنقول: الاستحاضة إنما تعرف باستمرار الدم بها وقت صلاة كامل، حتى أنه لو سال الدم في وقت صلاة، فتوضأت وصلت ثم خرج الوقت ودخل وقت صلاة أخرى وانقطع الدم ودام الانقطاع إلى آخر الوقت، توضأت وأعادت تلك الصلاة، وإن لم ينقطع الدم في وقت الصلاة الثانية حتى خرج الوقت جازت تلك الصلاة؛ لأن في الوجه الأول السيلان لم يستوعب وقت صلاة كامل، فلم يحكم باستحاضتها. وثبوت الطهارة مع السيلان أمر عرف بثبوتها في حق المستحاضة، فإذا لم يحكم باستحاضتها تبين أنها صلت بغير طهارة، فلزمها الإعادة.
وفي الوجه الثاني: السيلان استوعب وقت صلاة كامل، فحكم باستحاضتها، فتبين أنها صلت بطهارة، فلا يلزمها الإعادة، وإنما شرطنا استيعاب السيلان وقت صلاة كامل اعتبارًا لظرف الثبوت بظرف السقوط، فإن المستحاضة إذا انقطع دمها وقت صلاة كامل خرجت من أن تكون مستحاضة، وإن كان أقل من ذلك لا تخرج من أن تكون مستحاضة،
ومتى حكم باستحاضتها في وقت صلاة إنما يحكم بذلك في وقت صلاة أخرى إذا وجد السيلان في وقت الصلاة الأخرى مقارنًا للوضوء، أو طارئًا على الوضوء، ولا يكتفى بوجود السيلان في وقت الصلاة الأخرى سابقًا على الوضوء، حتى إن المرأة إذا استحيضت، فدخل وقت العصر ودمها سائل، وانقطع فتوضأت والدم كذلك منقطع، فلما صلت ركعتين من العصر غربت الشمس، فإنها تمضي على صلاتها.
ولو حكم باستحاضتها لا تنقض طهارتها بخروج وقت العصر؛ لأن طهارة المستحاضة تنتقض بخروج الوقت على ما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى، فينبغي أن لا تمضي على صلاتها، وحد صيرورة الإنسان صاحب جرح سائل بالسلس والرعاف والدمامل والجراحات واستطلاق البطن وحد المستحاضة سواء؛ لأن المعنى يجمعهما.
وكان الفقيه أبو القاسم الصفار البلخي ﵀ يقول: صاحب الجرح السائل أن يسيل جرحه في وقت الصلاة مرتين أو مرارًا، فإن كان أقل من ذلك لا يكون صاحب جرح سائل. وفي «الفتاوى»: وينبغي لمن رعف أو سال من جرحه دم أن ينتظر آخر الوقت، وإن لم ينقطع الدم يتوضأ ويصلي.
بعد هذا يحتاج إلى معرفة أحكام المستحاضة ومن بمعناها وبمسائلها، وإنها تنبني على أصول:
أحدها: أن الثابت مع المنافي لضرورة يتقدر بقدر الضرورة؛ لأن الموجب للثبوت الضرورة، فإذا ارتفعت الضررة فقد ارتفع الموجب للثبوت، فينبغي نقضه الباقي.
[ ١ / ٥١ ]
قلنا وطهارة المستحاضة ثابتة مع قيام المنافي، وهو السيلان، لضرورة وهي الحاجة إلى الطهارة، ولإسقاط ما في الذمة من الصلاة المفروضة بالأداء إذ لا أداء إلا بالطهارة، فثبتت الطهارة، وكلما مست الضرورة إلى الثبوت مست الضرورة إلى البقاء إذ لا أداء إلا بالبقاء، كما لا أداء إلا بالثبوت.
بعد هذا اختلف العلماء في تقدير هذه الطهارة، فالشافعي ﵀ قدرها بالأداء حتى قال: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة مكتوبة، وتصلي بوضوئها ما شاءت من النوافل؛ لأن ثبوت طهارتها ضرورة الحاجة إلى أداء المفروضة وإذا أدى المفروضة في وقتها فقد ارتفعت الضرورة إذ المشروع في وقت فرض واحد على ما على الأصل.
ولا يجوز بقاء ما ثبت بالضرورة بعد ارتفاع الضرورة، وإليه أشار علماؤهم في قوله: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة إلا أن النوافل تابعة للفرائض، فتثبت الطهارة في حق النوافل بطريق التبعية، أما فرض آخر فليس بتبع لهذا الفرض فثبوت الطهارة في حق فرض الوقت لا يوجب ثبوت الطهارة في حق فرض آخر (٤ب١) .
وعلماؤنا ﵏ قدروا البقاء بالوقت حتى قالوا المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي بوضوئها ما شاءت من النوافل والفرائض في الوقت؛ لأن الفرض معرفة مقدار البقاء، وذلك إنما يحصل بتقديره بما هو معلوم في نفسه، وفعل الأداء يتفاوت بتفاوت الناس، فقدرناه بالوقت لكونه معلومًا في نفسه بالتفاوت، فيصير مقدار بقاء الطهارة معلومًا، ولأن ثبوت الطهارة وإن كان ضرورة الحاجة إلا أن الوقت قائم مقام الحاجة؛ لأن لها حق التنفل كل الوقت بالأداء إلا أن الشرع رخص لها صرف بعض الأزمان إلى حاجة نفسها تيسرًا عليها، وشرع اليسر بطريق الرخصة لا يوجب بطلان اليسر المتعلق بالعزيمة واليسر المتعلق بالعزيمة بقاء الطهارة ما بقي الوقت، وإليه أشار ﵇ في قوله: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» وما روي محمول على الوقت، فإن اسم الصلاة يحتمل الوقت قال ﵇: «إن للصلاة أولًا وآخرًا» أي لوقت الصلاة أولًا وآخرًا، فوجب العمل على الوقت توفيقًا بين الروايتين، وإذا تقدر بقاء الطهارة بالوقت كان لها أن تصلي في الوقت ما شاءت.
ثم إذا خرج الوقت في الصلوات التي اتصلت أوقاتها لانعدام الوقت المهمل بين أوقاتها وثبت انتقاض الطهارة تضاف بالانتقاض إلى خروج الوقت، أو إلى دخول وقت آخر، وقال عامة المشايخ: إن على قول أبي حنيفة ومحمد تضاف إلى خروج الوقت. وعند زفر تضاف إلى دخول وقت آخر. وعند أبي يوسف تضاف إلى أيهما وجد.
وثمرة الخلاف لا تظهر في هذه الصلوات التي اتصلت أوقاتها؛ لأن ما من وقت يخرج إلا ويدخل وقت آخر وما من وقت يدخل إلا ويخرج وقت آخر، وإنما تظهر في
[ ١ / ٥٢ ]
الصلوات التي لا تتصل أوقاتها، ولذلك صورتان:
إحداهما: إذا توضأت بعد طلوع الفجر للفجر، وطلعت الشمس تنتقض طهارتها عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بخروج الوقت، حتى لم يكن لها أن تصلي صلاة الضحى بتلك الطهارة، وكذلك عند أبي يوسف؛ لأنه يعتبر أي الأمرين وجد إما الخروج أو الدخول، وعند زفر لا تنتقض لانعدام دخول الوقت.
والثانية: إذا توضأت بعدما طلعت الشمس لا تنتقض طهارتها إلا بخروج وقت الظهر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، حتى كان لها أن تصلي الظهر بتلك الطهارة، وعند أبي يوسف وزفر تنتقض بدخول وقت الظهر.
والصحيح ما قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأن طهارة المستحاضة للحاجة إلى أداء فرض الوقت، وخروج الوقت يدل على انقضاء الحاجة، وانقضاء الحاجة يدل على انتقاض الطهارة، أما دخول الوقت يدل على تحقق الحاجة، وتحقق الحاجة يدل على ثبوت الطهارة يجب أن يضاف انتقاض الطهارة إلى خروج الوقت الدال على انتفاء الحاجة التي تدل على انتقاض الطهارة، لا إلى دخول الوقت الدال على تحقق الحاجة التي تدل على ثبوت الطهارة.
وأصل آخر: أن طهارة المستحاضة متى انتقضت بخروج الوقت عندهما يستند الانتقاض إلى السيلان السابق، وهذا لأن خروج الوقت ليس سببًا لانتقاض الطهارة؛ لأنه ليس بحدث، ولا يثبت حكم ما بغير سبب، فيثبت الانتقاض مستندًا إلى السيلان السابق، ليكون الانتقاض بسببه هذا كما قلنا في البيع بشرط الخيار إذا سقط الخيار بمضي المدة أو بإسقاطهما ويثبت الملك، يثبت مستندًا إلى البيع ولا يقتصر، لأن الملك حكم لا بد له من السبب، ولا سبب هنا سوى البيع ويستند الملك إليه ليكون ثبوت الملك بسببه إلا أن الاستناد إنما يظهر في حق القائم من الأحكام، ولا يظهر في حق المقتضي، ولهذا لا يظهر في حق الصلاة المؤداة حتى لا يبطل ما أدت من الصلاة.
وأصل آخر: أن الطهارة متى وقعت للسيلان لا يضرها سيلان مثله في الوقت ويضرها حدث آخر، وخروج الوقت. ومتى وقعت للحدث يضرها حدث آخر والسيلان، ولا يضرها خروج الوقت، وإنما تعتبر الطهارة واقعة للسيلان إذا كان السيلان مقارنًا للطهارة حقيقة أو اعتبارًا، فالحقيقة ظاهرة، والاعتبار: أن يكون الدم منقطعًا وقت الطهارة حقيقة ثم سال قبل أن يستوعب الانقطاع وقت صلاة كامل، ويشترط مع ذلك أن تكون الطهارة محتاجًا إليها لأجل السيلان.
وإنما تعتبر الطهارة واقعة للحدث إذا لم يكن السيلان مقارنًا للطهارة حقيقة واعتبارًا والحقيقة ظاهرة، والاعتبار: أن يكون الدم منقطعًا وقت الطهارة واستوعب الانقطاع وقت صلاة كامل، أما الطهارة إذا وقعت للسيلان إنما لا يضرها سيلان مثله في الوقت؛ لأن الدم يسيل مرة بعد مرة فتبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت، فتحرج ويضرها حدث آخر؛ لأنه لا يوجد مرة بعد مرة أخرى، فلا تبقى مشغولة بالوضوء في الوقت لا محالة.
[ ١ / ٥٣ ]
وإن كان يوجد إلا أنه لا يوجد مرة بعد مرة، فلا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت، فلا تحرج ويضرها خروج الوقت لما ذكرنا أن طهارة المستحاضة مقدرة بالوقت، فلا تبقى بعد خروج الوقت؛ وأما إذا وقعت الطهارة للحدث إنما يضرها حدث آخر لأنه لا يوجد مرة بعد مرة أخرى، فلا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت، فلا تحرج ويضرها السيلان أيضًا؛ لأنه لا حرج فيه؛ لأنها لا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت أيضًا؛ لأن السيلان إنما يوجد بعد مضي وقت صلاة كامل إذا كانت الطهارة واقعة للحدث، ولا يضرها خروج الوقت؛ لأن الطهارة عن الحدث ليست بطهارة ضرورية مع قيام المنافي، فكانت هذه الطهارة وطهارة الصحيح سواء، طهارة الصحيح لا يضرها خروج الوقت كذا ههنا.
مسائل الأصل الأول ذكرناها في الأصل الأول.
مسائل الأصل الثاني بعضها يأتي في فصل المسح على الخفين، وبعضها في آخر هذا النوع.
مسائل الأصل الثالث
إذا استحيضت المرأة، فدخل وقت الظهر ودمها سائل، فتوضأت ثم انقطع الدم بعد الوضوء، فصلت الظهر ودام الانقطاع إلى أن خرج وقت الظهر تنتقض طهارتها؛ لأن هذه الطهارة وقعت للسيلان لكون السيلان مقارنًا لها، وقد ذكرنا أن الطهارة الواقعة للسيلان يضرها خروج الوقت، فإن توضأت في وقت العصر والدم منقطع وصلت العصر ثم سال الدم بعد ذلك في وقت العصر لا تنتقض طهارتها؛ لأن طهارتها في وقت العصر وقعت للسيلان، لكون السيلان مقارنًا لها اعتبارًا بثباته، وهو من الانقطاع الناقص، وهو الانقطاع الذي لا يستوعب وقت صلاة كامل، وإنما يوجد في بعض وقت الصلاة دون البعض ليس بفاصل بين الدمين والانقطاع التام الذي يستوعب وقت صلاة كامل فاصل، وهذا لأن الدم لا يسيل على الولاء، بل ينقطع ساعة ويسيل أخرى، فلو جعلنا الناقص فاصلًا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت، فلا يمكنها إقامة الصلاة في الوقت أبدًا. أما لو جعلنا الكامل فاصلًا لا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت فعليها الأداء في الوقت.
إذا ثبت هذا، فنقول في مسألتنا: الانقطاع لم يستوعب وقت صلاة كامل، فلم يصر فاصلًا بل جعل كالدم المتوالي، فكان السيلان مقارنًا للطهارة في وقت العصر اعتبارًا، فكانت واقعة للسيلان، فلا تنتقض بسيلان مثله ما دام الوقت باقيًا.
فإن كان الدم لم يسل وقت العصر، بل دام الانقطاع إلى أن دخل (٥أ١) وقت المغرب، فإذا توضأت تعيد الظهر، ولا تعيد العصر. وإنما تعيد الظهر لأن الانقطاع استوعب وقت صلاة كامل، فجعل فاصلًا بين الدمين، وحكم بزوال ذلك العذر، فتبين أنها صلت الظهر بطهارة المعذورين ولا عذر بها، وإنما لا تعيد العصر؛ لأنها صلتها بطهارة كاملة، أكثر ما في الباب أن الظهر وقع فاسدًا، ولكن وقوعه فاسدًا ظهر للحال لا وقت أداء العصر، فوقت أداء العصر لا ظهر عليها بزعمها، فكانت في معنى الناس للظهر
[ ١ / ٥٤ ]
وقت أداء العصر والترتيب يسقط بالنسيان، فإن كان حين ما توضأت للظهر الدم سائل، فصلت الظهر والدم كذلك سائل ثم انقطع بعد ذلك، وسال في وقت المغرب لا تعيد الظهر؛ لأنه تبين أنها صلت الظهر بطهارة المعذورين والعذر قائم من أوله إلى آخره، وإنما زال العذر بعد الفراغ منها، وزوال العذر بعد الفراغ لا يوجب الإعادة، كالمتيمم إذا وجد الماء بعد الفراغ، والعاري إذا وجد الثوب بعد الفراغ.
وإذا استحيضت المرأة فدخل وقت العصر ودمها سائل، فتوضأت والدم كذلك سائل، فقامت تصلي العصر فلما صلت ركعتين من العصر غربت الشمس انتقضت طهارتها؛ لأن طهارتها وقعت للسيلان، لكون السيلان مقارنًا لها، فتنتقض بخروج الوقت. فتتوضأ وتستأنف الصلاة، ولا تبني لما ذكرنا أن انتقاض الطهارة بخروج الوقت يستند إلى وقت السيلان السابق، فتبين من وجه أن الشروع في الصلاة كان مع الحدث، وجواز البناء عرف شرعًا بخلاف القياس في موضع كان الحدث طارئًا على الشروع من كل وجه فبينما عداه يبقى على أصل القياس.
ولو دخل وقت العصر ودمها سائل وانقطع، وتوضأت والدم كذلك منقطع، فلما صلت ركعتين من العصر غربت الشمس، فإنها تمضي على صلاتها ولا تعيد الوضوء، وإن سال الدم بعد ذلك في وقت المغرب وهي في العصر تعيد، فإنها تتوضأ وتبني على صلاتها.
طعن عيسى بن أبان ﵀ فقال: ينبغي أن تعيد الوضوء ولا تمضي على صلاتها؛ لأن الطهارة ههنا وقعت للسيلان، لكون السيلان مقارنًا لها حكمًا؛ لأن الانقطاع لم يستوعب وقت صلاة كامل لما سال الدم في وقت المغرب، فلا يجعل فاصلًا بين الدمين كما قلتم في مسألة الطهر التي تقدم ذكرها، بل يجعل الدم المتوالي، فكان السيلان قائمًا حكمًا، فكانت الطهارة واقعة للسيلان فتنتقض بخروج الوقت، وإذا انتقضت بخروج الوقت يستند الانتقاض إلى الحدث، وتبين أن الشروع كان مع الحدث من وجه، فينبغي أن تستأنف الصلاة.
والجواب: أن السيلان منقطع حقيقة وقت الوضوء، إلا أن الانقطاع الناقص لا يجعل فاصلًا، ويجعل السيلان قائمًا حكمًا تخفيفًا عليها، كما في مسألة الظهر التي تقدم ذكرها، فإن هناك لو جعلنا الانقطاع الناقص فاصلًا تبقى مشغولة بالوضوء في كل الوقت، فلم يجعل فاصلًا، وجعل السيلان قائمًا حكمًا تخفيفًا عليها.
فأما ههنا لو لم يجعل الانقطاع الناقص فاصلًا، وجعلنا السيلان قائمًا حكمًا،
[ ١ / ٥٥ ]
كانت طهارتها في وقت العصر واقعة للسيلان، فتنتقض بخروج الوقت، وفي ذلك تغليظ عليها، فيعود على موضوعه بالنقض، وإنه لا يجوز، وإذا لم تنتقض طهارتها بخروج وقت العصر لا يستند الانتقاض إلى وقت الحدث السابق، فلا يتبين أن الشروع كان مع الحدث والله أعلم.
وإذا استحيضت المرأة، فدخل وقت الظهر ودمها سائل، فتوضأت وصلت ودمها كذلك سائل، ثم انقطع الدم وأحدثت حدثًا آخر غير الدم وتوضأت لحدثها والدم كذلك منقطع، ثم دخل وقت العصر، لا تنتقض طهارتها؛ لأن الطهارة الثانية في وقت الظهر ما وقعت للسيلان، لعدم مقارنة السيلان إياها وعدم طريانه عليها، فلا ينتقض بخروج الوقت، فإن توضأت في وقت العصر مع أن طهارتها لم تنتقض بخروج وقت الظهر والدم كذلك منقطع ثم سال الدم، فعليها أن تتوضأ.
وكان ينبغي أن لا تتوضأ لأن طهارتها في وقت العصر وقعت للسيلان؛ لكون السيلان مقارنًا لها اعتبارًا لأن الانقطاع لو لم يستوعب وقت صلاة كامل لما سال الدم في وقت العصر، فيجعل السيلان قائمًا حكمًا، فكانت الطهارة في وقت العصر واقعة للسيلان، فلا تنتقض بسيلان مثله في الوقت.
والجواب: أن الطهارة إنما تعتبر للسيلان إذا كانت الطهارة محتاجًا إليها، لأجل السيلان، والطهارة في وقت العصر غير محتاج إليها أصلًا؛ لأن الطهارة الثابتة في وقت الظهر لم تنتقض بخروج وقت الظهر، فلم تكن الطهارة في وقت العصر محتاجًا إليها، فصار وجودها والعدم بمنزلة، والطهارة الثابتة في وقت الظهر كانت واقعة عن الحدث حتى لم تنتقض بخروج الوقت، فجاز أن تنتقض بالسيلان، ولأن الطهارة إنما تعتبر واقعة للسيلان إذا اعتبر السيلان قائمًا حكمًا؛ لأن السيلان وقت الطهارة منقطعة عنها حقيقة، وإنما يعتبر السيلان قائمًا حكمًا فيما كان منقطعًا حقيقة تخفيفًا عليها، وههنا لو اعتبرنا السيلان قائمًا حكمًا كان فيه تغليظ عليها.
بيانه: أنا لو اعتبرنا السيلان قائمًا حكمًا كان طهارتها الثابتة في وقت الظهر واقعة للسيلان، فيلزمها الوضوء بخروج وقت الظهر، فلا يعتبر السيلان قائمًا حكمًا فلم تكن الطهارة في وقت العصر واقعة للسيلان.
فإن قيل: في اعتبار السيلان قائمًا حكمًا تخفيف عليها، وإن طهارتها في وقت العصر تكون واقعة عن السيلان، فلا يلزمها الوضوء متى سال الدم بعد ذلك في وقت العصر. قلنا؛ يوجه في هذه المسألة تحقيقان واعتبارهما متعذر لما فيهما من التنافي، فكان اعتبار التخفيف فيما ذكرنا أولى، لا أنا اعتبرنا التخفيف فيما هو سابق وأصل، وأنتم اعتبرتم التخفيف فيما هو متأخر وتبع، فكان ما قلناه أولى من هذا الوجه.
وكذلك لو أحدثت حدثًا آخر غير الدم في وقت العصر، فتوضأت لذلك الحدث ثم سال الدم بعد الوضوء في وقت العصر كان عليها أن تتوضأ، وكان ينبغي أن لا تتوضأ؛ لأن طهارتها ههنا وقعت للسيلان لكون الطهارة محتاجًا إليها، ولمقارنة السيلان إياها، فينبغي أن لا تنتقض بسيلان مثله ما دام الوقت باقيًا.
[ ١ / ٥٦ ]
والجواب: الطهارة إنما تعتبر واقعة للسيلان إذا كانت الطهارة محتاجًا إليها؛ لأجل السيلان، والطهارة في وقت العصر غير محتاج إليها؛ لأجل السيلان؛ لأنها إنما تكون محتاجًا إليها لأجل السيلان إن لو كانت الطهارة في وقت الظهر لم تنتقض بخروج وقت الظهر، فلم تكن الطهارة في وقت العصر محتاجًا إليها؛ لأجل السيلان إليها بل كانت محتاجًا إليها لأجل الحدث، فاعتبرت واقعة عن الحدث، فجاز أن تنتقض بالسيلان وإن كانت في الوقت.
وفي «الفتاوى»: وينبغي لصاحب الجرح أن يعصب الجرح، ويربط تقليلًا للنجاسة، ولو ترك التعصيب لا بأس به، وإن سال الدم بعد الوضوء حتى نفذ الرباط يصلي كذلك، وتجوز صلاته.
وإن أصابت ثوبه من ذلك الدم أكثر من قدر الدرهم لزمه غسل الثوب إذا علم أنه لو غسله لا يصيبه الدم ثانيًا وثالثًا، أما إذا علم أنه يصيبه ثانيًا وثالثًا لا يفترض عليه غسله.
وفي «واقعات الناطفي»: إذا كان له جرح سائل، وقد شد عليه خرقة، فأصابها أكثر من قدر الدرهم أو أصاب ثوبه أكثر من قدر الدرهم، إن كان بحال لو غسل يتنجس قبل الفراغ من الصلاة ثانيًا جاز له أن لا يغسل ويصلي قبل أن يغسله، وإلا فلا. قال الصدر الشهيد ﵀ هو المختار.
وفي «الأجناس»: رجل يسيل من أحد منخريه دم فتوضأ والدم سائل، ثم احتبس الدم من هذا المنخر وسال من المنخر الآخر انتقض وضوءه، وإن كان به دمامل (٥أ١) أو جدري منها ما هي سائلة، ومنها ما ليست بسائلة وبعضها سائلة، ثم سالت التي لم تكن سائلة انتقض وضوؤه، والجدري قروح وليست بقرحة واحدة.
وفي «المنتقى»: أبو سليمان عن محمد رحمهما الله: رجل به جرحان لا يرقآن، فتوضأ ثم رقأ أحدهما قال: يصلي، وكذلك إن سكن هذا الآخر وسال الذي كان ساكنًا؛ لأنهما في هذا بمنزلة جرح واحد.
الحائض إذا حبست الدم عن الخروج لا تخرج من أن تكون حائضًا، وصاحب الجرح السائل إذا منع الدم عن الخروج لا يخرج من أن يكون صاحب جرح سائل، فعلى هذا المفتصد لا يكون صاحب جرح سائل، وأما المستحاضة إذا منعت الدم عن الخروج هل تخرج من أن تكون مستحاضة؟ ذكر هذه المسألة في «الفتاوى الصغرى» إنها تخرج من أن تكون مستحاضة حتى لا يلزمها الوضوء في وقت كل صلاة وذكر في موضع آخر إنها لا تخرج من أن تكون مستحاضة.
وفي «المنتقى»: عن أبي يوسف أنه سئل عن المستحاضة تحتشي ثم تصلي ولا يسيل الدم؟ الاحتشاء إذا منع ظهور الدم في حق المستحاضة لم يمنع حكم الاستحاضة، وفي الدبر الاحتشاء إذا منع ظهور الحدث منع حكمه، وهو الوضوء حتى إن من به
[ ١ / ٥٧ ]
استطلاق بطن إذا حشا دبره كيلا يخرج منه شيء، فلم يخرج فلا وضوء عليه، وليس بحدث حتى يظهر منه. وإذا حشا إحليله بقطنة خوفًا من خروج البول، ولولا القطنة يخرج منه البول، فلا بأس به، ولا ينتقض وضوءه حتى يظهر البول على القطنة، وإن ابتل الطرف الداخل من القطنة ولم ينفذ أو نفذ لكن الحشو متسفل عن رأس الإحليل لا يعطى له حكم الخروج حتى لا ينتقض وضوءه، وإن كان الحشو عاليًا عن رأس الإحليل أو محاذيًا لرأس الإحليل إن نفذ يعطى له حكم البروز، وينتقض وضوءه، وإن لم ينفذ لا يعطى له حكم البروز ولا ينقض وضوءه، وإن سقطت القطنة إن كانت رطبة يثبت لها حكم البروز، وإن كانت يابسة لا يثبت لها حكم البروز.
وإذا احتشت المرأة فإن كان الاحتشاء في الفرج الخارج والفرج الخارج بمنزلة الألسن والقلفة، فإذا ابتل داخل الحشو ونفذ إلى خارجه أو لم ينفذ انتقض وضوءها، وإن كان الاحتشاء في الفرج الداخل فابتل داخل الحشو إن لم ينفذ إلى خارجه لا ينتقض وضوءها، وإن نفذ إلى خارجه إن كان الكرسف عاليًا عن حرف الفرج الداخل، أو كان محاذيًا له ينتقض وضوءها، وإن كان متسفلًا عنه لا ينتقض وضوءها، وإن سقط الحشو إن كان يابسًا لا ينتقض وضوءها، وإن كان رطبًا ينتقض وضوءها وفي حق هذا الحكم يستوي الفرجان جميعًا والله أعلم.
(نوع آخر) مما يوجب الوضوء
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: نفطة قشرت فسال منها ماء أو غيره عن رأس الجرح، ينتقض الوضوء، وإن لم يسل لا ينتقض الوضوء، وشرط السيلان لانتقاض الوضوء في الخارج من غير السبيلين، وهذا مذهب علمائنا الثلاثة ﵏، وإنه استحسان.
وقال زفر ﵀: إذا علا وظهر على رأس الجرح ينتقض وضوءه، وهو القياس. وأجمعوا على أن في الخارج من السبيلين لا يشترط السيلان، ويكتفى بمجرد الظهور، وجه الاستحسان: ما روى تميم الداري عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «الوضوء من الدم السائل»، وعن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «الوضوء من كل دم سائل» .
والمعنى: أن الحدث هو الخارج النجس، وإنما يتحقق الخروج بالانتقال عن موضع النجاسة، وإنما يتحقق الانتقال في غير السبيلين بالسيلان؛ لأن بدن الآدمي موضع الدماء والرطوبات السائلة، وإذا انقطعت الجلدة كانت الدماء بادية ظاهرة لا منتقلة عن موضعها، كالبيت إذا انهدم كان الساكن فيه ظاهرًا لا منتقلًا عن موضعه، بخلاف ما إذا
[ ١ / ٥٨ ]
ظهر البول عن رأس الإحليل؛ لأن موضع البول المثانة لا رأس الإحليل، فإذا ظهر على رأس الإحليل كان منتقلًا عن ضعه بيقين أما ههنا بخلافه.
يوضحه: أن ما يواري الدم من أعلى الجرح محله كان كمن سكن دارًا (كان) ما يوازيه من الأعلى مكانه وحقًا له، وإذا كان ما يوازيه من الأعلى محلًا له، فبمجرد الظهور والعلو على رأس الجرح لا يتحقق الانتقال عن موضعه، فلا يتحقق الخروج، فلا يكون حدثًا كما لو لم يسل عن رأس الجرح والأعيان الخارجة من النفطة كلها مثل الدم، والقيح والصديد والماء سواء فقد تكون النفطة أولًا دمًا ثم تنضج، فتصير قيحًا ثم تزداد نضجًا، فتصير صديدًا ثم قد تصير دمًا، وقد تكون ماءً في الأصل.
وفي لفظ النفطة لغتان: أحدهما بكسر النون، والأخرى بضم النون، وإنها اسم القرحة التي امتلأت وحان قشرها مأخوذ من قولهم: انتفط فلان إذا امتلأ غيظًا، ولو نزل الدم من الرأس إلى موضع يلحقه حكم التطهير من الأنف والأذنين ينقض الوضوء، ولو نزل البول إلى قصبة الذكر لم ينقض الوضوء والفرق: أن في المسألة الأولى النجاسة خرجت بنفسها عن محلها الباطن إلى موضع له حكم الظاهر، ولا كذلك المسألة الثانية حتى أثبت في المسألة الثانية، لو خرج إلى القلفة نقض الوضوء لزواله عن ما لَه حكم الباطن.
وكذلك إذا خرج عن فرج المرأة إلى لزواله عمَّاله حكم الباطن، والموضع الذي يلحقه حكم التطهير من الأنف ما لان منه، فإذا وصل الدم إلى ما لان منه انتقض وضوءه، وإن لم يظهر على الأرنبة، وعن أبي هريرة ﵁ «أنه أدخل أصبعه في أنفه، فأدمت فلما أخرجه رأى على أنملته دمًا فمسحه ثم قام، فصلى ولم يتوضأ» وتأويله عندنا أنه بالغ في إدخاله حتى جاوز ما لان من أنفه إلى ما صلب وكان الدم فيما صلب من أنفه، وكان قليلًا بحيث لو ترك لا ينزل إلى موضع اللين، ومثل هذا ليس بناقض عندنا.
وعن محمد ﵀: فيمن فسقط من أنفه كتلة دم لم تنتقض طهارته، وإن نَقَطَ من أنفه قطرة دم انتقضت طهارته.
وإذا تبين الخنثى أنه رجل أو امرأة، فالفرج الآخر منه بمنزلة الجرح لا ينقض الوضوء ما يخرج منه ما لم يسل، وإذا كان بذكر الرجل جرح له رأسان أحدهما يخرج منه ما يسيل في مجرى البول، والآخر يخرج منه ما لا يسيل في مجرى البول، فالأول: إذا ظهر على رأس الإحليل ينقض الوضوء، وإن لم يسل بمنزلة البول؛ لأنه سال عن موضعه إلى مكان له حكم الظاهر، ولا كذلك الثاني.
المجبوب إذا ظهر منه ما يشبه البول من الموضع الذي يخرج منه البول إن كان
[ ١ / ٥٩ ]
قادرًا على إمساكه إن شاء أمسكه، وإن شاء أرسله إذا ظهر على رأس الثقب فهو بول ينقض الوضوء، وإن كان لا يقدر على إمساكه لا ينقض ما لم يسل، هكذا حكي عن علي الرازي.
المعلّى عن أبي يوسف إذا زال الدم عن رأس الجرح لا ينتقض وضوءه حتى يسيل.
ولو غرز رجل إبرة في يده وخرج منه الدم وظهر أكثر من رأس الإبرة لم ينتقض وضوءه، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: كان محمد بن عبد الله يميل في هذا إلى أن ينتقض وضوءه ورآه سائلًا.
وفي «مجموع النوازل»: إذا حزت في عضوه شوكة أو إبرة أو نحوهما مما جرح ذلك، وظهر منه الدم ولم يسل ظاهرًا انتقض وضوءه؛ لأن الظاهر أنه سال عن رأس الجرح.
وفي «فتاوى خوارزم»: الدم إذا لم ينحدر عن رأس الجرح، ولكن علا، فصار أكثر من رأس الجرح لا ينتقض وضوءه، والفتوى على أنه لا ينتقض وضوءه في جنس هذه المسائل، وإذا عصرت القرحة، فخرح منها شيء كثير، وكانت بحال لو لم يعصرها لا يخرج منها شيء ينتقض الوضوء.
وفي «مجموع النوازل» وفيه أيضًا: جرح ليس فيه شيء من الدم والقيح والصديد دخل صاحبه الحمام أو الحوض، فدخل الماء الجرح، فعصر الرجل الجرح وخرج منه الماء وسال لا ينتقض الوضوء، لأن الخارج ماء، وليس بنجس وإذا مسح الرجل الدم عن رأس الجراحة ثم خرج ثانيًا، فمسحه ينظر: إن كان ما خرج (٦أ١) بحال لو تركه سال أعاد الوضوء، وإن كان بحيث لو تركه لا يسيل لا ينقض الوضوء، ولا فرق بين أن يمسحه بخرقة أو أصبع وكذلك إذا وضع عليه قطنة حتى ينشف ثم صعد ففعل ثانيًا وثالثًا وإنه يجمع جميع ما ينشف، فإن كان بحيث لو تركه سال جعل حدثًا، وإنما يعرف هذا بالاجتهاد وغالب الظن.
وكذلك إن كان ألقى عليه التراب ثم ظهر ثانيًا وتربه ثم ثالثًا أو ألقى عليه دقيقًا أو نخالًا فهو كذلك يجمع كل ذلك، قالوا: وإنما يجمع إذا كان في مجلس واحد مرة بعد أخرى، أما إذا كان في مجالس مختلفة لا يجمع، وكذلك إذا وضع عليه دواءً حتى ينشف جميع ما يخرج منه، فلم يسل عن رأس الجرح، فإن كان ينشف بحيث يسيل بنفسه يجعل حدثًا، ومالا فلا.
وإذا خرج من أذنه قيح أو صديد ينظر، إن خرج بدون الوجع لا ينقض وضوءه، وإن خرج من وجع ينقض وضوءه؛ لأنه إذا خرج من الوجع، فالظاهر أنه خرج من الجرح، هكذا حكى فتوى شمس الأئمة الحلواني ﵀.
وفي «نوادر هشام» عن محمد ﵀: الشيخ إذا كان في عينيه رمد، وتسيل الدموع منها آمره بالوضوء لوقت كل صلاة: لأني أخاف أن ما يسيل قيح أو صديد، فإنه
[ ١ / ٦٠ ]
قد يكون في الجفون جرح. وإذا جرح دبره إن عالجه بيده أو بخرقة حتى أدخله تنتقض طهارته، وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: إن بمجرد خروج المقعد ينتقض وضوءه لخروج النجاسة من الباطن إلى الظاهر.
وإذا عض شيئًا فرأى عليه أثر الدم من أصول أسنانه لا وضوء عليه، وكذلك لأنه ليس بسائل، هكذا ذكر في بعض الفتاوى، وذكر الشيخ الإمام علاء الدين في كتاب أن من أكل خبزًا أو شيئًا من الفواكه، ورأى فيه أثر الدم من أصول أسنانه ينبغي أن يضع إصبعه أو طرف كمه على ذلك الموضع، إن وجد فيه أثر الدم فيه ينتقض وضوءه، وإلا فلا.
وفي «فتاوى سمرقند»: القراد إذا مص من عضو إنسان وامتلأ دمًا إن كان صغيرًا لا ينتقض وضوءه، لأن الدم فيه ليس بسائل، وإن كان كبيرًا انتقض وضوءه؛ لأن الدم فيه سائل.
العلقة إذا أخذت بعض جلد إنسان ومص حتى امتلأ من دمه بحيث لو سقط لسال انتقض الوضوء؛ لأن الدم فيه سائل، والذباب أو البعوض إذا مص عضو إنسان وامتلأ دمًا لا ينتقض وضوءه، وكذلك الذباب إذا مص عضو إنسان وظهر الدم لا ينتقض وضوءه.
(نوع آخر)
وفي «الأجناس»: إذا احتقن الرجل بدهن ثم عاد، فعليه الوضوء؛ لأنه لا ينفك عن نجاسة، وإن أقطر في إحليله دهنًا ثم عاد، فلا وضوء عليه عند أبي حنيفة خلافًا لهما.
وفيه أيضًا: إذا صب دهنًا في أذنه ومكث في دماغه يومًا ثم سال وخرج فلا وضوء عليه، وإن خرج من الفم نقض وضوءه، وذكر هذه المسألة في «القدوري»، وقال: روي عن أبي يوسف أنه لو خرج من فمه، فعليه الوضوء، وأشار إلى أن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وإن خرج من الفم، فلا وضوء عليه، وجه رواية أبي يوسف ﵀: أنه لا يخرج من الفم إلا بعد نزوله الجوف، فصار كالقيء. ولهما أن الرأس ليس موضع النجاسة، والوصول إلى الجوف ليس بمعلوم، فلا ينتقض وضوءه بالشك.
وفي «نوادر هشام»: لو دخل الماء أذن رجل في الاغتسال ومكث ثم خرج من أنفه، فلا وضوء عليه.
وفي «المنتقى»: إبراهيم عن محمد في رجل أدخل عودًا في دبره أو قطنة في إحليله وغيبها كلها، ثم أخرجها أو خرجت بنفسها، فعليه الوضوء، علل فقال: لأنه حين غيبها صارت بمنزلة طعام أكله ثم خرج منه، ولو كان طرف العود بيده ثم أخرجه لم يجب عليه شيء، قال ثمة: ألا ترى أن الرجل لو أدخل المحقنة ثم أخرجها فلم يكن عليه الوضوء، هكذا ذكر، ولكن تأويله إذا لم يكن على العود والمحقنة بلَّة، قال ثمة: ألا ترى أن الرجل يتوضأ، فيدخل يده أي إصبعه في الاستنجاء، ولا ينقض الوضوء، وقال: من
[ ١ / ٦١ ]
استنجى فلم يدخل إصبعه، فليس بتنظيف. قال أبو العباس ﵀: مراده في المسح الظاهر فإنه متى جاوز المسح الظاهر كان تفتيتًا للنجاسة لا تطهيرًا والله أعلم.
(نوع آخر) منه في مسائل القيء وما يتصل بها
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: رجل قلس أقل من ملء فمه لا ينقض وضوءه، وإن ملء قلس فمه مرة أو طعامًا أو ماء نقض الوضوء، وهذا مذهبنا وهي مسألة الخارج من غير السبيلين.
والأصل فيه ما روت عائشة ﵂ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم» والمعنى في ذلك من وجهين:
أحدهما: أن النجاسة متى خرجت يتنجس شيء من ظاهر البدن وثبت احتمال النجاسة في كل البدن، لأنه يحتمل أن يده أصابت ذلك الموضع، وتنجس ثم أصاب يده موضعًا آخر وتنجس، وإذا ثبت هذا الاحتمال وجب غسل كل البدن، لتحصيل القيام إلى الصلاة ببدن طاهر بيقين، هذا وجه مناسب، والشرع ورد به في بعض الأحداث وهو الجنابة، فيمكن إيجاب غسل كل البدن عليه.
والثاني: أن النجاسة إذا أصابت موضع الخروج يجب غسل ذلك الموضع؛ لإزالة النجاسة يقينًا، لأن القيام بين يدي وعليه شيء مما تستقذره الطباع قبيح عند الناس في الشاهد، فكذا في الغائب وهو معنى قوله ﵇: «ما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا، فهو عند الله قبيح» .
وإذا وجب غسل موضع الإصابة يجب غسل الباقي لا لإزالة، ولكن لأن غسل بعض البدن يخل بالزينة كغسل بعض الثوب من الوسخ، والزينة مطلوبة، قال الله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ (الأعراف:٣١) أي عند كل صلاة، فيجب غسل كل البدن صيانة للزينة المطلوبة عن الخلل، فهذان الوجهان يثبتان وجوب غسل كل البدن، إلا أن الشرع أقام غسل الأعضاء الأربعة مقام غسل كل البدن دفعًا للحرج، بهذا الطريق وجب غسل الأعضاء الأربعة في الخارج من السبيلين. ثم القليل منه حدث في القياس، وهو قول زفر. وفي الاستحسان: ليس بحدث لم يشترط أن يكون ملء الفم، واختلفت الأقاويل في تفسيره ملء الفم، بعضهم قالوا: إذا كان بحيث لو ضم شفتيه لم يعلم الناظر أن في فمه شيئًا، فهو أقل من ملء الفم، وإن انتفخ شفتاه وخداه حتى كان يعلم الناظر أن في فمه شيئًا، فهو ملء الفم.
[ ١ / ٦٢ ]
وقال أبو علي الدقاق في «كتابه»: إذا كان القيء بحيث يمنعه من الكلام كان ملء الفم، وإن كان لا يمنعه لا يكون ملء الفم، وقال الحسن بن زياد: إن كان القيء بحيث لا يمكن للرجل ضبطه وإمساكه كان ملء الفم، وإن كان يمكن ضبطه وإمساكه لا يكون ملء الفم.
زاد على هذا بعض المشايخ، فقال: إن كان القيء بحيث لا يمكن ضبطه وإمساكه إلا بتكلف كان ملء الفم، وإن كان بحيث يمكن ضبطه وإمساكه من غير تكلف، لا يكون ملء الفم. وإليه مال كثير من المشايخ، وهو الصحيح. وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ (يقول) الصحيح أنه مفوض إلى صاحبه إن وقع في قلبه أنه قد ملأ فاه، فقد ملأ فاه.
وجهُ القياس في القليل: أن الخارج من غير السبيلين لما كان حدثًا يجب أن يستوي فيه القليل، والكثير كالخارج من السبيلين.
وجه الاستحسان: أن ما روي عن علي ﵁ أنه عد الأحداث، وذكر من جملتها دسعة تملأ الفم، وهكذا روي عن عمر ﵁، والدسعة: القيء، فقد قيداه بملء الفم، والمعنى أن الحدث هو الخارج النجس، والخروج هو الانتقال من الباطن إلى الظاهر، والفم ظاهر من وجه باطن من وجه، حقيقة وحكمًا.
أما من حيث الحقيقة: باطن (من) وجه فلأن للفم اتصالًا بالباطن بمنفذ أصلي، ألا ترى أنك متى ضممت شفتيك صار باطنًا كالبطن (٦ب١) وظاهر من وجه؛ لأن له اتصالًا بالوجه بمنفذ أصلي، ألا ترى أنك لو فتحت شفتيك صار الفم ظاهرًا كالوجه، وأما من حيث الحكم باطن من وجه، فإنه لا يجب غسله في الوضوء كما لا يجب غسل الباطن، وإذا جمع الصائم ريقه في فمه ثم ابتلعها لم يفطره كما لو انتقل الطعام من زاوية البطن إلى زاوية، ظاهر من وجه فإنه يجب غسله في الجنابة كما يجب غسل وجهه، وإذا كان ظاهرًا من وجه باطنًا من وجه وفّرنا على الشبهين حظهما، فجعلناه باطنًا فيما بينه وبين البطن، فالمنتقل إليه من البطن كالمنتقل من زواية البطن إلى زواية أخرى، وجعلناه ظاهرًا فيما بينه وبين الوجه، فالمنتقل منه إلى الوجه كالمنتقل من الظاهر إلى الظاهر.
قلنا والقيء إذا كان قليلًا، وتفسيره الصحيح: أن يمكنه الإمساك من غير تكلف لا تقع الحاجة فيه إلى فتح الفم، فتبقى النجاسة في الفم صورة، وفي البطن معنى، فلا يتحقق الخروج من الباطن إلى الظاهر فبعد ذلك إن ابتلعه فبها، وإن ألقاه قائمًا وجد الخروج من الظاهر إلى الظاهر، وإنه ليس يعتبر هذا إذا كان قليلًا مرة واحدة.
وإن قاء مرارًا قليلًا قليلًا
[ ١ / ٦٣ ]
وكان بحيث لو جمع يبلغ ملء الفم هل يجمع؟ وهل يحكم بانتقاض الطهارة؟ لم يذكر هذا الفصل في «ظاهر الرواية» . وذكر في «النوادر» خلافًا بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فقال: على قول أبي يوسف ﵀: إن اتحد المجلس يجمع، وإن اختلف لا يجمع؛ لأن المجلس الواحد عرف جامعًا في الشرع، والمجالس المختلفة لا.
وقال محمد ﵀: إن اتحد السبب يجمع وإن اختلف لا يجمع، وتفسير اتخاذه عند محمد أن تكون المرة الثانية والثالثة قبل سكون الغثيان الأول، وعن أبي علي الدقاق أنه كان يقول بالجمع، اتحد المجلس أو اختلف، اتحد السبب أو اختلف، هذا إذا قاء مُرة أو طعامًا أو ماءً، وإن قاء بلغمًا إن كان نزل من الرأس لا ينتقض وضوءه، وإن كان ملء الفم بالاتفاق، وإن صعد من الجوف على قول أبي يوسف ﵀ ينتقض وضوءه إذا كان ملء الفم، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لا ينتقض، وإن كان ملء الفم، وأجمعوا على أنه إذا كان أقل من ملء الفم إنه لا ينتقض وضوءه.
والحاصل: أن نجاسة الخارج أمر لا بد منها لكون الخارج حدثًا، والبلغم طاهر عندهما، وعند أبي يوسف نجس، وكان الطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف حتى روي عنه أنه قال: يكره للإنسان أن يأخذ البلغم بطرف ردائه أو كمه ويصلي معه، فمن مشايخنا من أسقط الخلاف، وقال: قولهما محمول على ما إذا نزل من الرأس وذلك طاهر بالإجماع، وقول أبي يوسف محمول على ما إذا خرج من المعدة وذلك نجس بالإجماع لما نبين إن شاء الله تعالى.
ومنهم من حقق الخلاف فيما إذا خرج من المعدة، وهو الصحيح، فوجه قول أبي يوسف ﵀ أن الخارج من المعدة جاور أنجاس المعدة، فيصير نجسًا بحكم المجاورة. دليله الطعام. وجه قولهما قوله ﵇ لعمار بن ياسر ﵁: «ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواسية» (قرن) النخامة بالماء الذي في ركوته فيدل على طهارتها، والدليل عليه: أن الناس من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا تعارفوا أخذ البلغم بأطراف أرديتهم من غير نكير منكر، ولو كان نجسًا لوجد الإنكار من منكر كما في سائر الأنجاس، وما قال من المعنى بأنه جاور أنجاس المعدة فمسلم، إلا أن البلغم شيء لزج لا يحتمل النجاسة للزوجته كالسيف الصقيل، فلا يصير نفسه نجسًا، وإنما تكون النجاسة على ظاهره، وإنه قليل لا يبلغ ملء الفم بخلاف الطعام والشراب، لأنهما يحملان النجاسة فينجسان بمجاورة أنجاس المعدة، وإن قاء طعامًا أو ما أشبهه مختلطًا بالبلغم ننظر إن كانت الغلبة للطعام، وكان بحال لو انفرد الطعام بنفسه كان ملء الفم نقض وضوءه، وإن كانت الغلبة للبلغم وكان بحال لو انفرد البلغم بلغ ملء الفم كانت المسألة على الاختلاف، وإنما كان كذلك، لأن العبرة في أحكام الشرع للغالب، والمغلوب ساقط الاعتبار بمقابلة الغالب.
[ ١ / ٦٤ ]
وإن قاء دمًا إن نزل من الرأس وهو سائل انتقض وضوءه، وإن كان علقًا لا ينتقض وضوءه، وإن صعد من الجوف إن كان علقًا لا ينتقض وضوءه إلا أن يملأ الفم؛ لأنه يحتمل أنه صفراء تجمد أو سوداء انعقد أو بلغم احترق، فيشترط فيه ملء الفم، وإن كان سائلًا وقد صعد من الجوف على قول أبي حنيفة ﵀ ينتقض وضوءه، وإن لم يكن ملأ الفم، وقول أبي يوسف مضطرب، وإنما يعرف بسيلانه، وعلى قول محمد ﵀: لا ينتقض وضوءه إلا إذا كان ملأ الفم إذا خرج بقوة نفسه لا بقوة البزاق.p
وجه قول محمد ﵀ أنه صاعد من الجوف، والفم أعطي له حكم الباطن فيما بينه وبين الجوف إلا أن يخرج منه دمًا دون ملء الفم ليس له حكم الخارج على ما مر، ولأبي حنيفة ﵀ أن الفم في حق الدم ظاهر من كل وجه؛ لأن الفم إنما أعطي له حكم الباطن، فيما يخرج من المعدة، لأن الفم متصل بالمعدة بمنفذ أصلي، والمعدة ليست بمحل للدم، إنما محل الدم العروق، والفم لا يتصل بالعروق بمنفذ أصلي، وله اتصال بالوجه، فيكون الفم ظاهرًا في حق الدم من كل وجه، فكان كالخارج من الأسنان، فيشترط فيه السيلان لا غير، بخلاف ما يخرج من المعدة؛ لأن الفم أعطي له حكم الباطن فيما يخرج من المعدة؛ لأن للفم اتصالًا بالمعدة بمنفذ أصلي، فيشترط فيه ملء الفم على ما مر، أما ههنا بخلافه، فمن مشايخنا من قال: لا خلاف في المسألة على الحقيقة؛ لأن ما قاله أبو حنيفة ﵀ محمول على ما إذا خرج الدم من منابت الأسنان، من اللهوات وكان أقل من ملء الفم.
وعند محمد ﵀ في هذه الصورة الجواب كما قال أبو حنيفة، وما قاله محمد محمول على ما إذا خرج من المعدة، وعند أبي حنيفة الجواب في هذه الصورة كما قاله محمد، ومنهم من حقق الخلاف فيما إذا خرج من المعدة على نحو ما بينا والله تعالى أعلم.
ومما يتصل بهذا النوع من المسائل: روى ابن رستم في «نوادره» عن محمد ﵀: إذا دخل العلق حلق إنسان ثم خرج من حلقه دم رقيق سائل لا ينتقض وضوءه ما لم يملأ الفم، وإذا بزق وخرج في بزاقه دم، إن كان الدم هو الغالب ينتقض وضوءه وإن كان أقل من ملء الفم، وهذا لأن الحدث هو الخارج النجس، وقد تحقق الخروج إذا كانت الغلبة للدم لأنه إذا كانت الغلبة للدم على أنه خرج بقوة نفسه، وما أخرجه البزاق وإن كانت الغلبة للبزاق لا ينتقض وضوءه؛ لأنه إذا كانت الغلبة للبزاق علم أن البزاق أخرجه، وما خرج بقوة نفسه، وإن كانا سواء، فالقياس أن لا تنتقض طهارته؛ لأنه يحتمل أنه خرج بقوة نفسه، ويحتمل أن البزاق أخرجه فوقع الشك في انتقاض الطهارة.
وفي الاستحسان: ينتقض وضوءه؛ لأنه لما احتمل الخروج بقوة نفسه، رجحنا جانب الخروج احتياطًا لأمر العبادة؛ بخلاف ما إذا شك في الحدث؛ لأن الموجود هناك مجرد الشك ولا عبرة لمجرد الشك مع اليقين بخلافه، وههنا الحدث وجد من وجه دون وجه، فرجحنا جانب الوجود احتياطًا.
[ ١ / ٦٥ ]
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في هذا الفصل: وهو ما إذا كان الدم والبزاق على السواء، عامة مشايخنا على أن وضوءه بهذا ينتقض، وكان الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني ﵀ يقول: آمره بإعادة الوضوء احتياطًا، وهو باقٍ على وضوئه الأول، وكان الفقيه أبو جعفر ﵀ يقول: إن كان لونه يضرب إلى الصفرة، فليس بناقض، وإن كان يضرب إلى الحمرة فهو ناقض، وإذا كانت عروق الدم تجري بين البزاق كالعلقة لم يكن ناقضًا.
وفي «النوادر» عن أبي حنيفة: إذا بزق أو امتخط ورأى في ذلك علقة من الدم لم ينتقض وضوءه، وإن كان الذي يرى من الدم في جميع البزاق أو النخامة، فكانت حمرته أو صفرته غالبة على البزاق (٧أ١) فعليه الوضوء، وإن كان الذي فيه شبيه غسالة اللحم، وكان البياض غالبًا، فلا وضوء.
وذكر هشام عن أبي يوسف ﵀: إذا اصفر البزاق من الدم، فلا وضوء، وإن احمر فعليه الوضوء، وهذه الرواية موافقة لقول الفقيه أبي جعفر على ما تقدم ذكره، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: إن كان البزاق يخرج من لهاته أو لسانه فهو على التفصيل إن (كان) الدم غالبًا أو مغلوبًا، أو كانا على السواء، فأما إذا خرج ذلك من جوفه فالأمر فيه أسهل، والله أعلم.
(نوع آخر) في النوم والإغمام والغشي والجنون والسكر
إذا نام في صلاته قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا، فلا وضوء عليه، ولو نام مضطجعًا أو متوركًا، فعليه الوضوء، والأصل في ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ أنه نام في صلاته، ومضى فيها، فلما فرغ قال: «إذا نام الرجل راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا، فلا وضوء عليه، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا فإنه إذا نام مضطجعًا استرخت مفاصله» فهذا الحديث حجة لنا في الفصول كلها من حيث النص، وإنه ظاهر، وكذلك من حيث التعليل حجة؛ لأن النبي ﵇ علل لوجوب الوضوء باسترخاء المفاصل، ولم يرد به أصل الاسترخاء؛ لأن أصل الاسترخاء موجود في حالة الركوع والسجود، لأن الاسترخاء نتيجة النوم، والنوم موجود في الأحوال كلها. ولو حمل آخر الحديث على أصل الاسترخاء صار كأن النبي ﵇، قال في صدر الحديث: «لا وضوء على من استرخت مفاصله»، ثم قال في آخر الحديث: «إنما الوضوء على من استرخت مفاصله» وفيه تناقض ظاهر، فلضرورة رفع التناقض يحمل آخر الحديث على النهاية في الاسترخاء، وإذا حمل عليه صار كأن النبي ﵇ قال: إذا وجد استرخاء المفاصل على النهاية والمبالغة، بأن زال التماسك من كل وجه وجب الوضوء، فالاسترخاء على النهاية والمبالغة، لا توجد في حال القيام والركوع والسجود، لأن بعض التماسك في هذه الأحوال باقٍ؛ إذ لو لم يكن باقيًا لكان سقط، وإذا كان بعض التماسك باقيًا في هذه
[ ١ / ٦٦ ]
الأحوال لم يكن الاسترخاء في هذه الأحوال على سبيل النهاية
والمبالغة، والنبي ﵇ إنما جعل النوم حدثًا حال وجود الاسترخاء على سبيل النهاية والمبالغة.
ثم لم يفصل محمد ﵀ في «الأصل» بينما إذا غلبه النوم، وبينما إذا نام متعمدًا، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إنما لا ينتقض وضوءه إذا غلبه النوم، أما إذا نام متعمدًا ينتقض وضوءه على كل حال، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ في «شرح الأصل»، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ قول أبي يوسف ﵀ في السجود إذا تعمد النوم. والصحيح: ما ذكر في ظاهر الرواية: إذ لا فصل في الحديث.
وإن نام قاعدًا وهو يتمايل في حال نومه ويضطرب، وربما يزول مقعده عن الأرض، إلا أنه لم يسقط، ظاهر المذهب أنه ليس بحدث، وعن أبي يوسف ﵀ أنه حدث، وفي النوم مضطجعًا، الحال لا يخلو إن غلبت عيناه، فنام ثم اضطجع في حال نومه، فهو بمنزلة ما لو سبقه الحدث، فيتوضأ ويبني، ولو تعمد النوم في الصلاة مضطجعًا، فإنه يتوضأ ويستقبل الصلاة، هكذا حكي عن مشايخنا ﵏.
وفي «الفتاوى»: في المريض لا يستطيع أداء الصلاة إلا مضطجعًا، فنام في الصلاة انتقض وضوءه، قال الفقيه أبو الليث ﵀: وقد قيل: لا ينتقض، والأول أصح.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد ﵀ إذا قعد في الصلاة وإحدى إليتيه على قدمه فنام، فلا وضوء عليه، قال الحاكم أبو الفضل ﵀: هذا خلاف ما روي عن محمد ﵀ في «الأصل»، هذا إذا نام في الصلاة، وأما إذا نام خارج الصلاة إن نام مضطجعًا أو متوركًا ينتقض وضوءه، وإن نام قائمًا أو على هيئة الراكع أو الساجد ذكر القدوري ﵀ في «شرحه» أنه لا ينتقض وضوءه.
وذكر شيخ الإسلام ﵀ في «شرح المبسوط» فيما إذا نام ساجدًا أن فيه اختلاف المشايخ، وذكر هو أيضًا عن علي بن موسى العمّي أنه قال: لا نص في هذه الصورة عن أصحابنا ﵏، وينبغي أن لا ينتقض وضوءه إذا نام على هيئة الساجد على وجه السنّة، بأن كان رافعًا بطنه عن فخذيه جافيًا عضديه عن جنبيه.
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: إذا نام ساجد في غير الصلاة، فظاهر المذهب أن يكون حدثًا.
قال ﵀: وقد ذكر الحاكم الشهيد ﵀ في «إشاراته»، وقد قال بعض العلماء: إن النوم في حالة السجود لا يكون حدثًا وإن كان خارج الصلاة، وذكر محمد
[ ١ / ٦٧ ]
﵀ في «صلاة الأثر» أن من نام قاعدًا أو واضعًا إليتيه على عقبيه وصار شبه المكب على وجهه واضعًا بطنه على فخذيه لا ينتقض وضوءه، وعن علي بن يزيد الطبري قال: سمعت محمدًا ﵀ يقول: من نام هكذا على وجهه لا ينتقض وضوءه.
وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀: إن الشرط عند محمد ﵀ أن يضطجع على غيره، أما اضطجاعه على نفسه لا يعتبر، وقال أبو يوسف ﵀: اضطجاعه على نفسه كاضطجاعه على غيره في زوال الاستمساك، فيكون حدثًا ولم يذكر قول أبي حنيفة، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وقد نقل عنه فصل يدل على أنه كان يميل إلى ما قاله أبو يوسف ﵀، فإنه قال فيمن كان محدودبًا، فسجد على فخذه أو ركبته بأن وضع أنفه على طرف ركبتيه صح سجوده، وجعل سجوده بمنزلة السجود على الوسادة أو اللبنة، فجعل سجوده على نفسه كسجوده على غيره، فجاز أن يجعل اضطجاعه على نفسه كاضطجاعه على غيره.
وجه قول من يقول إنه ينتقض وضوءه أنه نام والمسكة زائلة عن مستوى جلوسه، فيكون حدثًا كما لو نام مضطجعًا على غيره، وكان القياس في حالة الصلاة كذلك لكن عرفناه بالأثر.
وجه قول من قال: إنه لا يكون حدثًا أن النوم في هذه الأحوال إنما لم يجعل حدثًا في الصلاة لانعدام استرخاء المفاصل على سبيل النهاية والمبالغة، وهذا المعنى موجود في غير حالة الصلاة، وأما إذا نام قاعدًا مسويًا إليتيه على الأرض لا ينتقض وضوءه، وإن نام قاعدًا (على) مستوى الجلوس، ولكن مستندًا إلى جدار أو أسطوانة، ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ أن ظاهر المذهب أنه لا ينتقض وضوءه.
وعن الطحاوي ﵀: أنه قال: إن كان بحيث لو أزيل السناد سقط، فهو كالمضطجع، وعلى هذا بعض المشايخ، وهذا لأنه إذا كان بهذه الصفة، فقد وجد زوال التماسك من كل وجه؛ لأنه لم يقعد لقوة نفسه إنما قعد لقوة الأسطوانة أو الحائط، فينتقض وضوءه.
وفي «القدوري»: روى أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا ينتقض وضوءه إذا كانت إليتاه مستوية على الأرض، وذكر شيخ الإسلام رواية عن أبي حنيفة غير مقيدة بما إذا كانت إليتاه مستوية على الأرض، ومنهم من قال: إن جعل عقبه عند مقعده، واستند إلى شيء ونام، لا يكون حدثًا، وقيل: إذا كان مستقرًا على الأرض غير مستوقر لا ينتقض وضوءه، وإن كان بحال لو أزيل السناد سقط، وإن كان مستوقرًا غير مستقر على الأرض ينتقض وضوءه، وإن كان بحال لو أزيل السناد لا يسقط، ولو نام قاعدًا مستوي الجلوس فسقط على الأرض ذكر شمس الأئمة ﵀: أن ظاهر الجواب عند أبي حنيفة ﵀ أنه إن انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض في حال سقوطه لم تنتقض طهارته.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ لو استيقظ حتى يضع جنبيه على الأرض، فلا وضوء عليه، وإن وضع جنبيه وهو نائم بطل وضوءه؛ لأنه وجد شيء من النوم مضطجعًا فينتقض وضوءه. وعلى قولهما لا تنتقض طهارته حتى يسقط على الأرض قبل أن ينتبه، ويشترط لانتقاض الطهارة عند أبي يوسف ﵀ أن يكون الانتباه بعدما استقر نائمًا على الأرض، وهكذا روى ابن رستم عن محمد، وعن محمد ﵀ في رواية كلما اضطجع إذا انتبه فعليه أن يتوضأ، لأنه وجد شيء من النوم
[ ١ / ٦٨ ]
مضطجعًا.
وإذا نام راكبًا على دابة والدابة عريانة، فإن كان في حالة الصعود والاستواء لا ينتقض وضوءه (٧ب١) لأن مقعده يكون متمكنًا على ظهر الدابة، فلا يخاف خروج شيء منه، كما لو كان جالسًا على الأرض ومقعده متمكن من الأرض، أما حالة الهبوط يكون حدثًا؛ لأن مقعده لا يكون متمكنًا على ظهر الدابة حالة الهبوط، فهو بمنزلة ما لو نام على الأرض متوركًا، هذا هو الكلام في النوم.
وأما النعاس في حالة الاضطجاع، فلا يخلو إما أن يكون ثقيلًا أو خفيفًا، فإن كان ثقيلًا فهو حدث، وإن كان خفيفًا لا يكون حدثًا، والفاصل بين الخفيف (والثقيل) أنه إن كان يسمع ما قيل عنده، فهو خفيف، وإن كان يخفى عليه عامة ما قيل عنده فهو ثقيل، هكذا حكي عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀.
والنوم في سجده التلاوة لا ينقض الوضوء، كالنوم في السجدة الصلبية، هكذا ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀. قال ﵀: وكذلك في سجدة الشكر عند محمد، وعند أبي حنيفة ﵀ حدث؛ لأن سجدة الشكر عنده ليست بمروية، وفي «فوائد القاضي» الإمام أبي علي النسفي قوله مثل قول محمد، قال القاضي الإمام ﵀: وسواء سجده على وجه السنة، والنوم في سجدة السهو ليس بحدث.
والإغماء ينقض الوضوء وإن قل، وكذلك الجنون والغشي؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء سبب لخروج النجاسة بواسطة الغفلة وزوال المسكة، فيقام مقام خروج النجاسة.
والسكر ينقض الوضوء أيضًا؛ لأنه سبب لخروج الحدث بواسطة استرخاء المفاصل، فيقام مقام خروج الحدث احتياطًا.
بعد هذا الكلام في حده وذكر بعض المشايخ في «شرح المبسوط» أن حد السكران هنا ما هو حد السكران في باب الحد، وهكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته»، فإنه قال: إن كان لا يعرف الرجل من المرأة ينتقض وضوءه، وهذا الحد ليس بلازم إذا دخل في بعض مشيته تحرك، فهو سكر ينتقض به وضوءه، كذا ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀، وهو الصحيح، وهذا لأن السكر إنما أوجب انتقاض الوضوء لكونه سببًا لخروج الحدث بواسطة الغفلة وزوال المسكة، فلما دخل في مشيته تحرك فقد زالت المسكة والله أعلم.
(نوع آخر) في القهقهة
يجب أن يعلم بأن القهقهة في كل صلاة فيها ركوع وسجود تنقض الصلاة والوضوء عندنا لحديث خالد الجهني قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّميصلي بأصحابه إذ أقبل أعمى، فوقع في بئر أدركته هناك، فضحك بعض القوم قهقهة، فلما فرغ النبي ﵇ من الصلاة
[ ١ / ٦٩ ]
قال: «ألا من ضحك منكم، فليعد الوضوء والصلاة»، والقهقهة خارج الصلاة لا تنقض الوضوء؛ لأن انتقاض الوضوء بالقهقهة عرف بالسنّة بخلاف القياس؛ لأن انتقاض الطهارة بخارج نجس، ولم يوجد ذلك، وليست القهقهة خارج الصلاة في معنى القهقهة في الصلاة؛ لأن حالة الصلاة حالة المناجاة مع الله تعالى فتعظم الجناية بالقهقهة فيها، ولا كذلك القهقهة خارج الصلاة، فبقيت القهقهة خارج الصلاة على أصل القياس.
وكذلك القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا تنقض الوضوء؛ لأن انتقاض الوضوء بالقهقهة عرف بالسنّة، والسنّة وردت في صلاة مطلقة، وهذه ليست بصلاة مطلقًا، فيعمل فيها بالقياس؛ ولكن تبطل صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وكذلك القهقهة من النائم في الصلاة لا تنقض الوضوء، هكذا وقع في بعض الكتب.
وذكر الزندوستي في «نظمه»: إذا نام في صلاته قائمًا أو ساجدًا ثم قهقه: لا رواية لهذا في الأصول، قال شداد بن أوس: وقال أبو حنيفة ﵀: تفسد صلاته، ولا يفسد وضوءه، وهكذا أفتى الفقيه عبد الواحد ﵀، قال الحاكم أبو محمد الكفيني: فسدت صلاته ووضوءه جميعًا، وبه أخذ عامة المتأخرين احتياطًا.
ولو نسي كونه في الصلاة ثم قهقهة قال شداد: قال أبو حنيفة ﵀: تفسد صلاته ولا يفسد وضوءه، وقال الحاكم الكفيني والفقيه عبد الواحد: فسدا جميعًا.
وجه قول من قال بفسادهما: أن هذه قهقهة حصلت في خلال الصلاة، فتنقض الوضوء كما في الذاكر المستيقظ.
وجه قول من قال بعدم فساد الوضوء: أن السنّة وردت في حق اليقظان الذاكر، وليس النائم والناسي في معنى المستيقظ الذاكر؛ لأن فعل النائم والناسي لا يوصف بكونه جناية، فيعمل فيه بالقياس، وقضية القياس أن لا يفسد الوضوء.
والقهقهة من الصبي في حالة الصلاة لا تنقض الوضوء؛ لأن فعل الصبي لا يوصف بالجناية، فيعمل فيه بالقياس.
وإذا أحدث الرجل فذهب وتوضأ وعاد إلى مكانه وقهقه في الطريق حكي عن بعض المشايخ أنه ينقض وضوءه، وذكر الشيخ الإمام الزاهد علي البزدوي، ﵀ أنها تنقض الصلاة، ولا تنقض الوضوء استحسانًا.
ولو تبسم في صلاته لا ينقض وضوءه لما روي «أن رسول الله ﵇ كان إذا رأى جرير بن عبد الله تبسم ولو في الصلاة»، وقال ﵇ في قصة الأعمى الذي
[ ١ / ٧٠ ]
وقع في الركية: «ومن تبسم فلا شيء عليه»؛ ولأن القهقهة عرفت ههنا بالسنّة بخلاف القياس، والتبسم ليس في معناها؛ لأن في القهقهة من المأثم والحرمة ما ليس في التبسم، فلم يكن التبسم في الجناية يظهر القهقهة، فيرد التبسم إلى أصل القياس.
ثم في حدّ القهقهة اختلاف المشايخ، قال بعضهم: القهقهة ما تكون مسموعًا له ولجيرانه، وقال بعضهم: ما يظهر فيه القاف والهاء، والتبسم: ما لا يكون مسموعًا له ولجيرانه، وما بينهما وهو ما يكون مسموعًا له ولا يكون مسموعًا لجيرانه، فسمي ضحكًا، وإنه ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء، وهكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرح المبسوط» .
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «شرح المبسوط» أن ما فوق التبسم ودون القهقهة لا ذكر له في «المبسوط»، قال: وكان القاضي الإمام يحكي عن الشيخ الإمام أنه كان يقول: إذا ضحك حتى بدت نواجذه ومنعه عن القراءة أو عن التسبيح نقض وضوءه، قال ﵀: وغيره من المشايخ على أنه لا ينتقض الوضوء حتى يسمع صوته وإن قل.
والقهقهة عامدًا كان أو ناسيًا تنقض الوضوء ويبطل التيمم كما يبطل الوضوء، ولا تبطل طهارة الاغتسال، وقد قيل: تبطل طهارة الأعضاء الأربعة، لهذا إن المغتسل في الصلاة إذا قهقه بطلت الصلاة، وجاز له أن يصلي بعده من غير وضوء جديد على القول الأول، وعلى القول الآخر: لا يجوز له أن يصلي بعده من غير وضوء جديد.
ولو صلى الفريضة بالإيماء بعذر وقهقه فيها انتقض وضوءه؛ لأن هذه صلاة لها ركوع وسجود وقام الإيماء بعذر مقام الركوع والسجود، ولو صلى المكتوبة أو التطوع راكبًا خارج المصر أو القرية وقهقه فيها انتقض وضوءه، وإن كان في مصر أو قرية لا ينتقض عند أبي حنيفة ﵀، لأنه ليس في الصلاة، وكذلك لو افتتح التطوع راكبًا خارج المصر، ودخل المصر ثم قهقه، فلا وضوء عليه في قول أبي حنيفة ﵀.
ولو صلى في المصر ركعة من التطوع راكبًا ثم خرج من المصر يريد السفر وقهقهة لا وضوء عليه في قول أبي حنيفة. ولو صلى راكبًا وهو منهزم من العدو والدابة واقفة أو سائرة أو تعدو به وهو يومىء إيماء إلى القبلة أو إلى غيرها ثم قهقهة كان عليه الوضوء.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: إمام تشهد ثم ضحك قبل أن يسلم، فضحك بعده من خلفه، فعليهم الوضوء، علل فقال: لأني كنت آمرهم أن يسلموا، أشار إلى أن القوم لا يخرجون عن حرمة الصلاة بضحك الإمام، قال الحاكم أبو الفضل: قد روي عن محمد ﵀ أنه قال: لا آمرهم أن يسلموا أشار إلى أن ضحك الإمام يخرج القوم عن حرمة الصلاة، فلا يحتاجون إلى التسليم؛ لأن التسليم للتحليل.
ذكر الحاكم في إمام قعد في آخر صلاته قدر التشهد، ولم يتشهد والقوم على مثل حاله، فضحك الإمام ثم ضحك من خلفه، قال: أما في قول أبي حنيفة ﵀، فعلى
[ ١ / ٧١ ]
الإمام الوضوء، ولا وضوء على القوم من قبل أن الإمام قد أفسد عليهم ما بقي (٨أ١) من صلاتهم، وقال أبو يوسف ﵀: عليهم الوضوء من قبل أنهم لو لم يضحكوا كان عليهم أن يتشهدوا ويسلموا، فلم يفسد الإمام عليهم شيئًا.
ولو كان الإمام والقوم تشهدوا ثم سلم الإمام ثم ضحك القوم قبل أن يسلموا، فعليهم الوضوء عندهما، لأن سلام الإمام لا يفسد عليهم ما بقي، وكذلك الكلام، فأما الحدث متعمدًا أو الضحك يفسد عليهم ما بقي، وعند محمد ﵀: لا وضوء على القوم في هذه الصورة، وهو ما إذا ضحكوا بعدما سلم الإمام؛ لأن عند سلام الإمام يخرج المقتدي عن حرمة الصلاة، فالضحك منهم لم يصادف حرمة الصلاة، فلا يوجب الوضوء.
أبو سليمان عن محمد ﵀ فيمن سها عن التشهد خلف الإمام في الثانية حتى يسلم الإمام في آخر الصلاة ثم ضحك هذا الرجل، فلا وضوء عليه، وليس هذا كسهوه عن التشهد في الرابعة.
في «الأمالي» عن أبي يوسف ﵀: لو أن إمامًا انصرف من غير أن يسلم وخرج عن المسجد وضحك أو ضحك بعض القوم، فلا وضوء عليه ولا عليهم.
وابن سماعة عن أبي يوسف في «النوادر»: إذا صلى الجمعة ركعة ثم خرج وقتها ثم قهقهة، فلا وضوء عليه، وهذه المسألة تبنى على أصل أبي يوسف ﵀ أن خروج الوقت في صلاة الجمعة توجب الخروج عن الجمعة، فالقهقهة بعد ذلك لم تصادف حرمة صلاة مطلقة.
أبو سليمان عن محمد ﵀: ظن القوم أن الإمام كبر ولم يكن كبر، فكبروا ثم قهقهوا، فلا وضوء عليهم.
عمرو بن أبي عمرو في مسافر صلى ركعة من الظهر بغير قراءة ثم قهقه، فعليه الوضوء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد وزفر: لا وضوء عليه، وكذلك في المقيم: إذا صلى ركعة من الفجر بغير قراءة ثم قهقه، وكذلك قال أبو يوسف فيمن طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الفجر ثم قهقه، وقاس على قول أبي حنيفة، وكذلك إن ذكر صلاة عليه وهو في صلاة أخرى ثم قهقه، وكذلك إن نوى الإمام إمامة النساء، فجاءت امرأة فقامت إلى جنبه تأتم به ثم قهقه، فعليه الوضوء، وأما في قول محمد وزفر، فلا وضوء عليه في شيء من ذلك إذا فسدت الصلاة، فكأنه تكلم فيها ثم قهقه.d
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: هذا إذا وقفت بجنب الإمام وكبرت بعد تكبيره، فأما إذا كبرت مع الإمام لا تنعقد تحريمة الإمام، فلا تنتقض طهارته. ولو وقفت المرأة بجنب إمام يؤمها ثم ضحكت قهقهة هل تنتقض طهارتها؟ في رواية لا تنتقض، وفي رواية تنتقض، والأول أصح، لأنها ليست في صلاة. وإذا صلى فريضة عند طلوع الشمس أو عند غروبها سوى عصر يومه لم يكن داخلًا في الصلاة حتى لا تنتقض طهارته بالقهقهة. وإذا شرع في التطوع عند طلوع الشمس أو عند غروبها ثم قهقهة كان عليه الوضوء.
[ ١ / ٧٢ ]
حكي عن بشر عن أبي يوسف: كل صلاة افتتحت صحيحة ثم دخل فيها ما يفسدها على وجه ما سمينا ثم ضحك، فعليه الوضوء. وهو إشارة إلى المسائل المتقدمة.
وذكر المعلى عن أبي يوسف ﵀ في رجل صلى ركعتين تطوعًا ولم يقرأ في إحديهما ثم قهقه، فلا وضوء عليه. وهذا الجواب يخالف جوابه في المسائل المتقدمة، وقال: في «التحري»: إذا تبين له في خلال الصلاة أنه صلى إلى غير القبلة ثم ثبت على صلاته بعد العلم به فسدت صلاته، وإن قهقه، فلا وضوء عليه، وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: إن عليه الوضوء.
فالحاصل أن في جنس هذه المسائل روايتين عن أبي يوسف، وقال فيمن انقضى وقت مسحه في صلاته ثم قهقه، فلا وضوء عليه، لأن هذا صار غير طاهر، وكذلك في الجبائر: إذا برىء في صلاته، قال: ولو أن صحيحًا افتتح مكتوبة قاعدًا أو مضطجعًا من غير عذر ثم قهقه أعاد الوضوء، وكذلك: لو افتتح الصلاة خلف مومىء أو خلف أخرس أو أمي ثم قهقه، فعليه الوضوء، وكذلك لو افتتح المتوضىء خلف المتيم والمتوضىء يرى الماء والمتيمم لا يراه، وكذلك من يأتم بمن يعلم أن عليه صلاة قبلها ولا يعلمها الإمام أو الإمام على غير القبلة ولا يعلمها والمؤتم يعلم، وإن كان الإمام يعلم أنه افتتح لغير القبلة، فلا وضوء على المؤتم.
بشر عن أبي يوسف ﵀: لو سلم على تمام في نفسه ثم تذكر سجدة تلاوة عليه ثم قهقه قبل أن يسجد لها، فلا وضوء عليه. ولو اقتدى رجل بهذا الرجل بعد السلام لم يكن الرجل داخلًا في صلاته، قال الحاكم أبو الفضل: هذا الجواب خلاف جواب «الأصل»، فقد ذكر في «الأصل» عليه الوضوء، ولو كان مسافرًا ينوي الإقامة بعد السلام قبل الضحك كانت نيته قاطعة للصلاة، ولم يكن عليه أن يتمها وهو كمن سلم وعليه سجدتا السهو.
بشر عن أبي يوسف ﵀: في رجل لا يقرأ صلى ركعة بغير قراءة ثم تعلم سورة، قال: ينصرف على شفع وهو في الصلاة، وعليه الوضوء إن قهقه.
وعنه أيضًا: إذا صلى العريان ركعة ثم وجد ثوبًا، فلبس في الصلاة، قال: ينصرف على شفع، ولا وضوء عليه إن قهقه. وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: عليه الوضوء، فصار في المسألة روايتان، ويجب أن تكون المسألة الأولى على الروايتين أيضًا، إذ لا تفاوت بينهما.
وعنه أيضًا: أمة صلت بغير قناع ركعة ثم أعتقت، فصلت ركعة أخرى بغير قناع وهي تعلم بالعتق، قال: إنها ليست في صلاة، لا وضوء عليها إن قهقهت، وقال في
[ ١ / ٧٣ ]
موضع آخر من هذا الكتاب: عليها الوضوء.
وعنه أيضًا: لو دخل بنية العصر في صلاة رجل يصلي الظهر لزمه المضي معه وهو متطوع، وعليه الوضوء إن قهقه.
إذا سلم المقتدي قبل سلام الإمام بعدما قعد قدر التشهد ثم قهقهه لا وضوء عليه؛ لأنه صح خروجه عن الصلاة قبل خروج الإمام، فلا تنتقض طهارته بالقهقهة، وإذا قهقه القوم بعد التشهد دون الإمام تمت صلاتهم، وانتقضت طهارتهم، ولا تنتقض طهارة الإمام، ولو قهقه القوم بعد التشهد معًا تمت صلاتهم وانتقضت طهارتهم.
(نوع آخر) من هذا الفصل
مس الرجل المرأة أو المرأة الرجل لا ينقض الوضوء، وقال مالك إن كان بشهوة نقض الوضوء، وإن كان بغير شهوة لم ينتقض؛ لأن المس عن شهوة سبب لاستطلاق وكاء المذي، فيقام مقامه في حق إيجاب الوضوء احتياطًا لأمر العبادة، كما فعله أبو حنيفة ﵀ في المباشرة الفاحشة على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
ولنا حديث عائشة وأم سلمة ﵄ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ» ولأن عين المس ليس بحدث، بدليل مس ذوات المحارم، وإنما الحدث ما يخرج عند المس، وذلك ظاهر، فلا حاجة إلى إقامة السبب مقامه.
ومس الذكر لا ينقض الوضوء بحال. وقال الشافعي: ينقض إذا مسه بباطن الكف من غير حائل، لحديث بُسْرة أن النبي ﵇ قال: «من مس ذكره فليتوضأ» ولأنه سبب لاستطلاق وكاء المذي فيقام مقامه، ولنا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمسئل عمن مس ذكره هل عليه أن يتوضأ؟ قال: «لا وهل هو إلا بضعة منك؟» ولأن إقامة السبب الظاهر مقام المعنى الخفي عند تعذر الوقوف على الخفي، وذلك غير موجود ههنا؛ لأن المذي يرى.
فإذا باشر امرأته مباشرة فاحشة بتجرد وانتشار وملاقاة الفرج الفرج، ففيه الوضوء
[ ١ / ٧٤ ]
في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف استحسانًا، وقال محمد: لا وضوء عليه، وهو القياس؛ لقول ابن عباس ﵄: «الوضوء مما خرج» وقد تيقن أنه لم يخرج منه شيء، فهو كالتقبيل. ولهما أن الغالب من حال (٨ب١) من بلغ في المباشرة هذا المبلغ خروج المذي منه فيجعل كالمذي بناء للحكم على الغالب دون النادر، ألا ترى أن من نام مضطجعًا ينتقض وضوءه وهو وإن تيقن أنه لم يخرج منه شيء اعتبارًا للغالب كذا ههنا.
والكلام الفاحش لا ينقض الوضوء وإن كان في الصلاة؛ لأن الحدث اسم لخارج نجس، ولم يوجد هذا الحدُّ في الكلام الفاحش.
ولا وضوء في أكل ما مسته النَّار أو لم تمسه، فقد صح «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّمأكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ» .
وليس في حمل الميت وغسله وضوء إلا أن يصيب يده أو جسده شيء من الماء، فيغسل ذلك الموضع.
وإذا ذبح شاة، فلا وضوء عليه إلا أن تتلطخ يده بدمها فيغسل يده.
قال القدوري ﵀: وليس في مزال عن بدن ولا موطوء عليه وضوء، ولا إمرار ماء على موضع المزال.
يريد به: إذا توضأ، ثم قلم ظفره أو حلق شعره، وقد مرت مسألة الشعر من قبل، ومعنى الموطوء عليه: أن يطأ نجاسة لا يلصق به شيء منها، وإن لصقت فعليه غسلها والله أعلم.
(نوع آخر)
قال محمد ﵀ في «الأصل»: ومن شك في بعض وضوئه وهو أول ما شك غسل الموضع الذي شك فيه؛ لأن غسله لا يريبه وتركه يريبه، وقد قال ﵇: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، ولأنه على يقين من الحدث في ذلك الموضع، وفي شك من غسله، واليقين لا يزال بالشك، فأما إذا كان يرى ذلك كثيرًا لم يلتفت ومضى؛ لأنه من الوساوس، والسبيل في الوساوس قطعها، وترك الالتفات إليها؛ لأنه لو التفت إليها تقع في مثل ذلك ثانيًا وثالثًا، فبقي في أكثر عمره في ذلك.
قالوا: وهذا إذا كان الشك في خلال الوضوء، فأما إذا كان هذا الشك بعد الفراغ من الوضوء لا يلتفت إليه ومضى، وهو نظير ما إذا شك في صلاته أنه صلاها ثالثًا أو أربعًا إن كان هذا الشك في خلال الصلاة كان معتبرًا، وإن كان بعد الفراغ من الصلاة لا يعتبر، حملًا لأمره على ما كان وهو الخروج عن الصلاة بعد التمام كذا ههنا.
وتكلموا في قوله: وهو أول ما شك فيه، من المشايخ من قال: أراد به أول ما شك في عمره، ومنهم من قال: أراد به أن الشك في هذا لم تصر عادة له.
[ ١ / ٧٥ ]
ومن شك في الحدث، فهو على وضوئه، لأنه على يقين من الطهارة، وعلى شك من الحدث واليقين لا يزال بالشك بالشك.
ومن شك في الوضوء، فهو محدث؛ لأنه على يقين من الحدث، وعلى شك من الوضوء، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: لا مدخل للتحري في باب الوضوء إلا في فصل رواه ابن سماعة عن محمد ﵀: أنه إذا كان مع الرجل آنية وهو يتذكر أنه جلس للوضوء إلا أنه شك أنه قام قبل أن يتوضأ أو بعدما توضأ يتحرى ويعمل بغالب رأيه.
وإن شك أنه جلس للتوضؤ أولا والآنية هناك موضوعة، فهو محدث، ولا يجوز له التحري قال ابن سماعة في «نوادره»: وهو نظير الخلاء، فإنه إذا كان يتذكر أنه دخل الخلاء للتخلي لكنه شك أنه خرج منها قبل أن يتخلى أو بعدما تخلى جعل محدثًا، ولا يجوز له التحري. ولو شك أنه دخل الخلاء أولم يدخل جاز له التحري، والعمل بغالب رأيه وهذه رواية مستحسنة.
وفي «المنتقى»: إبراهيم عن محمد أنه سئل عن المتيقن بالوضوء إذا لم يذكر حدثًا، فقال له رجل: إنك بلت في موضع كذا فشك الرجل، وقد صلى بعد ذلك صلوات، فقال: إذا شهد عنده عدلان قضاها، وإن شهد واحد عدل لم يقض.
وفي «الأصل» عن محمد ﵀: إذا وقع في قلب المتوضىء أنه أحدث وكان على ذلك أكثر رأيه، فأفضل ذلك أن يعيد الوضوء، وإن صلى بوضوئه الأول كان في سعة من ذلك عندنا.
وإن أخبره مسلم عدل رجل أو امرأة حرة أو مملوكة أنه أحدث أو رعف أو نام مضطجعًا لم يسع له أن يصلي حتى يتوضأ؛ لأن هذا أمر من أمور الدين وخبر الواحد حجة في أمور الدين.
ولو استيقن بالحدث وشك في الوضوء، فأخبره عدل أنه توضأ، ولم يعرف المخبر بكونه عدلًا، إلا أنه وقع في قلبه أنه صادق، وسعه أن يصلي، فإن كان مبتلى بهذا كثيرًا ويدخل عليه فيه الشيطان، فاستيقن بالحدث، واستيقن أنه قعد للوضوء، فإن كان أكثر رأيه أنه توضأ ورأى البلل سائلًا من ذكره بعد وضوئه، فإن كان الشيطان يريه ذلك كثيرًا ولا يستيقن أنه بلل ماء أو بول مضى في صلاته، ولا يلتفت إليه.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: وتأويل هذا في الذي يرى البلل على طرف ذكره وقد استنجى، فيحتمل أن يكون ذلك من بلل الغسل، فأما إذا علم الرجل أنه خرج من داخل الإحليل فعليه أن يتوضأ.
ومن أصحابنا من قال: وإن علم أنه خرج من ذكره لا ينتقض وضوءه ما لم يستيقن أنه بول أو مذي إذا كان قد استنجى، فقد ذكر في بعض «النوادر» أن المستنجي إذا دخل الماء في ذكره ثم خرج لا ينقض وضوءه، فيحتمل أن يكون هذا الخارج من ماء الاستنجاء، قال شيخ الإسلام ﵀: الحيلة في قطع هذه الوسوسة أن ينضح فرجه بالماء، فإذا أراه الشيطان ذلك أحاله على الماء.
[ ١ / ٧٦ ]
وقد روى أنس رضي الله «أن رسول الله ﵇ كان ينضح إزاره بالماء إذا توضأ، وقال: نزل جبريل صلوات الله عليه وأمرني بذلك»، قالوا: هذا الاحتيال إنما ينفعه إذا كان العهد قريبًا بحيث لم يجف البلل، فأما إذا مضى عليه زمان ثم رأى بللًا، فإنه يعيد الوضوء؛ لأنه لا يمكننا الإحالة على ذلك الماء والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل بيان أحكام المحدث
المحدث لا يمس المصحف ولا الدرهم الذي كتب عليه القرآن، لقوله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (الواقعة: ٧٩)، ولا بأس بأن يقرأ القرآن، لما روي عن بعض الصحابة أن رسول الله ﵇: «كان لا يحجزُهُ شيء عن قراءة القرآن إلا الجنابة» .
والمعنى في الفرق بين القراءة والمس أن الحدث حل باليد دون الفم، ولهذا يفرض على المحدث إيصال الماء إلى اليد ولا يفترض عليه إيصال الماء إلى الفم. وإن أراد أن يغسل اليد ويأخذ المصحف لا يحل له ذلك؛ لأن الحدث لا يتجزأ زوالًا وثبوتًا.
وكما لا يحل له مس الكتابة لا يحل له مس البياض أيضًا، وإن لمس المصحف بغلافه فلا بأس به، والغلاف الجلد الذي عليه المتصل عند بعض المشايخ، وعن بعضهم المنفصل كالخريطة ونحوها؛ لأن المتصل بالمصحف من المصحف، ولهذا يدخل في بيع المصحف من غير ذكر.
وإن مس المصحف بكمه أو ذيله لا يجوز عند بعض المشايخ؛ لأن ثيابه تبع لبدنه ألا ترى لو قام على النجاسة في الصلاة، وفي رجليه نعلان أو جوربان، لا تجوز صلاته، ولو فرش نعليه أو جوربيه وقام عليهما جازت صلاته، وألا ترى أن من حلف لا يجلس على الأرض فجلس عليها وبينه وبينها ثيابه يحنث في يمينه واعتبر ثوبه تبعًا له حتى لم يعتبر حائلًا، وأكثر المشايخ على أنه لا يكره؛ لأن المحرم هو المس، وإنه اسم للمباشرة باليد بلا حائل، ألا ترى أن المرأة إذا وقعت في طين وردغة حل للأجنبي أن يأخذ يدها بحائل ثوب، وكذا حرمة المصاهرة لا تثبت بالمس بحائل، وفي باب اليمين المعتبر هو العرف، وفي العرف يعتبر الجالس في ثيابه على الأرض جالسًا على الأرض.
ويكره له مس كتب التفسير، وكذلك يكره له مس كتب الفقه، وما هو من كتب الشريعة؛ لأنه لا يخلو عن آيات القرآن وإن لم يكن فيها آيات (أ١) القرآن، ففيها معنى القرآن، والمشايخ المتأخرون وسعوا في مس كتب الفقه بالكم للبلوى والضرورة.
وكره بعض مشايخنا دفع المصحف واللوح الذي عليه القرآن إلى الصبيان، وعامة المشايخ لم يروا به بأسًا التوضؤ وفي التأخير تضييع القرآن، ويكره
[ ١ / ٧٧ ]
له أن يدخل المسجد وأن يطوف بالبيت وفي الأذان روايتان، وتكره الإقامة رواية واحدة، والله تعالى أعلم بالصواب.