الواحد إذا شهد برؤية هلال رمضان، فإن كانت السماء متغيمة تقبل شهادة الواحد إذا كان مسلمًا رجلًا كان، أو امرأة، أو عبدًا، أو أمة أو محدودًا في قذف تائبًا بعد أن يكون عدلًا في ظاهر الرواية، وذكر الطحاوي: أنه تقبل شهادة الفاسق، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا تقبل شهادة المحدود في القذف بعد التوبة.
أما إذا كان مستور الحال، فالظاهر أن لا تقبل شهادته، وروى الحسن عن أبي
[ ٢ / ٣٧٥ ]
حنيفة: أنه تقبل شهادته، وهو الصحيح، وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن فضل ﵀ يقول: إذا كانت السماء متغيمة إنما تقبل شهادة الواحد إذا فسر، وقال: رأيت الهلال خارج البلدة في الصحراء، ويقول: رأيته في البلدة بين الخلل السحاب في وقت يدخل في السحاب ثم ينجلي، أما بدون هذا التفسير لا تقبل شهادة الواحد في ظاهر الرواية، خلافًا لما روي الحسن عن أبي حنيفة، بل يحتاج فيه إلى زيادة العدد، واختلفوا في مقدار ذلك،
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه تقبل شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وعن أبي يوسف أنه قال: يعتبر في ذلك جمع عظيم، وروي عنه أنه قدره بعدد القسامة.
وعن خلف بن أيوب أنه قال: خمسمائة ببلخ قليل، وعن أبي حظ الكبير أنه يعتبر الوفاء، وعن محمد أنه قال: يفوض مقدار القلة والكثرة إلى رأي الإمام، ثم إنما لا تقبل شهادة الواحد على هلال رمضان، إذا كانت السماء مصحية، إذا كان هذا الواحد في المصر، فإذا جاء من خارج المصر، أو جاء من أعلى الأماكن في مصر ذكر الطحاوي أنه تقبل شهادته، وهكذا ذكر في كتاب الاستحسان، وذكر القدوري: أنه لا تقبل شهادته في ظاهر الرواية هذا الذي ذكرنا في هلال رمضان.
وأما إذا قامت الشهادة برؤية هلال شوال، أو برؤية هلال ذي الحجة، إن كانت السماء مصحية، فالجواب فيه كالجواب في رؤية هلال رمضان يعني لا تقبل فيه شهادة الواحد، بل بشرط زيادة العدد، ولا بد من اعتبار العدالة والحرية في شهادات خواهرزاده، وفي «شرح الطحاوي» عن أبي حنيفة ﵀: أنه تقبل في ذلك شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين،
فأما إذا كانت السماء متغيمة، فلا تقبل ما لم يشهد بذلك رجلان، أو رجل وامرأتان في ظاهر الرواية، وفي «المنتقى» أنه يقبل في ذلك شهادة الواحد، علل محمد في «المنتقى» القبول شهادة الواحد على هلال رمضان، فقال: لأن هذا أمر يدخل في فريضة وحق، وفي فصل الإفطار يقول: ههنا خروج عن فرض وحق.
قال: ألا ترى لو شهد مسلم عدل على نصراني أنه أسلم قبل موته، وبرأ من دينه قبلت شهادته حتى يصلى عليه، ولو شهد مسلم عدل على مسلم أنه ارتد، والعياذ بالله لا تقبل شهادته، ولا تترك الصلاة عليه لهذا إن الإسلام دخول في حق وفرض، وتقبل شهادة الواحد العدل عليه، والارتداد خروج حق وفرض، فلم تقبل شهادة الواحد العدل عليه،
وذكر شيخ الإسلام في شرح الشهادات: أن شهادة المثنى في الفطر والأضحى إنما تقبل إذا كان بالسماء علة، أو كانت مصحية وجاءا من مكان آخر، أما إذا كانت مصحية، وما جاءا من مكان آخر لا يكتفى بشهادة اثنين، بل يشترط فيه شهادة جماعة، وعن أبي يوسف في «المنتقى»: ما هو قريب من هذا، فقال: إنما أقبل شهادة الرجلين على هلال شوال إذا كانا قادمين، أو أخبرا أنهما رأياه في غير البلد، أما إذا أخبرا أنهما رأياه في البلد، وكان البلد كثير الأهل يراه الناس لا بد وأن يكونوا جماعة كثيرة.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وروى بشر عن أبي يوسف في «الأمالي»: أن أبا حنيفة كان يجبر على هلال شهر رمضان شهادة (١٥٨أ١) الرجل الواحد العدل، والمولى، والعبد، والأمة، والمحدود في القذف إذا كان عدلًا، ولا يجبر بشهادة الكافر والفاسق، ولا يجبر في هلال ذي الحجة والفطر، إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، ولا يجبر بشهادة العبد والأمة والمحدود في القذف، قال: وهو قول أبي يوسف.
وعن الفقيه أبي جعفر أنه قال: في هلال رمضان في الصوم يقبل قول رجل واحد عدل، سواء كان بالسماء علة، أو لم يكن، وروى الحسن بن زياد أنه قال: يحتاج إلى شهادة رجلين في الفطر والصوم جميعًا، سواء كان بالسماء علة، أو لم يكن، وأما هلال ذي الحجة ذكر في بعض المواضع أنه بمنزلة هلال شوال، وذكر في بعض المواضع أنه بمنزلة هلال رمضان، وتقبل شهادة الواحد على شهادة الواحد في هلال رمضان، ولا يشترط لفظة الشهادة، ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح كتاب الاستحسان، وذكر شيخ الإسلام في شرح نوادر الصوم يشترط فيه لفظة الشهادة، وأما في شهادة الفطر، والأصح فيعتبر لفظ الشهادة ذكره شيخ الإسلام في شرح كتاب الشهادات.
في «المنتقى»: هشام عن محمد: شهادة العبد في هذا الباب بمنزلة شهادة الحر في المعاملات، ثم شهادة الحر على شهادة الحر مقبولة في المعاملات، فكذا شهادة العبد على شهادة العبد في هذا الباب،
ثم الواحد إذا أري هلال رمضان وحده هل يلزمه أن يشهد عند الحاكم؟ لا ذكر لهذا في «المبسوط»؛ قال: شمس الأئمة الحلواني ﵀: إذا كان عدلًا يلزمه أن يشهد عند الحاكم حرًا كان أو عبدًا أو أمة، حتى الجارية المخدرة، وهو من فروض العين، ويجب أن يشهد في ليلته تلك، كيلا يصبح الناس مفطرين، وللجارية المخدرة أن تشهد بغير إذن وليها، فأما إذا كان الرائي فاسقًا يكون فيه شبهة قول الطحاوي، إن علم أن القاضي يميل إلى قول الطحاوي، ويقبل شهادته يلزمه أن يشهد، وأما إذا كان مستورًا دخل فيه شبهة الروايتين عن أصحابنا، وهذا في المصر، أما في السواد إذا أري أحدهم هلال رمضان يشهد في مسجد قريته، وعلى الناس أن يصوموا بقوله بعد أن يكون عدلًا، إذا لم يكن هناك حاكم يشهد عنده.
وفي «فتاوى القاضي»: إذا أخبر رجلان برؤية هلال شوال في الرستاق، والسماء مصحية، وليس هناك والي، فلا بأس بالناس أن يفطروا فيه أيضًا، الإمام إذا رأى هلال شوال وحده، لا ينبغي له أن يخرج، وأن يأمر الناس بالخروج، وإذا أبصر هلال رمضان وحده، وشهد عند القاضي، فرد القاضي شهادته، فعليه أن يصوم خلافًا للحسن البصري وعثمان البتي، فإن أفطر بعد ما رد الإمام شهادته، فلا كفارة عليه عندنا.
وإن أفطر قبل أن يرد الإمام شهادته، أو قبل أن يشهد عند القاضي هل تلزمه الكفارة عندنا؟ فيه اختلاف المشايخ، ذكره شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصوم، وأما إذا قبل الإمام شهادته، وأمر الناس بالصوم، فأفطر هو، أو واحد من البلدة هل تلزمه
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الكفارة؟ قال عامة مشايخنا: تلزمه، وقال الفقيه أبو جعفر: لا تلزمه، ثم الواحد إذا شهد عند القاضي، وردّ القاضي شهادته، وأكمل هذا الرجل ثلاثين يومًا لا يفطر إلا مع الإمام.
في شرح «القدوري»: الواحد إذا شهد على هلال رمضان عند القاضي، والسماء متغيمة، وقبل القاضي شهادته، وأمر الناس بالصوم، فلما أتموا ثلاثين يومًا غم عليهم هلال شوال، قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يصومون من الغد، وإن كان يوم الحادي والثلاثين ولا يفطرون، وقال محمد: يفطرون، قال شمس الأئمة الحلواني: هذا الاختلاف فيما إذا لم يروا هلال شوال، والسماء مصحية، فأما إذا كانت السماء متغيمة، فإنهم يفطرون بلا خلاف، هذا إذا شهد على هلال رمضان واحد، فأما إذا شهد على هلال رمضان شاهدان، والسماء متغيمة، وقبل القاضي شهادتهما، وصاموا ثلاثين يومًا، فلم يروا الهلال، إن كانت السماء متغيمة يفطرون من الغد بالاتفاق، وإن كانت مصحية يفطرون إليه أشار.r
في «القدوري»، وفي «المنتقى» وهكذا حكى فتوى شيخ الإسلام أبي الحسن قبل، وفي «فوائد ركن الإسلام» علي السغدي أنهم لا يفطرون، والصحيح هو الأول.
أهل مصر صاموا رمضان بغير رؤية الهلال، وفيهم رجل لم يصم حتى رأوا الهلال من الغد، فصام أهل المصر ثلاثين يومًا، وصام هذا الرجل تسعة وعشرين، ثم أفطروا جميعًا، فإن كان أهل المصر رأوا هلال شعبان، وعدو شعبان ثلاثين يومًا، كان على هذا الرجل قضاء اليوم الأول، وإن كان أهل المصر صاموا من غير عد شعبان ثلاثين يومًا، ومن غير رؤية هلال رمضان ليس على هذا الرجل قضاء اليوم الأول في «الكافي» .
وفي «القدوري» إذا صام أهل المصر تسعة وعشرين يومًا للرؤية، وفيهم مريض لم يصم، فعليه قضاء تسعة وعشرين؛ لأن القضاء لحق الفائت، فيكون على عدد الفائت، فإن لم يعلم هذا الرجل ما صنع أهل المصر صام ثلاثين ليخرج عن العهدة بيقين؛ قال محمد ﵀: ولا عبرة لرؤية الهلال نهارًا قبل الزوال ولا بعده، وهي لليلة (١٥٨ب١) المستقبلة، وبنحوه ورد الأثر عن عمر ﵁.
وقال أبو يوسف: إذا كان قبل الزوال، فهي الليلة الماضية، قيل: قول أبي حنيفة، كقول محمد، وفي صوم شيخ الإسلام رواية عن أبي حنيفة: أنه إذا غاب في هذه الليلة قبل الشفق، فهي من هذه الليلة.
وفي «المنتقى» عن أبي حنيفة إن كان مجراه أمام الشمس، والشمس تتلوه، فهو لليلة الماضية، وإن كان مجراه خلف الشمس، فهو لليلة المستقبلة.
أهل بلدة رأوا الهلال هل يلزم ذلك في حق أهل بلدة؟ روي عن محمد أنه قال: يعتمدون على قول أهل تلك البلدة، ويأخذون بقولهم، ويصومون بصومهم، وينظرون كذلك، وهذا فصل اختلف المشايخ فيه.
بعضهم قالوا: لا يلزم وإنما المعتبر في حق كل بلدة رؤيتهم، وبنحوه «ورد الأثر
[ ٢ / ٣٧٨ ]
عن ابن عباس ﵁» .
وفي «المنتقى» بشر عن أبي يوسف وإبراهيم عن محمد: إذا صام أهل بلدة ثلاثين يومًا لرؤية، وصام أهل بلدة تسعة وعشرين يومًا للرؤية، فعليهم قضاء يوم، وفي «القدوري» إذا كان بين البلدتين تفاوتًا لا تختلف المطالع لزم حكم إحدى البلدتين حكم البلدة الأخرى، فأما إذا كان تفاوتًا تختلف المطالع لم يلزم إحدى البلدتين حكم البلدة الأخرى،
وذكر شمس الأئمة الحلواني: أن الصحيح من مذهب أصحابنا ﵏ أن الخبر إذا استفاض، وتحقق فيما بين أهل البلدة الأخرى يلزمهم حكم أهل هذه البلدة الأخرى،
وفي «مجموع النوازل» شاهدان شهدا عند قاضي مصر لم ير أهله الهلال على أن قاضي مصر كذا شهد عنده شاهدان برؤية الهلال، وقضى به، ووجد استجماع شرائط صحة الدعوى قضى القاضي بشهادتهما حكاه عن شيخ الإسلام.
وفيه أيضًا: قال نجم الدين ﵁: أهل سمرقند رأوا هلال رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بسمرقند ليلة الاثنين، وصاموا كذلك، ثم شهد جماعة عند قاضي القضاة يوم الاثنين، وهو اليوم التاسع والعشرين، إن أهل كثر رأوا الهلال ليلة الأحد، وهذا اليوم آخر الشهر، فقضى به، ونادى المنادي في الناس أن هذا آخر يوم، وغدًا يوم العيد، فلما أمسوا لم ير أحد من أهل سمرقند الهلال، والسماء مصحية لا علة بها أصلًا، ومع هذا عيدوا يوم الثلاثاء.
قال نجم الدين: وأنا أفتيت بأنه لا يترك التراويح في هذه الليلة، ولا يجوز الإفطار يوم الثلاثاء، ولا صلاة العيد، قال: فالصحيح هذا، وكأنه مال إلى أن حكم إحدى البلدتين لا يلزم البلدة الأخرى أصلًا وعيد اختلاف المطالع، وعلم أن المطالع مختلفة إلا أن تلك المسألة مختلفة، وقد مضى بقول البعض، فارتفع الخلاف، فلم يتضح لنا وجه جواب نجم الدين ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح صومه، أن الواحد إذا رأى هلال شوال، وشهد عند القاضي ورد القاضي شهادته، ماذا يفعل؟ قال محمد بن سلمة: يمسك يومه، ولا ينوي صومه.
وبعض مشايخنا قالوا: إن أيقن برؤية الهلال أفطر لكن يأكل سرًا، وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يفطر، قال الفقيه أبو جعفر: قوله: لا يفطر معناه أنه لا يأكل ولا
[ ٢ / ٣٧٩ ]
يشرب، ولكن ينبغي أن يفسد صوم ذلك اليوم، ولا يتقرب به إلى الله تعالى، وإن أفطر في ذلك اليوم الكفارة عليه بلا خلاف، ولو شهد هذا الرائي عند صديق له سرًا، فصدقه وأفطر لا كفارة عليه، والله أعلم.