هذا الفصل يشتمل على أنواع:
الأولفي غسل الميت وإنه ينقسم أقساما
الأول: في نفس الغسل: يجب أن يعلم بأن غسل الميت شريعة ماضية والأصل فيه ما روي «أن آدم صلوات الله عليه لما قبض نزل جبريل ﵇ بالملائكة وغسلوه، وقالوا: هذه سنّة موتاكم يا ابن آدم» . وقال ﵇: «للمسلم على المسلم ست
[ ٢ / ١٥٢ ]
حقوق» وذكر من جملة ذلك أن يغسله بعد موته.
ونوع من المعنى يدل عليه وهو أن الميت في صلاة الجنازة بمنزلة الإمام للقوم إنه لا تجوز الصلاة بدونه، وشرط تقديمه على القوم كالإمام، وطهارة الإمام شرط لجواز صلاة القوم فكذا طهارة الميت؛ لأنه بمعنى الإمام، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: الجنازة متبوعة وليست بتابعة، ولأن ما بعد الموت حالة عرضٍ على الله تعالى، ورجوع إليه فوجب تطهيره بالغسل تعظيمًا لله تعالى.
ولهذا يسن غسل الكافر، وإن كان لا يصلي تعظيمًا لله تعالى: لأنه حالة عرضٍ عليه ورجوع إليه، وبه وردت السنّة في حق الكافر لما روي «أن النبي ﵇ أمر عليًا ﵁ بغسل أبي طالب» .
ثم اختلف المشايخ في علة وجوب غسل الميت، قال أبو عبد الله البلخي في «تفسير المجرد»: إنما وجب غسله لأجل الحدث لا لنجاسة ثبتت بالموت؛ لأن النجاسة التي تثبت بالموت لا تزول بالغسل كما في سائر الحيوانات التي لها دم سائل إذا تنجست بالموت، فإنها لا تطهر بالغسل، والحدث مما يزول بالغسل حالة الحياة، فكذا بعد الوفاة، ونجاسة الميت لا تزول بالغسل.
علمنا أن غسل الميت شرع لإزالة الحدث لا لإزالة نجاسة الموت، ولأن الآدمي لا ينجس بالموت، وإن وجد احتباس الدم في العروق كرامة له بخلاف سائر الحيوانات، لكن يصير محدثًا؛ لأن الموت سبب استرخاء المفاصل وزوال العقل قبل الموت، وإنه حدث، فكان يجب أن يكون مقصورًا على أعضاء الوضوء كما في حالة الحياة لأن في حالة الحياة القياس: أن يجب غسل جميع البدن كما في الجنابة لا أنه سقط غسل جميع البدن، واكتفي بغسل الأعضاء الأربعة نفيًا للحرج؛ لأنه يتكرر في كل يوم.
ألا ترى أن الجنابة لما لم تتكرر لم يكتف فيها بغسل الأعضاء الأربعة وكذلك الحيض لما لم يتكرر لم يكتف فيه بغسل الأعضاء الأربعة، والحدث بسبب الموت لا يتكرر فوجوب الغسل في جميع البدن لا يؤدي إلى الحرج، فأخذ بالقياس بعد الموت، والقياس يوجب غسل جميع البدن.
وكان الشيخ أبو عبد الله الجرجاني وغيره من مشايخ العراق يقولون: الغسل وجب لنجاسة الموت لا بسبب الحدث؛ لأن الآدمي له دم سائل، فيتنجس بالموت، والدليل على أنه يتنجس بالموت أن المسلم لو وقع في بئر ماء ومات فيها، فإنه يتنجس ماء البئر كلها حتى يجب نزح جميع البئر، وكذلك لو احتمل ميتًا قبل الغسل، وصلى معه لا تجوز
[ ٢ / ١٥٣ ]
الصلاة، ولو كان الغسل واجبًا لإزالة الحدث لا غير لكان تجوز الصلاة مع الميت قبل الغسل، كما لو احتمل محدثًا، وصلى معه.
والدليل عليه: أن الميت لا يمسح برأسه ولو كان الغسل للحدث لسن المسح على رأسه كما في الجنب؛ لأن الحدث يزول بالمسح على الرأس، فدل أن الغسل واجب لإزالة نجاسة ثبتت بالموت كرامة للآدمي بخلاف سائر الحيوانات. وهذا القول أقرب إلى القياس؛ لأنه قال: بثبوت النجاسة بعد وجود علتها، وهو احتباس دم السائل في العروق. وقال: يزول بالغسل.
والغسل أثر في إزالة النجاسة كما في حالة الحياة إن لم يكن له أثر في إزالة نجاسة الموت في سائر الحيوانات سوى الآدمي، فكان ما قاله موافقًا للقياس من كل وجه في حق ثبوت النجاسة بعد وجود علتها، وفي الزوال بالغسل موافقًا للقياس من وجه وهو الاعتبار بحالة الحياة إن كان مخالفًا للقياس باعتبار سائر الحيوانات، وما قاله البلخي مخالفًا للقياس من كل وجه، وهو المنع عن ثبوت النجاسة مع قيام العلة الموجبة للنجاسة فإما لم نجد سبب نجاسته لا يعمل في التنجس في الآدمي حالة الحياة كرامة له، فكذا بعد الوفاة، ولا شك أن ما هو أقرب إلى موافقة القياس أولى.
قسم آخر في بيان كيفية الغسل
ذكر أبو حنيفة عن حماد بن إبراهيم ﵏ أنه قال: يجرد الميت إذا أريد غسله، وقال الشافعي ﵀: السنّة أن يغسل في قميص واسع الكمين حتى يدخل الغاسل يده في الكمين، ويغسل يديه، فإن كان الكمين ضيقًا خرق الكمين.
حجته: بما روي عن النبي ﵇ «حين توفي غسل في قميصه الذي عليه»، وما كان سنّة في حق النبي ﵇ يكون سنّة في حق غيره حتى يقوم دليل التخصيص؛ ولأن الميت متى جرد يطلع الغاسل على جميع أعضائه، وربما يطلع على عورته، وقبل الموت كان يكره الاطلاع عليه، فكذلك بعد الموت حقًا للميت بخلاف حالة الحياة. لأنه يجرد نفسه بنفسه، فلا يطلع عليه غيره.
وعلماؤنا احتجوا بما روت عائشة ﵂: أن النبي ﵇ لما توفي أجمعت الصحابة رضوان الله عليهم لغسله، فقالوا: لا ندري كيف نغسله. يغسل كما نغسل موتانا أو نغسله وعليه ثيابه؟ فأرسل الله تعالى عليهم النوم فما منهم أحد إلا نام وذقنه على صدره إذ ناداهم منادي أن اغسلوا نبيكم ﵇ وعليه قميصة ولا تنزعوا.
فقد اجتمعت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أن السنّة في سائر الموتى التجريد، والمعنى فيه وهو أن هذا غسل واجب فلا يقام مع الثياب اعتبارًا بحالة الحياة،
[ ٢ / ١٥٤ ]
وهذا لأن المقصود من الغسل هو التطهر، والتطهير لا يحصل إذا غسل مع ثيابه؛ لأن الثوب متى تنجس الغسالة تتنجس يديه ثانيًا بنجاسة الثوب، فلا يفيد الغسل، فيجب التجريد.
وأما الحدث قلنا: النبي ﵇ كان مخصوصًا بذلك لعظيم حرمته ألا ترى أن الصحابة قالت: لا ندري كيف نغسله؟ والنص الوارد في حق النبي ﵇ بخلاف القياس لا يكون واردًا في حق غيره؛ لأنه ليس لغيره من الحرمة ما للنبي ﵇، وقوله: يطلع على عورته.
قلنا: أصلنا بين أمرين: بين أن نغسله في ثيابه حتى لا يطلع على عورته غيره، وبين أن يجرده فيقع الاحتراز عن نجاسة تصيبه من الثوب، والتجريد أولى؛ لأن صيانته عن النجاسة فرض، واطلاع الغاسل على عورة الميت، مكروه. فكان مراعاة التطهير، وإنه فرض أولى من مراعاة الاطلاع على عورة الميت، وإنه مكروه.
وإذا جرد عن ثيابه يوضع على تخت؛ لأنه لو وضع على الأرض يتلطخ (١١٦أ١) ويتلوث بالطين فيوضع على التخت كيلا يتلطخ بالطين، ولم يبين في «الكتاب» كيفية وضع التخت إلى القبلة طولًا أو عرضًا.
من أصحابنا ﵏ من اختار الوضع طولًا كما كان يفعله في مرضه إذا أراد الصلاة بالإيماء، ومنهم من اختار الوضع عرضًا كما يوضع في القبر. قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وعلى الأصح أنه يوضع كما تيسر فإن ذلك يختلف باختلاف الأماكن والمواضع، ويوضع على عورته خرقة؛ لأن ستر العورة واجب على كل حال، والآدمي محترم حيًا وميتًا.
ألا ترى أنه لا يحل للرجال غسل النساء ولا للنساء غسل الرجال الأجانب بعد الوفاة، ثم ظاهر الرواية أنه يستر السوءة وهي العورة الغليظة وحدها ويترك فخذاه مكشوفتين.
قال و«في النوادر»: ويوضع على عورته من السرة إلى الركبة، وهكذا ذكر الكرخي في كتابه وهو الصحيح، قال ﵇ لعلي ﵁: «لا تنظر إلى فخذ حي وميت» ويلف الغاسل على يديه خرقة ويغسل السوءة؛ لأن مس العورة حرام كالنظر فيجعل على يده خرقة ليصير حائلًا بينه وبين العورة.
ولم يذكر محمد ﵀ في «الكتاب»: أنه هل يستنجي؟ وذكر في صلاة الأثر أن على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أنه يستنجي، وعلى قول أبي يوسف: لا يستنجى، أبو يوسف يقول: المسكة تزول والمفاصل تسترخى بالموت وربما يزداد الاسترخاء بالاستنجاء، فيخرج زيادة نجاسة من باطنه، فلا يفيد الاستنجاء فائدته، فلا يشتغل به، وهما قالا: موضع الاستنجاء من الميت قل ما يخلو عن نجاسة حقيقة، فيجب
[ ٢ / ١٥٥ ]
إزالتها كما لو كانت النجاسة على موضع آخر من البدن.
ثم يوضأ وضوءه للصلاة جاءت السنّة به من رسول الله ﵇؛ ولأن الغسل بعد الوفاة معتبر بالغسل حالة الحياة، وفي حالة الحياة كان إذا اغتسل توضأ أولًا وضوءه للصلاة، فكذلك بعد الوفاة.
قال شمس الأئمة الحلواني: هذا في البالغ والصبي الذي يعقل الصلاة، فأما الصبي الذي لم يعقل الصلاة، فإنه يغسله، ولا يتوضأ وضوءه للصلاة؛ لأنه كان لا يصلي.
ويبدأ بغسل وجهه، ولا يغسل اليدين بخلاف حالة الحياة؛ لأن الحي يغسله بنفسه، وآلة الغسل اليد فيؤمر بغسل اليدين أولًا، فيحصل غسل الأعضاء فإنه طاهرة، والميت يغسله الغاسل، ولا يغسل بنفسه، فلا يؤمر بغسل يد الميت بل يؤمر الغاسل بغسل يده.
ويبدأ في الوضوء بميامنه، وكذلك في الاغتسال؛ لأنه في حالة الحياة يفعل كذلك، فكذلك بعد الوفاة، وقد صح أن رسول الله ﵇ «كان يحب التيامن في كل شيء»، وقد روت أم عطية أن النبي ﵇ قال: للنساء اللاتي غسلن ابنته «إبدآن بميامنها وبمواضع وضوئها» . لا يمضمض ولا يستنشق وهذا عندنا، وقال الشافعي ﵀: يمضمض ويستنشق اعتبارًا بالغسل حالة الحياة.
ولنا ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «الميت يوضأ وضوءه للصلاة إلا أنه لا يمضمض ولا يستنشق» . وهذا نص في الباب؛ ولأنه بتعذره عليهم إخراج الماء من فيه فيكون سقيًا لا مضمضمة، ولو كبوه على وجهه ربما يخرج من جوفه ما هو نتن منه فيكون أخبث لفمه.
ومن العلماء من قال: يجعل الغاسل على أصبعه خرقة دقيقة ويدخل الأصبع في فمه ويمسح بها أسنانه ولهاته وشفتيه وينقيها، ويدخل من منخره أيضًا. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وعليه الناس اليوم: ولا يمسح برأسه بخلاف غسل الجنابة حالة الحياة: لأن إزالة الحدث بالمسح عرف نصًا بخلاف القياس حالة الحياة.
ألا ترى أنه لا يزول الحدث في سائر الأعضاء بالمسح ولا نص في حالة الموت، فيبقى على أصل القياس، ولا يؤخر غسل رجليه بخلاف حالة الحياة؛ لأن هناك يجتمع الماء المستعمل في موضع رجليه فالمفيد الغسل، وهنا لا يجتمع، ثم يغسل رأسه ولحيته بالخطمي؛ لأن الغسل شرع للتنظيف والغسل بالخطمي أبلغ في التنظيف، وهذا إذا كان له شعر على رأسه، لأن الحي إذا غسل وله شعر فعل ذلك حتى يصل الماء إلى ثنون شعره،
[ ٢ / ١٥٦ ]
ولا يسرح شعره؛ لأن الحي إنما يفعل ذلك للزينة وقد انقطع ذلك بالموت.
ثم بعد التوضىء يغسل ثلاثًا؛ لأن هذا غسل مشروع بعد الوفاة، فيعتبر بالغسل المشروع حالة الحياة، ثم التثليث في الغسل حالة الحياة مشروع، وكذا بعد الوفاة، وإن زاد على الثلاث جاز كما في حالة الحياة.
ثم يغسل أولًا بالماء القراح يعني بالماء الخالص، ثم بالسدر فيطرح السدر بالماء، وفي الثالثة يجعل الكافور في الماء ويغسل، هكذا روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «يبدأ أولًا بالماء القراح، ثم بالماء والسدر، ثم بالماء وشيء من الكافور» وإنما يبدأ أولًا بالماء القراح حتى يسيل ما عليه من الدرن والنجاسة، ثم بماء السدر حتى يزول ما به من الدرن والنجاسة، فإن السدر أبلغ في التنظيف وإزالة الدرن، ثم بماء الكافور يطيب بدن الميت، كذا فعلت الملائكة بآدم ﵇ حين غسلوه. والغسل بالماء الحار أفضل عندنا، وقال الشافعي ﵀: الأفضل أن يغسل بالماء البارد إلا أن يكون عليه وسخ ودرن، أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار، فحينئذٍ يغسل بالماء الحار.
حجته: أن الميت يسترخي، فلو غسل بماء حار ازداد الاسترخاء، فيصير سببًا لخروج ما في بطنه من النجاسات، فيؤدي إلى تنجيس الأكفان وتنجيسه ثانيًا بعد الغسل، فكان الغسل بماء بارد أفضل.
وعلماؤنا ﵏ قالوا: إن غسل الميت شرع للتنظيف، والماء الحار أبلغ في التنظيف، فيكون أفضل قياسًا على حالة الحياة، قوله: يزيد في الاسترخاء، قلنا: لهذا سنّ بالماء الحار ليزيد الاسترخاء، فيخرج جميع ما في بطنه كيلا تنجس الأكفان.
ثم يضجعه على شقه الأيسر، فيغسل بالماء القراح حتى ينقيه؛ لأن البدائة بالأيمن مندوب إليه، ولا يمكنه ذلك إلا بعد أن يضعه على شقه الأيسر، فيضعه على شقه الأيسر، ويصب الماء عليه حتى ينقيه، ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت من الشق الأيسر، فإذا وقع عند هذا فقد غسله مرة.
قال في «الكتاب»: وقد أمرن قبل ذلك بالماء بالسدر، فإن لم يكن بسدر فحرض، فإن يكن واحد منهما أجزأك الماء القراح. ثم يضعه على شقه الأيمن، وبصب الماء على شقه الأيسر، فيغسله بالماء القراح ثلاثًا حتى ينقيه، ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت منه؛ لأن الأيمن قد غسل بصب الماء عليه فيغسل الأيسر يصب الماء عليه؛ لأن صب الماء أبلغ في التطهير، فيجب أن يكون بكل جانب من ذلك حظ، فإن فعل هذا فقد غسل مرتين. ثم يقعده ويسنده إلى نفسه فيمسح بطنه مسحًا رقيقًا، فقد أمره بالمسح بعد الغسل مرتين، وأمره بمسح رقيق حقًا للميت.
وروي عن أبي حنيفة ﵀ في غير رواية «الأصول» أنه قال: يقعده أولًا،
[ ٢ / ١٥٧ ]
ويمسح بطنه، ثم يغسله؛ لأن المسح قبل الغسل أولى حتى يخرج ما في بطنه من النجاسة، فيقع الغسل ثلاثًا بعد خروج النجاسة.
وجه ظاهر الرواية: وهو أن المسح بعد المرة الثانية أولى؛ لأنه ربما يكون في بطنه نجاسة منعقدة لا تخرج بعد المسح قبل الغسل، ويخرج بعد الغسل مرتين بماء حار، فكان المسح بعد المرتين أقدر على إخراج ما به من النجاسة، فيكون أولى.
والأصل في ذلك ما روي: أن علي بن أبي طالب ﵁ لما غسل رسول الله ﵇ مسح بطنه بيده وقتها طلب منه ما يطلب من الميت فلم ير شيئًا فقال: طبت حيًا وميتًا، وروي أن العباس ﵁ فعل وقال: هذا، وروي أنه لما فعل به هكذا أراح ريح المسك في البيت، وانتشر ذلك الريح في المدينة.
وإن سال منه شيء مسحه، ولم يرد لهذا الاقتصار على المسح بل يغسل ذلك الموضع، وإنما أمره بالمسح قبل الغسل (١١٦ب١)؛ لأنه لو لم يمسح يتعدى عن ذلك الموضع بالغسل ثم يضجعه على شقه الأيسر، فيغسله بالماء القراح وشيء من الكافور حتى ينقيه، ويرى أن الماء قد خلص إلى ما يلي التخت منه، فإذا فعل ذلك فقد غسله ثلاثًا.
ثم ينشفه بثوب كما في حالة الحياة بعدما اغتسل ينشف أعضاءه حتى لا تبتل ثيابه، فكذا ينشفه بعد الموت حتى لا تبتل الأكفان. ولا يأخذ من شعره وظفره؛ لأنه للزينة، وبالموت استغنى عن الزينة، وإن كان ظفره منكرًا، فلا بأس بأن يأخذه.
روي ذلك عن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، وهذا سبيل كل ميت مات بعد الولادة، فإن ولد ميتًا لم يغسل، ولا يصلى عليه هكذا ذكر في «الأصل» .
وروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: إذا استهل المولود سمي، وغسل، وصلي عليه، وورث وورث عنه، وإذا لم يستهل لم يسم، ولم يغسل، ولم يصلِ عليه؛ ولم يرث؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵇ قال: «إذا استهل المولود غسل وصلي عليه وورث، وإن لم يستهل لم يصلِ عليه ولم يورث» وهذه الرواية موافقة لما ذكر في «الأصل» .
وعن أبي يوسف ﵀: أنه يغسل ولا يصلى عليه وهكذا روي عن محمد ﵀ في رواية، وبه أخذ الطحاوي ﵀.
وفي رواية أخرى عن محمد ﵀: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وبه أخذ الكرخي.
وجه إحدى الروايتين عن محمد ﵀: أن المنفصل ميتًا في حكم جرو حتى لا يصلى عليه فكذا لا يغسل.
وجه رواية أبي يوسف ﵀: أن المولود ميتًا نفس مؤمنة، ومن النفوس من يغسل ولا يصلى عليه، فيجوز أن يكون لهذه الصفة وما يقول: بأن المولود ميتًا في حكم الجرو.
[ ٢ / ١٥٨ ]
قلنا: إنه في حكم الجرو من وجه، وفي حكم النفس من وجه فيعطى له حظًا من الشبهين، فلاعتباره بالنفوس، قلنا: يغسل ولاعتباره بالأجراء قلنا: لا يصلى عليه.
وأما السقط الذي لم تتم أعضاؤه، ففي غسله اختلاف المشايخ، والمختار أنه يغسل ويلف في خرقة.
وإذا غرق الرجل في الماء ومات أو وقع في بئر ومات فعن أبي يوسف ﵀ أن ذلك لا ينوب عن الغسل وكذلك إذا أصاب الميت المطر لا ينوب ذلك عن الغسل.
فرق بين الميت والحي، والفرق: أن الغسل في حق الحي يتكلف به لغيره، وهو الطهارة وعرف ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ﴾ (المائدة: ٦)، وقد حصلت الطهارة من غير فعله، فأما الطهارة لم تعرف مطلوبة من غسل الميت يجوز أن يكون غسله لهذه الحكمة، ويجوز أن يكون غسله لحكمة أخرى، فلا يجوز القول بسقوط الأمر بالغسل عند حصول هذه الحكمة، وهي الطهارة؛ ولأن الأمر بغسل الميت لاقى الأحياء، فلا بد من فعل منهم، ولم يوجد، والأمر في حق الحي بالاغتسال لاقاه بعينه، وقد وجد نوع فعل منه في هذه الصورة.
وإذا لم ينب ذلك عن الغسل يغسل ثلاثًا بعد ذلك في قول أبي يوسف. وعن محمد أنه إذا نوى الغسل عند إخراجه من الماء يغسل مرتين بعد ذلك وإن لم ينوِ الغسل عند إخراجه يغسل ثلاثًا بعد ذلك، وعنه في رواية أخرى يغسل مرة واحدة. وإذا غسل الميت، ثم خرج منه شيء؛ فإنه لا يعاد الغسل، ولا الوضوء عندنا، وبه ختم.
قسم آخر في بيان الأسباب المسقطة لغسل الميت
فنقول: غسل الميت يسقط بأسباب: أحدها: انعدام الغاسل حتى أن الرجل إذا مات بين يدي النساء في السفر ييمم، فبعد ذلك ينظر إن كن أجنبيات يممنه من وراء الثياب، وإن كانت فيهن ذو رحم محرم منه يممته بيدها.
وكذلك المرأة إذا ماتت بين يدي الرجال في السفر، فإن كانوا أجانب يمموها من وراء الثوب، وإن كان فيهم ذو رحم محرم منها يممها بيده.
وإذا كان مع النساء رجل من أهل الذمة، أو مع الرجال امرأة ذمية علم الذمي والذمية الغسل، وإذا كان مع الرجال زوجها لم يحل له أن يغسلها، ولو كان مع النساء امرأة الميت حل لها أن تغسله.
وفي «العيون»: إذا ظاهر من امرأته ثم مات منها فلها أن تغسله لأن النكاح قائم ولو كان لرجل امرأتان فقال: إحداكما طالق ثلاثًا، وقد كان دخل بهما، ثم مات قبل البيان ليس لكل واحدة منهما أن تغسله لجواز أن كل واحدة منهما مطلقة، ولهما الميراث، وعليهما عدة الوفاة والطلاق.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: مات الرجل عن امرأته، وهي مجوسية؛ لأنه كان لا
[ ٢ / ١٥٩ ]
يحل لها المس حال حياته، فكذا بعد وفاته بخلاف الذي ظاهر منها؛ لأن الحل قائم، فإن أسلمت قبل أن يغسل غسلته اعتبارًا بحالة الحياة. وكذلك إذا مات عن امرأة، وأختها في عدته لم تغسله، فإن انقضت عدة أختها كانت لها أن تغسله.
إذا مات الرجل فأقامت امرأتان أختان كل واحدة منهما بينة أنه تزوجها، ودخل بها، ولا يعلم أيتها الأولى لم تغسله واحدة منهما، وميراث امرأة واحدة بينهما. وإذا مات الرجل وثمة أمته أو أمة غيره يممته بغير ثوب إلا من عتق بموته، ولا تغسل الأمة مولاها، وكذلك أم الولد، وعن أبي يوسف ﵀ للمحرمة والرضاعة أن تغسل زوجها.
وإذا مات الرجل عن امرأته، فقتلت ابن الميت أو ارتدت والعياذ بالله أو وقعت المحرمية بينهما بسبب من الأسباب لم يجز لها أن تغسله.
وإذا تزوج امرأة الرجل بزوج ودخل بها الزوج الثاني حتى وجب عليها العدة، ثم فرق بينهما، وردت إلى الزوج الأول، ومات عنها وهي في العدة من النكاح الثاني لم يكن لها أن تغسله، وإن انقضت عدتها في حال حياته، أو بعد وفاته لها أن تغسله.
وإن كان معه امرأة قد بانت منه قبل موته بطلاق، أو غير طلاق لم تغسله؛ لأن النكاح ارتفع في حال الحياة، والعدة الواجبة عليها للاستبراء ولهذا تقدر بالأقراء، وكذلك لو ارتدت قبل موته ثم أسلمت. وتغسل المرأة الصبي الذي لم يتكلم؛ لأنه ليس لفرجه حكم العورة.
والثاني: انعدام ما يغسل به، فإنه إذا مات الرجل في السفر، وليس هناك ماء طاهر ييمم ويصلى عليه.
والثالث: الشهادة، فالشهيد لا يغسل عند عامة العلماء ﵏، وقال الحسن البصري: يغسل.
أولًا: يحتاج إلى بيان معرفة الشهيد ثم إلى بيان معرفة حكمه، فنقول وبالله التوفيق: الشهيد اسم لكل مسلم مكلف طاهر عند أبي حنيفة ﵀ قتل ظلمًا في قتال ثلاث.Y
إما مع أهل الحرب، أو مع أهل البغي، أو مع قطاع الطريق، بأي آلة قتل لم يحمل على مكانه حيًا ولم ينتفع بحياته، ولم يبق حيًا بعد الجراحة يومًا أو ليلة، ولم يجب عن دمه عوض هو مال بالإجماع.
وحكمه في الشرع أنه لا يغسل، ويصلى عليه عندنا، وقال الحسن البصري ﵀: يغسل، وقال الشافعي: لا يصلى عليه. أما الكلام مع الحسن ﵀ في الغسل حجته في ذلك أن الغسل سنّة الموتى من بني آدم لما روينا أن الملائكة صلوات الله عليهم لما غسلوا آدم ﵇ قالوا: «هذه سنّة موتاكم يا بني آدم» . والشهيد ميت؛ لأن المقتول ميت بأجله عند أهل السنّة والجماعة؛ ولأن الغسل شرع كرامة للميت،
[ ٢ / ١٦٠ ]
والشهيد أحق بالكرامات، وإنما لم يغسل شهداء أحد؛ لأن الجراحة فشت في الصحابة في ذلك اليوم، وكان يشق عليهم حمل الماء من المدينة؛ لأن عامة جراحاتهم كانت في رسول الله ﵇ لذلك.
وإنا نحتج بما روي عن رسول الله ﵇ أنه قال في شهداء أُحد (١١٧أ١) «زملوهم بكلومهم ودمائهم» وفي رواية «واروهم بثيابهم ولا تغسلوهم فإنه ما من جريح يجرح في سبيل الله تعالى إلا وهو يأتي يوم القيامة وأوداجه تشخب دمًا»، وفي رواية «فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك»، وشهداء أُحد كانوا مكلفين طاهرين إذ لم ينقل أنه كان فيهم صبي، أو جنب، وقد قتلوا ظلمًا في قتال أهل الحرب، وما اعتاضوا عن دمائهم عوض هو مال، وما حملوا عن مكانهم أحياء، وما انتفعوا بحياتهم، وما عاشوا يومًا أو ليلة بعد الجراحة. فكل من كان في معناهم يلحق بهم في حق سقوط الغسل، وما لا فلا.
وكذلك من قتل في قتال أهل البغي لأنه إنما حارب لإعزاز دين الله تعالى، فصار كالمحارب مع أهل الحرب، وقد صح أن عمار بن ياسر قتل بصفين فقال: لا تنزعوا عني ثوبًا، ولا تغسلوا عني دمًا، وارمسوني في التراب رمسًا، فإني رجل محاج أحاج معاوية يوم القيامة، وزيد بن صومان قتل يوم الجمل فقال: لا تنزعوا عني ثوبًا، ولا تغسلوا عني دمًا فإني مخاصمهم يوم القيامة، وعن صخر بن عدي أنه قتله معاوية، وكان مقيدًا فقال: لا تنزعوا عني ثوبًا، ولا تغسلوا عني دمًا، فإني ومعاوية ملتقي يوم القيامة على الجادة.
وكذلك من قتل في قتال قطاع الطريق؛ لأنهم في معنى أهل الحرب.
ألا ترى أن الله تعالى وصفهم بكونهم محاربين الله ورسوله.
وكذلك من قتل مدافعًا عن نفسه، أو ماله، أو أهله، فهو شهيد قال ﵇: «من قتل دون ماله فهو شهيد»؛ ولأنه في معنى شهداء أُحد.
والمعنى في المسألة: أن غسل الميت إنما شرع لإزالة نجاسة ثبتت بالموت بسبب احتباس الدم السائل في العروق كما في سائر الحيوانات التي لها دم سائل، والدليل على أن النجاسة إنما ثبتت بسبب احتباس الدم السائل في العروق، فإن ما ليس له دم سائل من الحيوانات لا ينجس بالموت، والقتل على سبيل الشهادة يزيل الدم السائل عن العروق فلا تثبت نجاسة الموت بخلاف الموت؛ لأن النص ما ورد فيه، فبقي هو على النجاسة الأصلية. وأما الجواب عما قاله الحسن ﵀: أن الجراحات فشت في الصحابة.
[ ٢ / ١٦١ ]
قلنا: هذا باطل؛ لأن النبي ﵇ لم يأمرهم بالتيمم، ولو كان ترك الغسل لما ذكرتم من المعنى لأمرهم رسول الله ﵇ بالتيمم، كما لو تعذر غسل الميت في زماننا لعدم الماء، وبأنه ما لم يعذرهم في ترك الدفن، ولا شك أن حفر التراب هو أشق من غسل الميت، فلما لم يعذرهم في ترك الدفن كان أولى أن لا يعذرهم في ترك الغسل، وكما لم يغسل شهداء أُحد لم يغسل شهداء بدر كما رواه عقبة ابن عامر ﵁، وهذه الضرورة لم تكن يومئذٍ.
وكذلك لم يغسل شهداء الخندق، وحنين وهذه الضرورة لم تكن يومئذٍ فظهر أنهم إنما لم يغسلوا؛ لأن الشهيد لا يغسل.
وأما حديث آدم صلوات الله عليه، قلنا: بلى الغسل سنّة الموتى من بني آدم وهذا شهيد والشهيد ليس بميت من كل وجه بل هو ميت من وجه.
وأما الكلام مع الشافعي ﵀ في الصلاة عليه: حجته في ذلك ما روى جابر ﵁ أن النبي ﵇: ما صلى على شهداء أُحد؛ ولأنه بصفة الشهادة يطهر من دنس الذنوب، والصلاة عليه شفاعة له ودعاء لتمحيص ذنوبه، وقد استغنى عن ذلك كما استغنى عن الغسل، ولأن الصلاة مشروعة على الميت دون الحي، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم أحياء لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمرن: ١٦٩) ولنا ما روي أن النبي ﵇: صلى على شهداء أُحد، ولأن الصلاة على الميت لإظهار كرامته، ولهذا اختص به المسلمين، والشهيد أولى بهذه الكرامة.
وأما قوله من المعنى الأول: ليسن بصحيح؛ لأن درجته لا تبلغ درجة رسول الله ﵇، وما يقول من المعنى الثاني: أن الشهيد حي قلنا: نعم ولكن في حق أحكام الآخرة كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ﴾ أما في حق أحكام الدنيا فلا، ولهذا يقسم ماله بين ورثته، وتتزوج امرأته بعد انقضاء العدة، والصلاة عليه من أحكام الدنيا.
وأما حديث جابر فتأويله لم يكن حاضرًا حال ما صلى رسول الله ﵇ عليهم، فقد روي أنه قتل أبوه وأخوه وخاله يومئذٍ، فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إلى المدينة؟ فلم يكن حاضرًا حال ما صلى ﵇ عليهم فروى ما روى لهذا.
ومن شاهد النبي ﵇، وشاهد صلواته عليهم. روي أنه صلى عليهم فقد روى بعضهم أن النبي ﵇: «صلى على حمزة سبعين صلاة» وتأويله أن حمزة كان موضوعًا بين يديه، وكان يؤتى بواحد واحد، وكان يصلي رسول الله ﵇ عليه فظن الراوي أنه صلى على حمزة في كل مرة، فروى أنه صلى عليه سبعين صلاة.
جئنا إلى بيان الشرائط التي شرطناها لكون المقتول شهيدًا أما كونه مكلفًا، فهو شرط عند أبي حنيفة ﵀ خلافًا لهما حتى أن الكفار إذا دخلوا قرية من قرى
[ ٢ / ١٦٢ ]
المسلمين، وقتلوا الصبيان والمجانين، فإنهم يغسلون عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما لا يغسلون.
حجتهما: أنهم قتلوا في سبيل الله تعالى ظلمًا، فيكونوا شهداء كالبالغين.
يوضحه: أن حال الصبيان والمجانين في الطهارة فوق حال البالغين العاقلين، فإذا لم يغسل البالغ إذا استشهد؛ لأنه يطهر بالسيف، فالصبي والمجنون أولى، ولأبي حنيفة ﵀ أنهم ليسوا في معنى شهداء أُحد إذ لم ينقل أنه كان فيهم صبي أو مجنون فلا يلحقوا بهم في حق سقوط حكم الغسل.
وقد صح أن ابني آدم لما قتل أحدهما صاحبه أوحى الله تعالى إلى آدم ﵇: «أن اغسله وكفنه وصلي عليه وادفنه»؛، ولأن السيف محاء للذنوب والخطايا، وليس لهؤلاء ذنوب، فكان القتل في حقهم والموت سواء.
وهما يقولان: بأن السيف يطهر ويسقط الغسل عمن له ذنوب وخطايا، فلأن يسقط الغسل عنهم أولى، والجواب لأبي حنيفة ﵀ ما بينا، ولأن ترك الغسل لإبقاء أثر الشهادة عليه ليكون له حجة على خصمه ولو لقيه، والصبي لا يخاصم بنفسه في حقوق الدنيا، فكذا في حقوق الآخرة، وإنما الخصم عنه في الآخرة هو الله تعالى، والله تعالى غني عن الشهود، فلا حاجة إلى إبقاء أثر الشهادة عليه. وأما كونه طاهرًا فهو شرط عند أبي حنيفة ﵀ حتى أن الجنب إذا قتله أهل الحرب، أو أهل البغي، أو اللصوص يغسل عنده، وقال أبو يوسف: لا يغسل.
والحائض والنفساء إذا طهرتا، وتم الانقطاع، ثم قتلتا قبل الغسل، فهو على الخلاف، وإن قتلتا والحيض والنفاس قائم، عندهما لا يغسلان بلا إشكال، وعن أبي حنيفة ﵀ روايتان وأصح الروايتين عنه أن تغسل.
هما يقولان: الغسل الواجب بالجنابة سقط بالموت؛ لأن الغسل كان واجبًا عليه، فيسقط بالموت لعجزه، والغسل بسبب الموت لم يجب؛ لأنه شهيد. ولأبي حنيفة ﵀ حديث حنظلة، فإنه استشهد وهو جنب فغسلته الملائكة.
فسأل رسول الله ﵇ زوجته عن حاله فقالت: أحبلني البارحة فأعجله الحرب من الغسل فقتل وهو جنب، فغسلته الملائكة تعليمًا لنا، كما في قصة آدم ﵇؛ ولأن الأصل في بني آدم الغسل، إنما تركنا هذا الأصل بحديث شهداء أُحد، ولم يرو أنه كان فيهم جنب أو حائض؛ ولأن الشهادة عرفت مانعة ثبوت النجاسة، لا مطهرة عن نجاسة.
بيانه: أن المسلم طاهر، ولكن يتنجس بالموت، فالشهادة تمنع ثبوت النجاسة بالموت، والجنب والحائض نجس ممنوع عن دخول المسجد وتلاوة القرآن، فالشهادة لو عملت (١١٧ب١) في حقهما إنما تعمل في إزالة النجاسة، والمنع من الثبوت أسهل من الرفع بعد الثبوت، ولا يقاس الأعلى على الأدنى.
وأما كونه مقتولًا ظلمًا، فهو شرط بلا خلاف حتى أن من افترسه السبع، أو سقط
[ ٢ / ١٦٣ ]
عليه البناء، أو الحائط، أو تردى من جبل، أو غرق في الماء، أو ما أشبه ذلك غسل كغيره من الموتى؛ لأن الأصل في هذا الباب شهداء أُحد، وهم قتلوا ظلمًا، فلا يلحق بهم غيرهم إلا إذا كان في معناهم.
يوضحه: أن هذه الأسباب غير معتبرة في حق أحكام الدنيا، والغسل من أحكام الدنيا؛ ولأن الشهيد من بذل نفسه لابتغاء مرضات الله تعالى، وهذا المعنى لا يوجد في حق من مات بهذه الأسباب. وإنما عممنا الآلة؛ لأن الأصل في هذا الباب شهداء أُحد، ولم يكن كلهم قتيل السيف والسلاح بل فيهم من دمغ رأسه بالحجر، ومنهم من قتل بالعصا، ثم عمهم رسول الله ﵇ في الأمر بترك الغسل؛ ولأن الشهيد من بذل نفسه لابتغاء مرضات الله، وفي حق هذا المعنى السلاح وغيره سواء.
وشرطنا أن لا يحمل عن مكانه حيًا حتى قلنا: إذا حمل عن مكانه حيًا ومات في بيته، أو على أيدي الناس يغسل؛ لأن الأصل في هذا الباب شهداء أُحد، هم ما حملوا عن مصرعهم بل ماتوا كما وقعوا على الجنب. فالذي يحمل عن مكانه حيًا ليس في معنى شهداء أُحد، وقد صح أن عمر وعليًا ﵄ حملا عن مصرعهما حيين وغسلا، وعثمان ﵁ أجهز عليه في مصرعه ولم يغسل، فعرفنا أن الذي لا يغسل من أجهز عليه في مصرعه. وهذا إذا حمل ليمرض فأما إذا رفع من بين الصفين كيلا يطأه الجنود فإنه لا يغسل.
والفرق الذي حمل كيلا يطأه الجنود ما نال شيئًا من راحات الدنيا فلم يخف الظلم في حقه فيكون في معنى شهداء أحد ولا يغسل ولا كذلك الذي مرض في بيته أو خيمته لأنه وصل إليه شيء من راحات الدنيا فيخف المظلم في حقه فلم يكن في معنى شهداء أُحد.
وشرطنا أن لا ينتفع بحياته، حتى قلنا: إذا أكل أو شرب في مكانه يغسل؛ لأن هذا ليس في معنى شهداء أُحد، فإنه روي أنهم طلبوا ماء، وكان الساقي يطوف عليهم، فكان إذا عرض الماء على إنسان أشار إلى صاحبه حتى ماتوا عطاشًا، ولأنه إذا أكل أو شرب، فقد وصل إليه راحة من راحات الدنيا فخف الظلم في حقه، فصار كالتمريض والارتثاث.
ولو كلم إنسانًا ثم مات قبل أن يحمل لم يغسل.
قيل: هذا إذا كان قليلًا ليس أمور الدنيا، فإن من شهداء أُحد من فعل ذلك، أما إذا كان كثيرًا من أمور الدنيا كالبيع والشراء غسل.
ولو أوصى بوصية، ثم مات لم يغسل، وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: يغسل. واختلف المتأخرون ﵏ في ذلك، منهم من قال: هذا الاختلاف فيما أوصى بشيء من أمور الآخرة، فأما إذا أوصى بشيء من أمور الدنيا يغسل بالاتفاق، ومنهم من قال: لا خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن ما قاله أبو يوسف ﵀: محمول على ما إذا كانت الوصية بأمور الدنيا والاهتمام لأولاده.
وعند مالك يغسل بالإجماع. وما قال محمد ﵀: محمول على ما إذا كانت
[ ٢ / ١٦٤ ]
الوصية بالأمر الآخرة، وعند ذلك لا يغسل بالإجماع، استدل محمد ﵀ في «الزيادات» بحديث سعد بن الربيع فإنه روي عن النبي ﵇ «أنه قال يوم أُحد: «من يأتيني بخبر سعد فقال رجل: أنا آتيك بخبره، فجعل يتفحص القتلى حتى أدركه وبه رمق، فقال: إن رسول الله يقرئك السلام ففتح سعد عينيه، وقال: رسول الله في الأحياء قال: نعم هو سالم وقد بعثني إليك، فقال: الحمد لله على سلامته الآن طابت نفسي للموت، ثم قال: أقرأ رسول الله مني السلام، وأقرأ الأنصار السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله تعالى إن قتل محمد وفيكم عين تطرف، ثم قال: أخبر النبي ﵇ أن بي كذا كذا طعنة كلها أصابت مقتلي، ثم مات» وكان من جملة شهداء أُحد، فهذا يبين لك صحة ما قلنا.
وشرطنا أن لا يبقى بعد الجراحة حيًا يومًا أو ليلة حتى قلنا لو عاش في مكانه يومًا أو ليلة فإنه يغسل، وإن كان دون ذلك لا يغسل؛ لأنه ليس في معنى شهداء أُحد، إذ لم يبق منهم أحد حيًا بعد الجراحة يومًا كاملًا أو ليلة كاملة.
يوضحه: أن القتيل يعيش قليلًا ولا يعيش طويلًا فلا بد من حد فاصل بين القليل والكثير فجعلنا الحد الفاصل بين القليل والكثير يومًا كاملًا أو ليلة كاملة؛ لأن كل واحدة من هذه المدة تعرف بنفسها، أما ما دون ذلك تعرف بالساعات فيكون هذا معرفة بغيرها لا بنفسها. وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إن عاش وقت صلاة كامل يغسل؛ لأنه وجبت عليه تلك الصلاة، وهذا من أحكام الأحياء.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف رحمهما الله: إذ مكث الجريح في المعركة يومًا أو أكثر منه حيًا، والقوم في القتال على قتالهم ذلك اليوم كله، وهو يعقل فكلمهم، أو لا يعقل فهو بمنزلة الشهيد، قال: ألا ترى أنه لو كان يقاتل راجلًا أو فارسًا اليوم كله، ثم خر ميتًا في آخر النهار من جراحة أصابته في أول النهار إنه يكون شهيدًا.
وإن تصرم القتال بينهم وهو مجروح في المعركة صريع يعقل، فإن مكث كذلك وقت صلاتين أو وقت صلاة فهو بمنزلة الذي حمل حيًا لا يكون شهيدًا؛ لأنه صارت الصلاة دينًا في ذمته إذا كانت الحالة هذه، وهذا من أحكام الأحياء.
وإن كانوا في معمعة القتال، فوجد جريحًا فحملوه والقوم في القتال، ثم مات فهو شهيد، قال الحاكم الشهيد ﵀: مجرد حمله ورفعه من المعركة والقتال على حاله فقد لا يجعله مرتثًا، وإنما ارتثاثه بذلك بعد تصرم القتال.
وشرطنا أن لا يجب عن نفسه عوض هو مال حتى قلنا: إن من قتل خطأ يغسل؛ لأنه اعتاض عن دمه بدل هو مال، فلا يكون في معنى شهداء أُحد.
يوضحه: أن الشهيد من سلم نفسه لابتغاء مرضات الله تعالى لنيل الجنة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْولَهُمْ﴾ (التوبة: ١١١) فمن استوجب الدية
[ ٢ / ١٦٥ ]
بدلًا عن نفسه، فقد اعتاض عن دمه، فلم يتم التسليم فيغسل.
ومن وجد في المصر قتيلًا ينظر إن حصل القتل بعصا كبيرة، أو بحجر كبير ويعلم قاتله، فعلى قول أبي حنيفة ﵀: يغسل؛ لأن القتل على هذا الوجه عنده يوجب الدية، فقد اعتاض عن دمه بدلًا هو مال، وعلى قول أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله: لا يغسل؛ لأن القتل على هذا الوجه عندهما يوجب القصاص ووجوب القصاص، لا يمنع الشهادة عندنا كما لو قتل بالسلاح.
وإن لم يعلم قاتله يغسل؛ لأنه وجبت الدية، والقسامة بقتله، فلم يكن في معنى شهداء أُحد. وإن حصل القتل بعصا صغيرة يغسل علم قاتله، أو لم يعلم؛ لأن هذا القتل يوجب المال على كل حال، إن حصل القتل بحديدة، فإن لم يعلم قاتله تجب الدية والقسامة على أهل المحلة، فيغسل، وإن علم القاتل لم يغسل عندنا، وعند الشافعي يغسل بناءً على أن قتل العمد يوجب الدية عنده، فقد اعتاض عن دمه بدلًا هو مال، وعندنا القتل العمد يوجب القصاص فمن اعتاض عن دمه بدل هو مال.
وحجتهما روي أن عمر وعليًا ﵄ غسلا وقد قتلا مظلومين.
وحجتنا ما روي أن عثمان ﵁ لم يغسل، وقد قتل في المصر بالسلاح ظلمًا، وعلم قاتله، وكذلك صخر بن عدي لم يغسل، وقد قتل في المصر بالسلاح ظلمًا، وعلم قاتله، ولا حجة له في حديث عمر، وعلي ﵄؛ لأنهما ارتثا فغسلا لأجل الارتثاث، لا؛ لأن وجوب القصاص يوجب خللًا في أمر الشهادة.
فإن قيل: الذي وجب القصاص بقتله ليس في معنى شهداء أُحد إذ لم يجب بقتلهم شيء.
قلنا: فائدة القصاص يرجع إلى ولي القتيل، وسائر الناس دون المقتول، فلم يحصل له بالقتل شيء كما لم يحصل شهداء أُحد بخلاف الدية؛ لأن فائدة الدية ترجع إلى الميت من حيث إنه (١١٨أ١) تقضى ديونه وتنفذ وصاياه.
ومن قتل في قصاص أو رجم غسل؛ لأنه ليس في معنى شهداء أُحد؛ لأنه قتل بحق وشهداء أُحد قتلوا ظلمًا؛ ولأن الشهيد من بذل نفسه لابتغاء مرضات الله تعالى، وهذا لا يوجد في الذي قتل بحق؛ لأنه باذل نفسه لإبقاء حق مستحق.
وقد صح أن ماعزًا لما رجم جاء عمه إلى رسول الله ﵇ وقال: قتل ماعز كما تقتل الكلاب، ماذا تأمرني أن أصنع به، فقال ﵇: «لا تقل هذا لقد تاب ماعز توبة لو قسمت توبته على أهل الأرض لوسعتهم، اذهب فاغسله وكفنه وصل عليه» . وكذلك من مات من حد أو تعزير غسل لما بينا، وكذلك من عدا على قوم ظلمًا وكابرهم فقتلوه غسل؛ لأنه ليس في معنى شهداء أُحد؛ لأن شهداء أُحد ما عدونا على غيرهم ظلمًا؛ ولأن الظالم غير باذل نفسه لابتغاء مرضات الله تعالى، فلا يكون شهيدًا.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وكذلك الباغي إذا قتل لا يصلى عليه وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: يصلى عليه؛ لأنه مؤمن قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ﴾ (الحجرات: ٩) إلا أنه مقتول بحق، فهو كالمقتول في رجم أو قصاص.
ولنا حديث علي ﵁: أنه لم يغسل أهل الخوارج يوم النهروان، ولم يصلِ عليهم، فقيل له: أهم كفار فقال: لا ولكنهم إخواننا بغوا علينا، أشار إلى أنه ترك الغسل والصلاة عليهم عقوبة وزجرًا لغيرهم، وهو نظير المصلوب يترك على خشبته عقوبة وزجرًا لغيرهم.
وإن وجد في المعركة ميتًا ليس له أثر القتل غسل؛ لأن المقتول يفارق الميت بالأثر، فإذا لم يكن به أثر، فالظاهر لم يكن انزهاق روحه بقتل مضاف إلى العدو، بل لما التقى الصفان انخلع قناع قلبه من شدة الفزع فمات، والجبان قد يبتلى بهذا، وقد وقع هذا في كثير من الصحابة رضوان الله عليهم.
وإن كان به أثر القتل لم يغسل؛ لأن الظاهر أن موته كان بذلك الجرح، وإنه كان من العدو فاجتماع الصفين كان لهذا، والأصل أن الحكم متى ظهر عقيب سبب موته يضاف إلى ذلك السبب.
ثم لا بد من معرفة الميت الذي ليس له به أثر القتل، والذي به أثر القتل، فالذي ليس به أثر القتل أن لا يكون به جراحة ولم يخرج منه الدم من موضع ما، أو خرج الدم منه من موضع يخرج منه الدم في حالة الحياة عادة.
حتى قلنا: لو خرج من أنفه أو دبره، أو ذكره دم غسل؛ لأن المرء قد يبتلى بالرعاف، وقد يبول دمًا لمرض في الباطن، أو من شدة الفزع، وقد يبتلى المرء بالباسور، فيخرج الدم من الدبر، فلا تثبت صفة الشهادة بالشك. والذي به أثر القتل أن يكون به جراحة، أو لم يكن به جراحة إلا أنه خرج الدم منه من موضع لا يخرج منه الدم في حالة الحياة عادة.
قلنا: لو خرج الدم من أذنه أو عينه، لم يغسل؛ لأن الدم لا يخرج من هذين الموضعين عادة إلا لجرح في الباطن فالظاهر أنه ضرب على رأسه حتى خرج الدم من أذنه أو عينه.
وإن كان يخرج من فمه فهو على وجهين: إما أن ينزل من رأسه أو يعلو من جوفه، فإن كان ينزل من رأسه غسل؛ لأنه رعاف؛ لأن للدماغ والرأس منفذين منفذًا إلى المخ ومنفذ إلى الفم والحلق، وإن كان يعلو من الجوف إن كان سائلًا لم يغسل وهو شهيد لأن الدم لا يسيل من الجوف حالة الحياة إلا الجرح في الباطن فكان ذلك علامة الضرب والقتل وإنا نعلم ذلك بلون الدم وإن كان متجمدًا يفصل لأنه يحتمل أن يكون صفرًا أو سوادًا احترق فلا يكون ذلك دليل الجرح في الباطن، فلا يترك الغسل بالشك وبه ختم.
[ ٢ / ١٦٧ ]
قسم آخريتصل بمسائل الشهيد
ذكر محمد ﵀ في «الزيادات»: أما في الشهيد وذكر فيها مسائل كثيرة وبنى مذهب أبي حنيفة ومذهب نفسه على أصل أن من صار مقتولًا في قتال ثلاث: إما مع أهل الحرب، أو مع البغاة، أو مع قطاع الطريق لمعنى مضاف إلى العدو، وكان شهيدًا سواء كان بالمباشرة، أو بالتسبب، وكل من صار مقتولًا بمعنى غير مضاف إلى العدو لا يكون شهيدًا لأن الشهيد اسم لقتيل العدو فلا بد وأن يكون القتل مضافًا إلى العدو مباشرة وتسببًا.t
وقال أبو يوسف ﵀: إذا صار مقتولًا في هذا القتال الثلاث كان شهيدًا، وإن لم يكن قتله مضافًا إلى العدو؛ لأن الأصل في هذا الباب شهداء أُحد، وقد كان فيهم من رمت به دابته ثم عمهم رسول الله ﵇ في حكم الشهادة.
إذا أوطأ مشرك مسلمًا بدابته لا يغسل؛ لأنه قتيل العدو مباشرة، ولو وطئت دابة المشرك والمشرك راكبها إلا أنه لا يعلم به، فقتله لا يغسل؛ لأنه قتيل العدو مباشرة؛ لأن فعل الدابة يضاف إلى راكبها؛ لأنها تبع له يوقفها كيف شاء. وكذلك لو كدمته الدابة بفمها أو ضربته بيدها أو بعجته برجلها أو بذنبها لا يغسل بلا خلاف، وكان ينبغي أن يغسل عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله؛ لأن هذه الأفعال غير مضافة إلى راكب الدابة.
ألا ترى أن الراكب في دار الإسلام بمثل هذه الأفعال لا يضمن فلم يكن قتل ألبتة.
قلنا: هل هذه الأفعال مضافة إلى راكبها لما قلنا إلا أنه سقط اعتبار الإضافة شرعًا في حق الضمان في حق من يسير على الدابة، لأن الركوب في الطريق مسير مباح في الأصل فلم يصر خائنًا بالركوب، والتحرز عن هذه الأسباب غير ممكن، فجعل ذلك عفوًا حتى لو أوقف الدابة في طريق المسلمين يجب الضمان بمثل هذه الأفعال؛ لأن الإيقاف في الطريق غير مباح في الأصل، فيصير خائنًا بالاتفاق، فما تولد منه يكون مضمونًا عليه.
فأما الحربي، فهو خائن في أصل الركوب للقتال مع المسلمين فما تولد منه يكون مضمونًا عليه سواء أمكنه التحرز عنه أو لا.
وإن كانت دابة المشرك منفلتة من المشرك وليس عليها أحد، ولا لها سائق أو قائد فأوطئت مسلمًا في القتال، فقتلته، غسل عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله؛ لأن قتله غير مضاف إلى العدو أصلًا، وعند أبي يوسف ﵀ لا يغسل؛ لأنه صار قتيلًا في قتال أهل الحرب.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وإن عثرت دابة رجل من المسلمين في القتال فرمت به فقتلته غسل عند أبي حنيفة ﵀ خلافًا لأبي يوسف بناءً على الأصل الذي قلنا: ولو نفر مشركون دواب المسلمين فرمت دابة صاحبها وقتلته لم يغسل بالإجماع لأنه قتيل العدو تسببًا، ولو رأت دواب المسلمين دابات المشركين فتفرق من ذلك دابة من غير المشركين ورمت بصاحبها وقتلته فهو على الاختلاف الذي بينا.
ولو انهزم المسلمون فوطئت دابة مسلم مسلمًا وصاحبها عليها، أو سائق لها، أو قائد غسل؛ لأن قتله مضاف إلى المسلم، وإنه خطأ يوجب الدية، وكل قتيل هذا حاله لا يؤثر في سقوط الغسل.
وكذلك لو رمى مسلم المشركين بسهم، فأصاب سهمه رجلًا من المسلمين، فقتله يغسل؛ لأنه قتله مضاف إلى المسلم، وإنه خطأ تجب فيه الدية، فلا يؤثر في سقوط الغسل فاستدل في «الكتاب» بحديث حذيفة بن اليمان ﵁، فإن المسلمين التفوا بسيوفهم على اليمان، فقتلوه ولم يعرفوه فقضى رسول الله ﵇ بالدية لحذيفة (١١٨ب١)، فهذا دليل على أن مثل هذا القتل يوجب الدية، ووجوب الدية يوجب خللًا في أمر الشهادة في حكم الغسل.
ولو ألجأ المشركون المسلمين إلى خندق فيه ماء أو نار فلم يجدوا بدًا من الوقوع ففرق بعضهم أو احترق غسل عند أبي حنيفة، ومحمد ﵀؛ لأن قتلهم غير مضاف إلى العدو؛ لأنهم هم الذين أوقعوا أنفسهم فيه، أكثر ما في الباب أنهم كانوا مضطرين في ذلك لكن مباشرتهم ذلك بأنفسهم يقطع تسبب العدو. ولو طعنوهم بالرماح حتى ألقوهم في الماء أو النار، أو رموا بهم عن سور المدينة، فلم تعقرهم الرماح وغرقهم الماء، أو ماتوا من وقوعهم لم يغسلوا؛ لأن قتلهم مضاف إلى العدو مباشرة.
ولو أن المشركين جعلوا الحسك حولهم أو حفروا خندقًا حولهم وجعلوا فيه نارًا أو ماءً، فجاء المسلمون ليلًا ولا يعلمون بذلك، فوقعوا فيه غسلوا؛ لأن قتلهم مضاف إلى فعلهم حيث وضعوا أقدامهم على ذلك الموضع باختيارهم، وجهلهم بذلك لا يجعل فعلهم مضافًا إلى العدو، فلا يسقط الغسل إلا على قول أبي يوسف ﵀.
ولو أن المشركين تحصنوا في مدينة، وصعد المسلمون سورها، فمالت رجل إنسان منهم فوقع فمات غسل عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله؛ لأنه مات من فعله لا من فعل العدو، وعلى قول أبي يوسف ﵀: لا يغسل لما قلنا. وكذلك لو أن المسلمين نقبوا الحائط فوقع عليهم من نقبهم غسلوا لما قلنا، إلا على قول أبي يوسف ﵀.
ولو نقب المشركون الحائط حتى سقط على المسلمين لم يغسلوا؛ لأنهم قتيل العدو. وإذا أغار أهل الحرب على قرية من قرى المسلمين فقتلوا الرجال والنساء والصبيان لا خلاف أنه لا يغسل النساء كما لا يغسل الرجال؛ لأنهن مخاطبات
[ ٢ / ١٦٩ ]
بمخاصمتن يوم الجمعة من قتلهن، فيبقى عليهن أثر الشهادة ليكون شاهدًا لهن كما للرجال، وأما الصبيان، فعند أبي حنيفة ﵀ يغسلون، وعندهما لا يغسلون. قال أبو حنيفة ﵀: ليس للصبي ذنب هجره، فالقتل في حقه والموت حتف أنفه سواء، ثم الصبي لا يخاصم بنفسه، وإنما يخاصم عنه الله تعالى، والله تعالى غني عن الشهود، فلا حاجة إلى إبقاء أثر الشهادة.
قسم آخر في تكفين الشهداء
ويكفن الشهيد في ثيابه الذي عليه لقوله ﵇: «زملوهم بلباسهم» ولحديث زيد بن صوحان وصخر بن عدي: «لا تنزعوا عني ثوبًا ولا تغسلوا عني دمًا»، ولأن في نزع ثيابه إزالة أثر الشهادة عنه.
وقد أمرنا بإبقاء أثر الشهادة عليه. ألا ترى أنا أمرنا بإبقاء الدم الذي على يديه، وكره إزالته بالغسل، فكره نزع ثيابه لهذا، غير أنه ينزع عنه السلاح والجلود والفرو والحشو والخف والقلنسوة، وكلما ليس من جنس الكفن لما روي عن علي ﵁ أنه قال: «تنزع عنه العمامة والخفان والقلنسوة» .
وعن زيد بن صوحان ﵁ أنه قال: «ادفنوني في ثيابي ولا تنزعوا عني إلا الحشو» ولأن ما يترك على الشهيد يترك ليكون كفنًا له، والكفن للستر، والفرو والحشو يلبسان للزينة أو لدفع الحر والبرد، والميت قد استغنى عن ذلك، ولهذا كره تكفين غير الشهيد بهذه الأشياء، فإذا كره التكفين بهذه الأشياء ابتداء، كره الترك عليه كفنًا له.
وفي «السير الكبير» يقول: ينزع عنه ما ليس من جنس الكفن نحو السلاح والسراويل والقلنسوة، ولم يذكر محمد السراويل إلا في «السير»، وكان الفقيه أبو جعفر الهندواني يقول: الأشبه أن لا ينزع عنه السراويل؛ لأن في نزعه إبراز العورة من غير الضرورة، ووافقه في ذلك كثير من المشايخ من مشايخنا ﵏.
ويزيدون في أكفانهم ما شاؤوا، وينقصون ما شاؤوا، قيل: معناه يزاد على ما عليه من الثياب إذا قل حتى يبلغ السنّة، وينقص عما عليه إذا كثر حتى يبلغ السنّة، وقيل: معناه يزاد على ما عليه من الثياب ثوب جديد تكرمًا له، وإن كان ما عليه يبلغ السنّة، وينقصون ما شاؤوا كما يفعل بغيره من الموتى، إنما لا يزال عنه أثر الشهادة، فأما في سوى ذلك فهو كغيره من الموتى، وبه ختم.
نوع آخرمن هذا الفصل في تكفين الميت
هذا النوع ينقسم أقسامًا قسم في مقدار الكفن. قال محمد ﵀: أدنى ما تكفن فيه
[ ٢ / ١٧٠ ]
المرأة ثلاثة أثواب ثوبان وخمار، وأكثر ما تكفن فيه المرأة خمسة أثواب درع وخمار وإزار ولفافة وخرقة، وأدنى ما يكفن الرجل فيه ثوبان، وأكثر ما يكفن فيه الرجل ثلاثة أثواب.
يجب أن يعلم بأن الكفن أنواع ثلاثة: كفن ضرورة وكفن كفاية وكفن سنّة، أما كفن الضرورة أن يكفن فيما يوجد، فإن حمزة استشهد، وعليه نمرة إذا غطي بها رأسه بدت قدماه وإذا غطي بها قدماه بدا رأسه فغطي بها رأسه، وجعل على قدميه الإذخر.
وأما كفن الكفاية فما قال في «الكتاب»: أدنى ما تكفن به المرأة ثلاثة أثواب ثوبين وخمار وأدنى ما يكفن به الرجل ثوبين إزار ولفافة.
والأصل في ذلك ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: «كفنوني في ثوبي هذين فقالت عائشة ﵂: ألا نشتري لك ثوبًا جديدًا فقال: الحي أحوج إلى الجديد من الميت»؛ ولأنه لباس مشروع بعد الوفاة فيعتبر باللباس المشروع حالة الحياة ثوبين قميص وإزار.
وأدنى ما تلبس المرأة حالة الحياة ثلاثة أثواب قميص وإزار وخمار فكذا بعد الوفاة؛ وروي عن أبي يوسف ﵀ أن المرأة إذا كفنت في ثوبين وترك الدرع والخمار والخرقة جاز لأن المقصود هو الستر وذاك حاصل بالثوبين.
وأما كفن السنّة للرجال فثلاثة، إزار ورداء وقميص، وللنساء خمسة لفافة وإزار ودرع وخمار وخرقة لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: تكفن المرأة في خمسة أثواب، ولما روي عن عمر ﵁ أنه قال: «تكفن المرأة في خمسة أثواب والرجل في ثلاثة أثواب، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» احتراز الزيادة على الخمسة في المرأة، وعلى الثلاثة في الرجل من الاعتداء، وروي أن رسول الله ﵇ «كفن في ثلاثة أثواب سحولية» أي بيض، وعن أم عطية أن رقية بنت رسول الله ﵇ توفيت، «وأمر رسول الله ﵇ بغسلها، وتكفينها، وجلس على الباب وجعل يناول الثياب حتى بلغ خمسة»؛ ولأنه لباس مشروع بعد الوفاة فيعتبر باللباس المشروع حالة الحياة.
وأكثر ما تلبس المرأة حالة الحياة للخروج خمسة أثواب درع وخمار وإزار ونقاب فكذا بعد الوفاة تكفن بخمسة أثواب درع وخمار وإزار ولفافة وخرقة تربط فوق الأكفان من عند الصدر فوق الثديين، والبطن كيلا يقصر عليها الكفن إذا حملت على السرير.
وعن زفر ﵀ أنه قال: تربط الخرقة على فخذيها كيلا تضطرب إذا حملت على السرير، والأولى أن تكون الخرقة بحيث تصل إلى الموضعين ليكون أستر لها.
[ ٢ / ١٧١ ]
وأكثر ما يلبس الرجل في حالة الحياة ثلاثة أثواب قميص، وسراويل وعامته عمامته فكذلك بعد الوفاة يكفن في ثلاثة أثواب إزار، وقميص ولفافة، وهذا لأن مبنى حالة المرأة على الستر فيزاد في كفنها اعتبارًا بحالة الحياة، ثم جعلنا الزيادة ثوبين ليكون الكفن وترًا لا شفعًا.
وقال الشافعي ﵀: لا قميص في كفن الرجل بل هي لفاف كلها؛ لما روت عائشة ﵂ أن النبي ﵇ كفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، وفي رواية أثواب سحولية؛ ولأن القميص يختص به الأحياء للتقلب، ولا حاجة إليه في الميت.
ولنا حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﵇: «كفن في حلة وقميص»، والحلة اسم للثوبين عند العرب، رداء وإزار ولأن أشرف لباس الأحياء القميص، فوجب تقديمه إلا أنه لا يجعل قميصه على سنة قميص الأحياء، فلا يجعل له دخريض؛ لأن ذلك إنما يجعل في حق الحي ليتسع أسفله فيتيسر له المشي، والميت لا يحتاج إلى ذلك، ولا يجعل له الجيب أيضًا؛ لأن ذلك يفعل للحي ليكون ولا حاجة (١١٩أ١) للميت إلى ذلك، ولا يكف أطرافه؛ لأن ذلك للصيانة ولا حاجة إليه في حق الميت، والأخذ بحديث ابن عباس رضي الله؛ عنهما أولى من الأخذ بحديث عائشة ﵂ لأن الرجال حضروا رسول الله ﵇.
وهل يعمم الرجل؟ اختلف المشايخ فيه، منهم من قال: يعمم؛ لأن ابن عمر ﵄ أوصى. ومنهم من يقول: إن كان في الورثة صغار لا يعمم، وإن كانوا كبارًا وعمموا برضاهم يجوز.
ومنهم من قال: إن كان عالمًا معروفًا أو من الأشراف يعمم، وإن كان من أوساط الناس لا يعمم، ومنهم من قال: لا يعمم على كل حال لما روينا من الحديث، ولأنه لو عمم للكفن شفعًا، ويكفن الرجل بكفن مثله. وتفسير ذلك أن ينظر إلى ثيابه في حياته للخروج إلى الجمعة، والعيدين فذلك كفن مثله.
قسم آخر في كيفية التكفين
فنقول: يبسط للرجل اللفافة، وهي تستر من القرن إلى القدم، ثم يبسط عليها الإزار وهو يستر من القرن إلى القدم أيضًا، ثم يوضع على الإزار الميت، وبعدما يوضع على الإزار يقمص، ويوضع الحنوط في رأسه ولحيته وسائر جسده؛ لأن الحنوط طيب الميت، والطيب حالة الحياة يستعمل في هذه الأعضاء، فكذا الحنوط بعد الوفاة.
[ ٢ / ١٧٢ ]
وفي «المنتقى»: لا بأس بأن يجعل شيء من المسك في الحنوط، ويوضع الكافور على مساجده يريد به جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه؛ لأنه كان يسجد على هذه الأعضاء فتخص بزيادة الكرامة، وإن لم يكن لم يضره؛ لأن الحي قد لا يستعمل الطيب حالة الحياة، فلا يضره تركه بعد الوفاة.
وفي «القدوري»: لا بأس بسائر الطيب غير الزعفران والورس في حق الرجل، وتحشى منافذه إذا خيف خروج شيء، ثم يعطف الإزار عليه من قبل اليسار، ثم من قبل اليمين، ويشد الإزار عليه؛ لأن شد الإزار على القميص أستر، وفي حالة الحياة يشد الإزار أولًا، ثم القميص؛ لأن ذلك للتقلب، وشد الإزار بحسب القميص ليكن للتقلب، ثم اللفافة كذلك، وإنما يعطف اليسار أولًا ثم اليمين لمعنيين.
أحدهما: أن لليمين فضلًا على اليسار فيكون فوق اليسار.
والثاني: إنما يلبسه حالة الحياة من الثياب يعطف أولًا من قبل الأيسر، ثم من قبل الأيمن كذا هذا.
وأما المرأة تبسط لها اللفافة، والإزار على نحو ما بينا للرجل، ثم توضع على الإزار، وتلبس الدرع، ويجعل شعرها ضفيرتين على صدرها فوق الدرع، وقال الشافعي ﵀: يضفر شعرها خلف ظهرها اعتبارًا بحالة الحياة، وإنما نقول: إنما يفعل ذلك؛ لأجل الزينة وهذه حال حسرة وندامة، فتعتبر بمثل هذه الحالة من حالة الحياة، ثم في حالة الحياة في حالة الحسرة والندامة بأن أصابتها مصيبة لا تجعل شعرها خلف ظهرها، بل تجعل على صدرها كذا بعد الوفاة.
ثم يجعل الخمار فوق ذلك، ثم تعطف اللفافة كما بينا في الرجل، ثم الخرقة بعد ذلك تربط فوق الأكفان فوق الثديين؛ لأنه لو لم تربط الخرقة ربما يضطرب ثداياها وقت الحمل، فتنتشر أكفانها فيبدو شيء من أعضائها.
والغلام المراهق، والجارية المراهقة بمنزلة البالغ؛ لأن المراهق، والمراهقة كل واحد منهما مشتهى كالبالغ والبالغة، فكان بدن كل واحد منهما في حكم العورة كبدن البالغ والبالغة، وإن كان لم يراهق كفن في خرقتين إزار ورداء، وإن كفن في إزار واحد أجزأه؛ لأن بدنه ليس بعورة لما أنه غير مشتهى، فانحطت درجته في الستر عن درجة من هو عورة. وأما السقط فإنه يلف في خرقة؛ لأن حاله لا يبلغ حال المنفصل حيًا.
قال القدوري ﵀ في «كتابه»: والمحرم وغير المحرم في ذلك سواء، يريد به أنه يطيب ويغطى وجهه ورأسه، والكفن الخلق والجديد سواء، وروي عن محمد ﵀ أن المرأة تكفن في الإبريسم والحرير والمعصفر، ويكره للرجال ذلك، وأحب الأكفان الثياب البيض.
وفي «المنتقى»: إبراهيم عن محمد يكفن الميت في كل شيء يجوز له لبسه في حال حياته، وفي «نوادر ابن سماعة»: عن محمد ﵀ تخمر الأمة كما تخمر الحرة. والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٧٣ ]
قسم آخر
ويكفن الميت من جميع ماله قبل الوصايا والديون والمواريث، ومن لم يكن له مال فكفنه على من تجب عليه نفقته إلا المرأة، فإنه لا يجب كفنها على زوجها عند محمد ﵀ خلافًا لأبي يوسف، فإن عنده يجب عليه الكفن وإن تركت مالًا، ومن لم يكن له من ينفق عليه، فكفنه في بيت المال هكذا ذكر القدوري.
وفي «النوازل»: إذا مات الرجل، ولم يترك شيئًا ولم يكن هناك من تجب عليه نفقته يفترض على الناس أن يكفنوه إن قدروا عليه، وإن لم يقدروا عليه سألوا الناس.
فرق بين الميت والحي، إذا لم يجد ثوبًا يصلي فيه ليس على الناس أن يسألوا له ثوبًا، والفرق: أن الحي يقدر على السؤال بنفسه، والميت لا.
وفي «النوازل» أيضًا: رجل مات في مسجد قوم، فقام أحدهم وجمع الدراهم ليكفنه ففضل من ذلك شيء، إن عرف صاحب الفضل رده عليه، وإن لم يعرف كفن به محتاجًا آخر، وإن لم يقدر على صرفه إلى الكفن تصدق به على الفقراء.
وفيه أيضًا: رجل كفن ميتًا من ماله، ثم وجد الكفن في يدي رجل كان له أن يأخذه؛ لأنه بقي على ملكه لم يملكه الميت، وإن كان وهبه للورثة، وكفنه الورثة فالورثة أحق بها. وكذلك لو افترس الميت سبع وبقي الكفن فهو على التفصيل الذي قلنا: إن كان وهبه للورثة فالورثة أحق به.
وإذا نبش الميت وهو طري كفن ثانيًا من جميع المال، فإن قسم المال فهو على الوارث دون الغرماء، وأصحاب الوصايا، وإن نبش بعدما تفسخ، وأخذ كفنه كفن في ثوب واحد. وإن لم تفضل التركة من الدين فإن لم يكن الغرماء قبضوا ديونهم بدىء بالكفن، وإن كانوا قبضوا ديونهم لا يسترد منهم شيء؛ لزوال ملك الميت.
قال هشام في «نوادره»: سألت محمدًا عن معتق مات ولا مال له، وترك خالته والذي أعتقه قال: كفنه على خالته.
وفي «نوادر المعلى»: عن أبي يوسف ﵀: امرأة ماتت وتركت أباها وابنها، فالكفن عليهما على قدر مواريثهما، وكذلك البنت والأخ. والله تعالى أعلم.
نوع آخرمن هذا الفصل في حمل الجنازة
قال محمد ﵀ «الجامع الصغير»: وتضع مقدم الجنازة على يمينك، ثم مؤخرها على يمينك ثم مقدمها على يسارك، ثم مؤخرها على يسارك هذا هو السنّة عند كثرة الحاملين، إذا تناوبوا في الحمل يبتدىء الحامل من اليمين المقدم للميت، وهو يمين الحامل أيضًا، وعند الشافعي ﵀ السنّة أن يحملها اثنان يدخلان بين عمودي الجنازة يضع السابق منهما مقدمها على أصل عنقه، وكاهله، ويأخذ قائميها بيده، والآخر منهما يضع مؤخرها على أصل صدره، ويأخذ قائميها بيده.
[ ٢ / ١٧٤ ]
وروى الشافعي بإسناده أن جنازة سعد بن معاذ حملت هكذا؛ ولأن الحمل على هذا الوجه أشق على البدن، وحمل الجنازة عبادة وما كان أشق على البدن من العبادات فهو أولى.
ولنا ما روى ابن مسعود ﵁ أنه قال: من السنّة أن تحمل الجنازة من جوانبها الأربع وعن عمر ﵁ أنه كان يدور على الجنازة من جوانبها الأربع؛ ولأن عمل الناس اشتهر بهذه السنّة من غير نكير منكر وإنه حجة؛ ولأن المسارعة في حملها، والحمل بأربعة يكون أبلغ في المسارعة، وفيه تخفيف على الحاملين، وصيانة للميت عن السقوط، وتعظيم للميت بأن يحمله جماعة من المؤمنين على أعناقهم.
وإنما حملت جنازة سعد بن معاذ كما رواه الشافعي إما لازدحام الملائكة فقد روي (١١٩ب١) أن النبي ﵇ «كان يمشي على رؤوس أصابعه وصدور قدميه لكثرتهم»، أو لضيق الطريق؛ أو لأن الحامل هناك رسول الله ﵇، والميت هناك بمأمن من السقوط؛ لأنه كان لكل نبي قوة أربعين رجلًا، وكان لنبينا قوة أربعين نبيًا.
قال محمد ﵀: ورأيت أبا حنيفة ﵀ فعل هكذا، وذلك دليل تواضعه، وذكر الحسن بن زياد ﵀ في «المجرد»: ويكره أن يقوم الرجل بين عمودي له بجنازة من مقدمه أو مؤخره.
ويسرع بالجنازة وذلك ما دون الخبب لما روي أن النبي ﵇ سئل عن المشي بالجنازة فقال: «ما دون الخبب فإن يك خيرًا عجلتموه إليه وإن يك شرًا وضعتموه عن رقابكم» أو قال: فبعدًا لأهل النار» .
والمشي خلف الجنازة أفضل، وإن مشى أمامه كان واسعًا، وقال الشافعي ﵀: المشي أمامها أفضل لما روي أن أبا بكر، وعمر ﵄ كانا يمشيان أمام الجنازة، ولأن الناس شفعاء الميت والشفيع يقدم على من يشفع له.
ولنا ما روي أن النبي ﵇ كان يمشي خلف جنازة سعد بن معاذ، وعلي ﵁ كان يمشي خلف الجنازة فقيل له: إن أبا بكر، وعمر كانا يمشيان أمامهما فقال: رحمهما الله قد عرفا أن المشي خلفها أفضل ولكنهما أرادوا أن ييسرا الأمر على الناس.
وقال ابن مسعود ﵁: فضل المشي خلف الجنازة على المشي أمامها كفضل المكتوبة على النافلة. وما يقول من المشي باطل؛ لأن الشفيع إنما يتقدم من يشفع له تحرزًا عن تعجيل من عنه الشفاعة بعقوبة من يشفع له حتى يمنعه من ذلك، وذلك لا يتحقق هنا.
ويكره أن يتقدم الكل عليها، وإن كان كلهم خلفها، فلا بأس؛ لأنه ربما يحتاج إلى التعاون في حملها، فإذا كانوا يمشون خلفها تمكنوا من التعاون عند الحاجة، فلم يكن به
[ ٢ / ١٧٥ ]
بأسًا، وإن كانوا أمامها لم يتمكنوا من التعاون عند الحاجة فكره لهذا.
قال الحاكم الصدر الشهيد ﵀ في «المنتقى»: وجدت في بعض الروايات أن أبا حنيفة ﵀ قال: لا بأس بالمشي أمام الجنازة وخلفها ويمنة ويسرة، وكره أبو يوسف أن يتقدمها منقطعًا عن القوم، فإذا كنت في جماعة من الناس فلا بأس بالمشي أمام الجنازة وخلفها ويمنة ويسرة.g
ولا بأس بالقعود إذا وضعت الجنازة، ويكره قبله؛ لأن قبل الوضع ربما تقع الحاجة إلى التعاون، فإذا كانوا قيامًا كان أمكن للتعاون، وبعد الوضع وقع الاستغناء عن ذلك، لأن الناس إنما حضروا إكرامًا للميت، والجلوس قبل أن يوضع عن المناكب يشبه الازدراء والاستخفاف به، وبعد الوضع لا يؤدي إلى ذلك، ولا بأس بالركوب في الجنازة والمشي أفضل هكذا ذكر القدوري؛ لأنه يسير للصلاة فيجوز راكبًا وماشيًا، والمشي أفضل كما في سائر الصلوات، وهذا لأن المشي أقرب إلى الخشوع، وأليق بحال الشفيع.
وفي «نوادر المعلى»: عن أبي يوسف ﵀ قال: رأيت أبا حنيفة يتقدم أمام الجنازة وهو راكب، ثم يقف حتى تأتيه، فهذا دليل على أنه لا بأس بالركوب في الجنازة، قيل: هذا إذا بعد عن الجنازة، أما إذا قرب منها يكره؛ لأن السبيل في اتباع الجنازة أن يكون بطريق التذلل لا بطريق التكبر، فعلى قول هذا القائل يحمل فعل أبي حنيفة ﵀ على أنه كان بعيدًا عن الجنازة، وفي المسألة دليل عليه، فإن أبا يوسف ﵀ قال: ثم يقف حتى تأتيه.
ويكره النوح والصياح في الجنازة ومنزل الميت لما روي أن النبي ﵇ «ينهى عن الصوتين الأجمعين الفاجرين صوت الصائحة والمغنية» .
فأما البكاء من غير رفع الصوت لا بأس به وسيأتي هذا الفصل بتمامه في كتاب الكراهية والاستحسان إن شاء الله تعالى. ولا تتبع الجنازة بنار يعني الإجمار.
قال في «الكتاب»: أكره أن يكون آخر زاده في الدنيا نار تتبع به، وروي «أن النبي ﵇ خرج في جنازة فرأى امرأة في يدها مجمر فصاح عليها وطردها» .
ويكره أن يحمل الصبي على الدابة لأن حمله على الدابة؛ يشبه حمل الأثقال، وفي الحمل بالأيدي إكرام الميت، والصغار من بني آدم يكرمون كالكبار، وعنى أبو حنيفة في الفطيم والرضيع لا بأس بأن يحمل في طبق يتداولونه، ولا بأس بأن يحمله راكب؛ على دابة، يريد به أن الحامل له راكب لأن الحمل من الجوانب الأربع إنما تيسيرًا على الحاملة، وصيانة للميت عن السقوط، وفي حمل الصبي الرضيع لا يحتاج إليه فيحمله واحد.
[ ٢ / ١٧٦ ]
والرواية الأولى محمولة على ما إذا وضع على الدابة كوضع الأمتعة، ولا يصلى على صبي وهو على الدابة أو على أيدي الرجال حتى يوضع؛ لأن الميت بمنزلة الإمام، ولا يصلح أن يكون الإمام محمولًا، والقوم على الأرض، ولا ينبغي أن يرجع من تبع جنازة حتى يصلي عليه.
نوع آخرمن هذا الفصل في الصلاة على الجنازة
هذا النوع ينقسم أقسامًا.
الأول: في نفس الصلاة وصفتها، فنقول: الصلاة على الميت مشروعة بالكتاب والسنّة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: ١٠٣) والسنّة تأتي في خلال المسائل إن شاء الله تعالى، والأمة أجمعت عليها.
ومن صفتها أنها فرض كفاية. إذا قام بها البعض سقط عن الباقين، أما كونها فرضًا فلأن الله تعالى أمر بها لقوله: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ والأمر للوجوب، وقال ﵇: «صلوا على كل بر وفاجر» والأمر للوجوب، وأما كونها فرض كفاية؛ لأنها تقام حقًا للميت فإذا قام بها البعض صار حقه مؤدًا فيسقط عن الباقين كالتكفين والغسل.
القسم الثاني: في كيفية الصلاة على الميت فنقول: يتقدم الإمام، ويصطف الناس خلفه كما في سائر الصلوات؛ ولأن التوارث هكذا من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: يقوم الإمام عند الصلاة بحذاء الصدر من الرجل ومن المرأة هذا هو جواب ظاهر الرواية، وهذا لأن الواجب استقبال الميت، واستقبال حملته غير ممكن، فوجب استقبال الصدر؛ لأن الصدر موضع القلب، والقلب موضع الحكمة والعلم، ولأنه موضع نور الإيمان قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَمِ﴾ (الزمر: ٢٢) عليه، فكان الوقوف بحذاء الصدر الذي هو موضع نور الإيمان أولى.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه يقوم بحذاء الوسط من الرجل ومن المرأة. إلا أن الميت إذا كان امرأة فليكن إلى رأسها أقرب، وإنما قال: يقوم بحذاء الوسط لما روي عن النبي ﵇ «أنه كان يقوم على جنازة المرأة والرجل بحذاء الوسط»، وعن سمرة بن جندب أن رسول الله ﵇ «صلى على امرأة، ماتت في نفاسها فقام وسطها»، وإنما قال: إذا كان الميت امرأة، فليكن إلى رأسها أقرب ليكون
[ ٢ / ١٧٧ ]
أبعد عن عورتها فإن عورتها أشد، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: يقوم من المرأة بحذاء الوسط، ويقوم من الرجل مما يلي الرأس هكذا روي عن أنس ﵁ موقوفًا عليه ومرفوعًا إلى رسول الله ﵇.
والمعنى: أن الرأس معدن العقل فكان القيام عنده أولى، إلا أن في حق المرأة شرطنا القيام إلى وسطها؛ ليصير الإمام حائلًا بينها وبين عورتها الغليظة، فلا يقع بصر القوم عليها.
وإن قام في غير ذلك المكان جاز؛ لأن ترك السنّة يؤثر في الإساءة لا في منع الجواز. ويكبر فيها أربع تكبيرات، وكان ابن أبي ليلى يقول: خمس تكبيرات، وهو رواية عن أبي يوسف، والآثار اختلفت في نقل رسول الله ﵇، فروي الخمس والسبع والتسع وأكثر من ذلك، إلا أن آخر فعله كان أربع تكبيرات، وكان ناسخًا لما قبله.
بيانه فيما روي أن عمر ﵁ جمع الصحابة حين اختلفوا في عدد التكبيرات، وقال لهم: إنكم اختلفتم فمن يأتي بعدكم أشد اختلافًا، فانظروا إلى آخر صلاة صلاها رسول الله ﵇ (١٢٠أ١) على جنازة فخذوا بذلك، فوجدوه صلى على امرأة، وكبر فيها أربعًا فاتفقوا على ذلك.
وقال ﵇: «لا تنسوا أربع كأربع الجنائز» وروي عن علي ﵁ أنه كبر أربع تكبيرات، وعن ابن عباس ﵄ أنه كبر أربعًا أيضًا؛ ولأن كل تكبيرة منها قائمة مقام ركعة، ثم الصلاة المعهودة لا تزيد على أربع ركعات، فكذا التكبير في هذه الصلاة لا يزيد على أربع تكبيرات؛ ولأن ابن أبي ليلى ﵀ قال: التكبيرة الأولى الافتتاح، فينبغي أن يكون بعدها أربع تكبيرات كل تكبيرة قائمة مقام ركعة كما في الظهر، والعصر، والجواب أن التكبيرة الأولى وإن كانت للافتتاح، ولكن بهذا لا يخرج من أن يكون تكبيرًا.
ثم قال: يكبر الأولى. ويحمد الله تعالى بعد التكبيرة الأولى، ويثني عليه، ولم يوقت في الثناء ههنا شيئًا، وفي سائر الصلوات وقتوا في الثناء وهو قوله: سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره، قال شمس الأئمة ﵀: وقد اختلفوا في هذا الثناء بعد التحريم.
قال بعضهم: يحمد الله تعالى بكل ذكر في ظاهر الرواية، وقال بعضهم: يقول سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره كما في الصلوات المعهودة.
ثم يكبر الثانية، ويصلي على النبي ﵇؛ لأن الثناء على الله تعالى يعقبه الصلاة على النبي ﵇.
ثم يكبر الثالثة ويستغفر للميت ويتشفع له؛ لأن الثناء على الله تعالى والصلاة على النبي ﵇ يعقبه الدعاء والاستغفار، والمقصود بالصلاة على الجنازة الاستغفار للميت والشفاعة له، والدليل عليه ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا أراد
[ ٢ / ١٧٨ ]
أحدكم أن يدعو فليحمد الله تعالى وليصل على النبي ﵇ ثم يدعو»، قد روي «أن النبي ﵇ رأى رجلًا فعل هكذا بعد الفراغ من الصلاة فقال ﵇: «ادع فقد استجيب لك» . ويذكر الدعاء المعروف: «اللهم اغفر لحينا وميتنا» إن كان يحسن ذلك، وإن كان لا يحسن ذلك يذكر ما يدعو به في التشهد «اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات» إلى آخره، وروي عن أبي حنيفة ﵀ أن من صلى على صبي يقول: اللهم اجعله لنا فرطًا، اللهم اجعله لنا ذخرًا، اللهم اجعله لنا شافعًا مشفعًا، ولا يستغفر له؛ لأنه لا ذنب له.
ثم يكبر الرابعة ويسلم تسليمتين؛ لأنه جاء أوان التحلل وذلك بالسلام، ثم في ظاهر المذهب ليس بعد التكبيرة الرابعة دعاء سوى السلام، وقد اختار بعض مشايخنا ما يختم به سائر الصلوات «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة» إلى آخره، قال شمس الأئمة ﵀: وهو مخير بين السكوت والدعاء لما بينا، وقال بعضهم: يقرأ «ربنا لا تزغ قلوبنا» إلى آخره، وقال بعضهم: يقرأ «سبحان ربك رب العزة عما يصفون» إلى آخره.
وإن زاد الإمام على أربع تكبيرات فالمقتدي هل يتابع الإمام في الزيادة أو لا يتابع؟ فعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا يتابع، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه يتابع؛ لأنه لم يظهر خطأ الإمام بيقين فإنه روي أن عليًا ﵁ كبر خمسًا، وهكذا روي عن رسول الله ﵇.
والصحيح مذهبهما: أنه لا يتابع؛ لأن ما زاد على الأربع صار منسوخًا بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولا متابعة في المنسوخ. وإذا لم يتابع الإمام في الزيادة فماذا يصنع؟ قالوا: يسلم أو ينتظر حتى يتابع الإمام في السلام.
وذكر في «النوازل»: أن عن أبي حنيفة فيه روايتان: في رواية يسلم للحال، ولا ينتظر تحقيقًا للمخالفة، وفي رواية يسكت حتى سلم معه إذا يسلم ليصير متابعًا فيما وجب فيه المتابعة وفي «روضة المقتدي»: إنما لا يتابع الإمام في التكبير الزائد على الرابع إذا كان يسمع التكبير من الإمام، أما إذا كان يسمع من المنادي يتابعه كما في تكبيرات العيد على ما مر.
ولا يقرؤون في صلاة الجنازة عندنا، وقال الشافعي ﵀: لا بد من قراءة فاتحة الكتاب، يكبرون تكبيرة ويأتون بالثناء، ثم يقرؤون فاتحة الكتاب، حجته حديث جابر بن عبد الله ﵁ «أن النبي ﵇ كبر على ميت أربعًا وقرأ فاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى»، وقال ﵇: «لا صلاة إلا بفاتحة
[ ٢ / ١٧٩ ]
الكتاب» وهذه صلاة، وروي عن ابن عباس ﵄: أنه صلى على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب وجهر بها، وقال: «إنما جهرت لتعلموا أنها سنّة»؛ ولأنها صلاة مشروعة، فلا تجوز بدون القراءة قياسًا على سائر الصلوات.
ولنا ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه سئل عن صلاة الجنازة هل فيها قراءة؟ فقال: لم يوقت لنا رسول الله ﵇ فيها قولًا ولا قراءة كبر ما كبر الإمام واختر من أطيب الكلام ما شئت، وما روي من الأحاديث يدل على الجواز لا على الوجوب، ونحن نقول بالجواز، فقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في صلاته أنه لو قرأ الفاتحة بدلًا عن الثناء لا بأس به، ولهذا قال ابن عباس ﵄: «إنما جهرت لتعلموا أنها سنّة» لم يقل أنها واجبة، كيف وقد روي عن أبي هريرة ﵁ وفضالة بن عبيد، وابن عمر ﵃: ترك القراءة في صلاة الجنازة فيصير معارضًا لقول ابن عباس ﵄ يدل عليه أن القراءة لو شرعت لشرعت مكررة عقيب كل تكبيرة، فإن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، وعنده القراءة فرض في الركعات كلها، وعندنا في الركعتين.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: من قرأ في صلاة الجنازة بفاتحة الكتاب، إن قرأ بنية الدعاء فلا بأس به، وإن قرأ بنية القراءة لا يجوز أن يقرأ؛ لأن صلاة الجنازة محل الدعاء، وليست محل القراءة.
ويرفع يديه في تكبيرة الافتتاح في صلاة الجنازة، ولا يرفع في سائر التكبيرات:
قال الشافعي: يرفع، وبقوله أخذ كثير من أئمة بلخ ﵏، حجتهم أن هذه التكبيرات يؤتى بها في حالة القيام، فتكون من سنّة الرفع كتكبيرة الافتتاح، وتكبيرات العيدين، ولأن رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح وتكبيرات العيد للحاجة إلى إعلام من خلفه من أصم أو أعمى، وهذا المعنى يقتضي رفع اليدين هنا.
حجة علمائنا ﵏ قوله ﵇: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن» وليس منها صلاة الجنازة، ولأن بين كل تكبيرتين ذكر مقدر فلا حاجة للإعلام، ونظير هذا ما ذكر الحسن بن زياد ﵀ في كتاب صلاته لا ترفع صوته بالتسليم في صلاة الحنازة كما يرفع في سائر الصلوة؛ لأن رفع الصوت مشروع للإعلام ولا حاجة إلى الإعلام إذ التسليم عقيب التكبيرة الرابعة بلا فصل، ولأن كل تكبيرة قائمة مقام كل ركعة كذا ها هنا.
ومما يتصل بهذا الفصل
إذا اجتمعت الجنائز فالإمام بالخيار إن شاء صلى على كل جنازة صلاة على حدة،
[ ٢ / ١٨٠ ]
وإن شاء صلى عليهم صلاة واحدة، ويجزىء عن الكل لما روي في شهداء أُحد أن رسول الله ﵇ صلى على كل عشرة صلاة واحدة، ولأن الدعاء والشفاعة تحصل بصلاة واحدة.
قال في «الكتاب»: فإن أراد أن يصلي عليها صلاة واحدة إن شاؤوا وضعوا الجنائز صفًا طولًا، وإن شاؤوا وضعوا واحدًا بعد واحد مما يلي القبلة.
والأصل فيه ما روي عن عثمان بن عبد الله بن صهيب أنه قال: صليت مع أبي هريرة ﵁ ما لا أحصي صلاة الجنازة، فكان يضع مرة صفوفًا ومرة صفًا واحدًا، ولم يجعل أحدهما أفضل في ظاهر الرواية، وقد روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: إن وضعوا واحدًا بعد الآخر كان أحسن حتى يصير الإمام قائمًا بإزاء الكل، فإنه ليس البعض بأولى من البعض في أن يقوم الإمام بحذاءه، وهكذا وردت السنّة في شهداء أُحد، ولكن يجعل الرجال مما يلي الإمام، والصبيان بعده، والنساء مما يلي القبلة هكذا روي عن علي، وابن مسعود، وابن عمر رضوان الله عليهم أجمعين، ولأنه لو صلى بهم حالة الحياة فالرجل يلي الإمام والصبي يلي الرجل والمرأة (١٢٠ب١) تلي، الصبي فبعد الوفاة يصلي الإمام عليهم هكذا أيضًا.
وإن كان حرًا ومملوكًا فكيف ما وضعت أجزأك؛ لأنهما لا يختلفان في المقام حالة الحياة، فكذا بعد الوفاة، وروي عن أبي حنيفة ﵀: أنه يضع أفضلهما مما يلي الإمام وأسنهما.
وإن كان صبيًا حرًا ومملوكًا لم يذكر هذا الفصل في «الأصل»، وذكر في «المجرد» أنه يقدم الصبي الحر على العبد وهذا على رواية أبي حنيفة ﵀، أما على ما هو ظاهر الرواية في الرجل الحر والمملوك كيف ما يوضع جاز.
وإن كان عبدًا وامرأة، فالعبد مما يلي الإمام والمرأة خلفه، وإن كان جنازة خنثى وامرأة ورجل يوضع الرجل مما يلي الإمام وخلفه مما يلي القبلة خنثى وخلف الخنثى المرأة والله أعلم.
وقال أبو يوسف ﵀: الأحسن عندي أن يكون أهل الفضل مما يلي الإمام لقوله ﵇: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهي» .
وإذا انتهى إلى الإمام في صلاة الجنازة وقد سبقه بتكبيرة لا يكبر، ولكنه ينتظر تكبيرة الإمام حتى يكبر، فيكبر معه فإذا سلم الإمام قضى هذا الرجل ما فاته قبل أن ترفع الجنازة، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف لا ينتظر تكبيرة الإمام بل يكبر ويدخل مع الإمام.
وتفسير هذه المسألة على قول أبي حنيفة، ومحمد إذا جاء الرجل وقد كبر الإمام
[ ٢ / ١٨١ ]
تكبيرة الافتتاح، فإن هذا الرجل لا يكبر تكبيرة الافتتاح، ولكن ينتظر حتى يكبر الإمام التكبيرة الثانية، فيكبر معه التكبيرة الثانية، وتكون هذه التكبيرة تكبيرة الافتتاح في حق هذا الرجل، ويصير هذا الرجل مسبوقًا بتكبيرة يأتي بها بعد ما يسلم الإمام.
وتفسير المسألة على قول أبي يوسف: هذا الرجل حين حضر يكبر تكبيرة الافتتاح، فإذا كبر الإمام الثانية تابعه فيها، ولم يصر مسبوقًا بشيء، حجة أبي يوسف ﵀ قوله ﵇: «اتبع إمامك» في أي حال أدركته وقاسه بسائر الصلوات، فإن المسبوق في سائر الصلوات يكبر حين يحضر كذا هنا.
والدليل عليه أنه لو كان حاضرًا مع الإمام فكبر الإمام ولم يكبر المقتدي يكبر ولا ينتظر فكذلك هنا، ومذهبهما مروي عن ابن عباس ﵂؛ فإنه قال في حق الذي انتهى إلى الإمام في صلاة الجنازة وقد سبقه الإمام بتكبيرة أنه ينتظر الإمام حتى يكبر معه، ولم ينكر عليه غيره فيكون إجماعًا؛ ولأن كل تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة قامت مقام ركعة حتى لو ترك تكبيرة منهما لا تجزئه الصلاة كما لو ترك ركعة من ذوات الأربع.
فلو كبر قبل تكبير الإمام يصير متقدمًا على الإمام بركعة، وهذا لا يجوز، وبه فارق سائر الصلوات؛ لأن هناك لو كبر لا يصير متقدمًا على الإمام بركعة فيجوز، فإذا سلم الإمام يكبر المسبوق عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله تكبيرة صار مسبوقًا بها قبل أن ترفع الجنازة.
وعند أبي يوسف ﵀ يسلم مع الإمام؛ لأنه لم يصر مسبوقًا بشيء. وإن كان مسبوقًا بتكبيرتين يأتي بهما بعد سلام الإمام عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله؛ لأنه حين جاء لا يكبر تكبيرة الافتتاح ما لم يكبر الإمام الثالثة، فإذا كبر تابعه هذا الرجل، وصارت الثالثة، في حق هذا الرجل تكبيرة الافتتاح.
وصار مسبوقًا بتكبيرتين يأتي بهما بعد سلام الإمام قبل أن ترفع الجنازة. وعند أبي يوسف ﵀ يأتي بتكبيرة واحدة؛ لأنه قد أتى بتكبيرة الافتتاح حين انتهى إلى الإمام وبتكبيرتين مع الإمام، فإذا أتى بتكبيرة أخرى بعده تم أربعًا.
وإن كان مسبوقًا بثلاث يكبر ثلاث تكبيرات بعد سلام الإمام عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله؛ لأنه أتى بتكبيرة واحدة مع الإمام، وهي التكبيرة الرابعة للإمام وتكبيرة الافتتاح لهذا الرجل، وبقي عليه ثلاث تكبيرات، فيأتي بها بعد سلام الإمام.
وهل يأتي بالأذكار المشروعة؟ وإن كان لا يأمن رفع الجنازة يتابع بين التكبيرات ولا يأتي بالأذكار بين التكبيرتين، ذكر الحسن ﵀ في «المجرد»: أنه إن كان يأمن رفع الجنازة فإنه يأتي بالأذكار المشروعة.
وذكر المسألة في «النوازل»: مطلقة من غير تفصيل. فقال: من فاته بعض التكبيرات على الجنازة يقضيها متتابعة بلا دعاء ما دامت الجنازة على الأرض؛ لأنه لو قضى مع الدعاء يرفع الميت فيفوته التكبير.
[ ٢ / ١٨٢ ]
والحاصل: أنه ما دامت الجنازة على الأرض، فالمسبوق يأتي بالتكبيرات وإذا وضع الجنازة على الأكتاف لا يأتي بالتكبيرات، وإذا رفعت بالأيدي ولم توضع على الأكتاف ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يأتي بالتكبيرات.
وعن محمد أنه إن كانت الأيدي إلى الأرض أقرب، فكأنها على الأرض فيكبر، وإن كانت إلى الأكتاف أقرب، فكأنها على الأكتاف فلا يكبر، وعلى قول أبي يوسف ﵀: المسبوق بثلاث تكبيرات يكبر بعد سلام الإمام تكبيرتين؛ لأنه أتى بتكبيرة حين انتهى إلى الإمام، وبتكبيرة مع الإمام، فبقي عليه تكبيرتان فيأتي بهما بعد سلام الإمام، وإن كان مسبوقًا بأربع تكبيرات لا يصير مدركًا لصلاة الجنازة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأن عندهما لا يكبر إلا مع الإمام، وإذا سلم الإمام فقد فاتته الصلاة، فلا يصير مدركًا لها، وعند أبي يوسف ﵀: يصير مدركًا للصلاة يكبر تكبيرة، ويشرع في الصلاة، فإذا سلم الإمام يكبر ثلاث تكبيرات ثم يسلم.
وفي «المنتقى»: إذا كان الرجل حاضرًا مع الإمام وقت الشروع في صلاة الجنازة فكبر الإمام ولم يكبر هو مع الإمام فإنه يكبر التكبيرة الأولى، ولا ينتظر التكبيرة الثانية، وقد ذكرنا هذا في حجة أبي يوسف في المسألة المتقدمة، فإن لم يكبر حتى كبر الإمام الثانية، فكبر الثانية عنها ولم يكبر الأولى حتى يسلم الإمام، فإن كبر الأولى مع الإمام ولم يكبر الثانية، والثالثة مع الإمام، فإنه يكبرهما اتباعًا، ثم يكبر مع الإمام ما بقي، وإن لم يكبر هو مع الإمام حتى كبر الإمام أربعًا كبر هو قبل أن يسلم الإمام، ثم يكبر ثلاثًا قبل أن ترفع الجنازة، وروي عن أبي حنيفة ﵀ في هذه الصورة أنه فاتته صلاة الجنازة، وقد ذكرنا أنه إذا كان مسبوقًا بأربع تكبيرات، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا يصير مدركًا للصلاة، وعلى قول أبي يوسف: يصير مدركًا؛ لأن عنده كما حضر يكبر.
وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في هذه الصورة نظير قول أبي يوسف ﵀، وقال: حين حضر المقتدي يكبر تكبيرة الافتتاح عند محمد كما هو قول أبي يوسف، وقال: حين حضر المقتدي يكبر تكبيرة، وفرق لمحمد بينما إذا أدرك الإمام بعد التكبيرة الرابعة وبينما إذا أدركها بعد التكبيرة الثالثة.
والفرق: أن بعدما كبر الإمام التكبيرة الثالثة لو انتظر المقتدي تكبيرة الإمام لا تفوته الصلاة؛ لأنه يكبر مع التكبيرة الرابعة، أما بعدما كبر الإمام الرابعة لا يمكنه انتظار الإمام؛ لأنه لم يبق عليه شيء، فلو لم يكبر حين حضر تفوته الصلاة، فلهذا افترقا.h
إذا كبر على جنازة تكبيرة، ثم أتي بجنازة أخرى، فوضعت، يتم الصلاة على الأولى، ويفرد الثانية بالصلاة؛ لأنه لو جمع بينهما لا يخلو إما أن يقتصر على ما بقي من التكبيرات، فيصير مكبرًا على الثانية ثلاث تكبيرات، وصلاة الجنازة لم تشرع بثلاث تكبيرات، وإما أن يزيد تكبيرة أخرى، فيصير مكبرًا على الأولى خمس تكبيرات بتحريمة واحدة، وذاك أيضًا غير مشروع بإجماع الصحابة.
[ ٢ / ١٨٣ ]
فإن نوى أن يصلي على الجنازة الثانية بهذه التحريمة لا يخلو إما أن ينوي الصلاة عليها جميعًا، وفي هذا الوجه تتم الصلاة على الأولى، ويستقبل الصلاة على الثانية؛ لأنه لم يخرج عن الأولى متى نوى البقاء عليها، وإذا لم يخرج عن الأولى لا يصير شارعًا في الثانية، وكذلك إذا لم ينوِ شيئًا، أو نوى الثانية، ولم يكبر لها، وفي هذين الوجهين أيضًا يتم الصلاة على الأولى، ويستقبل الصلاة على الثانية. أما إذا لم ينو شيئًا فظاهر، وأما إذا نوى الثانية ولكن ما يكبر لها؛ فلأن بمجرد النية لا يصير خارجًا من الأولى (١٢١أ١) شارعًا في الثانية ما لم يقرنه بالعمل.
وإن نوى الصلاة على الثانية لا غير، وكبر لها يتم الصلاة على الثانية، ويستقبل الصلاة على الأولى؛ لأنه لما نوى الصلاة على الثانية لا غير، وكبر لها صار شارعًا فيها، ومن ضرورة كونه شارعًا فيها أن لا يبقى داخلًا في الأولى. كذا قال محمد ﵀ في «نوادر الصلاة» .
القسم الثالث في بيان من يصلى عليه، ومن لا يصلى عليه
فنقول: لا يصلى على الكافر لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ﴾ (التوبة: ٨٤)، وروي أنه لما مات أبو طالب جاء علي ﵁ إلى رسول الله ﵇ وقال: إن عمك الضال قد مات فقال ﵇: «اغسله وكفنه وادفنه وما تحدث به حدثًا حتى تلقاني»، أي: لا تصلِ عليه؛ ولأن الصلاة على الميت دعاء واستغفار له، والاستغفار للكافر حرام قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ (التوبة: ٨٠)، وصلي على كل مسلم مات بعد الولادة لما تلونا من الكتاب، لا البغاة وقطاع الطريق، فإنه لا يصلى عليهم.
وقال الشافعي: يصلى عليهم؛ لأنهم مسلمون، وقال ﵇: «صلوا على كل بر وفاجر» .
ولنا: أن الصلاة دعاء واستنزال الرحمة، ونص القرآن يشهد لقطاع الطريق بالخزي قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الاْرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاْرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الاْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٣) وحلول الخزي به ينافي الدعاء له، وكذلك البغاة؛ لأنهم يسعون في الأرض بالفساد وقطاع الطريق.
وروي عن علي ﵁ أنه لم يصلِ على قتلى نهروان وغيرهم من البغاة.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وكذلك الذي يقتل غيلة بالخنق هكذا روي عن أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ﵀: وكذلك كل من يقتل على متاع يأخذه، والمكابرون في المصر بالسلاح؛ لأنهم يسعون في الأرض بالفساد، فكان حكمهم كحكم قطاع الطريق.
ذكر الحاكم في «المنتقى»: من قتل مظلومًا لم يغسل ويصلى عليه، ومن قتل ظالمًا غسل، ولا يصلى عليه، وأراد بالمقتول ظلمًا المقتول من أهل العدل قتل بسيف أهل البغي، وأراد بالمقتول ظالمًا المقتول من أهل البغي قتل بسيف أهل العدل، وإنما لا يصلي على الباغي إذا قتلوا في الحرب، فأما إذا قتلوا بعدما وضع الحرب أوزارها يصلى عليه.
وكذلك قاطع الطريق إنما لا يصلى عليه إذا قتل في حالة الحرب، فأما إذا أخذهم الإمام، ثم قتلهم صلى عليهم.
وإذا مات المولود في حال ولادته، وإن كان خرج أكثره صلى عليه، وإن كان أقل لم يصلِ عليه؛ لأن للأكثر حكم الجميع، فإذا مات بعدما خرج أكثره فكأنه مات بعد الولادة، وإذا مات بعدما خرج الأقل منه، فكأنه مات في البطن.
ومن قتل نفسه خطأً بأن نازل رجلًا من العدو ليضربه، فأخطأه وأصاب نفسه ومات، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا بلا خلاف.
وأما من يعمد قتل نفسه بحديدة، هل يصلى عليه؟ اختلف فيه المشايخ بعضهم قالوا: لا يصلى عليه، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الحلواني ﵀ يقول: الأصح عندي أنه يصلى عليه، وتقبل توبته إن كان تاب في ذلك الوقت لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: ٤٨) وكان القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ يقول: الأصح عندي أنه لا يصلى عليه، لا؛ لأنه لا توبة له، ولكن لأنه باغي على نفسه، والباغي لا يصلى عليه.
والذي صلبه الإمام هل يصلى عليه؟ فعن أبي حنيفة ﵀ فيه روايتان.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: في صبي سبي ويسبى معه أبويه أو أحدها فمات، لا يصلى عليه إلا إذا كان أقر بالإسلام، وهو يعقل الإسلام، وإن لم يسب معه أحدهما فمات يصلى عليه.
يجب أن يعلم أن الولد الصغير يعتبر تبعًا للأبوين أو لأحدهما في الدين، فإن انعدما يعتبر تبعًا لصاحب اليد، فإن عدمت اليد يعتبر تبعًا للدار؛ لأنه يقدر اعتباره أصلًا في الدين، فلا بد من اعتباره تبعًا نظيرًا له، غير أن علة التبعية في الأبوين أقوى فتعتبر أولًا تبعًا لهما أو لأحدهما، وعند انعدامهما عليه التبعية في حق صاحب اليد أقوى.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان مع الصبي أبواه أو أحدهما يعتبر تابعًا لهما لا للدار، فيجعل كافرًا تبعًا لهما، والأصل في ذلك قوله ﵇: «كل ولد يولد على الفطرة إلا أن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرًا وإما
[ ٢ / ١٨٥ ]
كفورًا» قوله ﵇: «كل ولد يولد على الفطرة» يحتمل أنه أراد به على الخلقة التي خلق الله تعالى قبل الولادة، فإن بعض اليهود كانوا يقولون: إن الولد قبل الولادة يكون على خلاف ما يكون بعد الولادة، فأبطل ذلك بهذا.
أو يحتمل أنه أراد به على الدين الذي دان يوم الميثاق، فإن الله تعالى خاطب ذرية آدم صلوات الله عليه بعدما أخرجهم من صلبه كالذر، وأعطاهم العقول بعضهم بيض وبعضهم سود، فقال لهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ (الأعراف: ١٧٢)، فقالوا كلهم: بلى، إلا أن البيض قالوا: عن اعتقاد، والسود قالوا عن خوف. فالذين قالوا عن اعتقاد يموتون مسلمين، والذين قالوا عن غير اعتقاد يموتون كافرين، فيحتمل أن مراد النبي ﵇ من هذا الكلام ذاك أي يولد كل مولود على ما دانه يوم الميثاق، وهذا مذهب أهل السنّة والجماعة.
وقوله: يهودانه أو ينصرانه معناه يستتبعانه في الدين، وقوله: إما شاكرًا معناه مسلمًا، وقوله: إما كفورًا معناه كافرًا.
وأما إذا لم يسب معه أحد أبوية صلي عليه إذا مات، ويعتبر مسلمًا تبعًا للدار عند انعدام تبعية الأبوين.
والصبي إذا وقع في يد المسلم من الجند في دار الحرب وحده، ومات هناك صلي عليه، واعتبر مسلمًا تبعًا لصاحب اليد عند انعدام تبعية الأبوين، ويستوي الجواب فيما قلنا إذا كان الصبي عاقلًا، أو غير عاقل؛ لأنه قبل البلوغ تابع للأبوين في الدين ما لم يصف الإسلام.
وقوله في المسألة الأولى: إذا سبي معه أبوان لم يصلِ عليه حتى يقر بالإسلام، وهو يعقل، فهذا يدل على أن الصبي إذا أسلم وهو يعقل إنه يصير مسلمًا، وهذا مذهبنا، والمسألة معروفة في «السير» .
وقوله: يعقل الإسلام يعني: يعقل صفة الإسلام، وهذا يدل على أن من قال: لا إله إلا الله لا يكون مسلمًا حتى يعلم صفة الإيمان، وكذلك إذا اشترى جارية واستوصفها صفة الإسلام، فلم تعلم فإنها، لا تكون مؤمنة، وصفة الإسلام ما ذكر في حديث جبريل صلوات الله عليه: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والقدر خيره وشره من الله تعالى.
ومما يتصل بهذه المسألة
أن أولاد المسلمين إذا ماتوا حال صغرهم قبل أن يعقلوا يكونون في الجنة، فإن فيهم أحاديث كثيرة أكثرها من المشاهير، وبالأحاديث تبين أنهم قالوا: بلى يوم أخذ
[ ٢ / ١٨٦ ]
الميثاق عن اعتقاد، وقد رووا عن أبي يوسف ﵀ التوقف فيهم، وهو مردود على الراوي، فإن محمدًا روى عن أبي حنيفة ﵀ في كتابه «آثار أبي حنيفة» ﵀: أن الذين يصلون في جنازة أولاد المسلمين وهم صغار يقولون في التكبيرة الثالثة: اللهم اجعله لنا فرطًا، اللهم اجعله لنا ذخرًا، اللهم اجعله لنا شافعًا مشفعًا، وهذا أيضًا منه ﵀ بإسلامهم.
وأما أولاد الكفار إذا ماتوا قبل أن يعقلوا اختلف فيه أهل السنّة والجماعة، روي عن محمد ﵀ أنه قال: إني أعرف أن الله تعالى لا يعذب أحدًا من غير ذنب، وبعضهم قالوا: يكونون في الجنة خدامًا للمسلمين، وبعضهم قالوا: إن كان قال: بلى يوم الميثاق عن اعتقاد يكونون من أهل الجنة، وإن كان قال: من غير اعتقاد يكونون في النار. وقد روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه: توقف فيهم وكل أمرهم إلى الله تعالى، والله أعلم.
القسم الرابع في بيان من هو أولى بالصلاة على الميت
ذكر محمد ﵀ في كتاب الصلاة: أن إمام الحي أولى بالصلاة، وذكر الحسن في كتاب صلاته عن أبي حنيفة أن الإمام الأعظم، وهو الخليفة أولى إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر أولى (١٢١ب١) فإن لم يحضر فالقاضي أولى، فإن لم يحضر فصاحب الشرطة أولى، فإن لم يحضر فخليفة الوالي أولى، فإن لم يحضر فخليفة القاضي، فإن لم يحضر فإمام الحي، فإن لم يحضر فالأقرب من ذوي قرابة، وبهذه الرواية أخذ كثير من مشايخنا ﵏.
ومن المشايخ من قال: لا اختلاف بين الروايتين، فما ذكر في كتاب الصلاة محمول على ما إذا لم يحضر الإمام الأعظم، ولا واحد ممن ذكر في رواية الحسن، أما لو حضر الإمام الأعظم، فهو أولى بالصلاة باتفاق الروايات؛ لأن في التقدم على السلطان ازدراء له، ونحن أمرنا بتوقيره، فإن لم يحضر الإمام الأعظم، فأمير المصر أولى؛ لأنه في معنى الإمام الأعظم من حيث أنا أمرنا بتوقيره، وبعده القاضي أولى لما ذكرنا في أمير المصر، وبعده صاحب الشرطة، وبعده خليفة الوالي، وبعده القاضي، وبعد هؤلاء الإمام الحي أولى؛ لأنه هو صلى بالميت حال حياته، فيكون هو أولى بالصلاة عليه.
وإنما ذكر محمد ﵀ إمام الحي أولًا في كتاب الصلاة؛ لأن السلطان لا يوجد في كل موضع، قال الكرخي في كتابه: وتقديم إمام الحي ليس بواجب ولكنه أفضل، فأما تقديم السلطان فواجب؛ لأن في ترك تقديم السلطان ازدراء به، وفي ذلك إفساد أمور المسلمين فيجب تقديمه. فأما ليس في ترك تقديم إمام الحي إفساد أمور المسلمين، ولكنه برضى الميت حال حياته، وهذا المعنى يقتضي تفضيله على غيره، أما لا يوجب تقديمه، ثم بعد إمام الحي فولي الميت أولى، وهذا كله قول أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وقال أبو يوسف والشافعي رحمهما الله: ولي الميت أولى بالصلاة على الميت على كل حال، حجة أبي يوسف والشافعي قول الله تعالى: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوجُهُ أُمَّهَتُهُمْ وَأُوْلُو الاْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِى الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾ (الأحزاب: ٦) من غير فصل، ولأن هذا حكم تعلق بالولاية، فيكون الولي مقدمًا على السلطان ومن سميناهم قياسًا على النكاح؛ ولأن المقصود من صلاة الجنازة الدعاء للميت والشفاعة، ودعاء القريب أرجى في الإجابة؛ لأنه أشفق على الميت، فيوجد منه زيادة تضرع في الدعاء والاستغفار لا يوجد ذلك من السلطان، فيكون هو أولى.
حجة أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله: أنه لما مات الحسن بن علي ﵄ خرج الحسين والناس لصلاة الجنازة، فقدم الحسين سعيد بن العاص، وكان سعيد واليًا بالمدينة يومئذٍ، فأبى سعيد أن يتقدم فقال له الحسين: تقدم ولولا السنّة ما قدمتك، ولأن هذه صلاة تقام لجماعة فيكون السلطان أولى بإقامتها قياسًا على سائر الصلوات.
فإن اجتمع للميت قريبان هما في القرب إليه على السواء بأن كان له أخوان لأب وأم أو لأب، فأكبرهم سنًا أولى، لأن النبي ﵇ أمر بتقديم الأسن، فإن أراد الأكبر أن يقدم إنسانًا ليس له ذلك إلا برضا الآخر؛ لأن الحق لهما استوائهما في القرابة لكنا قدمنا الأسن للسنّة، ولا سنّة في تقديم من قدمه، فيبقى الحق لهما كما كان، وإن كان أحدهما لأب وأم، والآخر لأب، فالذي لأب وأم أولى، وإن كان أصغر، وإن قدم الأخ لأب وأم غيره، فليس للأخ لأب أن يمنعه عن ذلك؛ لأنه لا حق للأخ لأب أصلًا.
وإن اجتمع للميت ابن وأب، ذكر في «كتاب الصلاة» أن الأب أولى، من مشايخنا من قال: ما ذكر في كتاب الصلاة قول محمد ﵀، فأما على قول أبي حنيفة ﵀ الابن أولى، وعلى قول أبي يوسف ﵀ الولاية لهما إلا أنه يقدم الأب احترامًا له، ورد هذا القائل هذه المسألة إلى مسألة النكاح.
ومسألة النكاح على هذا الخلاف، فإنه إذا اجتمع للمجنونة أب وابن، فالابن أولى عند أبي حنيفة ﵀، وعند محمد الأب أولى، وعلى قول أبي يوسف ﵀ الولاية لهما إلا أنه يقدم الأب احترامًا له.
ومنهم من قال: لا بل ما ذكر في صلاة الجنازة أن الأب أولى قول الكل؛ لأن للأب زيادة فضيلة وسن ليس للابن، وللفضيلة أثر في استحقاق الإمامة فيرجح الأب بذلك بخلاف النكاح؛ لأنه لا أثر للفضيلة هناك في إثبات الولاية، فلا يثبت الترجيح به، ونص هشام في «نوادره» عن محمد عن أبي حنيفة أن الأب أولى من الابن.
وإذا اجتمع للميت أب وأخ، فالأب أولى بالإجماع، قال القدوري: وسائر القرابات أولى من الزوج، وكذا مولى العتاقة وابنه، وهذا مذهبنا.
وقال الشافعي ﵀: الزوج أولى حجته في ذلك ما روي أنه لما ماتت امرأة ابن عباس ﵄ صلى عليها، وقال: أنا أحق بها.
[ ٢ / ١٨٨ ]
وعلماؤنا ﵏ احتجوا بما روي عن عمر ﵁ أنه لما ماتت امرأته قال لأوليائها: كنا أحق بها حين كانت حية، فإذا ماتت فأنتم أحق بها، ولأن السبب فيما بين الزوجين الزوجية، وإنها تنقطع بالموت، والسبب فيما بين الأقارب القرابة، وإنها لا تنقطع بالموت.
وحديث ابن عباس ﵄ محمول على أنه كان إمام حي فصلى عليها لكونه إمام حي لا لكونه زوجًا. وإن كان للمرأة التي ماتت زوج وابن منه كره للابن أن يتقدم أباه؛ لأن في تقديمه على الأب ازدراء واستخفاف بالأب، فينبغي أن يقدم الأب، ولا يتقدم عليه.
قال أبو يوسف ﵀: وله في حكم الولاية أن يقدم غير أبيه؛ لأن الابن هو الولي إلا أنه منع عن التقدم على أبيه لما ذكرنا من المعنى، وذلك المعنى لا يوجب انقطاع ولايته.
وإن تركت أبًا وزوجًا وابنًا من هذا الزوج لم يكن الابن أن يقدم أبًا إلا برضى الجد؛ لأن الابن ممنوع عن التقدم على الجد لكونه بمنزلة الأب، فيكون ممنوعًا عن تقديم غيره على الجد من طريق الأولى.
وإن تركت زوجًا وابنًا من زوج آخر، فلا بأس للابن أن يتقدم على هذا الزوج، ويقدم من شاء، لأنه هو الولي، ولم يوجد ما يمنع التقدم، والتقديم على هذا الزوج، وهو الازدراء بأبيه.
ومولى الموالاة أحق من الأجنبي؛ لأنه ملحق بالقريب، ولهذا كان أحق من الأجنبي؛ لأنه ملحق بالقريب، ولهذا كان أحق بميراثه عند عدم القريب. وقال أبو يوسف ﵀: إذا كان الأقرب غائبًا المكان تفوت الصلاة بحضوره فالأبعد أولى، فإن قدم الغائب غيره بكتاب كان للأبعد منعه، وحد الغيبة ههنا أن لا يقدر على القدوم فيدرك الصلاة، ولا يقدرون على تأخيرها لقدومه، والمريض بمنزلة الصحيح يقدم من شاء، وليس للأبعد منعه؛ لأن ولايته لم تسقط، ولهذا لو حضر مع المرض كان له أن يتقدم، ومتى كانت الولاية باقية كان له حق التقدم.
وإن قدم الأخوان من الأب والأم كل واحد منهما رجلًا، فالذي قدمه الأكبر أولى لأنهما؛ رضيا بسقوط حقهما، وأكبرهما سنًا أولى بالصلاة عليه، فيكون أولى بالتقديم. ولا حق للنساء ولا للصغار في التقديم؛ لأن حق التقديم ينبني على ولاية التقدم، وليس للنساء والصغار ولاية التقدم فلا يكون لهم حق التقديم.
عبد مات فاختصم في الصلاة عليه المولى وأب العبد أو ابنه، وهما حران فالمولى أحق بالصلاة عليه.
وكذلك المكاتب إذا مات عن غير وفاء، ولو ترك وفاء، وأديت كتابته أو لم تؤد إلا أن المال حاضر لا يخاف عليه التلف، فالابن أولى، وكذا الأب، ولكن يكره أن يتقدم جده وهو أبو المكاتب، وإن كان المال غائبًا فالمولى أحق بالصلاة.
[ ٢ / ١٨٩ ]
نوع آخرمن هذا الفصل في القبر والدفن
وإذا انتهي بالميت إلى القبر فلا يضر وتر دخله أم شفع؛ لأن المقصود وضع الميت في القبر، فإنما يدخل قبره بقدر ما يحصل به الكفاية الشفع والوتر فيه سواء.
وقد صح: أنه دخل في قبر رسول الله ﵇ أربعة علي، والعباس وابنه فضل، واختلفوا في الرابع ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ أن الرابع صالح مولى عتاقة رسول الله ﵇، وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀: أن الرابع صهيب، وذكر شمس الأئمة الرخسي ﵀: أن الرابع المغيرة بن شعبة أو أبو رافع.
ويقول واضعه في القبر: بسم الله وعلى ملة رسول الله معناه: بسم الله وضعناك، وعلى ملة رسول الله سلمناك. روي عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﵇ كان إذا وضع ميتًا في القبر يقول (١٢٢أ١): «بسم الله وعلى ملة رسول الله»، وهكذا روي عن علي ﵁.
ويلحد للميت ولا يشق له، وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: يشق ولا يلحد، حجة الشافعي توارث أهل المدينة، فإنهم توارثوا الشق دون اللحد، وعلماؤنا احتجوا بقوله ﵇: «اللحد لنا والشق لغيرنا» ولأن الشق فعل أهل اليهود والتشبه بهم مكروه فيما مسته يد ولا حجة له في توارث أهل المدينة؛ لأنهم إنما توارثوا ذلك لضعف أراضيهم بالبقيع، ولأجل هذا المعنى اختاروا الشق في ديارنا، فإن في أراضي ديارنا ضعف أو رخاوة فينهار اللحد فاختاروا الشق لهذا.
وصفة اللحد: أن يحفر القبر بتمامه ثم يحفر في جانب القبلة منه حفيرة فيوضع فيه الميت، ويجعل ذلك كالبيت المسقف.
وصفة الشق: أن يحفر حفيرة في وسط القبر ويوضع فيه الميت. ويدخل الميت من قبل القبلة في القبر، وفي «بعض الكتب»: ويستقبل به القبلة عند إدخاله في القبر يعني توضع الجنازة فوق اللحد من قبل القبلة.
وقال الشافعي ﵀: يسل سلًا، قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: صورة السل أن توضع الجنازة في مؤخر القبر حتى يكون رأس الميت بإزاء موضع قدميه من القبر، ثم يدخل الرجل الآخذ القبر، فيأخذ برأس الميت، ويدخله القبر أولًا، ويسل كذلك.
وقال شمس الأئمة الحلواني ﵀: صورة السل أن توضع الجنازة في مقدم
[ ٢ / ١٩٠ ]
القبر حتى تكون رجلا الميت بإزاء موضع رأسه من القبر، ثم يدخل الرجل الآخذ القبر، فيأخذ برجلي الميت ويدخلهما القبر أولًا ويسل كذلك.
حجتنا في ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﵇ أدخل في القبر من قبل القبلة، وعن عمر ﵁ أنه قال: يدخل الميت قبره من قبل القبلة، ولأنه إذا أخذ من قبل القبلة كان وجوه الآخذين إلى القبلة، وإذا سل سلًا لا تكون وجوه الآخذين إلى القبلة، وأشرف حال الإنسان إذا كان قائمًا أو نائمًا أو قاعدًا أن يكون وجهه إلى القبلة.h
ويوضع في القبر على شقه الأيمن موجهًا إلى القبلة قال ﵇: «يا علي استقبل به القبلة استقبالًا وضعوه لجنبه ولا تكبوه لوجهه ولا تلقوه على ظهره» .
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: ويسجى قبر المرأة بثوب حتى يفرغ من اللحد؛ لأنها عورة من قرنها إلى قدمها، فربما يبدو شيء من أثر عورتها فيسجى القبر.
ألا ترى أن المرأة خصت بالنعش على جنازتها، وقد صح أن قبر فاطمة سجى بثوب ونعش على جنازتها ولم يكن النعش في جنازة النساء حتى ماتت فاطمة ﵂، فأوصت قبل موتها أن تستر جنازتها، فاتخذوا لها نعشًا من جريد النخل، فبقي سنّة هكذا في جميع النساء، وإذا وضعت في اللحد استغني عن التسجية.
وإن كان رجلًا لا يسجى قبره عندنا، وعند الشافعي ﵀: يسجى لما روي أن النبي ﵇ لما دخل قبر سعد بن معاذ وأسامة بن زيد معه سجى قبره، ولأصحابنا ﵏ ما روي عن علي ﵁ أنه مر بميت وقد سجي قبره فنزعه، وقال: إنه رجل، وأوصى شريح أن لا يسجى قبره؛ ولأن مبنى حال الرجل على الانكشاف، فلا يسجى قبره إلا لضرورة وهي ضرورة دفع الحر أو الثلج أو المطر عن الداخلين في القبر.
وتأويل قبر سعد بن معاذ أنه إنما يسجى قبره؛ لأن الكفن كان لا يعم بدنه، فيسجى قبره حتى لا يقع الاطلاع على شيء من أعضائه.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: ويكره الآجر على اللحد، ويستحب القصب واللبن، قال في «الأصل»: اللبن والقصب بدل المذكور في «الجامع الصغير»: على أنه لا بأس بالجمع بينهما، وقد جاء في الحديث أنه وضع على قبر رسول الله ﵇ حزمة من قصب، ورأى رسول الله ﵇ فرجة من قبر فأخذ مدرة وناوله الحفار وقال: «سد بها تلك الفرجة، فإن الله تعالى يحب من كل صانع أن يحكم صنعته»، والمدرة قطعة من اللبن فدل أنه لا بأس باستعمال اللبن.
وحكي عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنه قال: هذا في قصب لم يعمل فأما القصب المعمول وبالفارسية بورياء بافته أزنى فقد اختلف المشايخ فيه
[ ٢ / ١٩١ ]
قال بعضهم: لا يكره؛ لأنه قصب كله، وقال بعضهم: يكره لأنه لم ترد السنّة بالمعمول.
وأما الحصير المتخذ من البردي فإلقاؤه في القبر مكروه؛ لأنه لم ترد السنّة به.
وكثير من الصحابة أوصوا بأن يرمسوا في التراب رمسًا من غير شق ولا لحد، وقالوا: ليس جنبنا الأيسر بأولى من الأيمن في التراب، وكانوا يرمسون في التراب رمسًا ويهال عليهم التراب إلا أن الوجه يوقى من التراب بلبنتين أو ثلاث، وكراهة الآجر مذهبنا وقال الشافعي: لا بأس به لما روي أن دانيال النبي ﵇ وجد في تابوت من صخرة.
ولنا: ما روي عن رسول الله ﵇ أنه نهى عن تجصيص القبور وتقصيصها، والتجصيص هو العمل بالجص، والتقصيص هو العمل بالآجر؛ لأن القص هو الآجر، وعن إبراهيم النخعي ﵀ أنه قال: كانوا يستحبون اللبن والقصب ويكرهون الآجر، وقوله: كانوا كناية عن الصحابة والتابعين، ولأن الآجر إنما يستعمل في الأبنية للزينة والإحكام، والقبر موضع البلى.
بعض مشايخنا قالوا: إنما يكره الآجر إذا أريد به الزينة أما إذا أريد به دفع أذى السباع أو شيء آخر لا يكره.
قال مشايخ بخارى: لا يكره الآجر في بلدتنا لمساس الحاجة إليه لضعف الأراضي، حتى قال بعضهم: بأن في هذه البلدة لو جعل تابوتًا من حديد لا يكره لكن ينبغي أن يضع مما يلي الميت اللبن.
وكذلك التابوت من الخشب. كره بعضهم على ظاهر الرواية وقال: بأن هذا في معنى الآجر؛ لأن كل واحد منها لإحكام النازل، ولا حاجة إلى الإحكام. وبعضهم فرق بينهما وقال: كراهة الآجر من حيث إنه مسته النار فلا انتقال به، وهذ المعنى معدوم في حق الخشب، ولكن هذا الفرق ليس بصحيح، ومساس النار في الآجر لا يصلح علة للكراهة، فإن السنّة أن يغسل الميت بالماء الحار، وقد مسته النار.
قال: ويسنم القبر مرتفعًا من الأرض مقدار شبر أو أكثر قليلًا ولا يزاد عليه من تراب غير القبر، ولا يربع. وقال الشافعي: يربع ويسطح ولا يسنم، والمسنم هو السفط الذي هو على رسمنا، واحتج بما روى المزني بإسناده له لما توفي إبراهيم بن رسول الله ﵇ جعل رسول الله ﵇ قبره مسطحًا؛ ولأنه مسكن مشروع بعد الوفاة فيعتبر بالمسكن حال الحياة، المسكن حال الحياة يكون مسطحًا مربعًا فكذا المسكن بعد الوفاة.
وعلمائنا احتجوا بحديث سعيد بن جبير وعروة عن ابن عباس ﵄: أن جبريل ﵇ صلى بالملائكة ﵈ على آدم ﵇ وسنم قبره.
وعن إبراهيم النخعي ﵁ أنه قال: أخبرني من رأى قبر النبي ﵇ وقبر أبي بكر، وعمر ﵄ قبل أن يدار الحائط ناشزة مرتفعة مسنمة، وروي أنه لما مات عبد الله بن عباس ﵄ بالطائف صلى عليه محمد بن الحنفية، وكبر
[ ٢ / ١٩٢ ]
عليه أربعًا، وجعل له لحدًا، وأدخله القبر من قبل القبلة، وجعل قبره مسنمًا، وضرب عليه فسطاطًا. ولأن تربيع القبر تشبه بصنيع أهل الكتاب، والتشبيه بصنيعهم فيما لنا مستند مكروه؛ ولأن التربيع في الأبنية للإحكام، ونختار في القبور ما هو أبعد عن الإحكام. وتأويل حديث (١٢٢ب١) إبراهيم بن رسول الله سطح قبره أولًا ثم سنم.
وإن خيف ذهاب أثره فلا بأس برش الماء عليه بلا خلاف، وإنما الخلاف فيما إذا لم يخف ذهاب أثره، ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يكره، وعن أبي يوسف أنه يكره. وإن خيف مع ذلك، فلا بأس بحجر توضع أو آجر، فالظاهر لا يكره على الظاهر، وقد وضع رسول الله ﵇ على قبر أبي دجانة حجرًا وقال: هذا لأعرف به قبر أخي.
وفي «كتاب الآثار» عن محمد: لا أرى أن يزاد في تراب القبر على ما خرج، ولا أرى برش الماء عليه بأسًا، ولا يجصص ولا يطين، روي عن أبي حنيفة ﵀، وهكذا ذكر الكرخي في «مختصره» .
وفي «طهارات النوازل»: أنه لا بأس به، وعن أبي يوسف أنه كره أن يكتب عليه كتابًا وكره أبو حنيفة ﵀ البناء في القبر وأن يعلم بعلامة. قالوا: وأراد بالبناء السقط الذي يجعل على القبور في ديارنا، وقد روي عن أبي حنيفة ﵀ في رواية أخرى النهي عن السقط. ويكره أن يوضأ على القبر يعني بالرجل أو يقعد عليه أو يقضي عليه حاجة، ويكره أن يصلي عنده، وعن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لا ينبغي أن يصلي على ميت بين القبور، وإن صلوا أجزأهم.
قال القدوري: وذوي الرحم المحرم أحق بإدخال المرأة القبر من غيره، وفي «نوادر» إبراهيم عن محمد رحمهما الله: الأخوال أحق بدخول القبر من بني الأعمام يريد به دخول قبر المرأة، وبنو الأعمام أحق من الزوج ومن أخ الرضاعة.
ولا يدفن الرجلان أو أكثر في قبر واحد، وعند الضرورة لا بأس به، ويقدم في اللحد أفضلهما، وجعل بينهما حاجز من الصعيد، فقد صح أن رسول الله ﵇ أمر في شهداء أحد بأن يدفن الاثنين والثلاثة منهم في قبر واحد، وكانت الحالة حالة الضرورة.
فالأنصار يومئذٍ أصابهم قروح وجهد شديد فشكوا إلى رسول الله ﵇، وقالوا: الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال ﵇: «أعمقوا وأوسعوا وادفنوا الاثنين والثلاثة، فقالوا: من نقدم، فقال ﵇: قدموا أكثرهم قرآنًا» .
وإن احتاجوا إلى دفن المرأة والرجل في قبر واحد قدم الرجل في اللحد، وفي الجنازة تقدم المرأة على الرجل ليكون الرجل إلى الرجل أقرب، والمرأة عنه أبعد. ثم في قوله ﵇: «أعمقوا» دليل على أن السنّة في القبر أن يعمق؛ لأن هذا أمر بالتعميق.
[ ٢ / ١٩٣ ]
والمعنى: أن فيه صيانة الميت عن الضياع. وفي بعض «النوادر» عن محمد ﵀ أنه قال: ينبغي أن يكون مقدار العمق إلى صدر رجل وسط القامة، قال: وكل ما ازداد فهو أفضل. وعن عمر ﵁ أنه قال: يعمق القبر صدر رجل، وإن عمقوا مقدار قامة الرجل فهو أحسن. والله أعلم، وبه ختم.
نوع آخر في الكافر يموت وله ولي مسلم
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: كافر مات وله ولي مسلم قال: يغسله ويتبعه ويدفنه.
وقال في «الأصل»: كافر مات وله ابن مسلم فما ذكر في «الأصل» خاص، وما ذكر في «الجامع الصغير»: عام فإن اسم الولي يتناول كل قريب، وهذا؛ لأن الغسل سنّة الموتى من بني آدم على سبيل العموم على ما مر لكن الغسل في حق المسلم يكون تطهيرًا، وفي حق الكافر لا يكون تطهيرًا. والولد المسلم مندوب إلى بر والده، وإن كان مشركًا قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (العنكبوت: ٨) والمراد به الوالد المشرك بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: ١٥) الآية، ومن الإحسان والبر في حقه القيام بغسله ودفنه بعد موته، ولما مات أبو طالب قال ﵇ لعلي: اذهب واغسله وكفنه، وواره ولا تحدث به حدثًا حتى تلقاني أي لا تصل عليه.
وفي «السير الكبير»: سأل رجل ابن عباس ﵄: أن أمي ماتت نصرانية فقال: اتبع جنازتها واغسلها وكفنها، ولا تصلي عليها وادفنها، وإن الحارث بن أبي ربيعة ماتت نصرانية فتتبع جنازتها في نفر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وقد صح أن رسول الله ﵇ خرج في جنازة عمه أبو طالب، وكان يمشي ناحية منها.
والحاصل: أنه إذا كان خلف جنازة الكافرين من قومه من يتبع الجنازة لا ينبغي لقريبه المسلم أن يتبع الجنازة حتى لا يكون مستكثرًا سواد الكفرة، ولكن يمشي ناحية منها. وإن لم يكن خلف الجنازة من قومه الكافرين يتبعها، فلا بأس للمسلم أن يتبعها، وهذا التفصيل منقول عن محمد ﵀.
ولا يغسل الكافر كما يغسل المسلم يريد به أنه لا يراعى في حقه سنّة الغسل من البدائة بالميامن وغير ذلك، ولكن يصب الماء عليه على الوجه الذي تغسل النجاسات، وكذلك لا يراعى في حقه سنّة الكفن، ولكن يلف في ثوب، وكذلك لا يراعى في حقه، شبه اللحد في حقه ولكن تحفر له حفيرة، ولا يوضع فيه بل يلقى، وهذا؛ لأن مراعاة السنّة في هذه الأشياء بحق المسلم.
[ ٢ / ١٩٤ ]
وكذلك كل ذي رحم محرم منه مثل الأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة، وكل قرابة؛ لأنه من باب التكريم، وصلة الرحم وهو من محامد الدين. وإنما يقوم المسلم بغسل قريبه الكافر وتكفينه ودفنه إذا لم يكن هناك من يقوم به من المشركين، فإن كان هناك أحد من قرابته على ملته، فإن المسلم لا يتولى بنفسه بل يفوض إلى أقربائه المشركين ليصنعوا به ما يصنعون بموتاهم.
ولم يبين في «الكتاب»: أن الابن المسلم إذا مات، وله أب كافر هل يمكن أبوه الكافر من القيام بغسله وتجهيزه وينبغي أن لا يمكن من ذلك، بل فعله المسلمون.
ألا ترى أن اليهودي لما آمن برسول الله ﵇ عند موته قال ﵇ لأصحابه: «لوا أخاكم» ولم يخل بينه وبين والده اليهودي. قال: ويكره أن يدخل الكافر في قبر قرابته من المسلمين ليدفنه؛ لأن الموضع الذي فيه الكافر تنزل فيه اللعن والسخط، والمسلم يحتاج إلى نزول الرحمة في كل ساعة فينزه قبره من ذلك. وهذا الفصل يصير رواية في الفصل الأول. وبه ختم.
نوع آخرمن هذا الفصل في الخطأ الذي يقع في هذا الباب
إذا دفن قبل الصلاة عليه صلي عليه في القبر ما لم يعلم أنه تفرق أجزاؤه، لا يخرج عن القبر. أما لا يخرج عن القبر؛ لأنه قد سلم إلى الله تعالى، وخرج عن أيدي الناس، جاء في الحديث عن رسول الله ﵇ أنه قال: «القبر أول منزل من منازل الآخرة» وأما الصلاة عليه في القبر فلا يرد رسول الله ﵇ فعلًا، ولكن إنما يصلي عليه ما لم يعلم أنه تفرق أجزاؤه؛ لأن المشروع الصلاة على الميت لا على أجزائه المتفرقة قالوا: وما ذكر أنه لا يخرج من القبر، فذلك فيما إذا وضع اللبن على اللحد أو وضع ولكن لم يهل التراب عليه يخرج ويصلى عليه؛ لأن التسليم لم يتم بعد.
قال الحاكم الشهيد في «الأمالي»: عن أبي يوسف ﵀: أنه يصلى على الميت في القبر إلى ثلاثة أيام، والصحيح: أن هذا ليس بتقدير لازم؛ لأنه يختلف تفرق الأجزاء لاختلاف الأوقات في الحر والبرد وباختلاف الأمكنة، وباختلاف حال الميت في السن والهزال. فأما المعتبر فيه أكثر الرأي، إن كان في أكبر رأيهم أنه تفرق أجزاء هذ الميت المعين قبل ثلاثة أيام لا يصلون عليه إلى ثلاثة، وإن كان في أكبر رأيهم أنه لم تتفرق أجزاؤه بعد ثلاثة أيام يصلون عليه بعد ثلاثة أيام.
فإن قيل: كيف يصلى عليه في القبر وإنه غائب عن أعين الناس بالتراب؟
قلنا: نعم، ولكن هذا لا يمنع جواز الصلاة، ألا ترى أن قبل الدفن كان غائبًا بالكفن ولم يمنع ذلك جواز الصلاة.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وإذا صلي على الميت قبل الغسل، فإنه يغسل ثم تعاد الصلاة عليه بعد الغسل، وكذلك لو غسلوه وبقي عضو من أعضائه أو ، وإن كان قد لف في كفنه وقد بقي عضو لم يصبه الماء (١٢٣أ١) يخرج من الكفن فيغسل ذلك العضو، وإن كان الباقي شيء يسير كالأصبع ونحوه، فكذلك الجواب عند محمد ﵀؛ لأن الأصبع في حكم العضو بدليل اغتسال الحي. وقال أبو يوسف ﵀: لا يخرج من الكفن؛ لأنه لا يتيقن بعدم وصول الماء إليه، فلعل وصل إليه الماء لكن أسرع إليه الجفاف لقلته، ذكر الخلاف على هذا الوجه في «نوادر أبي سليمان» .
وإن دفنوه ثم تذكروا أنهم لم يغسلوه، فإن لم يهل التراب عليه يخرج ويغسل ويصلى عليه، وإن أهالوا التراب عليه لم يخرج، وهل يصلى عليه ثانيًا في القبر؟ ذكر الكرخي ﵀ في «مختصره»: يصلى عليه، وفي «النوادر» عن محمد: القياس أن لا يصلى عليه؛ لأن طهارة الميت شرط جواز الصلاة عليه ولم توجد.
وفي الاستحسان يصلى عليه؛ لأن تلك الصلاة لم يعتد بها لترك الطهارة مع الإمكان، والآن زال الإمكان، وسقط فرضية الغسل، فيصلى عليه في قبره. أو نقول: صلاة الجنازة صلاة من وجه ودعاء من وجه، ولو كانت صلاة من وجه لا تجوز بدون طهارة أصلًا، ولو كانت دعاء من وجه تجوز بدون الطهارة، فإذا كانت بينهما.
قلنا: أنه تشترط الطهارة حالة القدرة، ولا تشترط حالة العجز.
وإن سقط شيء من متاع القوم في القبر، فلا بأس بأن يحفروا التراب في ذلك الموضع، ويخرج المتاع من غير أن ينبشوا الميت، وإن لم يمكنهم ذلك إلا بحفر الكل، ونبش الميت فعلوا ذلك كذا ذكر في «الأصل»؛ لأن في إبقاء المتاع في البيت القبر إضاعة المال، ونهى رسول الله ﵇ عن إضاعة المال.
وإذا وضع الميت في اللحد لغير القبلة أو على يساره قد عرف ذلك، فإن كان بعد إهالة التراب لا ينبش عنه قبره وإن كان قبل إهالة التراب وقد شرحوا اللبن نزع اللبن ويوضع كما ينبغي.
وإذا صلوا على جنازة والإمام على غير طهارة فعليهم إعادة الصلاة؛ لأن صلاة الإمام لم تجز لعدم الطهارة، فلا تجوز صلاة القوم لأن صلاتهم بناءً على صلاة الإمام، وإذا لم تجز صلاتهم، فهذا ميت لم يصل عليه، فيعيدوا الصلاة. وإن كان الإمام طاهرًا، والقوم على غير طهارة لم يكن عليهم إعادتها؛ لأن عدم طهارة القوم لا يوجب فساد صلاة الإمام، وإذا جازت صلاة الإمام، فقد سقط الفرض بصلاة الإمام وحده، فلا يكون للباقين حق الإعادة؛ لأنه يكون تنفلًا بصلاة الجنازة، والتنفل بصلاة الجنازة غير مشروع.
وإذا ظهر أن الموضع الذي دفن فيه الميت مغصوب، أو أخذ بالشفعة، فإنه يخرج الميت عنه، ويدفن في موضع آخر.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وفي كراهية «فتاوى أهل سمرقند»: حامل أتى على حملها تسعة أشهر فماتت وقد كان الولد يتحرك في بطنها، فلم يشق بطنها، ودفنت، ثم رؤيت في المنام أنها تقول: ولدت لا ينبش القبر؛ لأن الظاهر أنها لو ولدت كان الولد ميتًا. والله أعلم.
نوع آخرمن هذا الفصل في المتفرقات
بيان صفوف النساء في صلاة الجنازة: ويصف النساء في خلف الرجال في الصلاة على الجنازة لقوله ﵇: «خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»؛ ولأنها صلاة تؤدى بجماعة، فتعتبر بالصلاة المعهودة، وفي الصلاة المعهودة تقوم النساء خلف الرجال، فكذا في صلاة الجنازة.
فإن وقعت امرأة بجنب رجل فيها لم تفسد عليه صلاته.
وفرق بين هذا وبين الصلاة المعهودة فإنها إذا قامت بحذاء الرجل في الصلاة المعهودة، وقد نوى الإمام إمامتها، فإنه تفسد صلاة الرجل، وفي صلاة الجنازة لم تفسد صلاة الرجل.
والفرق: وهو أن في الصلاة المعهودة القياس أن لا تفسد صلاة الرجل بمحاذاة المرأة كما قال الشافعي ﵀ إلا أنا تركنا القياس بالنص، والنص ورد في صلاة مطلقة، وهذه ليست بصلاة مطلقة، ولهذا لا قراءة فيها، ولا ركوع ولا سجود بخلاف الصلاة المعهودة.
والذي يعتمد عليه ما أشار شمس الأئمة في «شرحه»: وهو أن العلماء اختلفوا في محاذاتها في المكتوبات هل هي مفسدة أم لا؟ منهم من رأى ومنهم من أبى، فاختلافهم في الصلاة اتفاق منهم في جواز الصلاة المقيدة، وهذا أصل محمد، وفي الشرع عليه مسائل كثيرة من ذلك.
قال أبو حنيفة ﵀: في المس الفاحش ناقض للوضوء، ولأن العلماء اختلفوا في المس القليل أنه هل ينقض؟ منهم من رأى ومنهم من أبى فكان اختلافهم في المس القليل اتفاق منهم في المس الفاحش أنه ناقض للوضوء. ومن ذلك قال أبو حنيفة ﵀: المكاتب إذا ملك أخاه لا يصير مكاتبًا، لأن العلماء اختلفوا في الحر إذا ملك أخاه هل يصير حرًا أم لا؟ منهم من رأى ومنهم من أبى، فاختلافهم في الحر اتفاق منهم في المكاتب أنه لا يصير مكاتبًا.
قال شمس الأئمة ﵀، وهذه المسألة تصير رواية لمسألة أخرى لا ذكر لها في «المبسوط»، وهو أنه يصح اقتداء المرأة بالإمام في صلاة الجنازة من غير أن ينوي الإمام
[ ٢ / ١٩٧ ]
إمامتها بخلاف الصلاة المعهودة؛ لأن في الصلاة المعهودة إنما جعل نية إمامتها شرطًا؛ لأن محاذاتها تفسد الصلاة فيتحرز بترك النية عن محاذاتها. أما هنا من الفساد من قبل المحاذاة فلم تجعل النية شرطًا، إلا أن النساء يمنعن من شهود الجنائز. لأنه روي عن النبي ﵇ أنه رأى نساء في جنازة فقال: «ارجعن مأزورات غير مأجورات» .
ليس على من قهقه في صلاة الجنازة وضوء، وكذلك سجدة التلاوة، وهذا بناءً على الأصل الذي بينا: أن العلماء اختلفوا في انتقاض الطهارة بالقهقهة في الصلاة المكتوبة المعهودة، منهم من رأى ومنهم من أبى. فاختلافهم في الصلاة المطلقة اتفاق منهم في الصلاة المقيدة أنها لا تنقض الوضوء، ولكنها تفسد الصلاة؛ لأن القهقهة تشبه الكلام لأنه صوت خارج من مخرج الكلام، فكان شبه الكلام. الكلام على الحقيقة يشبه الصلاة، فكذا ما هو شبه الكلام. وإن صلاها قعودًا أو ركوبًا أمرهم بالإعادة استحسانًا، وفي القياس تجزئهم.
وجه القياس: وهو أن صلاة الجنازة دعاء من وجه والقيام والقعود في الدعاء سواء، تقاس هذه بالاستسقاء، فالقيام والقعود في الاستسقاء سواء، وإن كانت السنّة هو القيام وكذلك السنّة في الخطبة القيام، ثم لو خطب قاعدًا جاز فكذا هنا.
ووجه الاستحسان: وهو أن صلاة الجنازة واجبة، فلا تتأدى على الدابة، وقاعدًا مع القدرة على القيام قياسًا على الوتر، وكان القياس في سجدة التلاوة أن لا تتأدى راكبًا؛ لأنها واجبة إلا أنه جوز كيلا ينقطع السفر؛ لأن قراءة القرآن مما يكثر في السفر، فالنزول لسجدة التلاوة يؤدي إلى قطع السفر، فتتأدى على الدابة.
أما الصلاة على الجنازة لا تكثر في السفر بل توجد في الأحايين، فالنزول لها لا يؤدي إلى قطع السفر، فلا تتأدى على الدابة. وإن كان ولي الميت مريضًا، فصلى قاعدًا وصلى الناس خلفه قيامًا أجزأهم في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمد ﵀: تجزىء الإمام، ولا تجزىء المأموم لما عرف من أصله أن اقتداء القائم بالقاعد لا يجوز، وعندهما يجوز وقد مر الكلام فيه.z
وإذا اختلط موتى المسلمين بموتى الكفار، إن أمكن تمييز المسلمين بالعلامة يميزون، وإن لم يمكن التمييز، وكانت الغلبة للمسلمين غسلوا ويصلى عليهم إلا من عرف بعينه أنه كافر. وهذا لأن العبرة للغالب والمغلوب ساقط الاعتبار بمقابلته.
ألا ترى أنه لو وجد ميت في دار الإسلام يصلى عليه، وإن احتمل أن يكون كافرًا؛ لأن الغلبة في دار الإسلام للمسلمين.
ولو وجد ميت في دار الحرب لا يصلى عليه، وإن احتمل أن يكون مسلمًا؛ لأن الغلبة في دار الحرب للكفار. فإذا كانت الغلبة للمسلمين جعل من حيث الحكم كأن الكل
[ ٢ / ١٩٨ ]
مسلمون فيصلى عليهم، لكن ينوون بالدعاء المسلمين؛ لأنه لو أمكن التمييز حقيقة يجب التمييز حقيقة، فإذا تعذر (١٢٣ب١) التمييز حقيقة وأمكن التمييز بالنية، وإن كان الأكثر كفارًا لم يغسلوا، ولم يصل عليهم لما ذكرنا أن العبرة للغالب.
فإن قيل: إنما تعتبر الغلبة وعدم الغلبة حالة الاختيار لا حالة الاضطرار، والحالة ههنا حالة الاضطرار، فإن الصلاة على الميت فرض.
قلنا: كما أن الصلاة على الميت فرض، وترك الصلاة على الكافرين فرض، فإذا تعارض الدليلان اعتبرنا الغالب، وإن استويا لم يصل عليهم عندنا.
وقال الشافعي ﵀: يصلى عليهم ترجيحًا للمسلمين على الكافرين، وإنا نقول: استوى جانب الصلاة وجانب الترك فترجح جانب الترك؛ لأن الصلاة على الكافر لا تجوز بحال، وترك الصلاة على المسلم جائز في الجملة، فإنه لا يصلى على الباغي عندنا، وعلى الشهيد عندك، فكان الميل ما يباح الحال أولى. بخلاف ما إذا كانت الغلبة للمسلمين، لأنه لما ترجح بحكم الكثرة فكأنه ليس فيهم كفار.
ولم يبين في «الكتاب»: في فصل الاستواء في أي موضع يدفنون، وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يدفنون في مقابر المشركين، وبعضهم قالوا: يتخذ لهم مقبرة على حدة، وهو قول الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمة الله عليه.
وهذا بناءً على اختلاف الصحابة في نصرانية تحت مسلم حبلت من المسلم، ثم ماتت اختلف الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في دفنها، فرجح بعضهم جانب الولد وقال: تدفن في مقابر المسلمين، ورجح بعضهم جانبها وقال: تدفن في مقابر المشركين، لأن الولد في حق هذا الحكم جزء منها ما دام في بطنها، وقال عقبة بن عامر: يتخذ لها مقبرة على حدة، فكذلك هنا يتخذ لهم مقبرة على حدة، لتكون بين مقبرة المسلمين وبين مقبرة الكفار.
ولما أمكن اعتبار حالهم بين الحالتين وجب اعتباره بخلاف الصلاة؛ لأنه واسطة بين فعل الصلاة وبين تركها، فإذا تعذر فعل الصلاة وجب الترك.
وإذا لم يجدوا ماء يغسل الميت فيمموه وصلوا عليه، ثم وجدوا ماء يغسل ويصلى عليه ثانيًا في قول أبي يوسف، وعنه في رواية يغسل ولا تعاد الصلاة عليه بمنزلة جنب تيمم وصلى، ثم وجد ماء بعد ذلك. وإذا أخطؤوا بالرأس وقت الصلاة فجعلوه في موضع الرجلين وصلي عليه جازت الصلاة؛ لأنه وجد شرائط الجواز، وهو كون الميت أمام الإمام، إنما تركوا سنّة من سننها، وترك السنّة لا يوجب فساد الصلاة. فإن فعلوا ذلك عمدًا جازت الصلاة؛ لأن مثل هذا لو وقع في المكتوبة جاز ففي صلاة الجنازة أجوز.
قال شمس الأئمة، والحاكم الشهيد ذكر في «إشاراته» حرفًا فقال: إذا كان عندهم أنهم يصلون عليها إلى القبلة يعني يصلون بالتحري، ولكن جهلوا عن النية، فلما فرغوا ظهر أنهم صلوا عليها إلى غير القبلة أجزأتهم صلاتهم، وفي الصلاة المكتوبة لا تجزئهم صلاتهم إذا فعلوا مثل هذا.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وفرق بينهما فقال: في عدم صلاة الجنازة الأمر فيها واسع، فإنها لم تتمحض صلاة على ما ذكرنا أنها دعاء من وجه، فانحطت رتبتها ودرجتها عن رتبة المكتوبة ودرجتها، فأما عند مشايخنا فكلتاهما سواء، والجواب فيهما أنهما تجوزان، فإن تعمدوا ذلك فإنهم يستقبلون الصلاة عليها كما في المكتوبة؛ لأنها في وجوب استقبال القبلة كسائر الصلوات.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: ولا بأس بالإذن في صلاة الجنازة هكذا وقع في بعض النسخ، ووقع في بعض النسخ ولا بأس بالأذان في صلاة الجماعة فإن كان الصحيح لا بأس بالإذن في صلاة الجنازة فمعناه أحد الشيئين إما إذن الولي غيره في الصلاة على الجنازة؛ لأن للولي حق الصلاة لما ذكرنا، فتكون له ولاية تحويل هذا الحق إلى غيره، وإما إذن أولياء الميت للمصلي لينصرفوا قبل الدفن؛ لأنه لا ينبغي لهم أن ينصرفوا قبل الدفن إلا بإذنهم.
لما روي عن رسول الله ﵇ أنه قال: «أميران وليسا بأميرين» ولي الميت قبل الدفن والمرأة تكون في الركب وفي رواية «صاحب الدابة القطوف» . وإن كانت الرواية لا بأس بالأذان في صلاة الجنازة فمعناه لا بأس بالإعلام قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إعلام من الله ورسوله.
والإعلام لا بأس به في صلاة الجنازة فإنه روي عن رسول الله ﵇ أنه مر بقبر فقال: قبر من هذا فقيل: «قبر فلانة ماتت ليلًا فقال: آذنتموني فقال: خشينا عليك هوام الليل فقال ﵇: «إذا مات منكم ميت فآذنوني فإن صلاتي عليكم دعاء ورحمة» فدل أنه لا بأس بالإعلام في صلاة الجنازة، ولأن في الإعلام إعانة وحث على الطاعة فلا بأس به لهذا.
وقد حكي عن بعض مشايخ بلخ ﵏: أنه يكره النداء في الأسواق أن فلانًا مات؛ لأنه من أفعال الجاهلية، وبنحوه ذكر الكرخي ﵀: عن أبي حنيفة ﵀ أنه لا ينبغي أن يؤذن بالجنازة إلا أهلها وجيرانها ومسجد حيها، وكثيرًا من مشايخ بخارى ﵏ لم يروا به بأسًا إذ ليس المقصود منه الترسم برسم أهل الجاهلية، وإنما المقصود به الإعلام حثًا على الطاعة ألا ترى أن النداء الخاص لا يكره وكذا لا يكره العام أيضًا.
ولا يصلى على ميت إلا مرة واحدة، وقال الشافعي ﵀: يجوز لمن لم يصلِ أن يصلي عليه.
حجته: أنه لما قبض رسول الله ﵇ صلى على قبره الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فوجًا بعد فوج، ولأن الصلاة على الميت شرعت دعاءً واستغفارًا له،
[ ٢ / ٢٠٠ ]
والدعاء والاستغفار مشروع مرة بعد مرة.
وعلماؤنا ﵏: احتجوا بما روي أن رسول الله ﵇ صلى على جنازة فلما فرغ جاء عمر ﵁، ومعه قوم، فأراد أن يصلي عليها فقال ﵇: «الصلاة على الجنازة لا تعاد، ولكن ادع للميت واستغفر له»، وروي عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه لما مات أخوه عاصم قال لابن عاصم: أرني قبر أبيك فأراه، فقام عليه ودعا ولم يصل عليه.
والمعنى: أن صلاة الفريق الأول وقعت فرضًا أن صلاة الجنازة شرعت قضاء لحق الميت صار مقامًا بالفريق الأول، فسقط الفرض بصلاة الفريق الثاني فيكون نفلًا، والتنفل بصلاة الجنازة غير مشروع، ولو جاز ذلك لكان الأولى أن يصلي على قبر رسول الله ﵇ من رزق زيارته الآن؛ لأنه في قبره كما وضع؛ لأن لحوم الأنبياء حرام على الأرض، به ورد الأثر عن رسول الله ﵇، ولم يستقبل أحد بهذا، فعلم أنه لا تعاد الصلاة على الميت.
قال محمد ﵀ في «الأصل»: إلا أن يكون الذي صلى أول مرة غير الولي حينئذٍ يكون للولي حق الإعادة؛ لأن حق التقدم للولي، وليس لغيره؛ ولأنه إسقاط حقه، وهو تأويل فعل الصحابة، فإن أبا بكر ﵁ كان مشغولًا بتسوية الأمور وتسكين الفتنة، وكانوا يصلون عليه قبل حضوره، وكان الحق لأبي بكر ﵁؛ لأنه كان هو الخليفة. فلما فرغ صلى عليه، ثم بعده لم يصلِ عليه أحد.
وأما حديث النبي ﵇: كان هو الولي لمن مات بالمدينة، وغير الولي متى صلى على الميت كان للولي حق الإعادة.
وتكره صلاة الجنازة عند طلوع الشمس واستوائها وغروبها لحديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أنه قال: «ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﵇ أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا» وذكر هذه الساعات، والمراد من ذلك صلاة الجنازة؛ لأن الدفن في هذه الأوقات غير مكروه وإن صلوها لم يكن عليهم إعادتها؛ لأن حق الميت يتأدى بما أدوا، فإن المؤدى في هذه الأوقات صلاة، وإن كان بها نقصان إلا أن السبب أوجبها كذلك؛ لأن سبب صلاة الجنازة حضور الجنازة.
ألا ترى أن الصلاة تضاف إلى الجنازة يقال: صلاة الجنازة، والحكم أبدًا يضاف إلى السبب (١٢٤أ١) وكذلك تتكرر الصلاة بتكرر الجنازة وهذا يدل على كون الجنازة سببًا فهو معنى قولنا: السبب أوجبها مع النقصان وقد أداها كذلك. فهو نظير ما لو تلا آية السجدة في هذه الأوقات وسجد فيها جاز، وطريقه ما قلنا، ولأنهم لو أعادوها لازدادت الكراهة.
[ ٢ / ٢٠١ ]
ونظير هذا ما لو سجد للسهو قبل السلام نهي عنه، ولو سجد مع ذلك جاز، لأنه لو لم يجز صارت سجدات أربعًا فازدادت الكراهة. وهذا الرجل ما خالف الكل فإن من العلماء من يجوز السجدة قبل السلام.
وكذلك ههنا من العلماء من يجوز الصلاة في الأوقات المكروهة، ولأن صلاة الجنازة تشبه الصلاة المطلقة حيث إنه يشترط فيها الطهارة عن الحدث، والطهارة عن النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة والتحريم بالتكبير، والتحلل بالسلام، وتشبه الدعاء من حيث سقوط القراءة والركوع والسجود، فمن حيث إنها تشبه الصلاة نهي، ومن حيث إنها تشبه الدعاء إذا أداها جاز، وهو قياس سجدة التلاوة إذا تلاها في هذه الأوقات، وأراد أن يسجد لها ينهى عن ذلك، ولو سجد جاز وسقط عنه، كذلك هنا.
ولا تكره بعد طلوع الفجر، وبعد العصر لحديث ابن عمر ﵄ أنه أتي بجنازة بعد العصر فقال: أسرعوا قبل أن تغرب الشمس، ولأن الصلاة على الجنازة فريضة، وإنما يكره في هذين الوقتين التطوع.
ولو حضرت الجنازة بعد غروب الشمس يبدؤون بالمغرب ثم بالجنازة لما روي عن أبي برزة الأسلمي أنه أتي بجنازة بعدما غربت الشمس ووضعت على مقبرة بالبصرة، فأمر المؤذن فأذن، وصلى المغرب ثم صلى على الجنازة، ولأن صلاة المغرب فرض عين، وصلاة الجنازة فرض كفاية، فتكون المغرب آكد، والبداية بآكد الفرضين أولى؛ ولأن تأخير المغرب مكروه، وتأخير صلاة الجنازة لا بأس به.
وروى الحسن بن زياد ﵀ في «المجرد»: أنه يبدأ بأيهما شاء؛ لأن مبنى صلاة الجنازة على المسارعة، قال ﵇: «ثلاث لا يؤخرن» وذكر من جملتها الصلاة على الجنازة، ومبنى المغرب أيضًا على المسارعة فاستويا فيبدأ بأيهما شاء.
وإن أوجد شيئًا من أطراف ميت كيد أو رجل أو رأس لم يغسل ولم يصلِ عليه، ولكنه يدفن.
وقال الشافعي: يغسل ويصلى عليه قل ذاك الجزء أو كثر بناءً على مذهبه أن تكرار الصلاة على ميت واحد يجوز، وعندنا لا يجوز. وهذا في الميت عند الشافعي، أما في الشهيد عنده لا يصلى على كل البدن فكيف يصلى على جزء منه. وأجمعوا أنه لو وجد أكثر البدن يغسل ويصلى عليه.
وذكر الحسن بن زياد في صلاته عن أبي حنيفة ﵀ أنه إذا وجد أكثر البدن غسل وكفن وصلي عليه ودفن. وإن كان نصف البدن، ومعه الرأس غسل وصلي عليه ودفن، وإن كان مشقوقًا نصفين طولًا، فوجد منه أحد النصفين لم يغسل، ولم يصلِ عليه، ولكنه يدفن لحرمته، وإن كان نصف البدن بلا رأس غسل، ولم يصلِ عليه. وإن كان أقل من نصف البدن ومعه الرأس غسل وكفن ودفن ولا يصلى عليه.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
احتج الشافعي ﵀ بما روي أن طائرًا ألقى يد آدمي بمكة في وقعة الجمل، فغسلها أهل مكة وصلوا عليها، قيل: إنها يد طلحة بن عبيد الله، أو يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، وقد روي عن عمر ﵁ أنه صلى على عظام بالشام، وعن أبي عبيدة ﵁ أنه صلى على رؤوس، ولأن هذا نقص من جملة الآدمي لا يزال عنه في حالة السلامة، فيجب الصلاة عليه قياسًا على ما لو كان الموجود في أكثر من نصف البدن، أو نصف البدن ومعه الرأس، وهذا لأن الصلاة على المسلم شرعت لحرمة المسلم وحرمة القليل كحرمة الكثير بدليل أنه لا يحل إتلاف القليل كما لا يحل إتلاف الكثير.
وأصحابنا ﵏: احتجوا بما روي عن ابن عباس، وابن مسعود ﵄ أنهما قالا: «لا يصلى على عضو» والمعنى: وهو أن هذا العضو لو انفصل عن الآدمي حالة الحياة لا يصلى عليه، فكذا لو انفصل عنه بعد موته وجب أن لا يصلى عليه قياسًا على الشعر والظفر؛ وهذا لأن صلاة الجنازة ما عرفت قربة بدون الميت، والميت اسم لجميع البدن، ولم يوجد جميع البدن، ولا أكثر البدن، إنما وجد منه البعض، والمعدوم أكثر من الموجود، فيرجح العدم على الموجود، فكأنه لم يوجد شيء من البدن، وبدون بدن الميت لا تقام صلاة الجنازة بخلاف إذا وجد الأكثر؛ لأن جانب الموجود يرجح على العدم، فسقط اعتبار العدم.
فأما حديث أهل مكة، قلنا: التعلق به لا يصح؛ لأنه ليس في الحديث أن الغاسل لليد والمصلي عليها من هو، فما لم يعرف الغاسل لا يكون الحديث حجة، وأما حديث عمر ﵁ المراد منه الدعاء لإجماعنا أنه لا يصلى على العظام، وكذا حديث أبي عبيدة محمول على الدعاء صلى يعني: دعا.
ثم الطرف يدفن لأن الدفن إماطة الأذى، وقد ورد الأثر به فإنه روي عن النبي ﵇ أنه قال: «الإسلام بضعة وسبعون بابًا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» .
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: إذا كان القوم في المصلى فجيء بالجنازة هل يقومون لها إذا رأوها قبل أن توضع؟ فيه كلام، من الناس من يقول: يقومون لما روي عن النبي ﵇ أنه كان جالسًا فمرت عليه جنازة فقام فزعًا فقيل له: إنه جنازة يهودي فقال: «ما قمت لها وإنما قمت فزعًا من الموت»، ومنهم من قال: لا يقومون وهو الصحيح. والصلاة على الجنازة في الجبانة والأمكنة والدور سواء لما روي عن النبي ﵇ أنه صلى على بعض في الموتى في الأمكنة وصلى على البعض في الجبانة.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وإن النبي ﵇ لما قبض صلى عليه في حجرة عائشة ﵂ كان الناس يدخلون فوجًا فوجًا، فيصلون عليه وينصرفون.
وإنما تكره الصلاة على الجنازة في الجامع ومسجد الحي عندنا.
وقال الشافعي: لا تكره، وعن أبي يوسف ﵀ روايتان: في رواية كما قال الشافعي، وفي رواية قال: إذا كانت الجنازة خارج المسجد الإمام والقوم في المسجد فإنه لا تكره وستأتي المسألة في باب الكراهية، وسيأتي لا يجهرون في صلاة الجنازة بشيء من الحمد والثناء وصلوات الرسول ﵇ لأن هذا ذكر كله، والإخفاء في الذكر أولى كما في أذكار الصلوات.
ومشايخ بلخ يقولون: السنّة أن يسمع الصف الثاني ذكر الصف الأول، والصف الثالث ذكر الصف الثاني، والرابع ذكر الصف الثالث، وقد روي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: لا يجهرون كل الجهر، ولا يسرون كل السر، وينبغي أن يكون بين ذلك.
ويتيمم لصلاة الجنازة إذا خاف فوتها في المصر، وإن لم يخف الفوت توضأ، وكذلك إن كان افتتح الصلاة، ثم أحدث تيمم وبنى، وقد مر هذا في باب التيمم.
رجل تيمم وصلى على جنازة ثم أتي بجنازة أخرى إن وجد من الوقت مقدار ما يتوضأ به، والماء منه قريب بطل ذلك التيمم، وعليه إعادة التيمم للصلاة على الجنازة الثانية بالإجماع؛ لأنه يمكنه استعمال الماء بعد التيمم الأول، فبطل التيمم، وإن لم يجد من الوقت مقدار ما يتوضأ به، فله أن يصلي بالتيمم الأول على الجنازة الثانية، عند أبي يوسف ﵀، وعند محمد ﵀ ليس له ذلك ويعيد التيمم للجنازة الثانية، هكذا أورده الإمام السرخسي ﵀ في «شرح الصلاة»، وأورد الفقيه أبو الليث ﵀ هذه المسألة في «مختلفاته»، وذكر قول أبي حنيفة مع قول أبي يوسف رحمهما الله.
حجة محمد ﵀: وهو أن التيمم إنما يجوز لضرورة، وقد ارتفعت الضرورة عند الفراغ من الأولى، فعليه تجديد التيمم للثاني.
حجة أبي يوسف ﵀ (١٢٤ب١): وهو أن العذر قائم وهو خوف الفوت لو اشتغل بالوضوء، فلهذا جاز له أن يصلي بتيممه الأول.
ويكره أن يجعل على اللحد دفوف خشب يريد به صفائح خشب توضع على اللحد؛ لأن في ذلك إضاعة المال بلا فائدة فإن اللبن يكفي، ولأن ذلك يستعمل للزينة أو لإحكام البناء، والميت غير محتاج إلى ذلك، ولكن مع هذا لو فعل لا بأس به لرخاوة الأراضي في ديارنا.
وفي «وقف النوازل» المرتد لا يدفع إلى من انتحل إليهم كاليهود أو النصارى ليدفنوه في مقابرهم، ولكن تحفر له حفيرة، فيلقى فيها كالكلب.
وفي «واقعات الناطفي»: رجل مات في السفينة يغسل ويكفن ويرمى في البحر؛ لأنه الدفن نقل الميت من مكان إلى مكان سيأتي في كتاب الاستحسان والكراهية إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
وفي «النوازل»: لا يدفن الميت في الدار وإن كان صغيرًا؛ لأن الدفن مكان الموت سنّة الأنبياء ﵈ لا سنّة غيرهم.
ولا تكسر عظام اليهود والنصارى التي توجد في قبورهم؛ لأن إيذائهم حرمة حتى حرم إيذاؤه في حياته فتكون لعظامه حرمة حتى لا تكسر متى وجدت بعد الموت. ولا يقوم الرجل بالدعاء بعد صلاة الجنازة؛ لأنه قد دعا مرة، لأن أكثر صلاة الجنازة الدعاء. ولا يصلى على صبي وهو على الدابة أو على أيدي الرجال كما في البالغ، وفي رواية «النوادر» يجوز.
وفي «النوازل»: صلى رجل على جنازة، والولي خلفه، ولم يرض به أي لم يأمره به، فإن تابعه وصلى معه لا يجوز للولي أن يعيد الصلاة؛ لأنه قد صلى مرة، وإن لم يتابعه فإن كان الذي صلى السلطان، أو الإمام الأعظم، أو القاضي، أو والي البلدة، أو إمام حيه، فليس للولي أن يعيد، وإن كان غيرهم فله الإعادة.
وفيه أيضًا: مات رجل في غير بلده وصلى عليه غير أهله، ثم جاء أهله وحملوه إلى منزله، فإن كان الأول صلى بإذن الإمام يعني السلطان، أو القاضي لا يصلون عليه ثانيًا؛ لأن الصلاة بإذن الإمام كصلاة الإمام بنفسه.
وفي «العيون»: إذا أوصى الميت أن يصلي عليه فلان، فالوصية باطلة إلا في رواية ابن رستم، فإنها جائزة في روايته، فيؤمر فلان بأن يصلي عليه.
جنازة تشاجر فيها قوم، فقام رجل ليس بولي وصلى وتابعه بعض القوم في الصلاة عليها فصلاتهم تامة، وإن أحب الأولياء إعادة الصلاة أعادوا. ولا ينوي الإمام الميت في تسليمتي الجنازة لكن ينوي في التسليمة الأولى من على يمينه وينوي في التسليمة الثانية من على يساره.
عن أبي يوسف ﵀ إذ كبر يريد التطوع بصلاة الجنازة يجزئه عن التطوع.
وعن أبي يوسف أيضًا في جنب وميت وعندهما من الماء ما يكفي لأحدهما الجنب أولى به يريد به إذا كان الماء مباحًا.
ومن هذا الجنس
عريان وميت ومعهما من الثوب ما يكفي لأحدهما إن كان الثوب ملكًا لأحدهما صرف إليه، وإن كان ملكًا للميت، والحي وارثه يكفن به الميت، ولا يلبسه الحي؛ لأن الكفن مقدم على الميراث.
ثلاثة نفر في السفر جنب وحائض طهرت من الحيض، وميت، ومعهم من الماء قدر ما يكفي لأحدهم، فإن كان الماء لأحدهم فهو أولى به، وإن الماء لهم لا يصرف إلى واحد منهم؛ لأن للآخرين فيه نصيبًا، وإن كان الماء مباحًا فالجنب أحق به، وتتيمم المرأة وييمم الميت أيضًا، وهذا؛ لأن غسل الجنب فريضة، ويمكنه الإمامة، وغسل الميت ليس بفريضة فييمم الميت، ويصلي الرجل، وتقتدي المرأة به بالتيمم؛ ولأن في
[ ٢ / ٢٠٥ ]
كون التيمم مزيلًا للجنابة خلاف. فإن عمر، وابن مسعود كانا لا يريان التيمم للجنب، فكان الصرف إلى الجنابة أولى، وكذا لو كان مكان الحائض محدثًا يصرف إلى الجنب للمعنى الثاني. والله أعلم.
وجد قتيل في دار الحرب مختونًا غير مقصوص شاربه لا يصلى عليه؛ لأن من الكفرة من يختتن، ولو وجد غير مختون، ولكنه مقصوص الشارب يصلى عليه إذ ليس منهم من يقص الشارب هكذا حكى فتوى شمس الأئمة الحلواني ﵀، ولم يجعل شمس الأئمة الختان علامة الإسلام، وهكذا كان يقول بعض المشايخ، وقد ذكرنا في «شرح الزيادات» أن الختان والخضاب ولبس السواد من علامات الإسلام.
وإذا وجد قتيل في دار الإسلام، وعليه زنار وفي حجره مصحف لا يصلى عليه؛ لأن المسلم في دار الإسلام لا يعقد الزنار أصلًا، أما الكافر في دار الإسلام قد يقرأ القرآن، فلو كان ذلك في دار الحرب يصلى عليه؛ لأن الكافر في دار الحرب لا يقرأ القرآن أما المسلم قد يعقد الزنار على نفسه في دار الحرب لمصلحة ترى في ذلك.g
في «متفرقات شمس الأئمة الحلواني» ﵀: من لا يجبر على نفقة الميت حال حياته كأولاد الأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات لا يجبر على الكفن بلا خلاف. ثوب الجنازة إذا تخرق ولم يبق صالحًا لما اتخذ له، فليس للولي أن يتصدق به، بل يبيعه ويصرف ثمنه في ثمن ثوب آخر، وينبغي أن يكون غاسل الميت على الطهارة، ويكره أن يكون جنبًا أو حائضًا، ولا بأس بجلوس الحائض والجنب عنده وقت الموت.