يجب أن يعلم بأن للشروع بالسفر أحكامًا من جملة ذلك قصر (٩٣أ١) الصلاة لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الاْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَفِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ (النساء: ١٠١) وجاء عن النبي ﷺ «أنه صلى ركعتين حين ذهب إلى مكة وبمكة، وقال لأهل مكة بعدما سلم على رأس الركعتين «يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر» والله أعلم، وهذا الفصل يشتمل على أنواع.
الأول في معرفة فرض المسافر
قال أصحابنا ﵏: فرض المسافر في كل صلاة رباعية ركعتان، وقال الشافعي ﵀ فرضه أربع وركعتان رخصة حتى أن عند علمائنا ﵏ إذا صلى المسافر أربعًا ولم يقعد على رأس الركعتين فسدت صلاته، لانشغاله بالنفل قبل إكمال الفرض، وإن كان قعد تمت صلاته وهو مسيء لخروجه عن الفرض ودخوله في النفل لا على وجه المسنون، حجة الشافعي في المسألة قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾ (النساء:١٠١)، وقاس الصلاة بالصوم، فإن السفر أثر في رخصة الإفطار في الصوم، لا في الإسقاط، فكذا في الصلاة.
حجة علمائنا ﵏ حديث عائشة ﵂: «فرضت الصلاة في الأصل ركعتين إلا المغرب، فإنها وتر ثم زيدت في الحضر وأقرت في السفر» وعن ابن عمر
[ ٢ / ٢١ ]
﵄ أنه قال: «صلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر» يتكلم على لسان ﵇؛ ولأن الشفع الثاني سقط عن المسافر لا إلى بدل، وعلامة الفرض الأداء أو القضاء به، فلأن الصوم ولا قصر، لأن القصر للتخفيف، فلا حاجة إليه في النوافل في ذوات الثلاث والمثنى؛ لأن شرطها ليس بصلاة ولا قصر في النوافل أيضًا؛ لأن له أن لا يفعلها وتكلموا في الأفضل في السفر، فقيل هو الترك ترخصًا، وقيل: هو الفعل معتزمًا، وكان الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀ يقول بالفعل في حالة النزول والترك في حالة السير.
نوع آخر في بيان مدة السفر الذي يتعلق به قصر الصلاة
قال علمائنا ﵏: أدناها مسيرة ثلاثة أيام ولياليها، والأصل في ذلك قوله ﵇: «يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» ذكر المسافر بلام التعريف فقد جوّز لكل مسافر مسح ثلاثة أيام ولياليها ولا يتصور أن يمسح كل مسافر ثلاثة أيام ولياليها إلا وأن تكون أقل مدة السفر ثلاثة أيام ولياليها.
والمعنى في ذلك: أن القصر في السفر لمكان الحرج والمشقة والحرج والمشقة في أن يحمل رحله من غير أهله، ويحط في غير أهله وذلك لا يتحقق فيما دون الثلاث، لأن في اليوم الأول يحمل من أهله وفي اليوم الثاني يحط في أهله، أما يتحقق في الثلاث؛ لأن في اليوم الثاني يحمل الرحل في غير أهله ويحط في غير أهله، فتحقق معنى الحرج، فلهذا قدر بثلاثة أيام ولياليها.
ثم وصف في «الكتاب»: السير فقال سير الإبل ومشي الأقدام وهو سير الوسط والعام الغالب، وهذا لأن أعجل السير سير البريد وأبطأه سير العجلة، وخير الأمور أوساطها ثم معنى قول علمائنا ﵏ أدنى مدة السفر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها السير الذي يكون في ثلاثة أيام ولياليها مع الاستراحات التي تكون في خلال ذلك، وهذا لأن المسافر لا يمكنه أن يمشي أبدًا بل يمشي في بعض الأوقات، وفي بعض الأوقات يستريح ويأكل ويشرب، وعن أبي حنيفة ﵀ أنه اعتبر ثلاث مراحل، فعلى قياس هذه الرواية من بخارى إلى أرمينة مدة سفر، وكذلك إلى فربر وبه أخذ بعض مشايخ بخارى ﵏.
وعن أبي يوسف ﵀ أنه قدره بيومين، والأكثر من اليوم الثالث مقام كله، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀، وابن سماعة عن محمد رحمة الله عليهما ثم على قياس هذه الرواية، إذا قدر بالمراحل عند أبي حنيفة يقدر بالمرحلتين والأكثر من
[ ٢ / ٢٢ ]
المرحلة الثالثة، وهو على قياس تقدير أقل مدة الحيض على قول أبي يوسف ولم يعتبر بعض مشايخنا الفراسخ، قالوا: لأن ذلك يختلف باختلاف الطرق في السهولة والصعوبة والجبال والبر والبحر.
وعامة مشايخنا قدروه بالفراسخ أيضًا، واختلفوا فيما بينهم، بعضهم قالوا: أحد وعشرين فرسخًا، وبعضهم قالوا: ثمانية عشر فرسخًا أدنى مدة السفر ثمانية عشر فرسخًا، وبعضهم قالوا: خمسة عشر، والفتوى على ثمانية عشر؛ لأنها أوسط الأعداد، وإن كان السفر سفر جبال، فعبارة بعض مشايخنا ﵏ أن التقدير فيه بمنزلة ثلاثة أيام ولياليها على حسب ما تبين بحال الجبل، وعبارة الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني رحمة الله عليه: أن التقدير فيه بالمراحل لا محالة يقدر ثلاثة مراحل مرحلة الجبل، لا مرحلة السهل.
وإن كان السفر سفر بحر فقد اختلف المشايخ فيه أيضًا، والمختار للفتوى أنه ينظر أن السفينة كم تسير ثلاثة أيام، ولياليها حال استواء الريح، فيجوز ذلك أصلًا ويقصر الصلاة إذا قصد مسيرة ثلاثة أيام ولياليها على هذه السفينة في البحر، فلو سار في الماء سيرًا سريعًا، ويكون ذلك على البرية ثلاثة أيام ولياليها، فقد ذكر الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه ، وهذا شيء يعرفه الملاحون، فيرجع في ذلك إلى قولهم، وقال أبو حنيفة ﵀: إذا خرج إلى مصر في طريق في ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل إليه في طريق آخر في يوم واحد قصر، وقال الشافعي إذا كان بغير عرض لم يقصر؛ لأن ما يكون بغير عرض لا يكون معتدًا به، فيكون وجوده وعدمه بمنزلة ولا هو له رخصة السفر، وأما بقول أن الحكم متعلق بالسفر دفعًا للحرج، فيتعلق بالسفر دون الغرض ثم سلوكه أحد الطريقين بغير عرض لا يكون أعلى من سفره بغير عرض، ولو سافر بغير عرض تعلق به رخصة السفر كذلك ها هنا.
وفي «نوادر بن سماعة»: في مصر له طريقان؛ وأحدهما: مسيرة يوم والآخر مسيرة ثلاثة أيام ولياليها إن أخذ في الطريق الذي مسيرة يوم لا يقصر الصلاة، وإن أخذ في الطريق الذي هو مسيرة ثلاثة أيام ولياليها قصر الصلاة، المسافر إذا بكر في اليوم الأول، ومشى إلى وقت الزوال حتى بلغ المرحلة، فينزل فيها للاستراحة وبات فيها ثم بكر في اليوم الثاني ومشى إلى ما بعد الزوال حتى بلغ المرحلة ونزل فيها للاستراحة وبات فيها ثم بكر في اليوم الثالث ومشى حتى بلغ إلى المقصد وقت الزوال هل يصير مسافرًا بهذا (٩٣ب١)، وهل يباح له القصر قال: بعضهم لا؛ لأنه لم يمش في بقية اليوم الثالث، فهذا أقل من ثلاثة أيام ولياليها.
قال شمس الأئمة الحلواني: الوجه الصحيح أن يصير مسافرًا، فهذه النية ويقصر الصلاة، لأن المسافر لا بد له من النزول لاستراحة نفسه أو لاستراحة دابته أما أشبهه،
[ ٢ / ٢٣ ]
وهل الشرط أن يذهب من الفجر إلى الفجر، لأن الأدميين يطيقون ذلك وكذلك الدابة بل إذا مشى في بعض النهار فذلك يكفي.
نوع آخر في بيان من يثبت القصر في حقه
قال علمائنا ﵏: القصر ثابت في حق كل مسافر سفر الطاعة وسفر المعصية في ذلك سواء، وقال الشافعي ﵀: سفر المعصية لا يعتد الرخصة، حجته أن الرخصة لها تثبت في حق المسافر نظرًا وتخفيفًا عليه، وهذا لا يليق بالمعصية.
ولنا قوله ﵇: «فرض المسافر ركعتان من غير قصر»، ولأن السفر له صار مرخصًا باعتبار مشقة تلحقه المشي بالأقدام، والغيبة عن الوطن ولا خطر في هذا، ولنا الخطر في مقصوده لا في عين السفر، فيبقى بعين السفر مرخصًا مبيحًا.
وعلى هذا الأصل المرأة إذا حجت من غير محرم، وكذا جواز الصلاة على الراحلة إذا خاف، وكذا جواز أكل الميتة من غير الضرورة، وكذا بجواز استكمال يده المسح على الخفين في السفر، فإن كان السفر معصية ويسوى في ذلك حال قصد الطاعة والمعصية، والمعنى في ذلك ما مر، أنه لا خطر في نفس السفر والقصر من كل مسافر يصلي وحده أو كان إمامًا أو مقتديًا بمسافر فأما إذا اقتدى بمقيم متابعة له وسيأتي بيان ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى.
نوع آخر في بيان المسافر متى يقصر الصلاة
فنقول القصر حكم ثبت في حق المسافر، فلا بد من بيان أن الشخص متى يصير مسافرًا بمجرد نية السفر، بل يشترط معه الخروج.
وفرق بين السفر والإقامة، فإن المسافر يصير مقيمًا بمجرد النية، إذا كان في موضع يصلح للإقامة، ولم يكن تابعًا لغيره لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
والفرق: أن في السفر الحاجة إلى العقل والفعل ولا يكفيه مجرد النية، أما في الإقامة الحاجة إلى ترك الفعل؛ لأن الأفضل الأصل وهو الإقامة ولهذا يبطل حكمه بالسفر، فيحتاج إلى ترك العارض ليظهر حكم الإقامة، وفي الترك يكفيه مجرد النية.
ونظير هذا: قال في كتاب الزكاة: من كان له عبد الخدمة فنوى أن يكون للتجارة حتى يبيعه وإن كان للتجارة فنوى أن يكون للخدمة خرج من التجارة بالنية، وما افترقا إلا من حيث إن في الفصل الأول الحاجة إلى الفعل وفي الفصل الثاني الحاجة إلى ترك الفعل.
قال محمد ﵀: ويقصر حين يخرج من مصره ويخلف دور المصر، وفي
[ ٢ / ٢٤ ]
موضع آخر يقول: ويقصر إذا جاوز عمرانات المصر قاصدًا مسيرة ثلاثة أيام ولياليها، وهذا لأنه ما دام في عمران المصر فهو لا يعد مسافرًا، والأصل في ذلك ما روي عن علي ﵁ أنه خرج من البصرة يريد السفر فحان وقت العصر فأتمها ثم نظر إلى خص أمامه، فقال: إنا لو كنا جاوزنا هذا الخص قصرنا، وهكذا إن كانت المحلة منفصلة من المصر وكانت قبل ذلك متصلة بالمصر فإنه لا يقصر حتى يجاوز تلك المتصلة ويخلف دورها لأن تلك المحلة من المصر بخلاف القرية؛ لأن تلك القرية لا تكون من المصر وربما تكون من القرى وربما يترادف القرى ويتعارف المصر إلى فرسخ أو فرسخين المصر، فلو نهى عن القصر حتى يجوز القرية التي..المصر لنهي عن القصر في هذه القرى أيضًا، وهذا بعيد فعرفنا أن الشرط أن يتخلف عن عمران المصر، وبنيانه لا غير.
ثم يعتبر الجانب الذي منه يخرج المسافر من البلدة، ولا تعتبر الجوانب الذي بحذاء البلدة حتى أنه إذا خلف البنيان الذي خرج منه قصر الصلاة، وإن كان بحذاءه بنيان أخرى من جانب آخر من المصر، وهذا كله بهذا الترتيب محفوظ عن محمد ﵀، ذكر الفقيه أبو جعفر ﵀ في غريب الرواية ذكر هذه الجملة شمس الأئمة الحلواني في شرح صلاته.
وذكر الصدر الشهيد عمي رحمة الله عليه في «واقعاته»: أن رجلًا خرج مسافرًا من بخارى، فلما بلغ أرض أزبكستان أو إلى رباط وليان اختلف المشايخ فيه، والمختار: أنه يقصر الصلاة؛ لأنه جاوز الربض ومتى جاوز الربض فقد جاوز عمران البلدة.
وعن الحسن ﵀ القرى، إذا كانت متصلة بالمصر في القرى إذا كانت متصلة بالرمض إلى ثلاث فراسخ قال: لا يقصر حتى يجاوز البيوت وإن كان ثلاث فراسخ وإن كان بين البلدة، والقرية مقدار لا يكون مجاوزًا وإن كان قدر مائة ذراع كان مجاوزًا، ومن مشايخنا من اعتبر مجاوزة فناء المصر إن كان بين المار وبين فنائه أقل من قدر غلوة ولم يكن بينهما مزرعة، وإن كان بينهما مزرعة أو كانت المسافة بين المصر وفنائه قدر غلوة، ولا يعتبر مجاوزة الفناء، وهذا القائل يقول: إذا كانت القرى متصلة بفناء المصر لا بربض المصر يعتبر مجاوزة الفناء لا غير، بخلاف ما إذا كانت القرى متصلة بربض المصر حتى تعتبر مجاوزة القرى، والصحيح ما ذكرنا أنه يعتبر مجاوزة عمران المصر إلا إذا كان ثمة قرية أو قرى متصلة بربض المصر، فحينئذٍ يعتبر مجاوزة القرى.
[ ٢ / ٢٥ ]
نوع آخر في بيان مدة الإقامة
ولا بد من معرفتها؛ السفر يبطل بالإقامة فنقول أدنى مدة السفر الإقامة عندنا خمسة عشر يومًا، وقال الشافعي ﵀ أربعة أيام حتى لو نوى الإقامة أربعة أيام يتم الصلاة عنده.
وعندنا ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا لا يتم الصلاة.
حجة الشافعي: ما روي عن عثمان ﵁: أنه كان يقول: من أقام أربعًا صلى أربعًا، وفي رواية أخرى إذا نوى أن يقيم أربعة أيام صار مقيمًا.
حجتنا: حديث جابر ﵁ «أن النبي ﵇ دخل مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة وخرج منها في اليوم الثامن من ذي الحجة، وكان يقصر الصلاة حتى قال بعرفات: «أتموا صلاتكم يا أهل مكة، فإنا قوم سفر» فعلم أنه لا يصير مقيمًا بأربعة أيام، ولأن المسافر لا يجد بدًا من المقام في المثال أيامًا إما لاستراحته وأما لاستراحة دابته أو لطلب الرفقة، وربما تعبت دابته عقر ويحتاج إلى معالجتها أو أخرى ولا يتم ذلك بأربعة أيام، فيحتاج إلى الزيادة عليها.
فقدرنا ذلك بخمسة عشر يومًا، لأن مدة الإقامة في معنى مدة الطهر (٩٤أ١) بأنها تعيد ما كان سقط من الصوم والصلاة ثم أقل مدة الطهر مقدر بخمسة عشر يومًا بأقل مدة الإقامة، يجب أن يقدر بها الأولى، أما قدر أدنى مدة السفر بثلاثة أيام ولياليها اعتبارًا بأدنى مدة الحيض من حيث أن مدة السفر نظير مدة الحيض، فإنه تسقط بهما الصلاة والصوم ولو أنه أقام في موضع أيامًا ولم ينو الإقامة لا يصير مقيمًا عندنا وإن طال إقامته والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «أقام رسول الله ﵇ بحنين أربعين يومًا وكان يصلي ركعتين»، وروي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه أقام بقرية من قرى ، وكان يقصر الصلاة وعن عمر ﵁: أنه أقام بأذربيجان ستة أشهر، وكان يصلي ركعتين وعن علي ﵁: أنه أقام بخوارزم سنتين، وكان يصلي ركعتين، والمعنى في هذه المسألة وهو أن الإقامة ضد السفر، ثم أجمعنا أن المقيم لا يصير مسافرًا إلا بالنية، وإن وجد منه حقيقة السفر وهو السير، فإنه إذا كان يسير مرحلة جميع الدنيا ولا ينوي سفرًا لا يصير مسافرًا، فكذا لا يصير مقيمًا، وإن وجد منه حقيقة الإقامة ما لم ينو الإقامة، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٦ ]
نوع آخر في بيان المواضع التي تصح نية الإقامة فيها والتي لا تصح نية الإقامة فيها
فنقول إنما تصح نية الإقامة إذا كان الإقامة إذا كان الموضع الذي نوى الإقامة فيه محل للإقامة حتى أن أهل العسكر إذا نووا الإقامة في دار الحرب خمسة عشر يومًا أو أكثر، وهم يحاصرون أهل المدينة لا تصح منهم والأصل في ذلك ما روي «أن النبي ﵇ حاصر أهل الطائف سبعة عشر يومًا، وكان يقصر الصلاة» وعن ابن عباس ﵄ أن رجلًا سأله وقال إنا نطيل.f
.. المقام في أرض الحرب، فقال: «صل ركعتين حتى ترجع إلى أهلك»؛ ولأن دار الحرب ليس موضع الإقامة في حق المحاربين من المسلمين لأن الغلبة فيها لأهل الحرب والظاهر أنهم يقاتلون المسلمين والمسلمون لا يقاومونهم لقلتهم فينوون نية الإقامة لا يصار محلها، ولا تصح كما لو نوى السفر في غير موضع السفر، وكذلك إذا نزلوا المدينة، وحاصروا أهلها في الحصن لا تصح منهم الإقامة؛ لأنه لا قرار لهم ما داموا محاصرين، وكانت نية الإقامة في غير موضعها، وكذا أهل البغي إذا ابتغوا في دار البغي، فحاصرناهم لا تصح فيه الإقامة، لأن دارهم ليس موضع لنا فيها كدار الحرب.
وقال أبو يوسف ﵀ في «الإملاء»: إذا كان العسكر استولوا على الكفار بذلوا إنسانيتهم وأرواحهم وركبانهم وللمسلمين منعة وشوكة فأجمعوا على الإقامة خمسة عشر يومًا أكملوا الصلاة، وإذا كانوا في عسكر في الأخبية والفساطيط في سفر فأجمعوا على الإقامة خمسة عشر يومًا صلوا ركعتين.
وفرق بين الأبنية وبين الأخبية والفرق: أن البناء موضع الإقامة والطرء دون الصحراء، وإن حاصروا أهل أخبية وفساطيط لم يصيروا مقيمين سواء نزلوا بساحتهم، أو في أخبيتهم وخيامهم فنووا الإقامة فيها بالإجماع؛ لأن هذا لا يعد إقامة، ألا ترى أنهم يحملونها على الدواب حيث ما قصدوا واستخفونها يوم ظعنهم ويوم إقامتهم، وإذا هي حمولة وليس بمنازل.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀ وهكذا عسكر المسلمين إذا قصدوا موضعًا، ومعهم أخبيتهم وخيامهم وفساطيطهم، فنزلوا مفازة في الطريق ونصبوا الأخبية والفساطيط وعزموا فيها على إقامة خمسة عشر يومًا لم يصيروا مقيمين لما بينا، أنها حمولة وليست بمساكن.
واختلف المتأخرون في الذين يسكنون في الخيام والأخبية والفساطيط كالأعراب الذين في زماننا منهم من يقول: لا يكونوا مقيمين؛ لأنهم ليسوا في
[ ٢ / ٢٧ ]
موضع الإقامة، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: والصحيح أنهم مقيمون؛ لأن الإقامة للمراصد والسفر عارض وهم لا ينوون السفر وإنما ينتقلون من ماء إلى ماء ومن مرعى إلى مرعى، فكانوا مقيمين باعتبار الأصل.
وروي عن أبي يوسف رحمة الله عليه: في الرعاة إذا كانوا يطوفون في المفاوز وينتقلون من كلأ إلى كلأ ومعهم أثقالهم وخيامهم إنهم مسافرون حيث نزلوا أو طافوا إلا في خصلة واحدة، وهي إذا نزلوا في مرعى كثيرًا بكلأ والماء وأعدوا الخيام ونصبوا وعزموا على إقامة خمسة عشر يومًا، وكان الكلأ والماء يكفيهم، فإني استحسن أن أجعلهم مقيمين وآمرهم بالإكمال.
وذكر في «المنتقى»: عن الحسن بن أبي مالك عن أبي حنيفة ﵏ في الأعراب إذا نزلوا بخيامهم في موضع التمسوا فيه المرعى، ونووا أن يقيموا شهرًا أو أكثر للرعي ما يتموا الصلاة لأنه ليس بموضع قيام لهم، قال: وهو قول أبي حنيفة ﵀ يقول: يتمون الصلاة.
وفيه أيضًا: عن أبي حنيفة ﵀ إذا نوى المسافر الإقامة عند أهل ولم يكن ثم بيت، فليس بمقيم، وقال أبو يوسف: يتم الصلاة إذا كان ثمَّ قوم مستوطنون يسكنون بيوت الشهور، وإن نوى المسافر الإقامة في موطنين خمسة عشر يومًا نحو مكة ومنى أو الكوفة والحيرة لم يصر مقيمًا، لأن نية الإقامة لهما تكون في موضع واحد، فإن الإقامة ضد السفر وهو ضرب في الأرض فلا يكون إقامة، وهذا إذ انوى الإقامة في موضعين فأما إذا عزم على أن يقيم في الليالي بأحد الموضعين، ويخرج في النهار إلى موضع آخر فإذا دخل أولًا الموضع الذي عزم الإقامة فيه بالنهار لا يصير مقيمًا، وإن دخل أولًا الموضع الذي عزم فيه الإقامة بالليالي يصير مقيمًا، ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرًا لأن موضع إقامة الرجل حيث يبيت فيه.
ألا ترى أنك إذا قلت للسوقي: أين تسكن؟ يقول: في محلة كذا، وإن علم أن يكون في السوق في النهار وكان هو الأصل يوجب اعتباره.
ومما يتصل بهذا النوع
الأسرى من المسلمين، إذا كانوا في دار أهل الحرب فانفلت منهم، وهو مسافر فوطن نفسه على إقامة خمسة عشر يومًا في بخارى، وغيره قصر الصلاة؛ لأنه محارب لهم فلا تكون دار الحرب موضع الإقامة له، وكذلك إذا أسلم الرجل من أهل الحرب في دارهم فعلموا بإسلامه وطلبوه ليقتلوه، فخرج هاربًا يريد مسيرة ثلاثة أيام، فهو مسافر، إن أقام في موضع مختفيًا (٩٤ب١) شهرًا منهم، أو أكثر لأنه صار محاربًا لهم حتى طلبوه ليقتلوه وكذلك المستأمن إذا غدروا به وطلبوه ليقتلوه؛ لأنه صار محاربًا لهم، وإن كان من هو لا مقيمًا علانية في دار الحرب، فلما طلبوه ليقتلوه اختفى فيها،
[ ٢ / ٢٨ ]
فإنه يتم الصلاة لأنه كان مقيمًا بهذه البلدة، فلا يصير مسافرًا إن لم يخرج.
وكذلك إن أخرج منها مسيرة يوم أو يومين لأن المقيم لا يصير مسافرًا بنية الخروج إلى ما دون مسيرة السفر، وكذلك لو أن أهل مدينة من أهل الحرب أسلموا فقاتلهم أهل الحرب وهم مقيمون في مدينتهم، فإنهم يتمون الصلاة.
وكذلك إن غلبهم أهل الحرب على مدينتهم فخرجوا منها يريدون مسيرة يوم، فإنهم يتمون الصلاة وإن خرجوا يريدون مسيرة ثلاثة أيام قصروا الصلاة، فإن عادوا إلى مدينتهم ولم يكن المشركون عرضوا لها يعني لمدينتهم أتموا فيها الصلاة؛ لأن مدينتهم كانت دار السلام حتى أسلموا فيها فكان موضع إقامة لهم، فما لم يعرض لها المشركون فهي وطن أصلي في حقهم فيتمون الصلاة إذا وصلوا إليها.
وإن كان المشركون غلبوا على مدينتهم فيها ثم إن المسلمين رجعوا إليها وتخلى المشركون عنها، فإن كانوا اتخذوها دارًا ومنزلًا لا يبرحونها فصارت دار السلم يتمون فيها الصلاة؛ لأنها صارت في حكم دار الحرب حتى غلب المشركون عليها فحين ظهر المسلمون عليها، وعزموا على المقام فيها فقد صارت دار السلم ونية المسلم للإقامة في دار السلم صحيحة، وإن كانوا لا يريدون أن يتخذوها دارًا، ولكن يتمون فيها شهرًا ثم يخرجون إلى دار الإسلام يقصرون الصلاة فيها؛ لأن هذا الموضع مرحلة دار الحرب وهم محاربون، فلا يصيروا مقيمين بنية الإقامة فيها.
وكذلك عسكر من المسلمين دخلوا دار الحرب فغلبوا على مدينة فإن اتخذوها دارًا، فقد صارت دار السلم يتمون بها الصلاة، وإن لم يتخذوها دارًا ولكن أرادوا الإقامة بها شهرًا أو أكثر، فإنهم يقصرون الصلاة؛ لأنها دار الحرب وهم محاربون فيها هذه الجملة من «السير» عن أبي يوسف، فيما إذا غلب المسلمون على مدينة في أهل الحرب وقد ذكرنا في أول هذا النوع بخلاف ما ذكرنا في «السير» .
نوع آخر في بيان من لا يصير مقيمًا بنية إقامته ويصير مقيمًا بنية إقامة غيره
الأصل في هذا أن من يمكنه الإقامة باختياره يصير مقيمًا بنية نفسه ومن لا يمكنه الإقامة باختياره لا يصير مقيمًا بنية نفسه، حتى أن المرأة إذا كانت مع زوجها في السفر والرقيق مع مولاه والتلميذ مع أستاذه الأجير مع مستأجره، والجندي مع أميره فهم لا يصيرون مقيمين بنية أنفسهم في «ظاهر الرواية» .
وذكر هشام في «نوادره» عن محمد في الرجل يخرج مع قائده، ونوى الرجل المقام ولم ينو قائده قال هذا مقيم ويصير العبد مقيمًا بنية المولى، لأنه تبع له والحكم في التبع ثبت بشرط الأصل وكذلك كل من كان تبعًا، كالجندي مع الأمير، ومن أشبهه ممن تقدم ذكره إلا المرأة فإن فيها اختلافًا فإن من أصحابنا من قال: إن المرأة إذا استوفت صداقها فهي بمنزلة العبد تصير مقيمة بإقامة الزوج؛ لأنه ليس لها حق حبس النفس كما في العبد،
[ ٢ / ٢٩ ]
وإن لم تستوف الصداق، لكن سلمت نفسها إلى الزوج ودخل بالمرأة إذا سافرت مع زوجها بها، فعلى الخلاف المعروف عند أبي حنيفة ﵀ لها حق حبس نفسها، وعندها ليس لها حق حبس نفسها، وقيل لا خلاف في هذا الفصل؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀، وإن كان لها حق حبس نفسها ولكن ما لم تحبس نفسها كان تبعًا للزوج، ولم يذكر مثل هذا الاختلاف، فيما إذا نوت المرأة الإقامة بنفسها، ولا فرق بين الصورتين فيجوز أن تكون نية المرأة. على هذا الاختلاف أيضًا.
ذكر الحاكم في «المنتقى»: رجل حمل رجلًا وذهب ولا يدري أين ذهب به قال: يتم الصلاة حتى يسير ثلاثًا، فإذا سار ثلاثًا قصر، وإن علم أن الباقي بعدها يسير، ولو كان صلى ركعتين من جنس حملة أجرته، فإن سار به لعل من ثبت أعاد ما صلى.
ذكر هو ﵀ في «المنتقى» أيضًا: ولو أن واليًا خرج من كورة إلى كورة، ومعه جنده وهم ينوون الإقامة بإقامته، والسفر بسفره، فقدم ذلك الوالي مصرًا دون المصر الذي كان أراده، ونوى الإقامة ولم يدر به بعض من معه من جنده حتى صلوا صلاة سفر ثم علموا، قال: يعيدو صلاتهم.
وفي «نوادر هشام» قال سمعت محمدًا: في رجلين مسافرين لأحدهما دين على الآخر حبس رب الدين المديون بدينه في السجن: قال إن كان المحبوس يقدر على الأداء، فالنية نيته في المقام والسفر ويعص ما لم ينو الإقامة، وإن كان لا يقدر على الأداء، فالنية نية الحابس إن نوى أن لا يخرجه خمسة عشر يومًا، فعلى المحبوس أن يتم الصلاة وليس على الحابس أن يتم الصلاة، وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف في المسافر إذا حبس بالدين وهو معسر، فإنه يتم الصلاة وكذلك إذا كان موسرًا إلا أن يكون قد وطن نفسه على أدائه، فيقصر والله أعلم.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: مسافر دخل مصرًا وأخذه غريمه وحبسه، فإن كان معسرًا صلى صلاة المسافرين؛ لأنه لا يقوم على الإقامة؛ إذ لا يحل للطالب حبسه في هذه الصورة، وإن كان موسرًا لا يقضي دينه أبدًا صلى صلاة المقيمين؛ لأنه عزم على الإقامة أبدًا؛ لأنه يحل للطالب حبسه في هذه الصورة أبدًا، وإن لم يعتقد ولم ينو أن لا يقضي دينه أبدًا، لكن نوى أن لا يقضي دينه مدة غير معينة صلى صلاة المسافرين؛ لأنه وإن عزم على الإقامة ولكن مدة مجهولة.
وقد قال مشايخنا: إن الحجاج إذا وصلوا بغداد شهر رمضان ولم ينووا الإقامة صلوا صلاة المقيمين؛ لأن من عزمهم أن لا يحرموا إلا مع القافلة، ومن هذا الوقت إلى وقت خروج القافلة أكثر من خمسة عشر يومًا، فكأنهم نووا الإقامة خمسة عشر يومًا فتلزمهم صلاة المقيمين.
قال في «السير الكبير»: والأسرى من المسلمين في أيدي أهل الحرب هم له
[ ٢ / ٣٠ ]
قاهرون إن أقاموا به في موضع يريدون أن يقيموا به خمسة عشر يومًا فعليه أن يكمل الصلاة وإن كان الأسير لا يريد (٩٥أ١) أن يقيم معهم، وإن كان الأسير يريد أن يقيم في موضع خمسة عشر يومًا وأخرجوه من ذلك الموضع يريدون مسيرة ثلاثة أيام قصر الصلاة لأن الأسير مقهور مغلوب في أيديهم، وكان سفره وإقامته بهم، كالعبد مع مولاه والقائد مع الأعمى والتلميذ مع الأستاذ.
وكذلك الرجل يبعث إليه الخليفة، فيؤتى به من بلد إلى بلد كان نية الإقامة، والسفر إلى الشخص لا إليه؛ لأنه مقهور من هذا الشخص، فصار كالأسير بيد الكفار وإذا كان العبد بين موليين في السفر، فنوى أحد الموليين الإقامة دون الآخر، فإن كان مقيمًا مهايأة في الخدمة، وإذا خدم المولى الذي لم ينو الإقامة يصلي صلاة السفر.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: مسلم أسره العدو وأدخله دار الحرب ينظر إن كان مسيرة العدو ثلاثة أيام، صلى صلاة المسافرين وإن كان دون ذلك صلى صلاة المقيمين، وإن كان لا يعلم بذلك سأل عنهم، فإن سأل عنهم ولم يخبره بنى الأمر على ما كان هو في الأصل، وإن كان مسافرًا صلى صلاة المسافرين، وإن كان مقيمًا صلى صلاة المقيمين لأنه لم يعلم وجود الغير.
وكذلك العبد يخرج مع مولاه إلى وضع، فسأله فإن لم يخبره صلى صلاة المقيمين، وإن صلى أربعًا أربعًا ولم يقعد على رأس الركعتين فلما سار أيامًا أخبره مولاه أنه كان قصد مسيرة سفر يعيد الصلاة؛ لأنه صار مسافرًا من ذلك الوقت، وقيل: لا يعيد الصلوات ولا تظهر نية المولى في مقر العبد، وستأتي هذه المسألة بعد هذا.
وعلى هذا لو نوى المولى الإقامة ولم يعلم أن العبد بذلك حتى صلى أيامًا ركعتين ثم أخبره المولى كان عليه إعادة تلك الصلوات.
وكذلك المرأة إذا أخبرها زوجها بنية الإقامة منذ أيام وقد كانت هي صلت ركعتين لزمها إعادة الصلوات في ظاهر الرواية عن أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله.
العبد إذا أم مولاه في السفر، فنوى المولى الإقامة صحت بنية حتى إذا سلم العبد على رأس الركعتين كانت عليهما إعادة تلك الصلاة، وكذلك العبد إذا كان مع المولى في السفر فباعه مقيمًا والعبد كان في الصلاة ينقلب فرضه أربعًا حتى إذا سلم على رأس الركعتين كان عليه الإعادة؛ لأنه سلام عمد، وقد صار العبد مقيمًا تبعًا للمشتري.
إذا أم العبد مولاه، ومعهما جماعة من المسافرين، فلما صلى ركعة نوى المولى الإقامة صحت نيته في حقه، وفي حق عبده، ولا تظهر في حق القوم في قول محمد ﵀، فصلى العبد ركعتين ويقدر واحدًا من المسافرين ليسلم بالقوم ثم يقوم المولى والعبد، ويتم كل واحد منهما صلاته أربعًا.
وهو نظير ما لو صلى مسافر بجماعة مقيمين ومسافرين، فلما صلى ركعة أحدث
[ ٢ / ٣١ ]
الإمام وقدّم مقيمًا، فإنه لا ينقلب فرض القوم أربعًا، فكذلك ههنا، ثم بماذا يعلم العبد أن المولى نوى الإقامة، قال بعضهم: يقوم المولى بأن العبد ينصب أصبعه أولًا، ويشير بأصبعه ثم ينصب أربعة أصابع، ويشير بأصابعه الأربع.
الأكابر المسافر إذا سلم ونيته، وبين مقصده أقل من ثلاثة أيام كان حكم المقيم، وكذا الصبي إذا كان في السفر مع أبيه ثم بلغ الصبي وبينه وبين وطنه أقل من ثلاثة أيام كان مقيمًا، هكذا قاله الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀، وقال غيره من المشايخ إذا بلغ الصبي يصلي أربعًا وإذا أسلم الكافر يصلي ركعتين، وهو اختيار الصدر الشهيد ﵁؛ لأن نية السفر من الكافر قد صحت، لكونه من أهل النية، فصار مسافرًا من ذلك الوقت ونية الصبي لم تصح، لأنه ليس من أهل النية ومن الموضع الذي بلغ فيه إلى المقصد أقل من مسيرة سفر، فلهذا يصلي أربعًا، وقال بعضهم يصليان ركعتين.
وفي «متفرقات» الفقيه أبي جعفر: أنهما يصليان أربعًا، فأما المسلم المسافر إذا ارتد والعياذ بالله، ثم أسلم من ساعته وبين وطنه وبينه أقل من ثلاثة أيام يبقى مسافرًا، كمسلم تيمم ثم ارتد، والعياذ بكرم الله ثم أسلم لا يبطل تيممه، فكذا لا يبطل سفره والله أعلم.
نوع آخرمسائله قريبة من مسائل هذا النوع
قال محمد رحمة الله عليه في «السير الكبير»: إذا كان للمسلمين مدينتان بينهما مسيرة يوم واحد وإحداهما أقرب إلى أرض الحرب من الأخرى، فيكتب والي المدينة القريبة إلى والي المدينة البعيدة إن الخليفة، كتب إليّ يأمرني بالغزو إلى أرض الحرب، فأعلم من بذلك، فليقدموا إلي فإني شاخص من مدينتي يوم كذا وكذا، فخرج القوم من المدينة البعيدة يريدون الغزو معه ولا يدرون أين يريد من أرض الحرب، فإن كان بين المدينة القريبة وبين أرض الحرب مسيرة يومين فصاعدًا، فإن الذين خرجوا من المدينة البعيدة يقصرون الصلاة حين يخرجون من مدينتهم، وإن كان أقل من مسيرة يومين، فإنهم قصدوا مسيرة ثلاثة أيام وفي الوجه الثاني يقصرون الصلاة؛ لأن في الوجه الأول قصدوا مسيرة أقل من ثلاثة أيام.
فإن قيل: هذا اختيار أول أرض الحرب ويجوز أن يجاوز، ويجوز أن لا يجاوز، فيثبت من المدينة القريبة أول أرض الحرب قدر مسيرة يومين أو ثلاثة أيام أو زيادة على ذلك.
قلنا: قصد الوالي إلى أرض الحرب ليس معلوم يجوز أن يجاوز، ويجوز أن لا يجاوز فيثبت من أهل المدينة البعيدة قصد مجاوزة أول أرض الحرب على أحد الاعتبارين، فكانوا قاصدين مسيرة السفر من وجه دون وجه، فلا يثبت قصد مسيرة السفر بالشك وبدونه لا يثبت إباحة القصر.
[ ٢ / ٣٢ ]
فلو أن الوالي حين كتب إليهم أخبرهم أين يريد من دار الحرب أو أخبرهم كم يريدون من المسير، وكان ذلك مسيرة يومين من المدينة القريبة فإن أهل المدينة البعيدة يقصرون الصلاة كما خرجوا من مدينتهم، لأنهم خرجوا قاصدين مسيرة سفر.
فإن قدموا على والي المدينة القريبة، فلم يخرج أيامًا فإن أهل المدينة البعيدة يقصرون الصلاة، ما لم يعزموا على الإقامة بالمدينة القريبة خمسة عشر يومًا، فصاعدًا، فلو أن أهل المدينة القريبة خرجوا من بلدتهم وعسكروا خارجًا منها ينتظرون خروج الوالي، فقد قصدوا مسيرة ثلاثة أيام (٩٥ب١)، فمن كان منهم لم يعزم على الرجعة إلى وطنه حتى يخرج الوالي، فإنهم يقصروا الصلاة، وإن أقام في ذلك المكان شهرًا، لا يهم بالخروج صاروا مسافرين.
والمسافر يقصر الصلاة وإن كثر مقامه في موضع ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا في موضع يصلح للإقامة، ومن عزم منهم على الرجعة إلى منزله قبل أن يمضي ليقضي فيه ساعة من نهار ثم يرجع إلى عسكره، فإنه يتم الصلاة ما دام في العسكر، وفي منزله حتى يخرج من المدينة راجعًا إلى العسكر؛ لأنه نوى رفض السفر قبل استحكامه، فكما نوى يصير مقيمًا.
فلو أن أهل المدينة البعيدة حين خرجوا من مدينتهم قصروا الصلاة، ومن المدينة القريبة إلى المقصد مسيرة يومين فلما انتهوا إلى المدينة القريبة قال لهم الوالي: إن الخليفة كتب إليّ أن لا أغزو أقعد أن يخرح قبل أن يخرجوا من مدينة، فإن الصلاة التي قصروها أي: إن انتهوا إلى المدينة القريبة تامة، وكذلك الصلاة التي بالمدينة القريبة تامة ما لم يسمعوا بهذا الخبر، فإذا سمعوا بهذا الخبر فعليهم أن يتموا الصلاة.
واختلفت عبارة المشايخ في تخريج هذه المسألة بعضهم، قالوا: لأن أهل المدينة البعيدة، فيخرجوا من مدينتهم وهم ليسوا تحت ولائه والي المدينة القريبة في أيدي أنفسهم، وفي تدبيرهم، فتعتبر نياتهم وقد نووا الخروج مدة السفر فصاروا مسافرين بمجرد الخروج فقد قصروا صلاتهم وهم مسافرون، فصح القصر ما داموا على سفرهم فإذا وصلوا إلى المدينة القريبة، فقد صاروا تحت سفرهم، وتوقف على سماعهم الخبر فإذا سمعوا ظهر الإتمام في حقهم، فيتمون الصلاة بعد سماع الخبر.
وذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده رحمة الله عليه: أن ما ذكر محمد ﵀ في هذه المسألة أن الصلاة التي قصروها أهل المدينة البعيدة في الطريق وبعدما انتهوا إلى المدينة القريبة ما لم يسمعوا بهذا الخبر الصحيح فيما إذا كان أهل المدينة البعيدة متطوعين في الغزوتان خيرهم والي المدينة القريبة بين الغزو والسفر وتركه؛ لأنهم إذا كانوا متطوعين في الغزو لم يكونوا تابعين لوالي المدينة القريبة، وقد نووا مسيرة السفر على النيات، فصاروا مسافرين والمسافر يقصر الصلاة ما لم يعزم على ترك السفر، فجاز
[ ٢ / ٣٣ ]
قصرهم، وما ذكر أنهم إذا سمعوا هذا الخبر يتمون الصلاة فهذا الجواب لا يصح في حقهم، إلا إذا كان تأويله أنهم عزموا على ترك السفر حين سمعوا هذا الخبر لما ذكرنا أن العبرة لنياتهم متى كانوا متطوعين في الغزو لا لنية الوالي.
فأما إذا كانوا مجبورين على السفر، فما ذكر في الجواب قبل سماع الخبر أن الصلاة التي قصروها تامة لا يصح في حقهم؛ لأنهم لو كانوا مجبورين على السفر كانوا تابعين للوالي والعبرة بحال الأصل، لا بحال التبع، فإذا لم يصر الأصل مسافرًا كيف يصير التبع مسافرًا.
وصار كالعبد والمرأة إذا أرادا السفر مع المولى والزوج ثم بدا للزوج والمولى، وقد قصر العبد والمرأة، فإنه لا تجزئهما صلاتهما لأنهما تابعين والعبرة لحال الأصل كذا ههنا، وما ذكر أنهم إذا سمعوا الخبر يتمون الصلاة صحيح في حقهم؛ لأن العبرة في حقهم بحال الوالي ولم يصر الوالي مسافرًا، وإن سمع هذا الخبر بعضهم ولم يسمع البعض، فعلى من سمع أن يتم صلاته، ومن لم يسمع يقصر الصلاة، لأن ما بني على السماع لا يثبت حكمه في حق المخاطب قبل السماع.
قال: ولو أن والي المدينة القريبة كتب إلى أهل المدينة البعيدة من أراد منكم الغزو، فليوافني عند أول دار الحرب في موضع كذا وكذا في دار الحرب، ولم يخبرهم أين يريد وذلك المكان مسيرة يومين من المدينة البعيدة، فخرج أهل المدينة البعيدة من مدينتهم إلى المكان الذي أمرهم الوالي بالموافاة فيه أقل من مدة سفر والوالي لما لم يخبرهم أين يريد، ويحتمل أن لا يجاوز ذلك المكان بل يجعله مسلمة وثغرًا لم يثبت قصدهم مسيرة السفر بالشك.p
ولهذا قال: يتمون الصلاة، قال قاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي رحمة الله عليه: وهذه مسألة تصير رواية في مسألة، لا ذكر لها في «المبسوط» أن العبد إذا كان ينقله المولى من بلده ولا يعلم العبد أن المولى أين يريد ولا يخبره المولى بذلك أنه يكون على نية نفسه لا على نية مولاه حتى لو خرج من المولى، ونوى السفر على ظن أن مولاه على نية السفر يقصر الصلاة، ولم يكن من نية المولى السفر فإن صلاته جائزة.
وكذا الزوج مع الزوجة وعلى قياس ما ذكر شيخ الإسلام، قيل: هذا في العبد والزوجة، ينبغي أن لا تجوز الصلاة للعبد والمرأة في هذه الصورة؛ لأنهما تابعان والعبرة بحال الأصل، وعلى ما ذكر شيخ الإسلام قبل هذا لا تصير هذه المسألة رواية في مسألة العبد؛ لأن أهل المدينة البعيدة في هذه الصورة، متطوعين في الغزو؛ لأن الوالي ما أمرهم بذلك بل فوض إليهم حيث كتب من أراد منكم الغزو، وإذا كانوا متطوعين لا يكونون تبعًا للوالي، فتكون العبرة لنيتهم بخلاف العبد والمرأة؛ لأنهما تبع للزوج والمولى، فكانت العبرة لنية الزوج والمولى؛ فإن انتهوا إلى ذلك المكان، فأخبرهم الوالي أنه يريد مسيرة شهر في دار الحرب، فإنهم يتمون الصلاة في ذلك المكان ما لم يرتحلوا؛ لأنهم نزلوا مقيمين في هذا المكان ومن كان مقيمًا في مكان لا يصير مسافرًا بمجرد النية ما لم يخرج، فإن قصروا صلاة من صلاتهم في ذلك المكان أعادوها، فإن لم
[ ٢ / ٣٤ ]
يعيدوها حتى مضى الوقت وهم في ذلك المكان بعد أعادوها قضاء، وهذا ظاهر؛ لأنهم يقصرون صلاة فاتتهم في حالة الإقامة وهم مقيمون وقت القضاء.
وإن ارتحلوا عن ذلك المكان قبل أن يعيدوها يريدون السفر ثم أرادوا إعادتها، وهم في وقت الصلاة بعد أعادوها ركعتين؛ لأن المؤداة وقعت فاسدة، فكأنهم لم يصلوها حتى ارتحلوا عن مكانهم فأرادوا أن يصلوها وهم في وقت الصلاة بعد صلوا ركعتين؛ لأن العبرة لآخر الوقت وهم مسافرون في آخر الوقت، وإن أرادوا إعادتها بعد خروج الوقت أعادوها أربعًا؛ لأنهم يقضون صلاة فائتة في حالة الإقامة.
قال: ومن دخل دار الحرب بأمان وهو كأنه في دار السلام، إن نوى بموضع منها (٩٦أ١) أن يقيم خمسة عشر يومًا أتم الصلاة؛ لأن أهل الحرب لا يتعرضون له متى دخل بأمان، فصار دار الحرب بعد الأمان، ودار الإسلام سواء، ومن أسلم منهم في دار الحرب، فلم يأسروه بل تركوه على حاله، أو لم يعلموا بإسلامه فهو في صلاته بمنزلة المسلم في دار الإسلام يتم صلاته إذا كان في منزله، فإن خرج من منزله قاصدًا مسيرة السفر قصر الصلاة.
نوع آخر في بيان ما يصير المسافر به مقيمًا بدون نية الإقامة
المسافر إذا خرج من مصره مسافرًا ثم بدا له أن يعود إلى مصره لحاجة وذلك قبل أن يسير مسيرة ثلاثة أيام صلى صلاة المقيمين في مكانه ذلك، وفي انصرافه إلى المصر؛ لأنه فسخ عزيمة السفر بعزم الرجوع إلى وطنه قبل استحكام السفر وتأكده، فانفسخ من ساعته وبينه وبين المقصد أقل من ثلاثة أيام، فيصلي صلاة المقيمين في انصرافه بهذا، ولو كان قد سار مسيرة ثلاثة أيام ثم بدا له أن يعود إلى مصره صلى صلاة المسافرين؛ لأن حكم السفر قد تأتى، وتأكد باستكمال مدته فيبقى حكمه إلى أن ينعدم بالإقامة.
وكذلك لو خرج من مصره مسافرًا ثم أحدث وانصرف ليأتي مصره، ويتوضأ وكان ذلك قبل أن يسير ثلاثة أيام ثم علم أن معه ماء، فإنه يتوضأ ويصلي صلاة المقيمين، وكذلك لو انصرف وذهب مكانًا، فوجد الماء خارج المصر يتوضأ، فإنه يصلي صلاة المقيمين لأنه فسخ عزيمة السفر قبل استحكامه على ما مر.
وكذلك إذا دخل وطنه الأصلي أو مصرًا صار وطنًا له بأن كان اتخذ فيه أهلًا صار مقيمًا، وإن لم ينو مصر غيره لا في مصر نفسه؛ لأن مكثه ومقامه في مصر غيره متردد بين أن يكون لإمكان السير وبين أن يكون للمقام فيه، فإن كان لإمكان السير فهو من السفر وإن كان لإمكان المقام فيه، فهو من الأهلية، فاحتيج إلى النية لتعيين المكث، للإقامة لا لإمكان السير أما مكثه في مصره يتعين للإقامة؛ لأن قبل السير كان يمكث للإقامة وعنه هذا المقام يحتاج إلى بيان الأوطان.
فنقول عبارة عامة المشايخ في ذلك: أن الأوطان ثلاثة وطن أصلي وهو مولد
[ ٢ / ٣٥ ]
الرجل، والبلد الذي تأهل به ووطن سفر وسمي وطن حادث، وهو البلد الذي ينوي المسافر الإقامة فيه خمسة عشر يومًا أو أكثر، ووطن سكنى وهو البلد الذي ينوي المسافر الإقامة فيه أقل من خمسة عشر يومًا.
ومن حكم الوطن الأصلي أن ينتقض بالوطن الأصلي، لأنه مثله والشيء ينتقض بما هو مثله حتى لو انتقل من البلد الذي تأهل به بأهله وعياله وتوطن ببلدة أخرى بأهله وعياله لا تبقى البلدة المنتقل عنها وطنًا له.
ألا ترى أن مكة كانت وطنًا أصليًا لرسول الله ﵇ ثم لما هاجر منها إلى المدينة بأهله وعياله وتوطن ثم انتقض وطنه بمكة حتى قال عام حجة الوداع: «أتموا صلاتكم يا أهل مكة، فإنا قوم سفر» .
ولا ينتقض هذا الوطن بوطن السفر ولا بوطن السكنى؛ لأن كل واحد منهما دونه، والشيء لا ينتقض بما هو دونه، وكذا لا ينتقض بإنشاء السفر، ألا ترى أن رسول الله ﵇ خرح من المدينة إلى الغزوات مرارًا، ولم ينتقض وطنه بالمدينة حتى ما يجدد نية الإقامة بعد رجوعه، وإن كان له أهل ببلدة فاستحدث ببلدة أخرى أهلًا فكل واحد منهما وطن أصلي، وروي أنه كان لعثمان أهل بمكة وأهل بالمدينة، وكان يتم الصلاة بهما جميعًا.
ومن حكم وطن السفر أنه ينتقض بالوطن الأصلي لأنه فوقه وينتقض بوطن السفر لأنه مثله وينتقض بإنشاء السفر لأنه ضده ولا ينتقض بالوطن السكنى؛ لأنه دونه.
ومن حكم وطن السكنى أنه ينتقض بكل شيء بالوطن الأصلي، وبوطن السفر وبوطن السكنى وبإنشاء السفر.
وعبارة المحققين من مشايخنا ﵏: أن الوطن وطنان وطن أصلي ووطن سفر ولم يعتبروا وطن السكنى وطنًا وهو الصحيح، وهذا لأن المكان إنما يصير وطنًا بالإقامة فيه، ولم يثبت حكم الإقامة في الوطن للسفر بل حكم السفر فيه باقٍ لما ذكرنا أن أقل مدة الإقامة خمسة عشر يومًا، وإذا لم يثبت فيه حكم الإقامة لم يعتبر هو وطنًا أصلًا فكيف يترتب عليه حكم الانتقاض؟ بيان هذا الأصل من المسائل.
خراساني قدم بغداد، وعزم على الإقامة بها خمسة عشر يومًا ومكي قدم كوفة وعزم على الإقامة بها خمسة عشر يومًا ثم خرج كل واحد منهما من وطنه يريد قصر ابن هبيرة؛ لأنهما كانا متوطنين أحدهما ببغداد والآخر بكوفة ولم يقصدا مسيرة مدة السفر؛ لأن من بغداد إلى الكوفة مسيرة أربع ليال والقصر هو المنتصف، فكان كل واحد منهما قاصدًا مسيرة ليلتين، وبهذا لا يصيرا مسافرين، فإن عزما على الإقامة بالقصر خمسة عشر يومًا صار القصر وطن سفر لهما، وانتقض وطن الكوفي بكوفة ووطن الخراساني ببغداد بوطن مثله، فإن خرجا بعد ذلك يريدان الكوفة صليا أربعًا في الطريق، وبالكوفة؛ لأنهما قصدا
[ ٢ / ٣٦ ]
مسيرة ليلتين من وطنهما، فلا يكونان مسافرين، فإن دخلا الكوفة وعزما على الإقامة أقل من خمسة عشر يومًا ثم خرجا من الكوفة يريدان بغداد ويمران بالقصر صلى كل واحد منهما أربعًا إلى القصر، وبالقصر ومن القصر إلى بغداد لأن القصر صار وطن سفر لهما، ولم يوجد ما ينقضه من الوطن الأصلي ووطن السفر، وإنشاء السفر، إنما وجد وطن السكنى ووطن السكنى لا ينقض وطن السفر، فيبقى القصر وطن سفر لهما، فهما رجلان خرجا من الكوفة يريدان بغداد والقصر وطنهما، فما لم يجاوزا القصر لا يصيرا مسافرين وبعد المجاوزة لم يبق أي القصد مسيرة سفر، فلهذا يصليان أربعًا.
وعبارة المحققين في هذه المسألة: أن القصر صار وطن سفر لهما، ولم يوجد ما ينقضه من الوطن الأصلي، ووطن السفر، وإنشاء السفر، فيبقى القصر وطنًا لهما والتقريب ما مر، ولو لم ينويا المرور على القصر يقصران كما خرجا من الكوفة، ولأنهما نويا مسيرة سفر وقد خرجا مسافرين، لعدم ما يمنع تحقق السفر، فلو كانا حين قدما القصر في الابتداء عزما على الإقامة بالقصر أقل من خمسة عشر يومًا، ثم ذهبا إلى الكوفة ليقيما بها ليلة يصليان أربعًا إلى الكوفة.
فلو خرجا من الكوفة يريدان بغداد يصليان ركعتين؛ لأن القصر صار وطن سكنى لهما، وقد انتقض ذلك بوطن سكنى مثله بالكوفة، فهما رجلان خرجا من الكوفة يريدان بغداد، وليس لهما فيما بين ذلك وطن ومن الكوفة إلى بغداد مسيرة مدة السفر، فصارا مسافرين حين خرجا، فلهذا يصليان ركعتين.
وعبارة المحققين في هذه المسألة: أنهما لما خرجا من الكوفة يريدان بغداد قصدا قصد السفر، وليس في خلال ذلك لهما وطن؛ لأن القصر لم يصر وطنًا أصلًا، فيصليان ركعتين إلى بغداد بهذا، وكذلك ببغداد، أما المكي؛ فلأنه ماضٍ على سفره، وأما الخراساني؛ فلأن بغداد كانت وطن سفر له وقد انتقض ذلك بإنشاء السفر، لأنه حين نوى من الكوفة أن يقدم بغداد فقد نوى السفر وقد انتقض وطنه الذي كان ببغداد.
ولو كان كل واحد منهما في الابتداء حين خرج من وطنه لم ينوِ القصر إنما نوى وطن صاحبه ليلقى به صاحبه الخراساني نوى الكوفة، والمكي نوى بغداد، فالتقيا بالقصر يصليان ركعتين؛ لأن كل واحد منهما قصد مسيرة مدة السفر، فلو ذهبا إلى الكوفة يصليان في الطريق ركعتين، وكذلك بالكوفة، أما الخراساني؛ فلأنه ماضٍ على سفره، وأما المكي، فلأن الكوفة كانت وطن سفر له، وقد انتقض ذلك بإنشاء السفر وعاد مسافرًا بسفره الأصلي، فلو خرجا من الكوفة يريدان بغداد يصليان ركعتين في الطريق وببغداد، أما المكي، فلأنه ماضي على سفره، وأما الخراساني فلأن بغداد كانت وطن سفر له، وقد انتقض ذلك بإنشاء السفر، فعاد مسافرًا بسفره الأصلي ثم تقدم السفر ليس بشرط ليثبت الوطن الأصلي بالإجماع، وهل يشترط لثبوت وطن السفر؟ لم يذكر محمد ﵀ هذه المسألة في «الأصل» .
وذكر أبو الحسن الكرخي ﵀ في «جامعه»: أن عن محمد (٩٦ب١)
[ ٢ / ٣٧ ]
﵀ فيه روايتان: في رواية يشترط وفي رواية لا يشترط، مثاله بخاري ذهب من بخارى إلى ونوى الإقامة بها خمسة عشر يومًا ثم خرج من يريد فلما دخل بدا له أن يرجع إلى بخارى، فعلى الرواية التي يشترط تقدم السفر، لثبوت وطن السفر يصلي ركعتين في الطريق إلى بخارى؛ إذ ليس من بخارى إلى مسيرة سفر، فلم تصر وطنًا له، فهذا رجل خرج من يريد بخارى وليس به فيما بين ذلك وطن ومن إلى بخارى مسيرة سفر على أصح الأقاويل، فيصلي ركعتين لهذا.
وعلى الرواية التي ما تشترط تقدم السفر يصلي أربعًا في الطريق؛ لأن صار وطنًا له ولم يوجد ما ينقضه، فما لم يجاوز لا يصير مسافرًا ومن إلى بخارى أقل من مدة السفر، فلهذا كان يصلي أربعًا.
وإذا دخل المسافر في صلاة المقيم يلزمه الإتمام سواء في أولها أو في آخرها، لأنه بالاقتداء صار تبعًا للإمام، فأخذت صلاته حكم صلاة الإمام باعتبار التبعية، فإن أفسد الإمام على نفسه كان على المسافر أن يصلي ركعتين، وقال الشافعي ﵀: يصلي أربعًا؛ لأن فرضه انقلب أربعًا بالاقتداء، فلا يتغير بعد ذلك.
ولنا أن فرض المسافر ركعتان على ما مر، وإنما لزمه الأربع بحكم المتابعة، فإذا انقطعت ظهر حكم الأصل والله أعلم.
ولو اقتدى المسافر بمسافر فأحدث الإمام فاستخلف مقيمًا لم يلزم المسافر الإتمام؛ لأن الثاني إنما انتصب إمامًا خلفًا عن الأول، فيلزم المسافر المقتدي من المتابعة بقدر ما التزم مع الأول ولو لم يحدث الأول ولكن نوى الإقامة أتم هو والقوم جميعًا.
والفرق بينهما: وهو أن المقتدي باقتداء الإمام التزم متابعة الإمام فصار تبعًا له وقد تغير فرض الأصل في المسألة الثانية، فتغير فرض المقتدي ضرورة أما في المسألة الأولى: لم يتغير فرض الإمام الأول، والثاني صار إمامًا بحكم الخلافة عن الأول لا أصلًا بنفسه، فيعتبر في حق المقتدي فرض الإمام الأول لا فرض الثاني الذي هو خلف عن الأول.
ومما يتصل بهذا الفصل
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: مقيم صلى ركعة من العصر، فغربت الشمس فجاء مسافر واقتدى به في هذه الحالة لا يصح اقتداؤه، ولو أن مسافرًا صلى ركعتي العصر فغربت الشمس وجاء مقيم واقتدى به في هذه الحالة صح اقتداؤه، وصار داخلًا في صلاته.
والجملة في ذلك: أن اقتداء المسافر بالمقيم جائز في الوقت وخارج الوقت إذا
[ ٢ / ٣٨ ]
اتفق الفرضان، واقتداء المسافر بالمقيم يجوز في الوقت، فلا يجوز خارج الوقت أما اقتداء المقيم بالمسافر جائز في الوقت، وخارج الوقت، لما روي: أن النبي ﵇ جمع بين الظهر والعصر بعرفات، وصلى ركعتين ركعتين، فلما فرغ من صلاته قال: «يا أهل مكة أتموا صلاتكم، فإنا قوم سفر» .
والمعنى منه: أنه ليس في اقتداء المقيم بالمسافر الاقتداء المتنفل بالمفترض في حق القعدة من ذوات الأربع، فإن القعدة على رأس الركعتين نفل في حق المقيم فرض في حق المسافر، إلا أن اقتداء المتنفل بالمفترض جائز في جميع أفعال الصلاة، فلأن يجوز في فعل منها كان أولى، وفي حق هذا المعنى الوقت وخارج الوقت سواء.
وأما اقتداء المسافر بالمقيم يجوز في الوقت، ولا يجوز خارج الوقت؛ لأن اقتداء المسافر بالمقيم يقتضي تغير الفرض في حق المسافر، إما شرطًا لصحة الاقتداء؛ لأن الاقتداء بالإمام في بعض صلاته لا يجوز، أو لصيرورته مقيمًا في حق هذه الصلاة لكونه تبعًا للإمام داخلًا في ولايته وإقامة الأصل توجب إقامة التبع، وإذا ثبت أن اقتداء المسافر بالمقيم يقتضي تغير الفرض في حق المسافر.
بعد هذا اختلفت عبارات المشايخ ﵏ بعضهم قالوا: إنما يصح الاقتداء في موضع كان الفرض قابلًا للتغيير، وفي الوقت الفرض للتغير حتى يتغير بنية الإقامة، فيتغير أيضًا بالاقتداء، وإذا كان فرض المسافر يتغير بالاقتداء بالمقيم في الوقت يمكن القول بصحة اقتدائه بالمقيم، فيصح الاقتداء، أما بعد خروج الوقت الفرض غير قابل للتغير، ولهذا لا يتغير بنية الإقامة، مع أنها أبلغ في التغير، فلأن لا يتغير بالاقتداء كان أولى.
وإذا كان فرض المسافر لا يتغير باقتداء المقيم خارج الوقت لا يمكن القول بصحة اقتدائه بالمقيم؛ لأنه يؤدي إلى اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة إن كان الاقتداء في الشفع الأول كما هو موضوع المسألة في «الكتاب»، وفي حق القراءة إن كان الاقتداء في الشفع الثاني؛ لأن القراءة في الشفع الثاني نفل في حق المقيم وقد ذكرنا أن اقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز.
وبعضهم قالوا: إن سبب وجوب الصلاة جزء قائم في الوقت لا ما مضى من الأجزاء على ما عرف في موضعه، فإذا وجد المغير وهو الاقتداء بالمقيم في الوقت عمل عمله للسبب، وجعل الجزء القائم من الوقت سببًا لوجوب الأربع بعدما كان سببًا لوجوب ركعتين، وإذا عمل في السبب عمل في الحكم لكون الحكم تابعًا للسبب، فيصير في فرضه أربعًا، فيمكن القول بصحة الاقتداء، وأما بعد خروج الوقت المغير لم يعمل في السبب، فلا يعمل في الحكم، فيبقى فرضه ركعتين، فلا يمكن القول بصحة الاقتداء؛ لأنه يؤدي إلى اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة أو في حق القراءة على نحو ما بينا.
فإن قيل: ما ذكرتم من المعنى يشكل بما لو نسي المقيم القراءة في الشفع الأول، فاقتدى المسافر به في الشفع الثاني، وكان ذلك خارج الوقت، فإنه لا يصح اقتداؤه، وهذا اقتداء المفترض بالمفترض في حق القراءة؛ لأن القراءة فرض عليهما في هذه الحالة.
[ ٢ / ٣٩ ]
قلنا: ليس اقتداء المفترض بالمفترض في حق القراءة؛ لأن الشفع الأول يبقى محلًا للقراءة على سبيل الوجوب، والقراءة في الشفع الثاني قضاءً بمحلها، وصار كأنها وجدت في الشفع الأول، فكان هذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القراءة أيضًا، ثم إذا اقتدى المقيم بالمسافر وسلم المسافر يقوم المقيم، ويتم صلاته كما فعل أهل مكة، وهل يقرأ المقيم في ما بين الركعتين؟ فيه اختلاف المشايخ، والأصح أنه لا يقرأ، وإليه مال الكرخي ﵀، لأنه لاحق أدرك أول الصلاة وقد تم فرض القراءة.
ومنهم من قال: يقرأ؛ لأنه في ما بين الركعتين ينفرد، ولهذا يلزمه سجود السهو لو سهى فيه، فأشبه المسبوق والمسبوق يقرأ، ولو ترك المسافر القراءة في الركعتين، ثم نوى الإقامة في هذه الصلاة تصح صلاته ويقرأ في الأخرتين استحسانًا عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، وعند محمد فسدت صلاته؛ لأن الظهر في حق المسافر كالفجر في حق المقيم، والمقيم لو ترك القراءة في الفجر فسدت صلاته فكذلك ههنا.
وهما يقولان: فرض الظهر يحتمل التغيير في حق المسافر بنية الإقامة، فإذا نوى الإقامة صار فرضه أربعًا، وفي ذوات الأربع لا تفرض القراءة في الكل، بل في ركعتين، فمتى أتى بالقراءة في الأخريين فقد أدى ما عليه.
نوع آخر في هذا الفصل في المتفرقات
وإذ سافر أول الوقت أوآخره قصر إذا بقي منه مقدار التحريمة، وهذا مذهبنا؛ لأن الوجوب يتعلق بآخر الوقت عندنا؛ لأنه في أول الوقت، مخير بين الأداء والتأخير، وإنه يبقى الوجوب، ولهذا لو فات في أول الوقت لقي الله تعالى، ولا شيء عليه فدل أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت وإذا كان هو مسافر في آخر الوقت كان عليه صلاة السفر، وعلى هذا الأصل مسائل أحدها هذه المسألة.
والثانية: إذا أسلم الكافر وقد بقي الوقت مقدار ما يسع فيه التحريمة، فإنه تلزمه الصلاة عندنا.
والثالثة: الصبي إذا بلغ في آخر الوقت.
والرابعة: الحائض إذا طهرت في هذا الوقت.
والخامسة: الطاهرة إذا حاضت في هذا الوقت، وإذا كان مسافرًا في أول الوقت، وصلى صلاة السفر ثم أقام في الوقت لا يتغير فرضه، وإن لم يصلِ حتى أقام في آخر الوقت ينقلب فرضه أربعًا، وإن لم يبق من الوقت إلا قدر ما يسع بعض الصلاة.
وإذا أسلم الكافر في سفره وبينه وبين المقصد أقل من ثلاثة أيام أو إذا أدرك الصبي (٩٧أ١) في سفره وبينه وبين المقصد أقل من ثلاثة أيام، فقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: الذي أسلم يصلي ركعتين فالذي بلغ يصلي أربعًا وقال بعضهم: يصليان ركعتين.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر»: فإنهما يصليان أربعًا؛ لأنهما لم يكونا مخاطبين؛
[ ٢ / ٤٠ ]
فلا يقصران الصلاة، وأما الحائض إذا طهرت في بعض الطريق قصرت الصلاة؛ لأنها مخاطبة.
وفي «الحاوي»: سئل عن صبي خرج من نوركارايريد بخارى، فلما بلغ كرمة بلغ، قال: يصلي ركعتين إلى بخارى، وكذلك الكافر إذا أسلم فأما الحائض إذا طهرت من حيضها تصلي أربعًا إلى بخارى.
مسافر صلى الظهر ركعتين وسهى، وسلم ثم نوى الإقامة، قال: صلاته تامة وليس عليه سجود السهو ونيته هذه قطعت الصلاة، ألا ترى أنه لو قهقه في هذه الحالة لم يكن عليه وضوء؟ ولو كان في الصلاة لكان عليه الوضوء، ذكر المسألة في رواية أبي حفص مطلقًا من غير ذكر خلاف، وذكر في رواية أبي سليمان خلافًا، فقال لا تصح نيته عند أبي حنيفة، وأبي يوسف ويكون فرضه ركعتين كما كان في الابتداء.
وعند محمد ﵀ تصح نيته ويصير فرضه أربعًا، وهذا على أصل محمد ﵀ مستقيم، فإن سلام من عليه السهو لا يخرجه من الصلاة عند محمد وإذا لم يخرجه من الصلاة بقي في حرمة الصلاة، فنية الإقامة ناهية حرمة الصلاة فتصح نيته ويتغير فرضه أربعًا، وأما على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ﵀ أن سلام من عليه السهو يخرجه من الصلاة خروجًا موقوفًا، إن عاد إلى سجود السهو تعود حرمة الصلاة، وإلا فلا على ما ذكرنا، فينبغي أن تكون نيته موقوفة إن عاد إلى سجود السهو صحت نيته، فإن لم يعد لا، ومع هذا لا تصح نيته؛ لأن في اعتبار هذه النية إبطالها وكل نية يكون في اعتبارها إبطالها تكون باطلًا.
وبيان هذا أنا لو صححنا هذه النية إنما صححنا بالعود إلى سجود السهو فإذا عاد إلى سجود السهو لا يقع معيدًا بهما؛ لأنهما يقعان في وسط الصلاة، فكيف تصح هذه النية بسجدة لا تقع معيدة بها حالاتها كما صحت لغت، وإن سجد لسهوه سجدة أو سجدتين ثم نوى الإقامة، فعليه أن يكمل أربع ركعات ويسجد في آخرها سجدتي السهو بالاتفاق؛ لأنه لما سجد للسهو عاد إلى حرمة الصلاة، فصار كما لو حصلت النية قبل السلام، ولو حصلت النية قبل السلام صحت نيته، وصار فرضه أربعًا كذلك ههنا، والدليل عليه أنه لو قهقه كان عليه الوضوء ولو اقتدى به رجل كان داخلًا في صلاته.u
مسافر أم قومًا مسافرين ومقيمين، فصلى بهم ركعة وسجدة وترك سجدة ثم أحدث فقدم رجلًا دخل معه في الصلاة وهو مسافر، قال: لا ينبغي لذلك الرجل أن يتقدم؛ لأن غيره أقدر على إتمام صلاة الإمام، وينبغي للإمام أن يقدم من قد أدرك أول الصلاة لما روي عن النبي ﵇ أنه قال «من استعمل غيره عملًا، وفيهم من هو أحق منه فقد خان الله ورسوله، وخان جميع المؤمنين»، فإن تقدم هذا المسافر جاز؛
[ ٢ / ٤١ ]
لأنه شريك الإمام كما ذكرنا وينبغي لهذا الرجل أن يسجد تلك السجدة؛ لأنه خليفة للأول، قائم مقامه، ولو كان الأول قائمًا يأتي بهذه السجدة ثم يشتغل بباقي الصلاة.
وكذلك الخليفة فلو أن الخليفة لم يأت بهذه السجدة ولكن قام وصلى بهم ركعة وسجدة وترك سجدة ثم أحدث فقدم رجلًا ثانيًا عنه فإنه لا ينبغي له أن يتقدم، ولا للإمام الثاني أن يقدم لما ذكرنا، وإن تقدم جاز لما ذكرنا فيبدأ بالسجدة التي تركها الإمام الأول ثم بالسجدة التي تركها الإمام الثاني؛ لأن الثالث قائم مقام الثاني والثاني يأتي بالأول، فكذلك الثالث، فإن لم يسجدهما حين ذهب الإمام الأول والثاني فتوضأ أو رجعا، قال: يسجد الثالث للأولى لأنه خليفة الإمامين، ويسجدها معه الإمام الأول والقوم؛ لأنهم قد صلوا تلك الركعة وإنما بقي عليهم تلك السجدة، ولا يسجدها الإمام الثاني في ظاهر الرواية.
وفي «نوادر ابن أبي سليمان»: قال: يسجدها معهم، وجه رواية أبي سليمان وهو أن الإمام الثاني كالمقتدي، فالثالث يتابعه فيما يأتي به، وإن لم يكن محسوبًا من صلاته كمن أدرك الإمام في السجود.
وجه ظاهر الرواية: وهو أن الإمام الثاني مسبوق في تلك الركعة فعليه إعادتها، فلا يبدأ بالسجدة منها؛ لأن تلك السجدة غير معتد بها ثم يسجد السجدة الأخرى ويسجدها معه الإمام الثاني والقوم؛ لأنهم صلوا هذه الركعة وإنما بقي عليهم سجدة ولا يسجد الإمام الأول هذه السجدة، إلا أن يكون صلى تلك الركعة وانتهى إلى هذه السجدة، فحينئذٍ يسجدها؛ لأنه لاحق، فيبدأ بالأول فالأول.
ولهذا قلنا: يصلي الإمام الأول الركعة الثانية بغير قراءة ثم يتشهد الإمام الثالث ويتأخر ويقدم رجلًا غيره أدرك أول الصلاة من المسافرين، فيسلم بهم لأنه عاجز عن السلام بنفسه، فيستعين بمن يقدر عليه ثم يسجد هو للسهو، ويسجدون معه ولا إشكال فيه؛ لأنه لو وقع فيها سهو واحد لأمر يجبره، فكيف إذا تكرر السهو؟ ولا يسجد الإمام الأول للسهو، لأنه مدرك أول الصلاة، والمدرك يأتي بسجدتي السهو بعد فراغه من الصلاة ثم يقوم الإمام الثاني، فيقضي الركعة التي سبق بها بقراءة ثم يقوم الإمام الثالث ويصلي الركعتين اللتين سبق بهما، ويقرأ فيهما بفاتحة الكتاب ثم يقوم الإمام الأول فيقضي الركعة الفائتة بغير قراءة؛ لأنه لاحق لأول الصلاة ويكمل المقيمون صلاتهم وحدانًا بغير قراءة.
مسافر أم مسافرين يصلي بهم ركعة ثم نوى الإقامة، قال: عليه أن يكمل بهم الصلاة إن نيته استندت إلى أول الصلاة وقد التزموا متابعته، فعليهم ما على الإمام من إتمام الصلاة، فإن أحدث الإمام بعد ما نوى الإقامة، فقدم رجلًا، قال: يتم بهم الصلاة أربع ركعات؛ لأن الثاني قائم مقام الأول.
ولو كان الأول قائمًا يصلي أربع ركعات، فكذلك الثاني، فصار بهذا كمسافر اقتدى بالمقيم في الوقت، فإنه تصير صلاته أربع ركعات، فكذلك ههنا، فإن كان الإمام الأول
[ ٢ / ٤٢ ]
لم ينوِ الإقامة، ولكن الإمام الثاني ينوي الإقامة لا يتغير فرضهم؛ لأنهم ما التزموا متابعته، وإنما لزمهم ذلك ضرورة إصلاح صلاتهم، ففيما سوى ذلك، فليس عليهم متابعته.
ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: في الرجل مسافر صلى بقوم مسافرين ومقيمين ركعتين فلما قعد فيها التشهد قام بعض المسافرين وانصرف إلى منزله وقام بعض المقيمين وأكمل صلاته، وانصرف وقد كان بعض المسافرين مسبوقًا بركعة قام وقضاها، وفرغ منها وانصرف، وقد كان كل ذلك بعد سلام الإمام ثم إن الإمام نوى الإقامة، فصلاتهم تامة.
فإن كان بعض المقيمين قام ليتم صلاته حين نوى الإمام الإقامة، قال: إن كان سجد لركعة سجدة مضى في صلاته، ولم يتابع الإمام، وإن رجع إلى صلاة الإمام فسدت صلاته؛ لأنه لما قيد ركعته بالسجدة، فقد استحكم انفراده؛ لأن الركعة التامة لا تقبل الارتفاع والاقتداء في موضع الانفراد يوجب الفساد، وإن لم يقيد ركعته بالسجدة عاد إلى متابعة الإمام، وإذا لم يعد فسدت صلاته؛ لأن انفراده لم يستحكم، فصار وجوده وعدمه بمنزلة ولو لم يقم الإتمام صلاته حتى نوى الإمام الإقامة لزمته متابعته كذا ها هنا.
ابن سماعة عن محمد ﵀: مسافر تشهد بعد ما صلى ركعتين من الظهر، ثم قام يريد أن يصلي ركعتين تمام أربع ركعات ونوى بها التطوع، فقرأ وركع ثم بدت له الإقامة، قال: ينبغي أن يجلس، فيعود إلى الحالة التي كان عليها قبل أن يقوم للتطوع؛ لأن التحريمة الأولى باقية، وقد قابلة للتغير بوجود المغير وقد وجد المغير فتغيرت، فيعود إلى الحالة التي كان عليها قبل أن يقوم للتطوع ليؤدي على الوجه الذي لزمه في إتمامها ثم يقوم، فإن شاء قرأ وإن شاء لم يقرأ لأنه قرأ في الأوليين ثم يركع؛ لأنه لما عاد إلى القعود ارتفض ركوعه؛ لأن ما دون الركعة قابل للرفض.
ذكر الحاكم: رجل صلى بقوم الظهر الركعتين في مدينة ولا يدرون مسافر هو أو مقيم فصلاتهم فاسدة، فإن سألوه فأخبرهم أنه مسافر، فصلاتهم تامة.
ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: مسافر صلى بمسافر الظهر ركعتين وسلم الإمام وعليه (٩٧ب١) سجدتي السهو، فنوى الذي خلفه الإقامة، قال: إن سجد الإمام للسهو تمم هذه الصلاة، وإن لم يسجد لم يكن على هذا أن يتم الصلاة، قال الحاكم أبو الفضل: هذا الجواب غير موافق للمشهور عن محمد في نظائره.
المسافر إذا أحدث، واستخلف مقيمًا كان خلفه، وجب على المقيم القعدة على رأس الركعتين، حتى لو تركها تفسد صلاته.
قال في «الأصل»: مسافر صلى بمسافر فأحدث الإمام وخرج من المسجد، ونوى الثاني أن يصلي لنفسه جاز وصار خليفة الأول، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: قوله في «الكتاب»: ونوى أن يصلي لنفسه زيادة كلام لا حاجة إليه، لأنه يصير إمام نفسه،
[ ٢ / ٤٣ ]
وإن لم ينوِ وقد مر هذا فيما تقدم فلو جاء رجل واقتدى بالثاني جاز؛ لأن الثاني إمام إمام الأول، فإن أحدث الثاني فخرج من المسجد تحولت الإمامة إلى الثالث لأن الثالث مع الثاني كالثاني مع الأول.
فإن أحدث الثالث فخرج من المسجد قبل أن يرجع الأولان، فصلاة الثالث تامة؛ لأنه منفرد في حق نفسه وصلاة الأوليين فاسدة؛ لأنه لم يبق لهما إمام في المسجد فإن لم يخرج هذا الثالث حتى رجع الأولان ثم خرج قبل أن يتقدم واحد منهما، فصلاته تامة وصلاة الأوليين فاسدة لأن أحدهما لم يتعين للإمامة بعد فبقيا بلا إمام، هذا هو جواب «الأصل» .
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وأورد في «بعض النوادر» أن صلاة الثالث فاسدة أيضًا لأن عليه أن يقدم أحدهما قبل أن يخرج من المسجد، فإذا لم يقدم حتى خرج من المسجد فقد ترك فرضًا من فرائض الصلاة فتفسد صلاته.
قال ﵀: والصحيح هو الأول قال في «الأصل» أيضًا: مسافر صلى الظهر ركعتين بغير قراءة ثم نوى الإقامة، قال: عليه أن يصلي ركعتين بقراءة والمسافر، والمقيم فيه سواء عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد وزفر رحمهما الله: صلاته فاسدة، وهذا بناءً على الأصل الذي تقدم ذكره إن للصلاة جهة واحدة عند محمد ﵀ فإذا فسدت بترك القراءة خرج من حرمة الصلاة، فلا تصح نية الإقامة في هذه الصلاة، وعندهما للصلاة جهتان فتبطلان جهة الفرضية بترك القراءة يبقى أصل الصلاة، فتصح نية الإقامة.
حجة محمد ﵀ في هذه المسألة، وهو أن ظهر المسافر كفجر المقيم ثم الفجر في حق المقيم يفسد بترك القراءة فيهما، أو في أحدهما على وجه لا يمكنه إصلاحه إلا بالاستقبال، فكذلك الظهر في حق المسافر، إذ لا تأثير لنية الإقامة في رفع صفة الفساد.
حجتهما: أن نية الإقامة في آخر الصلاة كهي في أولها، ولو كان مقيمًا في أول الصلاة لم تفسد صلاته بترك القراءة في الأوليين، فهذا مثله.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: إن الحاكم الشهيد زاد نية آخرها، فقال أجمعنا أن نية الإقامة تؤثر في القعدة، فتصيرها نفلًا بعدما كانت فرضًا، فإن المسافر إذا صلى الظهر ركعتين وقرأ فيها ثم نوى الإقامة في القعدة صحت نيته، فلا خلاف، وصارت قعدته نفلًا بعد ما كانت فرضًا؛ لأنها قعدة الختم في حق المسافر، وقعدة الختم فرض بالإجماع، فلما جاز أن تجعل النية الموجودة في حال القعدة كالموجودة في أول الصلاة في حق القعدة حتى صيرها نفلًا، فكذلك في حق القراءة.
فرق بين هذا وبين الفجر في حق المقيم، والفرق: وهو أن فساد الفجر ما كان لترك القراءة بل لفوات محل القضاء.
ألا ترى أنه لو ترك القراءة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر أو العصر أو العشاء لا تفسد صلاته؛ لأنه لم يفت محل القراءة بهذا الذي
[ ٢ / ٤٤ ]
ذكرنا إذا وجدت النية في حالة القعدة، فإن وجدت بعد القيام إلى الثالثة أو بعدما ركع أو بعدما رفع رأسه من الركوع، فكذلك تصح نيته إلا أنه إن كان لم يقرأ في الأوليين يعيد القراءة، وإن كان قرأ في الأوليين يعيد القيام والركوع؛ لأن ما أدى كان نفلًا، فلا ينوب عن الفرض فتلزمه الإعادة لهذا، فإن لم يعد فسدت صلاته.
فإن خرّ ساجدًا ثم نوى الإقامة لم تفسد نيته، وعليه أن يستعيد الصلاة؛ لأنا لو أعملنا نيته لألزمناه ركعتين أخريين ولا وجه إلى ذلك؛ لأن ظهره يصير خمسًا ولم يشرع خمسًا وفي بعض النسخ إن قيد الثالثة بالسجدة، ثم نوى الإقامة، فصلاته تامة ويضيف إليها أخرى فتكون الركعتان نافلة أورد شمس الأئمة ﵀ هذه الرواية والله أعلم.
مسافر دخل في صلاة مقيم ثم ذهب الوقت لم تفسد صلاته؛ لأن الإتمام لزمه بالشروع مع الإمام في الوقت، فالتحق بغيره من المقيمين، بخلاف ما إذا اقتدى بعد خروج الوقت، فإن الإتمام لا يلزمه بهذا الاقتداء، فإن أفسد الإمام الصلاة على نفسه، كان على المسافر أن يصلي صلاة السفر؛ لأن وجوب الإتمام عليه لمتابعة الإمام وقد زال ذلك بالإفساد.
فإن قيل: هو كان مقيمًا في هذه الصلاة عند خروج الوقت، فبأن صار في حكم المسافر بعد خروج الوقت لا يتغير ذلك الفرض.
قلنا: لم يكن مقيمًا في هذه الصلاة، وإنما يلزمه الإتمام بمتابعة الإمام، ألا ترى أنه لو أفسد الاقتداء في الوقت، فإنه يصلي صلاة السفر.
فرق بين هذا وبين ما إذا اقتدى المسافر بالإمام والإمام في الظهر، وهذا الرجل ينوي التطوع حتى لزمه أربع ركعات لو أفسد الإمام الصلاة على نفسه تجب على هذا الرجل، فصار أربع ركعات، وفي مسألتنا يلزمه قضاء ركعتين.
والفرق: أن الشروع يلزم كالنذر إلا أن نذر المسافر أن يصلي الظهر أربع ركعات لا يصح، ونذر المسافر أن يصلي التطوع أربعًا يصح؛ لأن النذر بالتطوع تلزم وبالفرض غير ملزم.
ويخفف القراءة في السفر في الصلوات، فقد صح أن رسول الله ﵇ قرأ في الفجر في السفر ﴿قُلْ يأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ (الكافرون: ١) و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ١) وأطول القراءة في صلاة الفجر، وأما تسبيحات الركوع والسجود يقولها ثلاثًا أو أكثر ولا ينقص عن الصلاة، وإذا أتم الإمام بمدينة وهو مسافر، فصلى بهم الجمعة أجزأه وأجزأهم، فقد أقام رسول الله ﵇ الجمعة بمكة، وهو كان مسافرًا بها.
وكذلك الأمير يطوف في بلاد عمله فهو مسافر، والإمام هو الخليفة إذا سافر يصلي صلاة المسافرين؛ لأنه مسافر كغير الخليفة كذا ذكر في «النوازل»، فقيل: إذا طاف الخليفة في ولايته لا يصير مسافرًا، ويجوز للمسافر الجمع بين الصلاتين لعذر السفر بأن يؤخر الأول، ويعجل الثاني، وتأخير المغرب مكروه، إلا بعذر السفر.
وإذا قضى في حال سفره صلاة فاتته في حالة الإقامة صلى أربعًا وإن قضى في حال
[ ٢ / ٤٥ ]
إقامته صلاة فاتته في حال السفر صلى ركعتين؛ لأن القضاء تمكن الفائت؛ لأنه إذا لما وجب من قبل فيتغير حالة الفوات نية اللاحق الإقامة، وهو في قضاء ما عليه، وقد فرغ الإمام من صلاته ساقطة على ظاهر الرواية لا يلزمه الإتمام، بل يصلي ركعتين، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قال: يتمها أربعًا، وهو قول زفر ﵀، هكذا روى أبو سليمان في «نوادره» عن محمد.
ووجهه: أن هذا الرجل لا يخلو إما إن كان ملحقًا بالمسبوق أو بالمدرك فإن كان ملحقًا بالمسبوق يصلي أربعًا؛ لأن المسبوق إذا نوى الإقامة فيما يقضي يتعين فرضه أربعًا كذلك ههنا، وإن كان ملحقًا بالمدرك، فكذلك أيضًا؛ لأن المقتدي إذا نوى الإقامة خلف الإمام يتعين فرضه أربعًا كذا ههنا.
وجه ظاهر الرواية في ذلك: أن اللاحق في حكم المقتدي فيكون تبعًا للإمام والإمام لو نوى الإقامة في هذه الحالة بعد الفراغ من الصلاة لم يتغير فرضه، وإن نوى اللاحق الإقامة قبل فراغ الإمام تغير فرضه؛ لأن الإمام لو نوى الإقامة في هذه الحالة تغير فرضه، وإن تكلم اللاحق ثم نوى الإقامة تغير فرضه؛ لأنه خرج من حكم المتابعة وصار أصلًا ونية الإقامة في الوقت ممن هو أصل يكون مغيرًا للفرض.
قال في «الكتاب»: وكذلك دخول اللاحق المصر يريد بهذا أنه كان يصلي المصر خلف الإمام والمصر أمامه، فدخل المصر ليتوضأ للعشاء ثم بدا له الإقامة فيها يصلي ركعتين، لأن دخول المصر كالنية خارج المصر، وقد ذكرت أن بنية الإقامة لا يصير مقيمًا، فدخوله المصر كذلك.
قال: ونية المسبوق (٩٨أ١) في قضاء ما عليه للإقامة يلزمه الإتمام؛ لأن المسبوق يصلي صلاة نفسه بدليل أنه تجب عليه القراءة وسجود السهو إذا سهى، قال: وكذلك دخول المصر؛ لأنه بمنزلة النية واللاحق أحد الرجلين إما أن يكون قائمًا خلف الإمام بعد فراغ الإمام من الصلاة أو يحدث خلف الإمام، فذهب ليتوضأ ثم جاء وقد فرغ من الصلاة.
قال ونية المنفرد الإقامة في صلاة افتتحها في الوقت ثم ذهب وقتها ساقطة وكذلك دخوله المصر؛ لأن بخروج الوقت صارت صلاة السفر دينًا في ذمته فلا يتغير بإقامته، كالمقيم إذا سافر بعد خروج الوقت لا يتغير ما صلى.
قال شمس الأئمة ﵀ في مسألة أخرى لا ذكر لها في «المبسوط»: وهو ما إذا كان مسبوقًا بركعة نائمًا في ركعة، فلما قام للقضاء نوى الإقامة صحت نيته الإقامة سواء نوى الإقامة في الركعة التي سبق بها أو في الركعة التي نام فيها؛ لأن عليه أن يبدأ بما نام فيها لو وجدت النية فيها، فإنها تدوم إلى آخر الصلاة، فكأنه نوى فيما سبق به.
قلنا: وإن أخر النية إلى أن قام إلى قضاء ما سبق به، فهذا مسبوق نوى الإقامة فيما يقضي، فتصح نيته والله أعلم.
مسافر صلى ركعة، فجاء مسافر واقتدى به ثم أحدث الإمام، واستخلف هذا الرجل
[ ٢ / ٤٦ ]
ثم خرج الإمام الأول ليتوضأ ونوى الإقامة والإمام الثاني نوى الإقامة أيضًا، ثم عاد الإمام الأول إلى الصلاة، ماذا يفعل الإمام الأول والثاني؟
قالوا: يقتدي الإمام الأول بالثاني في الركعة الثانية، وإذا قعد الإمام الثاني قدر التشهد يقوم ويستخلف رجلًا أدرك أول الصلاة ليسلم بالقوم، ثم يقوم الإمام الثاني ويصلي ثلاث ركعات والإمام الأول ركعتين؛ لأنه بنية الإمام الثاني لم يعمل في حق القوم، فإذا صلى ركعة خرج من الإقامة.
مسافر صلى الظهر ركعتين وقام إلى الثالثة ناسيًا بعدما قعد قدر التشهد ثم تذكر ذلك في قيام الثالثة أو في ركوعها فإنه يعود ويقعد وإن تذكر بعد أن قيد الثالثة بالسجدة يتم صلاته أربعًا، وكانت الثالثة والرابعة له سنّة الظهر، وإن لم يكن قعد على الركعتين إن تذكر في قيام الثالثة عاد وإن لم يعد حتى قيدها بالسجدة، فسدت صلاته، ولو كان هذا المسافر ترك القراءة في الركعتين الأوليين أو في أحدهما ثم قام إلى الثالثة وقرأ.
وقالوا: في قياس قول أبي حنيفة، وأبي يوسف إذا نوى الإقامة في الثالثة تجوز صلاته ولو قرأ في الثالثة، وركع ثم نوى الإقامة في الركوع، قالوا: تجوز صلاته أيضًا.
مسافر أم قومًا في آخر وقت صلاة العصر، فلما صلى ركعة غربت الشمس ثم جاء رجل واقتدى به، صح اقتداؤه، فإن سبق الإمام الحدث استخلف هذا الرجل الذي اقتدى به، فتذكر الخليفة أنه لم يصل الظهر، فسدت صلاته؛ لأن الوقت ليس بضيق عند شروعه ولو تذكر هذه الفائتة بعد الغروب قبل الشروع لا يصح شروعه، فإذا تذكر في خلال الصلاة تفسد صلاته، وإن تذكر الإمام الأول أنه لم يصلِ الظهر لم تفسد صلاته سبقه الحدث أو لم يسبقه؛ لأن الوقت كان ضيقًا عند شروعه، لو تذكر الفائتة في ذلك الوقت لم يمنعه، هكذا إذا تذكر في خلال الصلاة.
مسافر صلى شهرًا جميع الصلوات ركعتين، قال أبو حنيفة ﵀: يعيد ثلاثين مغربًا ولا يعيد غيرها، وقال صاحباه: يعيد ثلاثين مغربًا ويعيد صلاة العشاء والفجر والظهر والعصر بعد المغرب الأولى.
مسافر صلى الظهر ركعتين، وقام إلى الثالثة ناسيًا أو متعمدًا فجاء مسافرًا واقتدى به في تلك الحالة، فصلاة الداخل موقوفة إن عاد الإمام إلى القعدة وسلم، فصلاة الداخل ركعتان كصلاة الإمام، وإن لم يعد، فنوى الإقامة في القيام الثالثة ينقلب فرضه وفرض الداخل أربعًا؛ لأنه نوى الإقامة في حرمة الصلاة، فصحت نيته وتغير فرضه أربعًا.
وكذلك فرض الداخل يتغير أربعًا؛ لأن اقتداءه به قد صح؛ لأنه كان في حرمة الصلاة حين اقتدى به، فصح اقتداؤه به وتغير فرضه أربعًا أيضًا، بحكم المتابعة، فيتابعه الداخل في الركعتين ثم يقضي ما فاته، وذلك ركعتان وإذا خرج الأمير مع جيشه لطلب العدو، ولا يعلم أين يدركهم فإنهم يصلون صلاة الإقامة في الذهاب وإن طالت المدة، وكذلك في المكث في ذلك الموضع، وأما في الرجوع، فإن كان إلى مصره مسيرة السفر يقصر الصلاة وإلا فلا.
[ ٢ / ٤٧ ]
نوع آخر في بيان اجتماع حكم السفر والإقامة
مقيم صلى الظهر أربعًا ثم سافر في الوقت وقصر العصر وهو مسافر، ثم تذكر في وقت العصر شيئًا نسيه في مصره فعاد إليه ثم علم أنه صلى الظهر والعصر بغير طهارة، فتوضأ وصلى الظهر ركعتين والعصر أربعًا؛ لأنه ظهر أن الأداء لم يصح وقد خرج وقت الظهر وهو مسافر فصار الظهر في ذمته صلاة السفر، وخرج وقت العصر وهو مقيم، فصار العصر في ذمته صلاة الإقامة وإذا كان مسافرًا في أول الصلاة ثم نوى الإقامة فيها في موضع الإقامة، وهو في الوقت، أتم أربعًا.
ولو كان خرج الوقت ثم نوى الإقامة أتمها شفعًا، ولو كان مقيمًا في أولها ونوى السفر في وسطها أتمها أربعًا؛ لأن النية بدون الفعل لا تعتبر.
وإن كان شرع فيها وهو في السفينة في المصر فمرت وخرجت من العمران، وهو ينوي السفر صار مسافرًا، لكنه يتم الصلاة التي شرع فيها أربعًا؛ لأنه لزمه أربعًا حين شرع فيها فلا يسقط منها شيء بنية السفر.
المسافر إذا أم قومًا مسافرين ومقيمين، فسبقه الحدث واستخلف مقيمًا صلى بهم تمام صلاة الإمام، وإذا انتهى إلى موضع التسليم لم يسلم، لأن عليه بعض الصلاة، فيستخلف من يسلم بهؤلاء المسافرين، ويقوم ويتم ما عليه والمقيمون أيضًا يتمون وحدانًا، ولا يقرؤون على أصح الأقوال، وقد مر هذا من قبل.
مسافر صلى بقوم مقيمين ومسافرين ركعة، فسبقه الحدث، فأخذ بيد رجل ليقدمه، فنوى الإقامة ثم قدمه صلى هذه الخليفة بهم أربعًا؛ لأنه نوى الإقامة وهو إمامهم؛ لأنه بالحدث لم يخرج من أن يكون إمامًا لهم، ولهذا يملك الاستخلاف، ولو لم ينو المحدث الإقامة ولكنه قدم مقيمًا فالخليفة يقعد على رأس الركعتين.
ولو لم يقعد فسدت صلاته، وصلاة القوم وإذا أتم هذه القعدة يقدم من يسلم بهم، ويقوم هو ويتم صلاة نفسه ولو أن الخليفة لم يقرأ في فائتة الإمام، فسدت صلاته وصلاة القوم كما لو لم يقرأ الإمام الأول.
مسافر صلى بمسافرين ركعتين، فلما تشهد في الثانية تكلم أو تكلم بعض من خلفه ثم نوى الإمام الإقامة صار فرضه، وفرض من بقي خلفه أربعًا، وصلاة من ذهب جائزة ركعتين، ولم تؤثر نية الإمام الإقامة في حقهم لزوال الاقتداء بالكلام والسلام قبل نية الإمام.
مسافر صلى ركعتين بغير قراءة فظن أنه صلى ركعة فقام وقرأ وركع ثم نوى الإقامة صار فرضه أربعًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ويعيد القيام والقراءة والركوع، وتجوز لأن الأول وقع نفلًا لا فرضًا؛ لأن فرضه حال كونه مسافرًا ركعتان فلو لم يعد حتى قيد الركعة بالسجدة فسدت صلاته؛ لأنه تم انتقاله إلى النفل فلا يمكنه إصلاح الفرض ولو كان قرأ في الأوليين وقعد وقام إلى الثالثة، وقرأ وركع وسجد ثم نوى الإقامة لم يصر أربعًا؛ لأنه خرج من الفرض.
[ ٢ / ٤٨ ]
ولو كان لا يقيده بالسجدة صار أربعًا ويعيد القيام والركوع لوقوعهما نفلًا، وليس عليه إعادة القراءة؛ لأنه عليه في الأخريين من الفرض، فإن لم يعد بل مضى فسدت صلاته، لتركه القيام الفرض والركوع الفرض، فإن قام من الثانية إلى الثالثة من غير قعود ناسيًا قبل نية الإقامة، فعليه أن يعود إلى القعود، فإن نوى الإقامة لم يعد؛ لأن فرضه صار أربعًا، وإن نوى الإقامة وهو قاعد إن كان تشهد قائمًا، ولا يعيد التشهد، وإن لم يكن تشهد، فيتشهد ثم يقوم.
ومما يتصل بهذا الفصلالمقيم والمسافر إذا أمَّ أحدهما صاحبه ثم يشكان فيه
مسافر ومقيم أم أحدهما صاحبه، فشكّا فلم يدريا من الإمام، ومن المقتدي، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: إذ شكا بعدما صليا ركعة وإنه على خمسة أقسام:
القسم الأول: إذا شكا قبل الحدث، وفي هذ القسم تفسد صلاتهما، لتعذر المضي بيانه: وهو أن كل واحد (٩٨ب١)، منهما يحتمل أن كان إمامًا في الابتداء ويحتمل أنه كان مقتديًا ومن كان إمامًا لا يصلح مقتديًا ومن كان مقتديًا لا يصلح إمامًا؛ لأن صلاة الإمام مع صلاة المقتدي غيران حكمًا.
ألا ترى أن الإمام تلزمه القراءة وتنوب قراؤته عن قراءة المقتدي، وإذا قرأ آية السجدة يلزمه ومأمومه سجدة التلاوة، وإذا سهى لزمته ومأمومه سجدة السهو وإذ فسدت صلاته فسدت صلاة مأمومه، والمقتدي لا تلزمه القراءة، وإذا قرأ آية السجدة لا يلزمه ولا إمامه سجدة التلاوة، وإذا سهى لا سهو عليه، ولا على الإمام، وإذا فسدت صلاته لا تفسد صلاة الإمام.
وألا ترى أن الإمام إذا كبر في خلال الصلاة ينوي الاقتداء بغيره في تلك الصلاة يصير خارجًا من صلاته، وكذلك إذا كبر ينوي الإقامة يصير خارجًا عن صلاته، بمنزلة من كان في صلاة الظهر فكبر ينوي العصر فثبت أنهما غيران حكمًا.
فإذا لم ينويا من الإمام ومن المقتدي لا يدري كل واحد منهما أنه يتم صلاته على الإمامة، أو على الاقتداء، فيعجز كل واحد منهما عن المضي على صلاته ففسدت صلاتهما؛ لهذا بعض مشايخنا قالوا: هذا إذا أصابتهما آفة وافترقا عن مكانهما، أما إذا كانا في مكانهما نجعل صاحب اليمين مقتديًا وصاحب اليسار إمامًا، عملًا بما جاءت به السنّة.
القسم الثاني: إذا لم يشكا حتى أحدث المقيم وخرج من المسجد، ثم أحدث المسافر وخرج ثم توضأ فأقبلا، ثم شكا فصلاة المقيم فاسدة وصلاة المسافر تامة أما صلاة المقيم فاسدة؛ لأنه إن كان مقتديًا فإذا خرج الإمام من المسجد بعده لم يبق له إمام في المسجد، وإن كان إمامًا، فإذا خرج من المسجد أولًا تحولت الإمامة إلى المسافر
[ ٢ / ٤٩ ]
وصار المقيم مقتديًا به، حتى لو عاد أتم الصلاة خلفه.
فإذا خرج المسافر من المسجد بعد ذلك لم يبق المقيم إمامًا في المسجد، وخلو المسجد من الإمام يوجب فساد صلاة المقتدي، فتيقنا بفساد صلاته على كل حال، وصلاة المسافر تامة؛ لأنه إن كان إمامًا بقي على إمامته، وإن كان مقتديًا، فقد تحولت الإمامة إليه حين خرج المقيم عن المسجد، وإذا خرج عن المسجد بعد ذلك لم يبق له مؤتم في المسجد، وخلو المسجد عن المؤتم لا يوجب فساد صلاة الإمام، ولكن على المسافر أن يقرأ في الركعة الثانية ويقعد في الثانية، لاحتمال أنه كان إمامًا وكان فرضه هذا ويتم صلاته أربعًا لاحتمال أنه كان مقتديًا، وانقلب فرضه أربعًا.
القسم الثالث: إذا لم يشكا حتى أحدث المسافر وخرج من المسجد ثم أحدث المقيم وخرج ثم توضأ فأقبلا ثم شكا، فصلاة المسافر فاسدة وصلاة المقيم تامة، وصلاة المسافر في هذه المسألة نظير المقيم في المسألة الأولى، والمقيم في هذه المسألة نظير المسافر في المسألة الأولى، وعلى المقيم أن يقرأ في الركعة الثانية، ويقعد على رأس الثانية حتى أنه إذا لم يفعل أحدهما فسدت صلاته، لجواز أنه كان مقتديًا فحين أحدث إمامه وخرج عن المسجد تحولت الإمامة إليه، وافترض عليه ما كان فرضًا على إمامه وكان فرضًا على إمامه القراءة في الثانية والقعدة، فافترض عليه ذلك ثم يقوم ويصلي ركعتين أخريين تمام صلاته وهل يقرأ.
فيه اختلاف المتأخرين، قد ذكرنا قبل هذا أن مقيمًا لو اقتدى بمسافر، فلما فرغ الإمام قام المصلي يصلي الركعتين الأخرين، روى الكرخي عن محمد أنه لا يقرأ، وبه أخذ بعض المشايخ، وعن أبي طاهر الدباس: أنه يقرأ، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: والاحتياط أن يقرأ.
القسم الرابع: إذا لم يشكا حتى أحدثا، وخرجا عن المسجد على التعاقب إلا أنه لا يدرى من الذي خرج أولًا ثم توضأا فأقبلا فشكا، فصلاتهما فاسدة؛ لأن الذي خرج أولًا فسدت صلاته لما ذكرنا، والذي خرج آخرًا صلاته صحيحة، وكل واحد منهما يحتمل أنه خرج آخرًا، فكانت صلاة كل واحد منها صحيحة من وجه فاسدة من وجه، فكان الحكم الفساد احتياطًا.
القسم الخامس: إذا لم يشكا حتى أحدثا معًا أو على التعاقب إلا أنهما خرجا معًا، وباقي المسألة بحالها صلاتهما فاسدة أيضًا، لأن الإمام منهما بقي على إمامته، لما ذكرنا أن الإمامة لا تتحول لمجرد الحدث وإنما تتحول بالخروج، وقد خرجا معًا فبقي الإمام على إمامته والمقتدي على اقتدائه، فصلاة الإمام تامة وصلاة المقتدي فاسدة، وكل واحد يحتمل أن يكون إمامًا ويحتمل أن يكون مقتديًا، فكانت صلاة كل واحد منهما صحيحة من وجه فاسدة من وجه فكان الحكم بالفساد.
الوجه الثاني: إذا شكا بعدما صليا ركعتين وقعدا قدر التشهد، وإنه على خمسة أقسام أيضًا.
[ ٢ / ٥٠ ]
القسم الأول: إذا شكا قبل الحدث وفي هذا القسم يقوم المقيم ويصلي ركعتين أخرين ويتبعه المسافر فيها، أما المقيم، فيصلي ركعتين أخريين لأنه إن كان إمامًا، فعليه إتمام صلاته، وإن كان مقتديًا فكذلك وأما المسافر فإنه يتبعه فيهما؛ لأنه إن إمامًا فقد أتم صلاته والمتابعة في الركعتين الأخرتين لا تضر وأن كان مقتديًا فقد صار فرضه بالاقتداء بالمقيم أربعًا، فتلزمه المتابعة في الركعة، والمتابعة في الأخريين لازمة من وجه دون وجه، فأوجبناها احتياطًا.
القسم الثاني: إذا أحدث المقيم وخرج من المسجد ثم أحدث المسافر، وخرج من المسجد فتوضأا وأقبلا وشكا، وفي هذا القسم صلاة المقيم فاسدة وصلاة المسافر تامة، أما صلاة المقيم فاسدة، فلأنه إن كان مقتديًا إن كانت لا تفسد صلاته بخروجه وخروج إمامه بعد ذلك؛ لأن صلاة إمامه قد تمت بأداء الركعتين تفسد صلاته إذا كان إمامًا وخرج المسافر بعد خروجه لا بخروجه أولًا تحولت الإمامة إلى المسافر، وصار المقيم مقتديًا به، فإذا خرج المسافر من المسحد لم يبق للمقيم إمامٌ في المسجد، وخلو المسجد عن الإمام يوجب فساد صلاة المقيم، فصلاة المقيم تفسد من وجه، وهو أن يكون إمامًا، ولا تفسد من وجه، وهو أن يكون مقتديًا، فحكمنا بالفساد، وصلاة المسافر تامة؛ لأنه إن كان إمامًا بقي على إمامته، وإن كان مقتديًا فقد تحولت الإمامة إليه حين خرج المقيم من المسجد، فإذا خرج عن المسجد بعد ذلك، لم يبق له مؤتم في المسجد، وخلو المسجد عن المؤتم لا يوجب فساد صلاة الإمام، ولكن على المسافر أن يصلي أربعًا؛ لاحتمال أنه كان مقتديًا وانقلب فرضه أربعًا.
القسم الثالث: إذا أحدث المسافر وخرج من المسجد ثم أحدث المقيم وخرج من المسجد، فتوضأا وأقبلا وشكا، وفي هذا القسم صلاة المسافر فاسدة لاحتمال أنه كان مقتديًا، وانقلب فرضه أربعًا، فحين خرج المقيم عن المسجد لم يبق للمسافر إمام في المسجد، وهذا يوجب فساد صلاته وصلاة المقيم تامة إن كان إمامًا بقي على إمامته وإن كان مقتديًا، فقد جاء أوان الانفراد وخروج المنفرد عن المسجد لا يوجب فساد صلاته.
القسم الرابع: إذا أحدثا وخرجا من المسجد على التعاقب، إلا أنه لا يدرى من الذي خرج أولًا ثم توضأا وأقبلا فشكا، وفي هذا القسم فسدت صلاتهما لما مر في الوجه الأول.
القسم الخامس: إذا أحدثا معًا أو على التعاقب إلا أنهما خرجا معًا، ثم توضأا وأقبلا وشكا، وفي هذا القسم صلاة المسافر فاسدة، لاحتمال أنه كان مقتديًا وانقلب فرضه أربعًا فحين خرج المقيم لم يبق الإمام في المسجد، وصلاة المقيم تامة؛ لأنه إن كان إمامًا بقي على إمامته، وإن كان مقتديًا، فحين أتم المسافر صلاته جاء أوان الانفراد في حقه وخروج المنفرد عن المسجد لا يوجب فساد صلاته.
الوجه الثالث: إذا شكا بعدما صليا ثلاث ركعات، فالقياس: أن يكون الجواب في هذا الوجه، والجواب فيما تقدم سواء لمعنى الشك وتردد الحال في حق كل واحد
[ ٢ / ٥١ ]
منهما، وفي الاستحسان الإمام هو المقيم فعليه أن يقوم فيصلي الركعة الرابعة، ويقتدي به المسافر حملًا لأمر المسلم على الصلاح، فإن فعل كل مسلم محمول على الصلاح ما أمكن، ولو جعلنا المقيم إمامًا كان حمل أمرهما على الصلاح في الركعة الثالثة.
ولو جعلنا المسافر إمامًا كان فيه حمل أمرهما على ما لا يحل شرعًا من خلط النفل بالفرض، والخروج عن الفرض والدخول في النفل لا على وجه المسنون في حق المسافر، ومن اقتداء المفترض بالمتنفل (٩٩أ١) في حق المقيم، فجعلنا المقيم إمامًا لهذا.
ونظير هذا من فرغ من صلاته وسلم ثم شك أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، فليس عليه شيء ويحمل قوله على الصلاح، وهو الخروج عن الصلاة في وقته فكذا ههنا.
ومعنى آخر أشار إليه محمد ﵀ في «الكتاب»: فقال: إن أمور المسلمين محمول على المتعارف والمعتاد فيما بين الناس، والمتعارف المعتاد فيما بين الناس أن المقيم يقوم إلى الثالثة والمسافر لا يقوم إلى الثالثة، إلا إذا كان مقتديًا بالمقيم، استشهد محمد ﵀ بمن أحرم بشيئين، ثم نسيهما، فلم يدر أحجان أم عمرتان؟ يجعل قارنًا بحجة وعمرة ولا يجعل قارنًا بحجتين، ولا بعمرتين حملًا لأمره على الصلاح على المعنى الأول فإن الجمع بين الحج والعمرة صحيح مندوب إليه شرعًا والجمع بين الحجتين والعمرتين ممنوع عنه فجعل قارنًا حملًا لأمره على الصلاح، وعلى المعنى الثاني يجعل قارنًا بحجة وعمرة حملًا لأمره على المتعارف؛ لأن المتعارف فيما بين الناس الجمع بين حجة وعمرة لا الجمع بين حجتين أو عمرتين، فكذا ها هنا.
وكذلك مسافر ومقيم أم أحدهما صاحبه ولم يقعدا في الثانية قدر التشهد، ثم سلما وسجدا سجدتي السهو ثم شكا، فلم يدريا أيهما الإمام؟ يجعل الإمام هو المقيم حملًا لأمرهما على الصلاح.
وكذلك لو كانا تركا القراءة في الأوليين أو في أحدهما، فلما سلما وسجدا للسهو شكا، فإنه يجعل الإمام هو المقيم لما بينا وإذا كان في مسألتنا الإمام هو المقيم يسهل تخريج مسألة الحدث وإن أحدث المقيم أولًا، وخرج من المسجد ثم أحدث المسافر بعد ذلك وخرج من المسجد، فصلاة المقيم فاسدة لتحول الإمامة إلى المسافر فيصير هو مقتديًا فإذا خرج المسافر لم يبق الإمام في المسجد فتفسد صلاته، وصلاة المسافر جائزة تامة.
وإن كان مقتديًا لكن تحولت إمامة المقيم إليه، وخروج الإمام عن المسجد لا تفسد صلاته وإن أحدث المسافر وخرج ثم أحدث المقيم، وخرج، فصلاة المسافر فاسدة لأنه لم يبق له إمام في المسجد، وإن أحدثا معًا أو متعاقبًا لكن خرجا معًا فصلاة المقيم تامة لأنه إمام لم تتحول إمامته إلى غيره وصلاة المسافر فاسدة لأنه لم يبق له إمام في المسجد، وإن خرجا على التعاقب ولا يدري أيهما خرج أولًا؟ فصلاتها جميعًا فاسدة لما قلنا من قبل والله أعلم.
[ ٢ / ٥٢ ]