ولا صلاة في الاستسقاء إنما فيه الدعاء في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمد ﵀: يصلي فيها ركعتين بجماعة كصلاة العيد إلا أنه ليس فيها تكبيرات، وقال الشافعي ﵀: يصلي ركعتين كما قال محمد ﵀ إلا أنه قال: يكبر فيها كما في صلاة العيد، يكبر سبعًا في الركعة الأولى، وخمسًا في الركعة الثانية.
حجة محمد، والشافعي رحمهما الله: حديث ابن عباس ﵄: أن النبي ﵇: «صلى ركعتين فيها كصلاة العيد» وحجة أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (نوح: ١٠) فإنما أمر بالاستغفار في الاستسقاء بدليل قوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَآء عَلَيْكُمْ مُّدْرَارًا﴾ (نوح: ١١) وما أمر بالصلاة، وفي حديث أنس ﵁ «أن الأعرابي لما سأل رسول الله ﵇ أن يستسقي وهو على المنبر وقال: أجدبت الأرض وهلكت المواشي فاستسق لنا يا رسول الله، فرفع رسول الله ﵇ يديه إلى السماء ودعا» قال الراوي: فما نزل عن المنبر حتى نشأت سحابة، فمطرنا إلى الجمعة القابلة الحديث إلى آخره، ولم يرد أنه صلى.
وإن عمر ﵁ خرج للاستسقاء فما زاد على الدعاء، وروي أنه خرج بالعباس عم النبي ﵇، فأجلسه على المنبر، ووقف بجنبه يدعو ويقول: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك ودعا بدعاء طويل، فما نزل عن
[ ٢ / ١٣٨ ]
المنبر حتى سقوا.
قال في «الكتاب»: عن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله لم يبلغنا في ذلك صلاة إلا حديث واحد شاذ لا يؤخذ به. اختلفت النقلة والرواة أنه لأي معنى سمي شاذًا، منهم من قال: إنما سمي شاذًا؛ لأن عمر ﵁ لم يصل في الاستسقاء، وعلي ﵁ كذلك، ولو كانت بهذا سنّة مشهورة لما خفيت عليهما، ولا خير في سنّة خفيت على عمر، وعلي ﵄.
ومنهم من قال: إنما سمي شاذًا؛ لأنه ورد ونقل في بلية عامة، والواحد إذا روى حديثًا في بلية عامة يعد ذلك شاذًا ومستنكرًا منه، ثم عند محمد ﵀ يخطب الإمام بعد الصلاة نحو الخطبة في صلاة العيدين، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يخطب خطبة واحدة؛ لأن المقصود الدعاء، فلا يقطعها بالجلسة، وقد ورد بكل واحد منهما أثر عن رسول الله ﵇.
وكان الزهري يقول: يخطب قبل الصلاة وهو قول مالك، وقد ورد به حديث ولكنه شاذ. قال محمد ﵀: أرى أن يصلي الإمام في الاستسقاء نحوًا من صلاة العيد، ولا يكبر فيها كما يكبر في العيد، ويقلب الإمام رداءه إذا مضى صدر من خطبته.
وصفته أنه إذا كان مربعًا جعل أعلاه أسفله، وإن كان مدورًا جعل الجانب الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يقلب رداءه.
حجة محمد ما روي عن النبي ﵇ أنه «خرج مستسقيًا عليه خميصة سوداء فأراد أن يجعل أسفلها أعلاها فلما ثقل عليه قلبها على عاتقه فحول اليمين إلى الشمال والشمال إلى اليمين» .
وأبو حنيفة، وأبو يوسف رحمهما الله احتجا بما روي أن النبي ﵇ استسقى يوم الجمعة ولم يقلب الرداء، والمعنى فيه أنه دعاء مشروع حالة الخوف فلا يسن فيه تقليب الرداء قياسًا على كسوف الشمس، ولا تأويل في تقليب الرداء سوى أنه يقال بتغيير الهيئة يتغير الهوى ولا بأس بأن يعتمد في خطبته على عصا وأن يتنكب قوسًا ورد به الأثر، وهذا لأن خطبته تطول فيستعين بالاعتماد على عصا. وإذا قلب الإمام رداءه فالقوم
[ ٢ / ١٣٩ ]
لا يقلبون أرديتهم، وإنما يتبع في هذه السنّة والأثار المعروفة.
وقال مالك: يقلب القوم أرديتهم كما فعل الإمام، وعن أبي يوسف ﵀ قال: إن شاء رفع يديه في الدعاء، وإن شاء أشار بأصبعه؛ لأن رفع اليدين في الدعاء سنّة جاء في الحديث «أن النبي ﵇ كان يدعو بعرفات باسطًا يديه كالمتضرع المسكين» .
وإنما يخرجون في الاستسقاء ثلاثة أيام لم ينقل أكثر من ذلك، ولا يخرج أهل الذمة في ذلك مع أهل الإسلام، وقال مالك: إن خرجوا لم يمنعوا من ذلك.
حجتنا في ذلك: أنه إنما يخرج الناس للدعاء وما دعاء الكافرين إلا في ضلال؛ ولأنهم بالخروج يستنزلون الرحمة، وإنما تنزل على الكفار اللعنة والسخط وقد أمر رسول الله ﵇ بتبعيد المشركين بقوله ﵇: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك ألا لا تراءى ناراهما» فلهذا لا يمكنون من الخروج مع المسلمين وينصت القوم لخطبة الاستسقاء؛ لأنه يعظهم فيها، وفائدة الوعظ تحصل بالإنصات، ولا يخرج فيه المنبر لما بينا في صلاة العيد.
وليس فيها أذان ولا إقامة أما عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله فلا يشكل؛ لأنه ليس فيها صلاة بالجماعة إنما فيها الدعاء، وإن شاؤوا صلوا فرادى، وذلك في معنى الدعاء. وأما عند محمد ﵀، وإن كان فيها صلاة بالجماعة ولكنها تطوع فلا يكون فيها أذان ولا إقامة كصلاة العيد.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: تفسير قول محمد ﵀: أن الناس يخرجون إلى الاستسقاء مشاة لا على ظهورهم ودوابهم في ثياب خلقة أو غسيل أو مرقع متذللين خاضعين متواضعين ناكسي رؤوسهم في كل يوم يقدمون الصدقة قبل الخروج، ثم يخرجون هذا تفسير قول محمد ﵀. وإنما يكون الاستسقاء في موضع لا يكون لهم أودية وأنهار وآبار يشربون منها، ويسقون مواشيهم وزروعهم (١١٣ب١) أو يكون ولا يكفي لهم ذلك. فأما إذا كانت لهم أودية وأنهار وآبار فإن الناس لا يخرجون إلى الاستسقاء؛ لأن الاستسقاء إنما يكون عند شدة الضرورة والحاجة. والله أعلم بالصواب.