الأصل في هذا الفصل: أن المريض إذا قدر على الصلاة قائمًا بركوع وسجود، فإنه يصلي المكتوبة قائمًا بركوع وسجود ولا يجزئه غير ذلك؛ لأنه لما قدر على القيام
[ ٢ / ١٤٠ ]
والركوع والسجود كان بمنزلة الصحيح، والصحيح لا يجزئه أن يصلي المكتوبة إلا قائمًا بركوع وسجود كذلك هذا.
وإن عجز عن القيام وقدر على القعود، فإنه يصلي المكتوبة قاعدًا بركوع وسجود، ولا يجزئه غير ذلك؛ لأنه عجز عن نصف القيام، وقدر على النصف، فما قدر عليه لزمه، وما عجز عنه سقط.
وإن عجز عن الركوع والسجود وقدر على القعود فإنه يصلي قاعدًا بإيماء، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإن عجز عن القعود صلى مستلقيًا على ظهره، وإن لم يقدر إلا مضطجعًا استقبل القبلة، وصلى مضطجعًا يومىء بإيماء.
والأصل في هذا كله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوتِ وَالاْرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: ١٩١) قال الضحاك في تفسيرها: هذا بيان حال المريض في أداء الصلاة بحسب الطاقة، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣) جاء عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: المراد من هذا الذكر في الصلاة، وقال ﵇ لعمران بن حصين ﵁ حين عاده وهو مريض: «صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى الجنب تومىء إيماءً» والمعنى في ذلك أن الطاعة بحسب الطاقة.
وقوله: فإن عجز عن القيام وقدر على القعود يصلي المكتوبة قاعدًا، لم يرد بهذا العجز العجز أصلًا لا محالة بحيث لا يمكنه القيام بأن يصير مقعدًا، بل إذا عجز عنه أصلًا، أو قدر عليه إلا أنه يضعفه ذلك ضعفًا شديدًا حتى تزيد علته لذلك، أو يجد وجعًا لذلك، أو يخاف إبطاء البرء، فها هنا وما لو عجز عنه أصلًا سواء.
وإذا كان قادرًا على بعض القيام دون تمامه كيف يصنع؟ لا ذكر لهذا الفصل في شيء من الكتب، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: يؤمر بأن يقوم مقدار ما يقدر، فإذا عجز قعد حتى إنه إذا كان قادرًا على أن يكبر قائمًا، ولا يقدر على القيام للقراءة، أو كان يقدر على القيام ببعض القراءة دون تمامها، فإنه يؤمر بأن يكبر قائمًا، ويقرأ ما يقدر عليه قائمًا، ثم يقعد إذا عجز، وبه أخذ الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀.
وإذا قدر على القيام متكئًا لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في شيء من الكتب، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: الصحيح أنه يصلي قائمًا متكئًا، ولا يجزئه غير ذلك، وكذلك لو قدر على أن يعتمد على عصا، أو كان له خادم لو اتكأ عليه قدر على القيام، فإنه يقوم ويتكىء خصوصًا على قول أبي يوسف، ومحمد
[ ٢ / ١٤١ ]
رحمهما الله، فإن على قولهما: إذا عجز المريض عن الوضوء وكان يجد من يوضئه لم يجزئه التيمم، وقدر بغيره كقدرته بنفسه، فكذلك هذا.
فإن كان يقدر على القيام، ولا يقدر على السجود أومأ إيماءً وهو قاعد؛ لأن القيام لافتتاح الركوع والسجود به، فكل قيام لا يتعقبه سجود لا يكون ركنًا؛ ولأن إيماء القاعد أقرب إلى التشبه بالسجود من إيماء القائم.
والمقصود من الإيماء التشبه بمن يركع ويسجد هكذا ذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀، والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀، وذكر الشيخ الإمام الأجل شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، والشيخ الإمام الزاهد الصفار ﵀: أنه بالخيار إن شاء صلى قائمًا بإيماء، وإن شاء صلى قاعدًا بإيماء، وهو أفضل عندنا.
وزاد شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀ فقال: إذا أراد أن يومىء للركوع يومىء قائمًا، وإذا أراد أن يومىء للسجود يومىء قاعدًا، لأن الإيماء بدل من الركوع والسجود، ولو كان قادرًا على الركوع والسجود فيركع قائمًا، ويسجد قاعدًا فكذلك الإيماء.
لم يذكر محمد ﵀ في «الأصل»: ما إذا لم يقدر على القعود مستويًا، وقدر عليه متكئًا، أو مستندًا إلى حائط أو إنسان، أو ما أشبه ذلك، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: قال مشايخنا ﵏: يجزىء أن يصلي قاعدًا مستندًا أو متكئًا، لا يجزئه أن يصلي مضطجعًا خصوصًا على قولهما هكذا ذكر في «النوادر»، وهذا نظير ما ذكرنا في القيام إذا كان قادرًا على القيام بالاتكاء والاستناد.
وإذا لم يستطع القعود صلى مستلقيًا على قفاه متوجهًا نحو القبلة، ورأسه إلى المشرق، ورجلاه إلى المغرب هذا هو الأفضل عندنا، وإن صلى على جنبه الأيمن يومىء إيماءً أجزأه، وهو قول ابن عمر، وسعيد بن جبير ﵃.
وقال الشافعي ﵀: الأفضل أن يصلي على جنبه الأيمن كما يوضع الميت في القبر، وإن صلى مستلقيًا على قفاه جاز، احتج الشافعي ﵀ بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَوةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ (النساء: ١٠٣) وأراد به في الصلاة فقد ذكر الجنب، ولم يذكر الاستلقاء على قفاه.
والدليل عليه حديث عمران بن حصين ﵁ فإن النبي ﵇ نقل الحكم من القعود إلى الجنب لا إلى الاستلقاء.
وعلماؤنا ﵏: احتجوا بحديث عبد الله بن عمر ﵄ موقوفًا عليه، ومرفوعًا إلى رسول الله ﵇ إلى نحو مذهبنا، ولأنه لو صلى مستلقيًا على قفاه كان أقرب إلى استقبال القبلة؛ لأن الجانبين منه إلى القبلة، وإشارته تقع إلى هوى الكعبة، وإذا صلى على جنبه الأيمن فإشارته تقع إلى جانب رجليه، وذلك ليس بقبلة، ثم
[ ٢ / ١٤٢ ]
ما به من العجز على وجه الزوال، إذا كان مستلقيًا لو قدر على القعود، فقعد كذلك كان وجهه إلى القبلة، ولو قدر على القيام، فقام كذلك كان وجهه إلى القبلة فهذا أولى، ثم إذا أومأ فإنه يومىء بالرأس، فإن عجز عن الإيماء بالرأس لم يصل عندنا.
ثم اختلف المشايخ بعد هذا، قال بعضهم: إن دام العجز أكثر من يوم وليلة سقطت عنه الصلاة، وإن زال قبل ذلك لا تسقط، وقال بعضهم: لا تسقط وإن دام أكثر من يوم وليلة حتى إنه إذا برأ يلزمه القضاء، ولو مات قضى عنه ورثته.
وقال بعضهم: تسقط مطلقًا من غير فصل، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀. وعن أبي يوسف أن المريض إذا عجز عن الإيماء بالرأس يومىء بعينه ولا يومىء بقلبه، وعن أبي حنيفة أنه لم يجز للإيماء بالعينين، وسئل محمد ﵀، عن ذلك فقال: لا أشك أن الإيماء بالرأس يجوز، ولا أشك أن الإيماء بالقلب لا يجوز، وأشك في الإيماء بالعين أنه هل يجوز؟
وإذا افتتح الصلاة المكتوبة بالإيماء ثم قدر على القعود، واستقبل الصلاة قاعدًا؛ لأن الصلاة قاعدًا أقوى من الصلاة بالإيماء، وبناء القوي على الضعيف لا يجوز، وكذلك إذا كان يصلي قاعدًا بركوع وسجود ثم قدر على القيام يستقبل الصلاة عند محمد ﵀؛ لأن عنده الصلاة قاعدًا أضعف من الصلاة قائمًا حتى لم يجز اقتداء القائم بالقاعد ابتداء على ما مر، فكذلك لا يجوز البناء هنا، وعندهما يتم الصلاة قائمًا.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: في الرجل يصلي تطوعًا وقد افتتح الصلاة قائمًا ثم يضنى لا بأس بأن يتوكأ على عصا وهنا مسألتان: مسألة في القعود ومسألة في الاتكاء.
أما مسألة القعود فهي على وجهين: فإن قعد بعذر يجوز؛ لأن في المكتوبة إذا قعد بعذر يجوز ففي النافلة أولى، وإن قعد بغير عذر، فقال أبو حنيفة ﵀: يجوز، وقال أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله: لا يجوز.
وجه قولهما: أن الشروع يلزم كالنذر، ثم لو نذر أن يصلي قائمًا، وافتتح قائمًا ثم قعد لم يجزه كذلك هنا.
وجه قول أبي حنيفة ﵀: أنه كان في الابتداء مخيرًا بين أن يصلي التطوع قاعدًا، وبين أن يصليها قائمًا، فيبقى هذا الخيار إلى الانتهاء؛ لأن حكم الانتهاء أشمل من حكم الابتداء. ألا ترى أن الحدث يمنع ابتداء الصلاة، ولا يمنع البقاء.
وما يقولان بأن الشروع ملزم. قلنا: الشروع ليس بملزم بعينه إنما صار ملزمًا ليبقى ما باشر (١١٤أ١) قربة وما باشر من القيام يبقى قربة، وإن لم يقم فيما بقي؛ لأن التطوع قاعدًا قربة مع القدرة على القيام بخلاف النذر؛ لأنه ملزم بنفسه من حيث التسمية، على أنا نقول: بأن الشروع إنما يلزم ما شرع فيه، وما لا ينفصل عنه، وأما ما ينفصل عما شرع فيه لا يلزمه، ألا ترى لو أنه نوى أربع ركعات، فسلم على رأس الركعتين لم يلزمه شيء آخر على ظاهر الرواية؟ لأن الشفع الأول ينفصل عن الشفع الثاني، فكذلك هنا
[ ٢ / ١٤٣ ]
القيام من الأول ينفصل عن القيام في الثاني بخلاف النذر؛ لأنه التزم له ذكرًا.
وأما مسألة الاتكاء فهو على وجهين أيضًا: إن اتكأ بعذر تجوز صلاته من غير كراهة؛ لأن في الاتكاء تنقيص القيام، ولو ترك جميع القيام من غير عذر يجزئه عند أبي حنيفة ﵀ فالتنقيص لا يكره، وعندهما ترك جميع القيام بعدما شرع قائمًا لا يحزئه فتنقيصه يكره.
وبعض مشايخنا ﵏ قالوا: على قول أبي حنيفة ﵀: يجب أن يكره الاتكاء بخلاف القعود، فإنه إذا قعد بعدما افتتح قائمًا لا يكره عند أبي حنيفة ﵀.
ووجه ذلك: أن في الابتداء هو مخير بين أن يفتتح التطوع قائمًا وبين أن يفتتحه قاعدًا، فيبقى هذا الخيار في الانتهاء، فيجوز القعود من غير كراهة أما في الابتداء غير مخير بين أن يصلي متكئًا، وبين أن يصلي غير متكىء، بل يكره له ذلك لما فيه من سوء الأدب وإظهار التجبر، وكذلك في الانتهاء، وقد صح أن رسول الله ﵇ «دخل المسجد، فرأى حبلًا ممدودًا فسأل عن ذلك فقيل: إن فلانة تصلي بالليل ما نشطت فإذا أعيت اتكأت به فقال ﵇: فلانة تصلي بالليل ما نشطت فإذا أعيت نامت» مع هذا تجوز الصلاة لوجود أصل القيام.
هذا كله في التطوع، فأما في المكتوبة لا يجوز ترك القيام بالقعود من غير عذر، وكذلك يكره تنقيص القيام من عذر، وإن فعل ذلك جازت صلاته لوجود أصل القيام.
وإذا افتتح التطوع قاعدًا وأدى بعضها قاعدًا، ثم بدا له أن يقوم فقام، وصلى بعضها قائمًا أجزأه عندهم جميعًا، أما عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله لا يشكل؛ لأن عندهما التحريمة المنعقدة للقعود منعقدة للقيام بدليل أن المريض إذا افتتح المكتوبة قاعدًا، ثم قدر على القيام جاز له أن يقوم ويصلي بقية الصلاة قائمًا لهذا المعنى، أن التحريمة المنعقدة للقعود منعقدة للقيام، وإنما يشكل هذا على مذهب محمد ﵀؛ لأن عنده التحريمة المنعقدة للقعود لا تكون منعقدة للقيام، حتى أن المريض إذا قدر على القيام في وسط الصلاة فسدت صلاته عنده مع هذا قال: هنا تجوز صلاته.
وفي المريض لا تجوز صلاته، والفرق لمحمد ﵀، وهو أن في المريض ما كان قادرًا على القيام وقت الشروع في الصلاة، فما انعقدت تحريمته للقيام، فأما هنا في صلاة التطوع كان قادرًا على القيام، فانعقدت تحريمته للقيام، فلو أنه افتتح التطوع قاعدًا فكلما جاء أوان الركوع قام وقرأ ما بقي من القراءة وركع جاز، وهكذا ينبغي أن يفعل إذا صلى التطوع قاعدًا لما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﵇ «كان يفتتح
[ ٢ / ١٤٤ ]
التطوع قاعدًا فيقرأ ورده حتى إذا بقي عشر آيات أو نحوها قام فأتم قراءته ثم ركع وسجد وهكذا كان يفعل، في الركعة الثانية» فقد انتقل من القعود إلى القيام ومن القيام إلى القعود فدل أن ذلك جائز في التطوع والله أعلم.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» أيضًا: ويوجه المريض القبلة كما يوجه القبلة في اللحد، وأراد به المريض الذي قرب موته حيث أمر أن يفعل به ما يفعل بالميت، وهذا لأنه في معنى الميت، قال ﵇: «لقنوا موتاكم» وأراد به الذي قرب موته. واختيار أهل بلادنا الاستلقاء فإنه أسهل لخروج الروح.
وإذا أغمي على الرجل يوم وليلة أو أقل يلزمه قضاء الصلوات، وإن أغمي عليه أكثر من ذلك فلا قضاء عليه وهذا الاستحسان.
وفي القياس: إذا أغمي عليه وقت صلاة كامل لا قضاء عليه، وجه القياس: وهو أن الإغماء عذر لعجزه عن فهم الخطاب، فيأتي الوجوب إذا استوعب وقت صلاة كامل كالجنون، هكذا ذكر بعض المشايخ مسألة الجنون على طريق الاستشهاد.j
وذكر مسألة الجنون في «فتاوى الصغرى»: وجعلها نظير مسألة الإغماء، فلأن قليل الإغماء لو لم يكن مسقطًا لا يكون الكثير مسقطًا كالنوم، وإنه إذا نام أكثر من يوم وليلة يلزمه القضاء كما إذا نام وقت صلاة.
وجه الاستحسان: حديث علي ﵁ فإنه أغمي عليه في أربع صلوات فقضاهن، وعمار بن ياسر أغمي عليه يوم وليلة فقضى الصلوات، وابن عمر ﵄ أغمي عليه في ثلاثة أيام فلم يقض الصلوات؛ ولأن الإغماء إذا قصر فهو معتبر بما يقصر عادة، وهو النوم فلا يسقط القضاء، وإذا طال فهو معتبر بما يقصر عادة وهو النوم فلا يسقط القضاء، وإن طال فهو معتبر بما يطول عادة وهو الجنون والضر فيسقط القضاء، وقدرنا الطويل والقصير بالزيادة على يوم وليلة لتدخل الصلوات في حد التكرار فيحرج في القضاء إذ للحرج أثر في إسقاط القضاء.
ثم اختلفوا في أن الزيادة على اليوم والليلة يعتبر بالساعات أم بالصلوات؟ وذكر الكرخي في «مختصره»: أن المعتبر الزيادة على اليوم والليلة بالصلوات، وذكر الفقيه أبو جعفر في كتابه اختلافًا بين أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله، عند أبي يوسف ﵀ يعتبر من حيث الساعات وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀.
وعند محمد ﵀ يعتبر من حيث الصلوات ما لم تصر الصلوات ستًا لا يسقط القضاء، وإن كان من حيث الساعات أكثر من يوم وليلة وهو الأصح.
[ ٢ / ١٤٥ ]
وإنما تظهر ثمرة هذا الخلاف فيما إذا أغمي عليه عند الضحوة ثم أفاق من الغد قبل الزوال بساعة، فهذا أكثر من يوم وليلة من حيث الساعات، فلا قضاء عليه في قول أبي يوسف ﵀، وفي قول محمد ﵀ يجب عليه القضاء؛ لأن الصلوات لم تزدد على الخمس. هذا الذي ذكرنا إذا ألم الإغماء فلم يفق إلى تمام يوم وليلة وزيادة، فإن يفيق ساعة ثم يعاوده الإغماء لم يذكر محمد ﵀ هذا في «الكتاب»، وإنه على وجهين: إن كان لإفاقته وقت معلوم نحو أن يخف مرضه عند الصبح فيفيق قليلًا، ثم تعاوده الحمى فيغمى عليه، فهذه إفاقة معتبرة تبطل حكم ما قبلها من الإغماء إن كان أقل من يوم وليلة.
فأما إذا لم يكن لإفاقته وقت معلوم، لكنه يفيق بغتة فيتكلم بكلام الأصحاء ثم يغمى عليه بغتة فهذه الإفاقة غير معتبرة، ألا ترى أن المجنون قد يتكلم في جنونه بكلام الأصحاء، ولا يعد ذلك منه إفاقة، كذا ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀.
وفي «المنتقى»: المجنون يعيد صلاة يوم وليلة إذا كان مجنونًا في ذلك، وإن كان أكثر من يوم وليلة فلا قضاء عليه يعني لا قضاء عليه فيما زاد على يوم وليلة.
بيانه: فيما روى أبو سليمان عن محمد ﵀: إذا جن حين دخل في الظهر، ثم أفاق من الغد عند العصر، فليس عليه قضاء الظهر؛ لأن الظهر زائد على صلاة يوم وليلة، وإذا جن قبل الزوال، ثم أفاق من يومه قبل غروب الشمس يعيد الظهر والعصر.
قال: وإذا كان بجبهته جرح لا يستطيع السجود عليه لم يجزئه الإيماء، وعليه أن يسجد على أنفه؛ لأن الأنف مسجد كالجبهة، وإن لم يسجد على أنفه، وأومأ لم تجزئه صلاته؛ لأنه ترك السجود مع الإمكان عليه فلا يجزئه.
قال في «الأصل»: ويكره للمومىء أن يرفع إليه عودًا أو وسادة ليسجد عليه، لما روي أن النبي ﵇ «دخل على مريض يعوده، فوجده يصلي كذلك، فقال: «إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا أومىء برأسك»، وأن ابن مسعود ﵁ دخل على أخيه يعوده فوجده يصلي، ويرفع إليه عودًا فيسجد عليه فينزع ذلك من يد من كان في يده وقال: «هذا شيء عرض لكم الشيطان أومىء لسجودك» فإن فعل ذلك ينظر إن كان يخفض رأسه للركوع ثم للسجود أخفض من الركوع جازت صلاته (١١٤ب١) وإن كان لا يخفض رأسه ولكن يوضع شيء على جبهته لم تجز صلاته؛ لأنه لم يوجد السجود ولا الإيماء.
ثم اختلفوا أن هذا يعد سجودًا وإيماءً، قال بعضهم: هو سجود، وقال بعضهم: هو إيماء، وهو الأصح. فإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض فكان يسجد عليها جازت صلاته، فقد صح أن أم سلمة ﵂ كانت تسجد على برقعة موضوعة بين يديها لعلة كانت بها، ولم يمنعها رسول الله ﵇ من ذلك.
[ ٢ / ١٤٦ ]
قال القدوري في «كتابه»: والمريض إذا فاتته صلوات فقضاها في حالة الصحة فعل كما يفعله الأصحاء؛ لأن تحصيل الركن بكماله فرض في الأصل، وإنما سقط حالة الأداء للعذر، فإذا لم يؤد حتى صح ظهرت فرضية الأداء بتحصيل الأركان بأكمل الوجوه. وإن فاتته في الصحة، فقضى في المرض صلى بالإيماء؛ لأن فرض الوقت يجوز أداؤه مع الإيماء، فكذا القضاء لفقه أن التكليف يعتمد الوسع، وهو في حالة المرض يكلف على القضاء، كما كلف على الأداء وليس في وسعه أكثر من هذا فسقط ما عجز عنه في القضاء لهذه الضرورة، كما سقط في الأداء.
وإذا شرع في الصلاة وهو صحيح، ثم عرض له مرض بنى على صلاته على حسب الإمكان، لأنه يؤدي البعض كاملًا والبعض ناقصًا، وإنه أولى من أن يستقبل ويؤدي الكل ناقصًا، وروي عن أبي حنيفة ﵀: أنه يستقبل إذا صار إلى الإيماء.
ولو شرع وهو معذور ثم صح فإن كان الشروع بركوع وسجود بنى في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، وقال محمد ﵀: يستقبل، وإن كان الشروع بالإيماء ثم قدر على الركوع والسجود فإنه يستقبل، وقال زفر ﵀: يبني.
فالكلام مع محمد ﵀ بناءً على أصل، وهو أن المنفرد يبني آخر صلاته على أول صلاته، كما أن المقتدي يبني صلاته على صلاة الإمام، ففي كل فصل جوزنا الاقتداء به يجوز البناء هنا وإلا فلا.
وعند محمد ﵀ القائم لا يقتدي بالقاعد، فكذا لا يبني في حق نفسه، وعندهما القائم يقتدي بالقاعد فكذلك يبني في حق نفسه. والكلام مع زفر ﵀ بناءً على هذا الأصل أيضًا، فمن أصله أنه يجوز اقتداء الراكع بالمومىء.
وعندنا لا يجوز، فكذا البناء في حق نفسه، وإن نزع الماء من عينه، وأمر أن يستلقي أيامًا على ظهره، ونهي عن القعود والسجود أجزأه أن يصلي مستلقيًا موميًا، وعلى قول مالك، والشافعي رحمهما الله: لا يجوز، هما احتجا بحديث ابن عباس ﵄ أن طبيبًا قال له: بعدما كف بصره لو صبرت أيامًا مستلقيًا صحت عينك فشاور عائشة وأبا هريرة وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فلم يرخصوا له في ذلك، وقالوا: أرأيت لو مت في هذه الأيام كيف تصنع بصلاتك؟ فترك ذلك وصلى بركوع وسجود.
والمعنى فيه: وهو أنه إنما تجوز الصلاة بالإيماء للمريض إذا عجز عن القيام والركوع والسجود وهذا ما عجز عن القيام والركوع والسجود فلا يجزئه الإيماء. وعلماؤنا ﵏ قالوا: إن حرمة الأعضاء كحرمة النفس، ولو كان قاعدًا يخاف على نفسه الهلاك بسبب العدو، أو بسبب السبع فصلى مستلقيًا بالإيماء جاز، فكذا إذا خاف على عينيه، ولأن من به رمد شديد فكان إذا وضع جبينه على الأرض ازداد وجعه واشتد، وإنه يومىء لسجوده ويجزئه ذلك فكذلك ههنا، ولأن الرمد من أشد الأوجاع فلا يختلف عن
[ ٢ / ١٤٧ ]
سائر الأمراض، قال ﵇: «لا وجع إلا وجع العين» هكذا روى شمس الأئمة ﵀.
وإذ صلى المريض بالإيماء لغير القبلة متعمدًا لم يجزئه، لأن استقبال القبلة شرط من شرائط الصلاة، ولم يقع العجز عنه بسبب المرض فلا يسقط عنه، وإذا لم يسقط كان كالصحيح، والصحيح لو صلى إلى غير القبلة متعمدًا لم تجزئه صلاته فكذلك ههنا، وإن كان ذلك منه خطأ أجزأه، يعني إذا اشتبهت عليه القبلة، ولم يكن بحضرته من يسأل عنه فتحرى وصلى جازت صلاته وإن تبين أنه أخطأ، كما تجوز من الصحيح لقول علي ﵁: قبلة المتحري جملة قصده.
والحاصل: أن مفارقة المريض الصحيح فيما هو عاجز عنه، فأما فيما يقدر عليه هو كالصحيح. فإن كان يعرف القبلة، ولكن لا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة، ولم يجد أحدًا يحوله إلى القبلة، فإنه روي عن محمد بن مقاتل أنه يصلي كذلك إلى غير القبلة ثم يعيد؛ إذا برأ، وفي ظاهر الجواب لا يعيد؛ لأن ما عجز عنه من الشرائط لا يكون أقوى ما عجز عن الأركان، فإن وجد أحدًا يحوله إلى القبلة، فإنه ينبغي أن يأمره، حتى يحوله إلى القبلة، فإن لم يأمره وصلى إلى غير القبلة، قال أبو حنيفة ﵀: تجوز صلاته، وقالا: لا تجوز.
وكذلك على هذا إذا كان على فراش نجس إن كان لا يجد فراشًا طاهرًا، أو يجد فراشًا طاهرًا ولكن لا يجد أحدًا يحوله إلى فراش طاهر، فصلى على هذا الفراش الطاهر جازت صلاته، فإن كان يجد أحدًا يحوله إلى فراش طاهر ينبغي أن يأمره حتى يحوله، فإن لم يأمره وصلى على فراش نجس، قال أبو حنيفة ﵀: يجوز، وقالا: لا يجوز، وهذا بناءً على أصل معروف.
وهو أن القادر بقدرة الغير هل يصير قادرًا؟ قال أبو حنيفة ﵀: لا يصير قادرًا، وقالا: يصير قادرًا حتى أن الأعمى لا يجب (عليه الحج والجمعة، وإن كان له ألف قائد عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما: يجب الحج والجمعة. قال شمس الأئمة ﵀: قول محمد ﵀ في «الكتاب»: إذا صلى متعمدًا إلى غير القبلة لا يجزئه رواية أن فاعله لا يكفر بخلاف ما قاله بعض المشايخ ﵏.
وإن صلى المريض قبل الوقت عمدًا أو خطأ لم يجزئه؛ لأنه صلى قبل الوجوب، وقبل وجود سبب الوجوب، وصار هذا كمن صام رمضان قبل شهر رمضان؛ ولأن المريض فيما يقدر عليه كالصحيح، والصحيح لا تجوز له الصلاة قبل الوقت، فكذا المريض.
ومعنى المسألة: وهو أن يصلي قبل الوقت مخافة أن لا يشغله المرض عن الصلاة، وكذلك لو صلى بغير قراءة، أو بغير وضوء لم يجزه أيضًا لما ذكرنا أن المريض فيما قدر
[ ٢ / ١٤٨ ]
عليه كالصحيح، فإن عجز عن القراءة يومىء لغير قراءة؛ لأن القيام والركوع والسجود ركن كما أن القراءة ركن، ثم العجز عن تلك الأركان يسقط الأركان حتى يصلي مضطجعًا بالإيماء، فكذا العجز عن القراءة يسقط القراءة حتى يصلي بغير قراءة، فإن عجز عن الوضوء يصلي بالتيمم.
والمومىء يسجد للسهو بإيماء؛ لأن سجدة السهو دون الصلاتية، فلما جازت الصلاتية بالإيماء حالة العجز فالسهو أولى.
وليس للمريض أن يقصر الصلاة كالمسافر؛ لأن القصر في حق المسافر عرف بالنص، ولا نص في حق المريض، وإذا أراد المريض أن يجمع بين الصلاتين، فصلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها، لأن المرض عذر كالسفر، ثم المسافر كذا يجمع بين الصلاتين، فكذا المريض، ولا يجمع بين الصلاتين في وقت واحد ولا يدع الوتر، ولا يترك القنوت في الوتر.
الأحدب إذا كان قيامه ركوعًا يشير برأسه للركوع؛ لأنه عاجز عما هو فوقه.
وفي «الفتاوى»: إذا قال المريض عند القيام والانحطاط: بسم الله لما يلحقه من المشقة لا تفسد صلاته؛ لأنه ليس من كلام الناس، ولم يخرجه جوابًا. وذكر في «مختلف الرواية» أن في قياس قول أبي حنيفة: تفسد صلاته، وفي قياس قول أبي يوسف ﵀: لا تفسد.
رجل له عبد مريض لا يقدر على الوضوء فعلى المولى أن يوضئه هكذا روي عن محمد ﵀؛ لأنه ما دام في ملكه كان عليه تعاهده.
أبو سليمان عن محمد: رجل افتتح الصلاة قاعدًا من غير عذر، ثم قام يصلي بذلك التكبير لم تجز صلاته، ولو افتتح قائمًا ثم قعد من غير عذر فجعل يركع مع الإمام وهو جالس ويسجد، قال: لا يجزئه، وإن كان لم يسجد بالأرض لكنه أومأ إيماءً، فإنه يقوم ويتبع الإمام في صلاته، وهي تامة أي: صلاته تامة، وقد أساء فيما فعل (١١٥أ١) يريد بقوله: يقوم ويتبع الإمام في صلاته: أنه إذا أومأ بالركوع والسجود، ولم يركع ولم يسجد ينبغي له أن يقوم ويركع ويسجد ليصير إتيانًا بالمأمور به، وصلاته تامة؛ لأنه لم يوجد منه سوى الإيماء، وبمجرد الإيماء لا تفسد صلاته. وقوله: قد أساء فيما فعل معناه وقد أساىء فيما أومأ أول مرة.
ابن سماعة عن محمد: مريض صلى أربع ركعات جالسًا، فلما قعد في الثانية منها قرأ وركع قبل أن يتشهد، قال: هو بمنزلة القيام؛ لأنه من عمل القيام، وإن كان حين رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية نوى القيام ولم يقرأ ثم عمل، قال: يعود ويتشهد وليست النية في هذا بعمل، وهذا لأنه جالس حقيقة إلا أنه في الفصل الأول وجدها هو من أعمال القيام وهو القراءة فاعتبر تباعًا، وفي الفصل الثاني لم يوجد إلا مجرد النية، ومجرد النية لا أثر لها في تغيير الحقائق.
مريض صلى جالسًا فلما رفع رأسه من السجدة الأخيرة في الركعة الرابعة فظن أنها
[ ٢ / ١٤٩ ]
ثالثة، فقرأ وركع وسجد بالإيماء فسدت صلاته؛ لأنه انتقل إلى النافلة قبل إتمام المكتوبة، ولو لم يكن في الركعة الرابعة، وإن كان في الثالثة فظن أنها ثانية، فأخذ في القراءة، ثم علم أنها ثالثة لا يعود إلى التشهد بل يمضي في قراءته، ويسجد للسهو في آخر الصلاة.
ذكر الحاكم مرسلًا: رجل صلى يومىء إيماءً فلما كان في الرابعة ظن أنها الثالثة، فنوى القيام فقرأ فكان في قراءته مقدار التشهد ثم تكلم، قال: أجزأته صلاته من قبيل أن قراءته ليست في موضع قراءة تجزئه من شيء يعتد به، فلا تفسد عليه قعوده، قال: ولا يكون قائمًا بنية القيام حتى يكون مع ذلك عمل يجزىء من شيء في الصلاة، أو بزيادة ركوع أو سجود. ولو كان صلى ركعتين بإيماء، فلما رفع رأسه من السجود ظن أنها الركعة الرابعة، فنوى أن يكون قائمًا فقرأ ﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ وسورة ثم ذكر أنها الثالثة، قال: هذا يركع للثالثة، ولا يعود ليتشهد الثانية؛ لأنه صار بالقراءة بمنزلة من قام.
ذكر الحاكم: رجل صلى الظهر بإيماء، فصلى ركعتين بغير قراءة ساهيًا، ثم ظن أنه إنما صلى ركعة، فنوى القيام، فقرأ وركع وسجد، ثم علم أنه هذه الثالثة، فصلى الرابعة بقراءة أجزأته صلاته. ولو كان قرأ في الأوليين، فلما رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الرابعة ظن أنها الثالثة، فنوى القيام، ومكث ساعة كذلك، ثم استيقن أنها الرابعة، فلم يحدث نية في الجلوس حتى مكث كذلك مقدار التشهد لم تفسد عليه صلاته.
ومن يصلي التطوع قاعدًا بعذر أو بغير عذر ففي التشهد يقعد كما في سائر الصلوات إجماعًا، أما حالة القراءة فعن أبي حنيفة ﵀ إن شاء فكذلك قعد، وإن شاء تربع، وإن شاء احتبى، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يحتبي، وروي عنه أنه يتربع إن شاء، وعن محمد ﵀ أنه يتربع.
وعن زفر ﵀: أنه يقعد كما في التشهد، ثم قال أبو يوسف ﵀: يحل القعد عند السجود، وقال محمد ﵀: عند الركوع كذا ذكر الشيخ الإسلام خواهر زاده ﵀: في أول صلاته، وذكر هو في آخر باب الحدث أنه يخير بين التربيع والاحتباء حكي عن اختلاف زفر أن في صلاة الليل يتربع عند أبي حنيفة ﵀ من أول الصلاة إلى آخرها.
وقال أبو يوسف ﵀: إذا جاء وقت الركوع والسجود يقعد كما يتشهد في المكتوبة، وقال زفر ﵀: يقعد من أول الصلاة إلى آخرها كما في تشهد المكتوبة، وعن أبي حنيفة ﵀ أن الأفضل أن يقعد في موضع القيام محتبيًا. قيل: ورأينا في «مختصر الكرخي» عن محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله يقعد كيف شاء، وهو قول محمد ﵀. وروى الحسن ﵀ أنه يتربع وإذا أراد أن يركع بنى رجله اليسرى وافترشها.
قال القدوري ﵀: أطلق أبو الحسن رواية الحسن وهو عن أبي يوسف ﵀، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف رحمهما الله أنه يركع متربعًا، وقال زفر:
[ ٢ / ١٥٠ ]
يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته، وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ أن الفتوى على قول زفر في هذا. والله أعلم.
ما ذكر محمد ﵀ في «الزيادات»
رجل بحلقه خراج ولا يستطيع أن يسجد إلا ويسل خراجه، وهو صحيح فيما سوى ذلك يقدر على الركوع والقيام والقراءة، يصلي قاعدًا يومىء إيماءً، ولو صلى قائمًا بركوع وسجود، وقعد وأومأ بالسجود أجزأه، والأول أفضل. وإنما كان هكذا وذاك؛ لأن القيام لم يشرع قربة بنفسه، وكذلك الركوع، ولكن شرعا ليكونا وسيلتين إلى السجود، ولهذا كانت السجدة قربة بانفرادها، ولا كذلك القيام والركوع، وشرعت السجود مكررة يكون في ركعة، ولم يشرع القيام والركوع مكررًا في الركعة.
قلنا: وقد أمر بترك السجود هنا؛ لأنه لو سجد سال من خراجه شيء فتصير صلاته بغير طهارة، ولو لم يسجد كانت صلاته بطهارة ولكن من غير سجود.
قلنا: الصلاة مع الحدث لم تشرع في حالة الاختيار بحال، فأما الصلاة قاعدًا وبإيماء مشروع في حالة الاختيار، حتى أن المتنفل إذا صلى قاعدًا أو على الدابة بإيماء جاز، فكان ترك السجود أهون من تحمل الحدث، وقد عرف أن من ابتلي ببليتين يختار أهونهما، وإذا أمر بترك السجود هنا، أمر بترك القيام والركوع بطريق التبعية، ولكن مع هذا إن قام وركع جاز؛ لأن السجود هنا بقي مشروعًا، ولهذا لو تكلف وفعله بلا حدث جاز، فبقي القيام والركوع أيضًا مشروعًا تحقيقًا للتبعية، فإذا أتى به فقد أتى بما هو مشروع فجاز، إلا أنه لما أمر بترك السجود لما قلنا أمر بترك القيام والركوع أيضًا بطريق التبعية، لكن مع كونهما مشروعين في نفسهما فجاز الإتيان بهما.
وكذلك إذا كان به جراحة إذا قام سال جرحه، وإذا قعد لا يسيل، أو كان شيخًا كبيرًا إذا قام سلسل بوله، وإذا قعد استمسك، يصلي قاعدًا بركوع وسجود، وإن كان لو سجد سال أيضًا صلى قاعدًا يومىء إيماءً، ويجعل السجود أخفض من الركوع لما عرف في مواضع كثيرة. وإنما كان هكذا لما قلنا: أنه لو قام صار مصليًا بدون الطهارة، وذلك غير مشروع في حالة الاختيار بحال، وإذا قعد كانت صلاته بطهارة ولكن على غير قيام، وذلك مشروع في حالة الاختيار على ما مر، فكان ترك القيام أهون من تحمل الحدث، وهذا والأول سواء إلا أن هنا لو صلى قائمًا لا يجوز، وهناك يجوز؛ لأن هنا السيلان يوجد في حالة القيام، فيصير مصليًا مع الحدث فلا يجوز، ولا كذلك الفصل الأول.
وعلى هذا لو أن شيخًا كبيرًا إذا قام ضعف وعجز عن القراءة، وإذا صلى جالسًا يركع ويسجد، ويقدر على القراءة أمر بأن يصلي قاعدًا بركوع وسجود؛ لأن الصلاة بغير قراءة لا تجوز في حالة الاختيار بحال، وتجوز الصلاة قاعدًا مع القدرة على القيام، وبالإيماء راكبًا مع القدرة على النزول، فكان ترك القيام أهون من ترك القراءة.
وإذا كان بالرجل جرح إن قعد أو قام سال، وإن استلقى على قفاه رقأ الجرح، فإنه يصلي قائمًا يركع ويسجد، وكذلك من به سلسل البول إذا كان بحيث يستمسك إذا استلقى
[ ٢ / ١٥١ ]
على قفاه، وإنما كان كذلك، وذلك؛ لأن الصلاة مع الحدث في حالة الاختيار لا تجوز بحال، والصلاة مستلقيًا على قفاه فكذلك، فاستويا من هذا الوجه إلا أنه إذا صلى قائمًا فاته فرض واحد وهو الطهارة من الحدث، ولو صلى مستلقيًا على قفاه يلزمه تحمل الاستلقاء، وترك القيام والركوع والسجود، فكان ما قلنا أهون الأمرين.
وذكر في «المنتقى» عن أبي سليمان عن محمد ﵀: رجل به جرح إن اضطجع فأومأ لم يسل (١١٥ب١) وإن قعد سال، قال: يصلي مضطجعًا ويومىء إيماءً. فعلى قياس ما ذكر في «المنتقى» ينبغي في مسألة «الزيادات» أن يصلي مستلقيًا على قفاه.
ومن هذا الجنس
مسألة لا ذكر لها في شيء من الكتب، وهي أن المريض إذا كان يقدر على القيام لو كان يصلي في بيته، ولو خرج إلى الجماعة يعجز عن القيام يصلي في بيته قائمًا، أو يخرج إلى الجماعة ويصلي قاعدًا، اختلف المشايخ فيه.
قال بعضهم: يصلي في بيته قائمًا؛ لأن القيام فرض في الصلاة، فلا يجوز تركه لأجل الجماعة وهي سنّة. وأما من يقول: يخرج إلى الجماعة يقول: ليس في هذا ترك الفرض؛ لأن القيام إنما يفترض عليه إذا كان قادرًا عليه وقت الأداء وهو عاجز عنه حالة الأداء، وإذا لم يكن القيام فرضًا عليه حالة الأداء لعجزه، وإنما اعتبر حالة الأداء في باب الصلاة لا حالة الوجوب لم يكن سبب الجماعة مدركًا فرضًا، فكان عليه مراعاة الجماعة.
وفي «المنتقى» عن إبراهيم عن محمد رحمهما الله: في رجل إن صام رمضان يضعف ويصلي قاعدًا، وإن أفطر يصلي قائمًا، قال: يصوم ويصلي قاعدًا.
وفيه أيضًا: عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف ﵀: فيمن خاف العدو إن صلى قائمًا، أو كان في خباء لا يستطيع أن يقيم صلبه فيه، وإن خرج لم يستطع أن يصلي من الطين والمطر قال: يصلي قاعدًا.u
والله أعلم.