قال: رجل دخل في الصلاة ثم أحدث حدثًا من بول أو غائط أو ريح أو شيء لا يتعمد به، فلا يخلو إما إن كان إمامًا أو مقتديًا أو منفردًا،.
فإن كان إمامًا تأخر وقدم رجلًا من خلفه ليصلي بالقوم، ويذهب هو فيتوضأ ويبني صلاته إن لم يتكلم عندنا استحسانًا.
وفي القياس: وهو قول الشافعي ﵀ يستقبل الصلاة وكان مالك يقول أولًا يبني ثم رجع وقال: يستقبل فعابه محمد ﵀ في كتاب الحج ارجوعه من الآثار إلى القياس، ولم يذكر في «الكتاب» أن المستحب أن هذا، وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما أنه قال: المستحب أن يقطع الصلاة ويستقبل، وأجمعوا أنه لو أحدث متعمدًا لا يجوز له البناء، إنما الاختلاف فيا إذا سبقه الحدث من غير قصد.
[ ١ / ٤٨١ ]
وأجمعوا أنه لو نام في الصلاة واحتلم لا يجوز له البناء استحسانًا، وأجمعوا على أنه لو أغمي عليه أوجن في الصلاة لا يجوز له البناء، احتج الشافعي ﵀ في المسألة، وقال هذا حدث وجد في وسط الصلاة، فيمنع البناء مقاسًا على الحدث العمد، والاحتلام في النوم والجنون والإغماء، هذا لأن الطهارة كما هي شرط صحة التحريمة فهي شرط بقاء التحريمة؛ لأن المقصود لا يحصل بدون الطهارة، فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون الطهارة، فكذلك بقاؤها؛ لأن الحدث منافٍ للصلاة، قال ﵇: «لا صلاة إلا بطهور» ولا بقاء للعبادة مع وجود ما ينافيها، والدليل عليه أنه لو أخلد ساعة بعدما أحدث ثم انصرف وتوضأ لا يبني، فكذلك ها هنا.
وعلماؤنا ﵏ قالوا القياس ما قال الشافعي ﵀، إلا أنا تركنا القياس بالأثر، وهو ما روي عن أبي مليكة عن عائشة ﵂ عن النبي ﵇ أنه قال: «من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته، فلينصرف وليتوضأ، وليبنِ على صلاته ما لم يتكلم» وروي عن عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «من قاء أو رعف انصرف وتوضأ وليبنِ على صلاته ما لم يتلكم» .
وفي المسألة إجماع في صلاة الصحابة رضوان الله عليهم، فإنه روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وسلمان الفارسي رضوان الله عنهم أجمعين أنهم قالوا مثل قولنا، وترك علماؤها القياس بهذه الآثار وبقينا التحريمة بالآثار بخلاف القياس، والآثار وردت في الحدث السماوي، فلا يقاس عليه الحدث العمد؛ لأن الحدث العمد فوق السماوي.
ألا ترى أن الشرع ما أوجب القضاء والكفارة في أكل الناسي، وأوجب في أكل العامد فنأخذ (به) ولا نقيس هذا على ذلك فكذلك ها هنا (٧٧أ١) .
والدليل على الفرق بينهما: أن في الحدث العمد يأثم، وها هنا لا يأثم وليس هذا كالاحتلام؛ لأنا عرفنا البناء في الحدث الصغرى بخلاف القياس، والنص الوادر في شيء يكون واردًا لما هو مثله أو دونه، (أو ما لا) يكون واردًا فيما هو فوقه، والجنابة فوق الحدث الصغرى فالنص الوارد ثم لا يكون واردًا ها هنا.
وليس هذا كالإغماء والجنون؛ لأنه إذا أغمي عليه أو جن صار محدثًا من ساعته، وكما صار محدثًا لا يمكنه الانصراف في تلك الساعة نفسها به، بل يمكث ساعة ثم يفيق، والمفيق إذا سبقه الحدث في الصلاة، فمكث ساعة ثم انصرف تفسد صلاته فلا يمكنه البناء بعد ذلك؛ وهذا لأنه متى مكث ساعته يصير مؤديًا جزءًا من الصلاة مع الحدث، وأداء الصلاة مع الحدث لا تجوز، ففسد ما أدى، وإذا أفسد ما أدى يفسد الباقي ضرورة، وإن كان مقتديًا يذهب ويتوضأ، وإن كان فرغ من الوضوء قبل أن يفرغ
[ ١ / ٤٨٢ ]
الإمام من الصلاة فعليه أن يعود إلى مكانه لا محالة؛ لأنه بقي مقتديًا ولو أتم يعيد الصلاة في بيته لا يجزئه؛ لأن بينه وبين إمامه ما يمنع صحة الاقتداء لوقوع إمامه تجير المقتدي بين أن يعود إلى المسجد، وبين أن يتمه في بيته على ما بين، وإن كان منفردًا يذهب ويتوضأ ثم يتخير بين الرجوع إلى المسجد ليكون مؤديًا جميع الصلاة في مكان واحد وبين أن يتم في بيته إذ ليس المشي في الصلاة، وذلك لا يضره، واختلف المشايخ في فضله للمنفرد وللمقتدي إذا فرغ الإمام من صلاته.
ذكر الإمام السرخسي ﵀، والإمام خواهر زاده ﵀: أن العود إلى المسجد أفضل، وبعض مشايخنا قالوا: الصلاة في بيته أفضل لما فيه من تقليل المشي.
وذكر في «نوادر ابن سماعة»: في المقتدي أنه إذا عاد إلى المسجد بعد ما فرغ الإمام تفسد صلاته؛ لأنه مشى في صلاته من غير حاجة، إلا أن محمد بن الحسين رحمة الله عليه لم يقسم هذا التقسيم، والصحيح ما بينا.
والرجل والمرأة في حق حكم البناء سواء، هكذا ذكر محمد رحمة الله عليه في الباب الأول من «الجامع الكبير»: وهذا لأن جواز البناء عرف بالحديث الذي روينا أنه يتناول الرجل والمرأة لأن النبي ﵇ ذكره بكلمة (من) عامة للرجال والنساء جميعًا.
وعن أبي يوسف رحمة الله عليه في غير رواية «الأصول»: إذا أمكنها البناء من غير كشف العورة بأن أمكنها غسل ذراعها مع الكمين، وأمكنها مسح الرأس مع الخمار بأن كانا رقيقين يصل الماء إلى ما تحتهما فكشفتها لا تبني، لأنها كشفت عورتها من غير حاجة، فهو نظير الرجل إذا كشف عورته حالة البناء من غير حاجة، وإن لم يمكنها المسح والغسل بدون الكشف بأن كان عليها جبة وخمار ثخين لا يصل الماء إلى ما تحتها، فكشفت الذراعين والرأس فإن لها البناء لأنها كشفت عورتها لحاجة.
فهو نظير الرجل إذا كشف عورته لحاجة بأن جاوزت النجاسة موضع الخروج أكثر من قدر الدرهم، حتى وجب عليه غسل ذلك الموضع يجوز له البناء، كذا هنا إلا أن محمدًا ﵀ أطلق الجواب في «الجامع»: إطلاقًا لأنه لا يمكنها غسل الذراعين من غير الكشف إلا بالغسل مع الكمين وفي ذلك حرج عليها، والحرج في الأحكام ملحق بالعجز ولو عجزت عن البناء إلا بعد كشف العورة جاز لها البناء، وكذا إذا خرجت.
وعن إبراهيم بن رستم ﵀: أنه قال: لا يجوز للمرأة البناء، لأن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة فتحتاج إلى كشف العورة، فلا يجوز لها البناء.
بعض مشايخنا قالوا: ليس الأمر كما قال إبراهيم، والإطلاق في الجواب أنه لا يجوز لها البناء لا وجه إليه، لأن وجه المرأة ليس بعورة، وكذا الذراعين منها ليس بعورة في رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، والقدم منها ليس بعورة في رواية أبي حنيفة ﵀، بقي الرأس منها، فإن أمكنها أن تمسح على خمارها وتصل البلة إلى شعرها لا
[ ١ / ٤٨٣ ]
يحتاج إلى كشف العورة فيجوز لها البناء، وإن لم يصل البلة إلى شعرها، لأن يحتاج إلى كشف العورة، فلا يجوز لها البناء، ولكن كلا القولين بخلاف قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وعن محمد ﵀ في «النوادر»: أن الرجل إذا سبقه الحدث لا يستنجي، إن استنجى من تحت ثيابه فإن صلاته لا تفسد وبنى، وإن كشف عورته فسدت صلاته، ولا يبني، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه»، وهذا لأنه إن لم يكن مصليًا فهو في حرمة الصلاة وقد حصل الكشف عن غير ضرورة وحاجة؛ لأن الاستنجاء سنة فإن قاء في صلاته مرة أو طعامًا أو ماء أو تقيأ هل يبني على صلاته؟ فهذا على وجهين:
إن كان أقل من ملء الفم لا تفسد صلاته ولا حاجة إلى البناء، القيء والتقيؤ في سواء، وإن كان ملء الفم ففي القيء، وهو ما إذا ذرعه القيء من غير قصد، فيذهب ويتوضأ ويبني عليه صلاته ما لم يتكلم كما في الرعاف، وفي التقيؤ: لا يبني، لأن هذا حدث عمد فيفسد الصلاة، فيمنع البناء، وإذا فعل بعدما سبق الحدث فعلًا ينافي الصلاة، فإن كان فعلًا لا بد منه كالمشي والاغتراف من الإناء لا يمنع البناء، وإن كان فعلًا له منه بد بأن دخل المخرج أو جامع أهله أو تغوط أما أشبه ذلك منع البناء، لأن تحمل ما لا بد منه لأجل الضرورة، وذلك لا يوجد فيما له منه بد، فيرد إلى ما يقتضيه القياس.
وكذلك إذا فعل فعلًا لا بد منه بحكم الحال، وله منه بد في الجملة نحو أن يستقي ماء الوضوء من البئر؛ لا يبني لأن الأحوال يعتبر لبقاء الأحكام الشرعية وإنما تعتبر الجملة وفي الجملة لا يحتاج إلى الاستقاء من البئر؛ لأن الحاجة تندفع بالاغتراف من الجب.
وفي «الفتاوى»: إذا سبقه الحدث والماء بعيد ويقربه بئر يذهب إلى الماء لأنه لو نزح الماء من البئر استقبل الصلاة.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر» ﵀: إذا سبقه الحدث وفي إناء (ماء) فيتوضأ بذلك الماء حمل ذلك الإناء إلى موضع صلاته جاز له البناء إن كان حمل الإناء على حده لأنه عمل يسير، وإن ملأ الإناء وحمل مع نفسه ليتوضأ لا يبني.
ولو أدى شيئًا من صلاته مع الحدث قد فسد فيفسد الباقي ضرورة عدم التحري.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا تفكر الإمام المحدث من يقدم ولم ينو بمقامه الصلاة لم تفسد صلاته شرط في حال تفكره أن لا ينوي بمقامه أبطل الأداء مع الحدث.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد ﵀: إمام أحدث في سجوده فرفع رأسه وكبر وكبر معه الناس، قال: فسدت صلاته وصلاة القوم، قال: لأنه كبر بعد الحدث ومعه الناس فقد مع الحدث.
[ ١ / ٤٨٤ ]
وفي «الفتاوى»: لأبي الليث ﵀: إذا صلى فسبقه الحدث في قيامه في موضع القراءة، فذهب ليتوضأ، فسبح في ذلك الوقت قبل أن يتوضأ فصلاته تامة وإن قرأ فصلاته فاسدة، لأنه أدى ركنًا من الصلاة مع الحدث، والجواب بينما إذا قرأ ذاهبًا أو عائدًا عند بعض المشايخ، ومن المشايخ فقال: إن قرأ ذاهبًا تفسد، وإن قرأ عائدًا لا تفسد، ومنهم من قال على العكس، والمختار أنه لا فرق؛ لأنه إن قرأ ذاهبًا فقد أدى ركنًا من الصلاة مع الحدث، وإن قرأ عائدًا فقد أدى ركنًا من الصلاة مع عمل السير.
وفي «المنتقى»: قال الحاكم: وفي «نوادر الصلاة»: أحدثت فاقتضت في ما لها فتوضأت ثم تقنعت بنت، وإن رجعت إلى الصلاة غير قامت ثم تقنعت استقبلت، وإن قهقهة في صلاته توضأ واستقبل الصلاة ناسيًا كان أو عامدًا لأن البناء لأجل البلوى، وذلك لا يتحقق في القهقهة، ولأن جواز البناء عرف بخلاف القياس بالشرع في الحدث الحقيقي الذي يسبقه، والقهقهة حدث حكمي فيكون مردودًا إلى أصل القياس (٧٧ب١) وإن ضحك دون القهقهة يبني على صلاته؛ لأن القهقهة عرفت حدثًا بخلاف القياس في الشرع.
ألا ترى أنه لا يكون حدثًا خارج الصلاة، والضحك دون القهقهة.
ألا ترى أن القهقهة لا تكون واردًا في الضحك، وإن قهقه بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم لا تفسد صلاته، لأنه خارج من الصلاة بالقهقهة وليس عليه ركن من أركان الصلاة، ولا واجب من واجباتها، وعليه الوضوء لصلاة أخرى عندنا، خلافًا لزفر رحمة الله عليه؛ لأن هذه القهقهة لا توجب فساد الصلاة، والشرع إنما جعل القهقهة موجبة أيضًا انتقاض الطهارة في موضع أوجبت فساد الصلاة يرد إلى الأصل، ولعلمائنا ﵏ أن القهقهة لاقت حرمة الصلاة.
ألا ترى أنه لو اقتدى به إنسان في هذه الحالة إلا أن الصلاة لا تفسد؛ لأنه صار خارجًا عن الصلاة بالقهقهة وليس عليه ركن ولا واجب والله أعلم.
وإذا أصاب المصلي حدث من غير فعله بأن شجه إنسان استقبل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف ﵀: يبني؛ لأن الحدث سبق بغير صنعه فهو كالحدث السماوي.
ولهما: أن العذر فيها جاء من لا قبل من له الحق، وفي الحدث السماوي جاء من قبل من له الحق.
ألا ترى أن المريض يصلي قاعدًا ثم لا يلزمه الإعادة إذا بره فصلى قاعدًا ثم يعيد إذا زاد من العبد.
والفقه فيه: أن التحرز عن العباد ممكن في الجملة بخلاف العذر السماوي، فإن التحرز عنه لا يمكن فلم يجز إلحاق هذا بذلك، ولو سقط من السطح يسبح
[ ١ / ٤٨٥ ]
برأسه رأيته إن كان بمرور الماء فهو على الاختلاف، وإن كان لا بمرور ماء فمن مشايخنا من قالوا: شيء فلا خلاف؛ لأنه حصل لا بصنع من جهة العباد، ومنهم من قال: على الاختلاف؛ لأن الشرط مضاف إلى الواضع، ولو وقع الكمثري من الشجر على رأسه فهو على هذا.
منهم من قال: لا يبني لأنه حصل بصنعه، فإنه يمكنه التحفظ منه، ومنهم من قال: على الاختلاف، ولو أضاف بدنه أو ثوبه نجاسة إن أصاب بسبب مطلق له البناء بأن قاء أو رعف فأصاب ثوبه أو بدنه من ذلك يغسل ويبني؛ لأن هذه نجاسة حقيقية أصابته لا بصنع من جهة العباد فيعتبر بنجاسة تصيبه لا من جهة العباد، ولأن الشرع لما جوز البناء بمطلق رعاف مع علمه أن ذلك قد لا يخلو عن النجاسة علم أنه جعله عفوًا، فأما إذا أصابته لا بسبب يطلق له البناء، فإن انتضح البول على ثوبه أكثر من قدر الدراهم فغسلها يبني.
وعن أبي يوسف رحمة الله عليه: إنه يبني، وقيل الغسل: لو أمكنه النزع فإن يجد ثوبًا آخر ينزع من ساعته أجزأه، لأن النجاسة الكثيرة في مدة قليلة بمنزلة النجاسة القليلة في مدة كثير، كما أن الكشف الكبير من مدة قليلة بمنزلة الكشف القليل في مدة كثيرة.
وإن لم يمكنه النزع من ساعته بأن لم يجد ثوبًا آخر، فإن أدى جزءًا من الصلاة مع ذلك الثوب تفسد صلاته بالإجماع، وإن لم يؤد جزءًا من الصلاة ولكن مكث كذلك لم تفسد صلاته، وإن طال مكثه وإن أمكنه النزع في ساعته بأن كان يجد ثوبًا آخرًا، فلم ينزع ولم يؤد جزءًا من الصلاة اختلف أصحابنا فيه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: تفسد صلاته فيذهب ويغسل الثوب ويستقبل الصلاة، وقال محمد ﵀: لا تفسد صلاته، فيغسل ويبني أصاب جسده.
وعلى هذا الاختلاف مسائل: إحداها في النجس حملت ساعة فإن كان بعذر بأن لم يمكنه أن يتحول ولم يؤد شيئًا، فإن صلاته لا تفسد، وإن مكث بغير عذر، ولم يؤد شيئًا فهو على الاختلاف.
وكذلك المصلي إذا سقط عنه ثوبه فمكث عريانًا ولم يستتر من غير عذر ولم يؤد شيئًا فعلى هذا الاختلاف محمد ﵀ يقول: لم يؤد شيئًا في الصلاة فلا تفسد، كما لو مكث بعذر وهما يقولان: مكث من غير عذر فتفسد كما لو أدى ركنًا، وهذا لأن بقاء الحرمة بعد فوات هذه الشرائط بخلاف القياس والشرع إنما الانصراف من ساعته، والله أعلم.
وإن أصابه الدم بسبب الرعاف وأصابه بغير أدنى سبب آخر، وذلك أقل من قدر الدرهم لكن مع الرعاف أكثر من قدر الدرهم فغسل النجاسة التي لا تسبب الرعاف تثبت صلاته سواء كانا في محلة واحدة أو في محلتين، وإن سال من دمل به دم توضأ وغسل
[ ١ / ٤٨٦ ]
ويبني ما لم يتكلم، ولو أصاب ثوبه من ذلك الدم، فإنه يغسل الثوب ويبني بخلاف ما إذا أصابته نجاسة أخرى فغسلها حيث لا يبني، وإن عصر الدمل حتى سال أو كان في موضع ركبتيه فانفتح من اعتماده على ركبتيه في سجوده فهذا بمنزلة الحدث العمد فلا يبني على صلاته، ولو خاف المصلي سبق الحدث فانصرف ثم سبقه فتوضأ ليس له أن يبني في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر ﵏.
وعن أبي يوسف ﵀: أنه يبني ذكر الاختلاف في اختلاف.m
ويعقوب.
حجته: أن الخوف من سبق الحدث كسبق الحدث من حيث الحكم، والمعنى حجة أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أن جواز البناء عرف بالنص بخلاف القياس عند سبق الحدث، فلا يجوز الانصراف قبل سبق الحدث، ولو ظن الإمام أنه أحدث ثم علم أنه لم يحدث، وهو في المسجد رجع وبنى.
وروي عن محمد ﵀: أنه لا يبني وإن خرج من المسجد فسدت صلاته ولو ظن أنه على غير وضوء أو أن في ثوبه نجاسة فابتعد وتحول إلى القبلة فسدت صلاته، وكذا المتيمم إذا رأى سرابًا فظنه ماء ولم يسلم في الركعتين ساهيًا على ظن أنه تيمم ثم يبني له ذلك صار حكمه وحكم الذي ظن أنه أحدث سواء على الاختلاف الذي ذكرنا.
وجه (ما) روي عن محمد رحمة الله عليه وهو القياس أنه انحرف عن القبلة بغير عذر فتفسد صلاته كالذي ظن أنه على غير وضوء كالمتيمم إذا رأى سرابًا ظنه ماء.
وجه الاستحسان؛ إن عرضه إصلاح صلاته والاستدبار بهذا القصد ليس بقاطع بدليل أنه لو تحقق ما توهم بنى فلم يكن على هذا القصد قاطعًا، لأن الصلاة يلائمها ما يصلحها الأداء مسجد؛ لأن اختلاف المكانين قاطع للصلاة لا عند العذر وبخلاف ما لو ظن أنه على غير وضوء، والمتيمم إذا رأى سرابًا ظنه ماء؛ لأن لم يكن فيما صنع قاصدًا إلى إصلاح صلاته بل كان قاصدًا رفض التحريمة بدليل أنه لو تحقق ما توهم يبني والانحراف عن القبلة بهذا القصد مفسد للصلاة، وإذا كان يصلي في الصحراء فظن أنه أحدث فذهب عن مكانه ثم علم أنه لم يحدث بأن كان يصلي وحده فموضع سجوده ككونه في المسجد، وكذلك يمينه وشماله وخلفه، وإن كانوا يصلون بالجماعة فإن انتهى إلى آخر الصفوف ولم يجاوز الصفوف صلى ما بقي استحسانًا، وإن جاوز الصفوف استقبل الصلاة، وإن تقدم إمامه وليس بين يديه بناء ولا سترة إن تقدم بمقدار ما لو قام جاوز الصفوف فسدت صلاته، وإن كان أقل من ذلك لا تفسد وصلى ما بقي.
وإن كان بين يديه حائط أو سترة، فإذا جاوزها بطلت صلاته، وذكر هشام عن محمد رحمة الله عليهما: لا تفسد صلاته حتى يتقدم مثل ما لو تأخر خرج من الصفوف
[ ١ / ٤٨٧ ]
وجاوز أصحابه وإن كان بين يديه سترة، والله أعلم.