الأصل في جواز التيمم قول الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (النساء: ٤٣) وقوله ﵇: «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء» وقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا أينما أدركتني الصلاة
[ ١ / ١٣٢ ]
تيممت وصليت» . وهذا الفصل يشتمل على أنواع:
الأول: في كيفيتهِ وصفته.
قال محمد ﵀ في بعض روايات «الأصل»: يضع يديه على الأرض، وقال بعضهم يضرب يديه على الأرض ضربة، والآثار جاءت بلفظة الضرب أفضل لأن بالضرب يدخل التراب إلى الأصابع وبالوضع لا يدخل. ثم قال بعضهم: ويمسح بهما وجهه، والمروي عن أبي يوسف ﵀ أن ينفضهما مرتين، والمروي عن محمد ﵀ أن ينفضهما مرة. قالوا: ولا خلاف في الحقيقة؛ لأن ما روي عن أبي يوسف محمول على ما إذا ألصق بيديه من التراب شيء كثير، وما روي عن محمد محمول على ما إذا ألصق بيديه من التراب شيء قليل والمرة تكفي، والمرتان لا بأس بهما، وهذا لأن الواجب المسح بكف موضوع على الأرض لا استعمال التراب لأن ذلك مثله.
قال: ثم يضرب يديه ضربة أخرى على الأرض ثم ينفضهما ويمسح اليمن باليسرى ويمسح اليسرى باليمن، يمسح كفيه وذراعيه إلى المرفقين، هذا هو مذهب علمائنا. وللعلماء في المسألة أقاويل كثيرة، والصحيح مذهبنا، لما روي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين» . وعن بعض موالي رسول الله ﵇ قال: «التيمم ضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين» .
ولم يذكر في «الكتاب» نصًا أنه يضرب ظاهر كفيه على الأرض أو باطنهما، وإنما أشار إلى أنه يضرب باطنهما فإنه قال: فإن مسح وجهه وذراعيه ولم يمسح ظهر كفيه لا يجوز، وإنما يستقيم وضع المسألة على هذا الوجه إذا كان يضرب باطن كفيه على الأرض، قال أبو يوسف ﵀ في «الإملاء»: سألت أبا حنيفة ﵀ عن التيمم فقال: الوجه والذراعان إلى المرفقين، فقلت: كيف؟ قال: بيده على الصعيد فأقبل بيديه وأدبر ثم نفضهما ثم مسح وجهه ثم أعاد كفيه جميعًا على الصعيد فأقبل بهما وأدبر ثم رجعهما ونفضهما ثم مسح بكل كف ظهر ذراع الأخرى وباطنها إلى المرفقين.
وفي قوله: فأقبل بهما وأدبر وجهان:
أحدهما: أنه ضرب ببطن كفيه وظهرهما على الأرض. وعلى هذا الوجه يصير هنا رواية أخرى، بخلاف ما أشار إليه محمد ﵀.
والثاني: أنه أقبل بهما وأدبر لينظر هل التصق بكفيه شيء يصير حائلًا بينه وبين الصعيد، وقال بعض مشايخنا في كيفية التيمم: أنه إذا ضرب يديه على الأرض في المرة الثانية. ونفضها ينبغي أن يضع بطن كفه اليسرى على ظهر كفّه اليمنى ويمسح بثلاثة أصابع
[ ١ / ١٣٣ ]
يده اليمنى أصغرها ظاهر اليد اليسرى إلى المرفق ثم يمسح باطنه بالإبهام، والمستحب إلى رؤوس الأصابع.H
وهل يمسح الكف؟ تكلموا فيه، قال بعضهم: لا يمسح لأنه مسحه مرة حين يضرب يديه على الأرض. ثم يفعل باليد اليسرى على نحو ما ذكرنا في اليد. اليمن ولو مسح وجهه وذراعيه بضربة واحدة لا يجزئه.
ولو تمعك في التراب بنية التيمم فأصاب التراب وجهه ويديه أجزأه؛ لأن المقصود قد حصل. وفي بعض المواضع ذكر المسألة من غير شرط نية التيمم، والصحيح ما قلنا؛ لأن النية في التيمم شرط لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
ولو قام فهبت الريح أو هَدَمَ حائِطًَا فأصاب الغبار وجهه وذراعيه فمسحه بنية التيمم جاز في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن المقصود قد حصل، وبدون المسح بنية التيمم لا يجوز. وعلى هذا إذا ذرّ رجل على وجهه ترابًا لم يجز، فإن مسح ينوي به التيمم والغبار على وجهه جاز على قول أبي حنيفة ﵀ لما ذكرنا.
ذكر الكرخي ﵀ في كتابه: أن استيعاب العضوين بالتيمم واجب في ظاهر رواية أصحابنا حتى لو ترك المتيمم شيئًا قليلًا من مواضع التيمم لا يجزئه وهذا ظاهر؛ لأن التيمم قائم مقام الوضوء. ولو ترك المتوض شيئًا قليلًا من مواضع الوضوء في الوضوء لا يجزئه كذا هذا.
وروي عن محمد ﵀ في «النوادر» ما يؤكد هذا القول، فإنه روي عنه في «النوادر» أنه إذا لم يدخل الغبار من أصابعه فعليه أن يخلل ما بين أصابعه، وفي هذه الحالة يحتاج إلى ثلاث ضربات: ضربة للوجه وضربة لليدين وضربه لتخليل الأصابع، وهذا دليل على أنه إذا كان في أصبعيه خاتم أو على يدي المرأة سوار فلم ينزع في حالة التيمم أنه لا يجزئه. وروى الحسن عن أصحابنا أنه إذا ترك أقل من الربع يجزئه.
وفي «المجرد» رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه إذا مسح أكثر الكف والذراعين أنه يجوز كما في مسح الرأس ومسح الخف فعلى هذه الرواية الغرض استيعاب أكثر المحلّ لأن استيعاب جميع المحل؛ في الممسوحات لا يكون شرطًا يحرج لأن لا
وعلى هذه الرواية لا يجب تخليل الأصابع وينزع الخاتم والسوار. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وينبغي أن يحفظ هذه الرواية حدًا لكثرة البلوى فيه، وروي عن محمد ﵀ ما يخالف رواية الحسن فإنه روي عنه أنه لو ترك المسح على ظهر كفه لا يجزئه وظهر الكف أقل من الربع، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: ظاهر الرواية ما رواه الحسن أن المتروك لو كان أقل من الربع أنه يجوز وتخريج مسألة ظهر الكف: أن (١٨ب١) الكف عضو على حدة، فظهر الكف لا يكون أقل من الربع، فعلى رواية
[ ١ / ١٣٤ ]
الحسن يحتاج إلى الفرق بين التيمم وبين الوضوء:
وجه الفرق: أن حكم الوضوء أغلظ من حكم التيمم لذا شرع التيمم في عضوين والوضوء في أربعة أعضاء، واختلف العلماء في وجوب التيمم في الذارعين، قال الشافعي في القديم لا يجب، وهو قول مالك وقدروا الكبير بالربع، وإذا تيمم وهو مقطوع اليدين من المرافق فعليه أن يمسح موضع القطع عندنا ولا يجزئه تركه، وعند زفر ﵀ لا يمسح بناءً على أن المرفق عنده لا يدخل في فرض الطهارة.
فإن قيل: كيف يجب مسح ذلك الموضع وإنه لم يكن واجبًا قبل القطع قلنا: إنما لم يجب قبل القطع؛ لأنه كان مستورًا فلما قطع صار مكشوفًا، فإن كان القطع من فوق المرفق بأن كان من المنكب أو دون ذلك لم يكن عليه مسحه؛ لأنه لا يجب عليه غسله في الوضوء قبل القطع فلا يجب مسحه في التيمم بعد القطع والله أعلم.
(نوع آخر) في بيان شرائطه
فنقول من شرط صحته: النية وهذا مذهبنا، وقال زفر ﵀ النية ليست شرطًا لصحته، حجته: أن التيمم طهارة بالنص فلا يحتاج إلى النية كالوضوء. لنا: أن التيمم ليس بطهارة حقيقية. وإنما جعل طهارة بطريق الضرورة في حق المريد لإقامة القربة ولا إرادة إلا بالنية. واسم التيمم دليل عليه، فإنه عبارة عن القصد والقصد بدون النيّة لا يكون.
وتكلموا في كيفية النية روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: ينوي الطهارة لقربة لا تتأدى من غير طهارته؛ لأنها شرعت لأجلها، وذكر القدوري فقال: ينبغي أن ينوي الطهارة واستباحة الصلاة. وعن محمد ﵀ في الجنب إذا تيمم يريد بها الضوء أجزأه من الجنابة؛ لأن التيمم طهارة فلا تعتبر نية إستباحتها كالوضوء. وعن أبي بكر الرازي ﵀: أنه لا بُدّ من التمييز فينوي الحدث أو الجنابة؛ لأن التيمم لهما بصفة واحدة فلا بد من التمييز بالنية كالصلاة التي تقع عن الفعل والعرض لما كانت على صفة واحدة شرط نية التعيين كذا هذا.
وذكر القدوري في «شرحه»: أنه لو تيمم للنافلة جاز أداء الفرض به، وقال الشافعي: لا يجوز لأنها طهارة ضرورية فلا تظهر إلا فيما فيه ضرورة، ولنا: أن الضرورة إنما اعتبرت لضرورة التيمم طهارة. فإذا صارت طهارة بحكم الضرورة لا يفصل بين نوع ونوع، ألا ترى أنه لو تيمم للفرض جاز أداء النافلة به، ولم يعتبر ما قال كذا هذا.
وعلى هذا الخلاف إذا تيمم لفرض جاز أداء فرض آخر به عندنا خلافًا للشافعي. والمعنى من الجانبين ما ذكرنا وقوله ﵇: «التراب كافيك ولو إلى عشر حجج»، دليل لنا في المسائل كلها وفي «الفتاوى»: إذا تيمم الجنب لقراءة القرآن أو
[ ١ / ١٣٥ ]
لمس المصحف أو لدخول المسجد لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم عند عامة العلماء إلا على قول أبي بكر ابن سعيد البلخي.
ولو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أجزأه أن يصلي به المكتوبة بلا خلاف؛ لأن في الوجه الأول التيمم لم يقع في صلاة ولا لجزء من الصلاة. وفي الوجه الثاني وقع للصلاة أو لجزء من الصلاة، وقوله: لو تيمم لسجدة التلاوة دليل على أنه يجوز التيمم لسجدة التلاوة. وذكر القدوري في «شرحه»: أنه لا يجوز التيمم لسجدة (التلاوة) لأنها غير قربة فلا، يخاف فوتها لو أخّر إلى وقت الوضوء، والحاصل: أن على قول عامة العلماء: لو وقع التيمم للصلاة أو لجزء من الصلاة جاز أن يصلي به صلاة أخرى وما لا فلا.
وعلى هذا: إذا تيمم يريد به تعليم غيره أو تيمم لزيارة القبر لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم. ولو تيمم الكافر ثم أسلم لم يجزئه أن يصلي بذلك التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
ومن جملة الشرائط: طلب الماء في العمرانات حتى لو تيمم في العمرانات قبل الطلب لا يجزئه التيمم، وهذا بخلاف. وأما في الفلوات لا يشترط الطلب عندنا خلافًا للشافعي، حجته في ذلك: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (النساء: ٤٣) . ومعناه: بعد الطلب لأنه لا يقال لغير الطالب، لم يجد.
ولنا: أن الطلب غير منصوص عليه في الآية، والوجود لا يقتضي الطلب قال الله تعالى: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد﴾ (الأعراف: ١٠٢)، وقال ﵇: «من وجد لقطة فليعرفها» ويقال: يجد فلان مرضًا في نفسه. فمن شرط الطلب فقد زاد على النص.
والمعنى فيه: أنه تيمم حال عدم الماء من حيث الحقيقة والظاهر وعدم الدليل عليه فيجزئه كما بعد الطلب، بيانه: أن العدم ثابت وجه الحقيقة وإنه حد الوجود وانعدم الدليل الدال على الوجود أيضًا من حيث الظاهر لأن الظاهر في الفلوات عدم الماء بخلاف العمرانات؛ لأن العدم من حيث الحقيقة إن كان ثابتًا فمن حيث الظاهر غير ثابت، فإن قيام العمارة بالماء فلم يثبت العدم من حيث قيام الدليل الدال على الماء وشرط الجواز عدمٌ مطلق.
وإذا غلب على ظن المسافر أن بقربه ماء لو طلبه وجده أو أخبر به، وجب عليه الطلب بالإجماع، وإنما الخلاف فيما إذا لم يغلب على ظنه ذلك أو لم يخبر به.
والترتيب في التيمم ليس بشرط للجواز عندنا، حتى لو بدأ بذراعيه في التيمم يجوز عندنا، وكذلك الموالاة ليس بشرط للجواز عندنا، حتى لو مكث بعدما يمّم وجهه ساعة ثم يمّم ذراعيه أجزأه عندنا اعتبارًا للتيمم بالوضوء والله أعلم.
ومن جملة الشرائط: عجزه عن استعمال الماء، وإذا تيمم المسافر والماء منه قريب
[ ١ / ١٣٦ ]
وهو لا يعلم أجزأه تيممه، لأنه عاجز عن استعماله، حين عَدِمَ آلة الوصول إليه وهو العلم به فهو كما لو كان على رأس البئر وليس معه آلة الاستقاء فله أن يتيمم فكذلك ههنا. فإن كان عالمًا بالماء لم يجز التيمم؛ لأنه قادر على استعمال الماء.
وإن كان الماء بعيدًا عنه جاز له التيمم وإن كان عالمًا به، يذكر في «الكتاب» حد القرب والبعد. وروي عن محمد ﵀ أنه إذا كان بينه وبين الماء دون ميل لا يجزئه اليتيم ويكون قريبًا وإن كان ميلًا أو أكثر أجزأه التيمم لكونه بعيدًا، والميل ثلث فرسخ، وقال الحسن بن زياد ﵀: إنما يكون الميل بعيدًا عن يمينه أو عن يساره أو خلفه حتى يصير ميلين ذهابًا ورجوعًا. فأما هنا إذا كان قدامه فإنه يكون الميل قريبًا فيعتبر ميلين لجواز التيمم. كذا ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ وشمس الأئمة السرخسي. وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في رواية أبي حنيفة مع محمد رحمهما الله وفسّر الميل بثلاثمئة ذراع وخمسمئة ذراع إلى أربعة آلاف. هكذا فسره ابن شجاع في «كتابه» . وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه حدّ لهذا بحد آخر وقال: إن كان بحال لو اشتغل به تذهب القافلة وتغيب عن بصره يكون بعيدًا وإن كان على العكس فهو قريب.
وذكر شيخ الإسلام هذه الرواية. وذكر زفر ﵀: إذا كان بحيث يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجزئه التيمم، وإن كان على العكس يجزئه لضرورة الحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، ولكنا نقول: التفريط جاء من قبله بتأخير الصلاة فليس له أن يتيمم إذا كان الماء قريبًا منه. هذا الذي ذكرنا في حق المسافر.
وأما المقيم إذا خرج من مصره لا يريد سفرًا وقد بعد عن المصر وليس معه ماء، هل يجوز له التيمم؟ سيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وذكر الكرخي ﵀ في «كتابه»: إذا كان بحيث يبلغه صوت أهل الماء يكون قريبًا، لا يجوز له التيمم، فإن كان لا يبلغه صوتهم يكون بعيدًا فحينئذ يجوز له التيمم.
وإذا كان مع رفيقه ماء ولم يكن معه ماء فإنه يسأل، هكذا ذكر في «الأصل» رأيت في موضع آخر عن أصحابنا: إذا كان غالب ظنه أنه يعطيه لم يجز له أن يتيمم بل يسأل. وعلى قول الحسن بن زياد ﵀: لا يسأل فإن سأله فأبى أن يعطيه إلا بالثمن ولم يكن معه ثمنه فإنه يتيمم بالإجماع لعجزه عن استعمال الماء، وإن كان معه ثمنه فهذا على ثلاثة أوجه: أما إن أعطاه بمثل قيمته في ذلك الموضع، أو بغبنٍ يسير، أو بغبن فاحش.
ففي الوجه الأول والثاني ليس له أن يتيمم بل يشتري ويتوضأ، هكذا ذكره في بعض المواضع، وفي بعض المواضع إذا باعه (١٩أ١) . بمثل القيمة أو بغبن يسير ومعه مال زيادة عليها يحتاج إليه في الزاد مقدار ثمن الماء لا يتيمم بل يشتري الماء، وفي الوجه الثالث يتيمم، وقال الحسن البصري ﵀: يلزمه الشراء بجميع ماله لأنه لا لأن حرمة مال المسلم كحرمة النفس قال ﵇: «من قتل دون
[ ١ / ١٣٧ ]
ماله فهو شهيد» . ثم لو خاف تلف عضو جاز له التيمم، فإذا خاف أولى أن يجوز التيمم.
ولم يذكر في «الأصل» للغبن الفاحش تقديرًا، وقد ذكر في «النوادر» إن كان المال الذي يكفي للوضوء يوجد في ذلك الموضع بدرهم فأبى أن يعطيه صاحب الماء إلا بدرهم ونصف يلزمه أن يشتري ولا يتيمم، وإن أبى أن يعطيه إلا بدرهمين يتيمم ولا يشتري، فجعل الغبن الفاحش في تضعيف الثمن.
وإنما قلنا: إذا كان يعطيه بمثل ثمنه أو بنصف يسير فعليه أن يشتري لأن قدرته على بذل الماء كقدرته على عينه، كما أن القدرة على ثمن الرقبة كالقدرة على عينها في المنع من التكفير بالصوم، وقال بعضهم: الغبن الفاحش ما لا يدخل تحت تقويم المقومين.
وفي «القدوري»: إذا زاده على ثمن المثل بما لا يتغابن الناس فيه يتيمم، ولم يلزمه الشراء، وهو والذي قبله سواء، وتعتبر قيمة الماء في أقرب المواضع من الموضع الذي يشتري فيه، وقد أشار في مسألة «النوادر» إلى أعشار قيمته في المكان الذي يشتري فيه، وذكر الشيخ الإمام الصفار: المسافر إذا كان في موضع عز الماء في ذلك الموضع فالأفضل أن يسأل، وإن لم يسأل وتيمم وصلى فإنه تجوز صلاته، لأن الظاهر أنه يجري الشح في الماء في مثل ذلك الموضع، ولو أعطاه بعد ذلك لا تجوز صلاته، وعليه أن يعيد تلك الصلاة لأنه لما أعطاه كان الظاهر أنه لم يسأل قبل ذلك العطاء. فإذا لم يسأل جاء التقصير من قبله فلا يجوز.
فأما إذا كان في موضع لا يرى فيه الماء فإنه يسأل حتى أنه لو لم يسأل وصلى بالتيمم لا تجوز صلاته كما في الظاهر أنه لا يجري الشح والصفة في مثل هذا الموضع، فلو أنه سأل فأبى أن يعطيه فتيمم وصلى ثم أعطاه بعد ذلك فإنه تجوز صلاته، لأنه عجز عن استعمال الماء وقت أداء الصلاة، فالقدرة على استعماله بعد ذلك لا ينفع كما إذا صلى بالتيمم ثم وجد الماء. وقد ذكرنا هذا.
قال شمس الأئمة: وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمهما الله يقول: إن بعض الحجاج إذا انصرفوا من حجّهم يضعون ماء زمزم في آنية الاستستقاء أو للعطية، ويجعلون رأس الآنية مرصصًا ولا يخافون على أنفسهم العطش، فربما يعزّ الماء في بعض المواضع فيتيممون وماء زمزم في رحلهم ويرون ذلك جائزًا، وهذا منهم جهل وحمق لأنهم واجدون للماء فلا يجزئهم التيمم.
وذكر هذه المسألة في «فتاوى أبي الليث» ﵀ وذكر فيها حيلة فقال: الحيلة أن يهب ذلك الماء لمن يسلمه إليه ثم إن الموهوب له يستودعه منه فيجوز له التيمم، إلا أن
[ ١ / ١٣٨ ]
هذه الحيلة عندنا ليست بصحيحة؛ لأن القدرة على استعمال الماء بواسطة الرجوع في الهبة ثابتة فيمنع جواز التيمم، ألا ترى أن القدرة على استعمال الماء بالشراء منعت جواز التيمم فههنا أولى.
فإن كان مع رفيقه دلو وليس معه دلو فإنه لا يجب عليه أن يسأل، وفي الماء يجب عليه أن يسأل. والفرق: وهو أن الوضوء يحصل بالماء لا بالدلو فربما يمكنه الاستقاء بالدلو وربما لا يمكنه وربما يعطيه وربما لا يعطيه، فلا حلية بالسؤال، فإن سأل الدلو، فقال له: انتظر حتى استقي الماء ثم أدفع إليك الدلو فالمستحب عند أبي حنيفة ﵀ أن ينتظر إلى آخر الوقت فإن خاف فوات الوقت صلى، وعندهما ينتظر وإن خاف فوات الوقت.
وعلى هذا الاختلاف: إذا كان عريانًا ومع رفيقه ثوب فقال: انتظر حتى أصلي ثم أدفع إليك الثوب. وأجمعوا على أنه إذا قال لغيره: أحل لك مالي لتحج فإنه لا يجب عليه الحج، وأجمعوا أن الماء ينتظر وإن خرج الوقت.
وحاصل الاختلاف راجع إلى أن القدرة على ما سوى الماء هل تثبت بالإباحة، عند أبي حنيفة ﵀ لا تثبت بالإباحة، وإنما تثبت بالملك، ولم يوجد ههنا الملك، فلم تثبت القدرة فيجزئه التيمم. وعندهما القدرة على ما سوى الماء كما تثبت بالملك تثبت بالإباحة، وقد وجدت الإباحة ههنا فثبتت القدرة وصار كما لو كان معه دلو مملوك له، ولو كان هكذا يجوز التيمم كذا ههنا.
وإذا انتهى إلى بئر وليس معه دلو كان له أن يتيمم لعجزه عن استعمال الماء، وكذا إذا كان معه دلو إلا أنه ليس معه رشاء فإنه يتيمم لعجزه عن استعمال الماء قالوا: إذا لم يكن معه منديل طاهر يصلح لذلك، فإن كان ذلك لا يتيمم، فإذا أتى حيًّا من الأحياء وطلب الماء فلم يجد فصلى بالتيمم فهو على وجهين: إن رأى قومًا من أهله ولم يسألهم وصلى بالتيمم ثم سألهم وأخبروه بالماء لم تجز صلاته. وإن سألهم فلم يخبروه أو لم يَرَ قومًا من أهله جازت صلاته.
فإن كان معه سؤر حمار أو بغل وليس معه غير ذلك، يتوضأ ويتيمم، يريد به الجمع والترتيب، وإنما أمره بالجمع؛ لأن سؤر الحمار مشكل على ما مر، فأمر بالجمع احتياطًا، وبأيهما بدأ جاز عندنا؛ لأن الاحتياط في الجمع لا في الترتيب، ولكن الأفضل أن يبدأ بالوضوء ليكون عاريًا للماء الطاهر فيتعين، فإن لم يفعل إلا أحدهما وصلى، أعاد الصلاة لأن في أداء الصلاة بالطهارة شكًا. فإن كان في الجمع احتياطًا، من الوجه الذي قلتم ففيه ترك الاحتياط من وجه آخر، لأنه إن كان الإشكال في طهارته ونجاسته كما ذهب إليه بعض المشايخ فعلى تقدير أنه نجس تتنجس أعضاؤه ويصلي مع الأعضاء النجسة.
قلنا: موضوع المسألة أنه لا ماء غير سؤر الحمار، ومن كان أعضاؤه نجسة وليس معه ماء طاهر حتى يغسلها جاز له أن تيمم ويصلي، فليس في الجمع ترك الاحتياط، فإن
[ ١ / ١٣٩ ]
توضأ بسؤر الحمار وصلى ثم تيمم وصلى تلك الصلاة في الصحيح أنه لا يلزمه الإعادة، وكذلك لو بدأ بالتيمم وصلى ثم توضأ بسؤرالحمار وصلى لا يلزمه الإعادة.
ولو تيمم وصلى ثم أهراق سؤر الحمار يلزمه إعادة التيمم والصلاة لاحتمال أن سؤر الحمار كان طاهرًا. فإن كان معه نبيذ التمر وليس معه غيره قال أبو حنيفة ﵀ يتوضأ ولا يتيمم. هكذا ذكر في «الزيادات» وفي «الجامع الصغير» وذكر في كتاب الصلاة عن أبي حنيفة ﵀: وأن يتيمم مع ذلك أحبّ إليّ، غير أنه لو ترك التيمم أجزأه. ولو ترك التوضؤ به لا يجزئه.
وروى نوح الجامع عن أبي حنيفة ﵀: أن التوضؤ بنبيذ التمر منسوخ فيتيمم ولا يتوضأ، وهو قول أبي يوسف ومالك والشافعي. وقال محمد ﵀: يجمع بينهما كما في سؤر الحمار وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀، فإن لم يجد إلا سؤر الكلب يتيمم ولا يتوضأ به عندنا.
وإن مرّ المسافر بمسجد فيه عين ماء وهو جنب ولا يجد غيره فإنه يتيمم لدخول المسجد ثم يدخل المسجد ويستقي من البئر، وإن لم يكن معه ما يستقي به ولا ما يستطيع به أن يفترق منه ولكنه يستطيع أن يقع فيها؛ فإن كان ماءً جاريًا، أو حوضًا كبيرًا اغتسل فيه، وإن كان عينًا صغيرًا لا يغتسل فيه، لأنه لو اغتسل فيه يتنجس الماء ولا يطهر فلا يشتغل به ولكنه يتيمم للصلاة. وهذا إشارة إلى أنه لا يصلي بالتيمم الأول لأن قصده من ذلك دخول المسجد لا الصلاة. وقد مرّ جنس هذه المسائل.
قال في «الجامع الصغير»: رجل يصلي وفي رحله ماء قد نسيه فتيمم وصلى ثم تذكر الماء بعد فراغه من الصلاة والوقت قائم يجزئه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف ﵀: أنه لا يجزئه. أبو يوسف يقول: التيمم شرع حال عدم الماء بالنص وهو واجدٌ للماء فالنسيان لا يضاد الوجود إنما يضاد العلم ولأنه تيمم قبل طلب الماء في مقرب الماء فلا يجوز قياسًا على ما إذا تيمم في العمرانات قبل طلب الماء المسافر مقرب الماء كما أن العمرانات موضع الماء. وهما قالا: إن الوجود المذكور في النص عبارة عن القدرة فكأن الله تعالى قال: فإن لم تقدروا على استعمال الماء. ألا ترى أنه لو كان (١٩ب١) مريضًا يضره استعمال الماء، أو كان ثمة سبع، أو ليس معه دلو فهو واجد للماء لكن لم يقدر على استعماله جاز له التيمم، وهاهنا عجز عن استعماله عند البلوى وهو النسيان، والنسيان مما لا يمكن دفعه عن نفسه كالمرض بل النسيان أبلغ من المرض، فإن المريض لو تكلّف يمكنه استعمال الماء، والناسي وإن تكلف لا يمكنه استعمال الماء.
وقوله: إن على المسافر موضع الحاجة إلى الماء، والماء الذي في الرحل ليس له فلا يفصل عن الحاجة، فوقع التعارض فسقط فرض الطلب بخلاف القرية
[ ١ / ١٤٠ ]
العامرة، والثاني: أن اعتبار ظنه بمنزلة الاختيار، إنسان في العمرانات يعدم الماء ثم هناك تيمم فكذا هذا.
ثم قول محمد ﵀ في «الكتاب»: رجل في رحله ماء قد نسيه، دليل على أن الخلاف فيما إذا علم بكون الماء في رحله في الابتداء بأن وضعه بنفسه أو وضع غيره بأمره، ثم خفي عليه لأن النسيان إنما يكون بعد العلم، فعلى هذا لو كان الواضع غيره وهو لا يعلم به فإنه يجوز التيمم بالاتفاق. وإلى هذا ذهب بعض مشايخنا. وقال بعض مشايخنا: الخلاف في الكل واحد وإليه أشار في كتاب الصلاة، فإنه قال في كتاب الصلاة: مسافر تيمم وفي رحله ماء وهو يعلم، وهذا يتناول النسيان وغيره، وإنما إذا صلى عريانًا وفي رحله ثوب وهو لا يعلم به، فمن المشايخ من قال: هو على هذا الخلاف، ومنهم من قال: لا تجوز الصلاة ههنا بلا خلاف، قال الكرخي ﵀: لم تزل هذه المسألة مشكلة عليَّ حتى وجدتُ الرواية عن محمد ﵀ أنه قال: تجزئه صلاته ولا يلزمه الإعادة.h
والجواب في هذه المسائل فيما إذا تذكر في الوقت وفيما إذا تذكر بعد خروج الوقت سواء، وإن قيده في الكتاب بالوقت لأن المعنى لا يوجب الفصل. وإذا تيمم والماء قريب منه وهو لا يعلم به فصلى بتيممه جاز عندهما، خلافًا لأبي يوسف رحمة الله عليهم، وكذلك إذا ضرب خباء على رأس بئر قد علا رأسها وفيها ماء وهو لا يعلم أو كان على شط النهر ولا يعلم فتيمم وصلى به فهو على هذا الخلاف.
وإذا كانت الإداوة معلقة من عنقه وفيها ماء فنسيه وصلى بالتيمم، بعض مشايخنا على أنه على هذا الخلاف أيضًا، وحكي عن الحاكم الإمام عبد الرحمن ﵀ أنه كان يقول في فصل الإداوة أنه لا يجوز بلا خلاف لأنه نسي ما لا ينسى وجهل ما لا يجهل.
ولو كان الماء معلقًا على الأكتاف فهو على وجهين: إما أن يكون سائقًا أو راكبًا فلا يخلو إما إن الماء مقدم الرحل أو مؤخره، فإن كان راكبًا والماء في مؤخرة الرحل يجزئه لأنه نسي ما ينسى عادة، فإن كان الماء في مقدم الرحل لا يجزئه لأنه نسي ما لا ينسى عادة، وإن كان سائقًا وكان الماء في مؤخرة الرحل لا يجزئه، وإن كان مقدمه يجزئه.
ولو كفّر بالصوم وفي ملكه رقبة أو ثياب أو طعام قد نسيه فلا رواية فيه، وقد قيل يجزئه عندهما، والصحيح أنه لا يجزيه لأن الوجود في الكفارة عبارة عن الملك ولم ينعدم الملك بالنسيان، والوجود في التيمم عبارة عن القدرة وبالنسيان انعدمت القدرة والله أعلم.
(نوع آخر) في بيان وقت التيمم
قال محمد ﵀ في «الأصل»: المسافر الذي لا يجد الماء ينتظر إلى آخر الوقت، فإذا خاف الفوت يتيمم، وإنما قال ذلك ليصير مؤديًا الصلاة بأكمل الطهارتين،
[ ١ / ١٤١ ]
وذكر القدوري ﵀: ويؤخر المسافر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان على طمع من وجود الماء، فقد شرط القدوري زيادة لم تشترط في «الأصل» وهو أن يكون على طمع من وجود الماء.
معناه: إذا كان يرجو وجود الماء وهو الصحيح، حتى أنه إذا كان لا يرجو وجود الماء لا يؤخر الصلاة عن الوقت المعهود إذ لا فائدة فيه. قال القدوري ﵀: وهذا استحباب وليس بحتم يريد به أن التأخير إلى آخر الوقت استحباب، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنه حتم لأن الطمع غلبة الظن وغلبة الظن حجة فصار هو باعتبار هذه الحجة قادرًا على الاستعمال حكمًا.
وجه ظاهر الرواية: أن العجز الحقيقي للحال ثابت بيقين وما ثبت بيقين لا يسقط حكمه إلا بيقين مثله، وهذا إذا كان الماء بعيدًا عنه، فأما إذا كان قريبًا منه لا يجزئه التيمم وإن خاف فوت الوقت. واختلفت الروايات في الحد الفاصل بين القريب والبعيد، وقد ذكرنا ذلك قبل هذا.
ثم إذا أخَّر لا يفرط في التأخير حتى لا تقع الصلاة في وقت مكروه فلا يؤخر العصر إلى تغير الشمس ولكن يؤخرها إلى أن يصلي قبل التغير، واختلف المشايخ في المغرب، قال بعضهم: لا يؤخر المغرب ولكنه يتيمم ويصليها في أول الوقت، فأكثرهم على أنه لا بأس بالتأخير إلى وقت غيبوبة الشفق لأن وقت المغرب يمتد إلى هذا الوقت، والدليل عليه أن المريض والمسافر إذا أخّرَا المغرب حتى جمعا بين المغرب والعشاء جاز.
قال «القدوري» ﵀ في «شرحه: ويجوز التيمم قبل الوقت، وقال الشافعي: لا يجوز لأن التيمم طهارة ضرورية فلا يعتد بها قبل تحقق الضرورة. ولنا قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (النساء: ٤٣) شرط عدم الماء فقط، فمن زاد دخول الوقت يحتاج إلى الدليل.
(نوع آخر) ما يجوز التيمم به وما لا يجوز
فنقول على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض التراب والرمل والحصاة والزرنيخ والجص والكحل والمردا رسنح، وقال أبو يوسف ﵀: لا يجوز إلا بالتراب والرمل، وروي عنه أخيرًا: أنه لا يجوز إلا بالتراب، وهو قول الشافعي.
حجتهما قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ قال ابن عباس ﵁: المراد منه تراب الحرث، ولأن الأرض الطيب هو الأرض المنبت، قال الله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه﴾ (الأعراف: ٥٨) والمنبت هو التراب. وقال ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا» إلا أن أبا يوسف زاد الرمل في رواية بحديث آخر،
[ ١ / ١٤٢ ]
وهو ما روي أن قومًا من الأعراب جاؤوا إلى رسول الله ﵇ وقالوا: «إنا قوم نسكن الرمال ولا نجد الماء شهرًا وشهرين وفينا الجنب والحائض»، فقال ﵇: «عليكم بأرضكم» ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أن المراد من الصعيد المذكور في الآية الأرض، قال ﵇: «يحشر العلماء في صعيد واحد كأنه شبكة فضة» الحديث والمراد هو الأرض. وقال ﵇: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت» .
وجه الاستدلال بالحديث من وجهين:
أحدهما: أن رسول الله ﵇ جعل نفس الأرض طهورًا من غير فصل بين أن تكون ترابًا أو غيره.
والثاني: أنه قال: أينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت، وقد كان تدركه الصلاة في غير موضع التراب كما كان تدركه في موضع التراب. ولا حجة للخصم في اسم الطيب لأنه اسم مشترك يحتمل الطاهر من غير أن يكون منبتًا ومن المنبت ما لا يكون طاهرًا والمشترك لا عموم له، وابن عباس ﵄ فسرّه بالمنبت ورسول الله ﵇ فسرّه بالطاهر حتى جوزه بالرمال بالحديث الذي روينا.
ولا يجوز التيمم بما ليس من جنس الأرض نحو الذهب والفضة والحديد والرصاص والزجاج والحنطة والشعير وسائر الحبوب والأطعمة لأن المنصوص عليه في الكتاب الصعيد. وفي الحديث الأرض وغيرها ليس بمنصوص عليه. وهذا أمر توقيفي فلا يلحق بهما غيرهما.
وقد ذكر بعض المشايخ في مسألة الذهب والفضة والحديد والرصاص فقال: ما ذكر في الكتاب محمول على ما إذا كان مشتركًا، ولم يكن مختلطًا بالتراب بأن كان بعد التخليص. فأما إذا لم يكن مشتركًا وكان مختلطًا بالتراب بأن كان قبل التخليص جاز التيمم به عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وإنه صحيح. وقالوا أيضًا في الحنطة والشعير وسائر الحبوب إن كان عليها غبار جاز التيمم وإنه صحيح.
ثم عند أبي حنيفة ﵀ وإحدى الرواتين عن محمد ﵀: الشرط مجرد المسّ.
ولا يشترط استعمال جزء من الصعيد حتى أنه لو وضع يده على صخرة لا غبار عليها أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وكذا، إذا (٢٠أ١) وضع يده على الأرض الندية ولم يعلق معه شيء جاز عند أبي حنيفة ﵀، وفي إحدى الروايتين عن محمد ﵀: لا بد من استعمال جزء من الصعيد، حتى أنه لو وضع يده على صخرة لا غبار عليها، أو على أرض ندية ولم يعلق بيده شيء، لا يجوز.
[ ١ / ١٤٣ ]
حجته على هذه الرواية قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (المائدة: ٦) يعني من الصعيد ولأنه بناء على قوله: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (النساء: ٤٣) وكلمة «من» للتبعيض، فكأنه قال: ببعض الصعيد، ولأبي حنيفة ﵀ أن قوله: ﴿صعيدًا طيبًا﴾ (النساء: ٤٣) يقتضي الجواز مطلقًا من غير فصل بين ما عليه غبار وما ليس عليه غبار، وكلمة «من» لتمييز الصعيد من غيره، فلا تجوز زيادة العبد به في صريح الآية، ولا يقال: بأن التمييز حصل في ابتداء الكلام لقوله: ﴿فتيمموا صعيدًا﴾ بدون كلمة «من» لأنا نقول على هذا الاعتبار كلمة «من» لتأكيد التمييز، فتصير لتمييز الصعيد من غيره، ولا يقال بأن المسح يقتضي ممسوحًا سوى اليد، كما في مسح الرأس والخف، لأنا نقول: في هذا القياس إثبات زيادة القيد على المطلق، وأنه لا يجوز، والذي يؤيد قول أبي حنيفة ﵀، ما روي «أن رسول الله ﵇ بال، فسلم عليه رجل فلم يرد ﵇، حتى كاد الرجل يتوارى لحيطان المدينة، فضرب يده على الحائط ورد ﵇» وحيطانهم كانت من الحجر فدل ذلك على جواز التيمم بالحجر على كل حال.
ويجوز التيمم بالآجر مدقوقًا أو غير مدقوق في قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن محمد؛ لأن الآجر طين مستحجر، والتيمم بالحجر الأصلي جائز عند أبي حنيفة ﵀، فكذا بالطين المستحجر، هكذا ذكر القدوري، وذكر الشيخ الإمام الزاهد أبو نصر الصفّار: أن في التيمم بالآجر عن أبي حنيفة روايتان: والأصح أنه يجوز، وفي رواية أخرى عن محمد لا بد وأن يكون مدقوقًا، أو يكون عليه غبار، فإن على إحدى الروايتين عن محمد: استعمال جزء من الصعيد شرط، وعند أبي حنيفة ذلك ليس بشرط.
ولو تيمم بغبار ثوبه أوغير ذلك، أجزأه في قول أبي حنيفة ﵀، وكان أبو يوسف يقول أولًا يتيمم بالغبار إذا لم يجد غيره ثم رجع وقال: الغبار عندي ليس من الصعيد، والصحيح قول أبي حنيفة لما روي: أن عمر ﵁ كان مع أصحابه في سفر فمطروا فأمرهم بأن ينقضوا لبودهم وسروجهم ويتيمموا بغبارها، ولأن الغبار وإن قل من نفض ثوبه من التراب إلا أنه رقيق، فكما يجوز التيمم بالخشن من التراب فكذا برقيقه.
وصورة التيمم بالغبار: أن يضرب بيده ثوبًا أو لبدًا أو وسادة أو ما أشبه ذلك من الأعيان الطاهرة التي عليها غبار، فإذا وقع الغبار على يديه يتيمم، أو ينفض ثوبه حتى يرتفع غباره ويرفع يديه في الهواء، فإذا وقع الغبار على يديه تيمم، ولو كان في مفازة فهبت الريح، وارتفع الغبار فأصاب وجهه وذراعيه فمسحه (جاز) التيمم، أو تمعك في التراب بنية التيمم فأصاب التراب وجهه ويديه فقد ذكرنا هذا في أول هذا الفصل.
ولو تيمم بالملح، إن كان وإن كان جبليًا كالمكسة، بعض مشايخنا قالوا
[ ١ / ١٤٤ ]
يجوز لأنه بمنزلة الحجر، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀: الصحيح عندي أنه لا يجوز لأنه يذوب بالنار فلا يكون من جنس الأرض والسبخة بمنزلة الملح مائية وترابية وقال محمد ﵀ في «الأصل»: في المسافر إذا كان في طين وردغة أصابه مطر وأبل سرجه وثيابه، ولم يجد ماء يتوضأ به فإنه يلطخ ثوبه بالطين ويجففه ثم يفركه ويتيمم به، قال القدوري ﵀ في «شرحه»: وهذا قول محمد ﵀ لأنه يعتبر استعمال جزء من الصعيد يغني على إحدى روايتيه، فأما على قول أبي حنيفة ﵀ وإحدى الروايتين عن محمد: فلا يعتبر استعمال جزء من الصعيد، وإنما يعتبر المس، والطين من جنس الأرض، فيضع يده على الطين ويتيمم. من المشايخ من قال: ما ذكر في «الأصل» قول الكل، ولا يجوز التيمم بالطين عند الكل، لأن التراب لا يصير طينًا ما لم يصر مغلوبًا بالماء، والعبرة للغالب فكان الكل لذا ماءً فلا يجوز التيمم به. ألا ترى أن الماء الذي خالطه اللبن لا يجوز التوضؤ به إذا كان اللبن غالبًا، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: وينبغي للإنسان أن لا يتيمم بالطين إذا تلطخ به وجهه ولو فعل ذلك يجوز، ويجوز التيمم بالحصى والكيزان والحباب والحيطان من المدر، ولا يجوز بالعصارة إذا كان مطليًا بالأيك بطن العصارة وظهرها على السواء، إلا إذا كان عليه تراب فحينئذ يجوز، وإن لم يكن مطليًا بالأيك جاز التيمم به سواء كان عليه غبار أولم يكن، وفي إحدى الروايتين عن محمد ﵀: لا يجوز إلا إذا كان عليه غبار.
ولو تيمم بالخزف، إن كان عليه غبار جاز، وإن لم يكن الخزف عليه غبار إن كان متخذًا من التراب الخالص، ولم يجعل فيه شيء من الأدوية جاز، وإن جعل فيه شيء من الأدوية لا يجوز، وإذا تيمم بالرماد لا يجوز، لأنه ليس من جنس الأرض.
وإذا احترقت النخل التي في الأرض واختلط رمادها بتراب الأرض، إن كانت الغلبة لتراب الأرض يجوز، وإن كانت الغلبة للرماد لا يجوز، وكذلك التراب إذا اختلطه غير الرماد، ومما ليس من أجزاء الأرض يعتبر فيه الغلبة، وإذا أصابت الأرض النجاسة فجفت وذهب أثرها، لا يجوز التيمم به ويجوز الصلاة عليه، هذا جواب ظاهر الرواية، وروى ابن كاس عن أصحابنا: أنه يجوز التيمم به أيضًا، فإن أخذنا برواية ابن كاس لا نحتاج إلى الفرق بين التيمم وبين الصلاة، وإن أخذنا بظاهر الرواية نحتاج إلى الفرق، والفرق: أن قضية القياس أن يجوز التيمم كما تجوز الصلاة لأن الأرض تطهر بالجفاف، قال ﵇: «أيما أرض جفت فقد ذكت» أي طهرت، وقال ﵇: «ذكاة الأرض يبسها» أي طهارة الأرض، والمعنى في ذلك أن طبيعة الأرض استحالة النجاسة، وللاستحالة أثر في التخليل كالخمر يتخلل إلا أن مع التخلل يبقى قليل النجاسة وإنه لا يمنع الطهارة، أما لا يمنع جواز الصلاة عليه.
[ ١ / ١٤٥ ]
فإذا تيمم الرجل من موضع فجاء رجل آخر، وتيمم من ذلك الموضع أيضًا أجزأه لأن الصعيد الباقي في المكان بعد تيمم الأول نظير الماء الباقي في الإناء بعد وضوء الأول فيكون طاهرًا وطهورًا في حق الباقي والله أعلم.
(نوع آخر) في بيان من يجوز له التيمم ومن لا يجوز
فنقول: يجوز للمسافر التيمم إذا لم يكن معه ماء، وكذلك إذا كان معه ماء وهو يخاف على نفسه من العطش أو دابته، لأنه عاجز عن استعمال الماء حكمًا لكونه مستحقًا لحاجته الأصلية فيعتبر بما لو كان عاجزًا عن استعمال الماء حيقيقة.
وكذلك إذا كان مقيمًا خرج عن المصر لحاجة له نحو الاحتطاب والاحتشاش لا للسفر وقد صار بعيدًا عن المصر فله أن يتيمم.
وتكلموا في تقدير البعيد، قال بعض مشايخنا: إذا كان بينه وبين المصر ميل وذلك قدر ثلث فرسخ فهو بعيد وبعضهم قدر البعيد بالفرسخ، وبعضهم بما لو خرج مسافة قصر الصلاة عنه وبعضهم بما إذا كان لا يسمع الأذان، وبعضهم: بما إذا كان بحيث لو نودي من أقصى المصر لم يسمع، وعن محمد ﵀: أنه قدره بالميلين، ومن الناس من قال: لا يجوز التيمم لمن خرج من المصر، إلا إذا قصد سفرًا صحيحًا، لأن الله تعالى قيده بالسفر حيث قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾ (النساء: ٤٣) .
ويجوز التيمم للمريض إذا خاف زيادة المرض باستعمال الماء، وقال الشافعي: لا يجوز إلا إذا خاف التلف: واعلم بأن هذه المسألة على أربعة أوجه:
(٢٠ب١) إما أن يخاف على نفسه الهلاك بسبب استعمال الماء، أو خاف تلف عضو من أعضائه، وفي هذين الوجهين يجوز له التيمم، وأما أنه لا يخاف على نفسه الهلاك ولا تلف عضو من أعضائه، ولكن يخاف من زيادة المرض، أو يخاف إبطاء البرء بسبب الاستعمال، وهو الوجه على الخلاف بيننا وبين الشافعي، على ما ذكرنا، وإن كان لا يخاف على نفسه شيئًا من ذلك، وفي هذا الوجه لا يجوز له التيمم بلا خلاف لأن الآدمي لا يخلو عن نوع مرض، ولو جوزنا التيمم بكل مرض أدى إلى إباحة التيمم على كل حال سفرًا كان أو حضرًا
حجة الشافعي: أن التيمم مشروع في حال عدم الماء، وهذا واجد للماء حقيقة، وإنما يعتبر عاجزًا حكمًا عند خوف التلف، ولا يجوز التيمم لمن لا يخاف التلف.
ولنا: أن زيادة المرض تسبب التلف، فصار الخوف عنها خوفًا عن سبب التلف، فيصير خوفًا عن حقيقة التلف معنى.
وإن كان المريض بحال لا يضره استعمال الماء أصلًا إلا أنه عجز عن استعماله بحكم المرض فهذا على وجهين:
[ ١ / ١٤٦ ]
الأول: أن لا يجد أحدًا يوضئه، وفي هذا الوجه يجوز له التيمم في ظاهر مذهب أصحابنا، وعن محمد ﵀ أنه لا يجوز له التيمم في المرض هكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀، وذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، والشيخ الإمام الزاهد أبو نصر الصفار: أنه يجوز له التيمم بالاتفاق، وأما إذا وجد أحدًا يوضئه فهذا على وجهين: الأول: أن يكون ذلك الإنسان الذي يوضئه حرًا وفي هذا الوجه قال أبو حنيفة ﵀: يجز ئه التيمم، وقالا: لا يجزئه وكذلك على هذا الاختلاف إذا كان مريضًا لا يستطيع استقبال القبلة أو في فراشه نجاسة، ولا يستطيع التحول ووجد من يحوله ويوجهه إلى القبلة لا يفترض عليه ذلك عنده، وعندهما يفترض، وكذلك الأعمى إذا وجد قائدًا يقوده إلى الحج لا يفترض عليه الحج عنده، وعندهما يفترض. والمقعد إذا وجد من يحمله إلى الجمعة، ذكر الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀: أنه لا جمعة عليه عند الكل، قال: وينبغي أن لا يكون عليه الحج، ولا حضور الجماعات بلا خلاف، وذكر القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀: أن الكل على الخلاف.
الوجه الثاني: إذا كان الذي يوضئه مملوكًا له بأن كان عبدًا له أو أمة له، لا شك أن على قولهما لا يجوز له التيمم، وأما على قول أبي حنيفة ﵀ فقد اختلف المشايخ، والصحيح أنه لا يجوز، حجتهما: أنه تيمم وهو قادر على الوضوء، والوضوء لا يضره فلا يجزئه التيمم قياسًا على عديم الماء إذا، وأبو حنيفة ﵀ يقول: بأن وجوب الوضوء علق باستطاعة مملوكه لا باستطاعة مباحة له قال الله تعالى: ﴿لا يكلف انفسًا إلا وسعها﴾ (البقرة: ٢٦٨) معناه إلا ما وسعها فلو أوجبنا الوضوء فيما إذا كان الموضىء حرًا، فقد كلفناه نظافة الغير، وأنه خلاف اليسر.
يوضحه: أن الإيجاب يعتمد القدرة، والقدرة على التوضؤ في الأصل بفعله وفعله مملوك له، وفيما لم يصر فعل غيره مملوكًا له لا تثبت الاستطاعة، ومنافع العبد مملوكة له، بخلاف منافع الأجنبي وليس كالماء لأنه يوجد مباح الأصل غالبًا، والحظر عارض فتعلق الوجوب بالقدرة الثابتة بالإباحة فإن الأحكام تتعلق بالأصول لا بالعوارض، أما ههنا بخلافه، والدليل على أن المعتبر لحالة مملوكه لا لحالة مباحة أن الابن إذا بذل الزاد والراحلة لأبيه والأب معدم لا يفترض عليه الحج، وكذا المكفر إذا بذل له أبوه المال لا يلزمه التكفير بالمال، والذي يؤيد ما قلنا: العاجز عن القيام تجزئه الصلاة قاعدًا وإن وجد من يقيمه عبدًا كان أو غيره، وهذا الفصل دليل على أنه لا فرق بين العبد والحر وهذا لأن القدرة وصف القادر، فلا يصير الإنسان قادرًا بقدرة الغير.
وإذا كان بدن الجنب جريحًا أو أعضاء المحدث، فإنه يتيمم ولا يستعمل الماء فيما
[ ١ / ١٤٧ ]
كان صحيحًا، وإن كان على العكس فإنه يغسل، والمسح على الجراحة إن أمكنه أو فوق الخرقة إن كان المسح يضره، ولا يتيمم، وهو قول علمائنا، وقال الشافعي: بأنه يغسل ما كان صحيحًا ثم يتيمم بعد ذلك، حجته: أن سقوط الغسل عما هو مجروح لضرورة الضرر في إصابة الماء فتتقدر بقدرها، حجتنا: ما روي عن ابن عباس ﵄ «أنه أباح للمحذور التيمم»، وبعض أعضاء المحذور يكون صحيحًا، ولم يأمر بإيصال الماء إليه، وهذا حديث روي عنه ولم يرو عن أقرانه خلافه فحل محل الإجماع، والمعنى فيه: أنه اجتمع فيه ما يوجب الغسل والتيمم، ولا وجه للجمع، لأنه يؤدي إلى الجمع بين الأصل والبدل، وهذا لا أصل له لما عرف في الكفارات فيصار إلى الترجيح، ورجحنا بالكثرة، وإن استويا في الرواية في هذا الفصل من مشايخنا من قال: يتيمم ولا يستعمل الماء ومنهم من يقول: يغسل ما كان صحيحًا ويمسح على الباقي إذا كان المسح لا يضره، أما من قال يغسل حجته: أنه لما تعذر الترجيح من حيث الكثرة ترجح من وجه آخر فنقول: الغسل طهارة حقيقة وحكمًا، فإيجابه أولى من إيجاب التيمم الذي ليس بطهارة حقيقة، وأما الفريق الآخر يقولون: بأن التيمم طهارة كاملة، وغسل البعض وإن كان طهارة حقيقة وحكمًا، إلا أنها ناقصة في نفسها، فكان اعتبار التيمم هو طهارة كاملة أولى.
ثم اختلف مشايخنا في حد الكثرة: فمنهم من اعتبر الكثرة من حيث عدد الأعضاء في الكثرة في نفس العضو، بيانه: إذا كان برأسه ووجهه وبدنه جراحة والرجل صحيح، فإنه يتيمم، سواء كان الأكثر من الأعضاء الجرحة جريحًا أو أقله، ومنهم من اعتبر الكثرة في نفس العضو فقال: إن كان الأكثر من كل عضو من أعضاء الوضوء جريحًا كان كثيرًا يبيح له التيمم.
المسافر أو المريض إذا أصابته جنابة، وهو يخاف الهلاك على نفسه من شدة البرد، أو تلف عضو إن اغتسل، فإنه يباح له التيمم، وأما إذا كان مقيمًا صحيحًا أصابته جنابة، وهو يخاف الهلاك أو تلف عضو أو زيادة مرض إن اغتسل، قال أبو حنيفة ﵀: بأنه يتيمم ولا يغتسل خلافًا لهما.
وكذلك المحدث على هذا الخلاف، إذا كان يخاف على نفسه الهلاك أو تلف عضو، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: أن المحدث يتوضأ ولا يتيمم بالإجماع، وذكر في غير رواية الأصول قول محمد مع قول أبي حنيفة رحمهما الله، فمنهم من قال: لا خلاف في الحقيقة، فأبو حنيفة ﵀ إنما قال هذا في بلد لا يوجد فيه ماء حار، وهما أقاما في بلد يوجد فيه ماء حار لكن بالتكليف، ومنهم من يحقق الاختلاف، حجتهما: أن عدم الماء السخين أو عدم مكان يدفأ به في المصر نادر ما ينزله عادمًا (للماء) حكمًا، ولهذا لا يتيمم المقيم دون عدم الماء، وأبو حنيفة ﵀ يقول بأن عدم الماء السخين والمكان الذي يدفأ ليس بنادر لأنه قد يكون فيه غرباء وفقراء لا يجدون ماء سخنًا يدفؤون به أو لا يكون في القرية حمام، أو لا يكون له أجرة الحمام، حتى قالوا في موضع فيه حمام وتوجد الأجرة عند الخروج عادة: لا
[ ١ / ١٤٨ ]
يباح له التيمم، بعض مشايخنا قالوا: هذا كله في ديارهم، فأما في ديارنا لا يباح له التيمم لأنه يمكنه أن يحتال بحيلة يتوضأ ويغتسل بأن يدخل الحمام فيتطهر، وهذا لأن في عرف ديارنا لا يطالب بالأجر عند دخول الحمام وإنما يطالب بعد الدخول فيمكنه الدخول، وبعدما خرج إذا علم أنه ليس معه شيء لا يطالب بشيء.
المحبوس في السجن إذا لم يجد الماء فهو على وجهين:
الأول: أن يكون محبوسًا في موضع نظيف، وهو على وجهين أيضًا: إن كان خارج المصر، قال أبو حنيفة ﵀ يصلي بالتيمم ولا يعيد، وإن كان في المصر لم يصل بتيمم، رجع أبو حنيفة وقال: يصلي ثم يعيد، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وجه قول أبي حنيفة الأول: أن عدم الماء في المصر غير معتبر شرعًا حتى لا يسقط الفرض عنه بالتيمم ويلزمه الإعادة فلم يكن التيمم طهورًا له ولا صلاة إلا بطهور، وجه قوله الآخر: أن عدم الماء في المصر إنما لا يعتبر لأن ذلك نادر، فأما في السجن عدم الماء ليس بنادر فكان معتبرًا فإنه يتيمم لعجزه عن استعمال الماء، وهل يعيد؟، ففي القياس: لا، وهو رواية عن أبي يوسف كما لو كان في السفر وفي الاستحسان يعيد لأن عدم الماء كان بمنع من العباد ووجوب الصلاة عليه بالطهارة، وحق الله لا يسقط بمنع العباد (٢١أ١) بخلاف المسافر لأن جواز التيمم هناك لعدم الماء لا للحبس ولاصنعة للعباد.
الوجه الثاني: أن يكون محبوسًا في مكان نجس لا يجد ماءً ولا ترابًا نظيفًا وإنه على وجهين: إن أمكنه حفر الأرض أو الحائط بشيء واستخراج التراب الطاهر فعلى ذلك يصلي بالتيمم. وإن لم يمكنه ذلك فعلى قول أبي حنيفة ﵀: لا يصلي بل ينتظر حتى يجد الماء أو التراب الطاهر. وقال أبو يوسف ﵀: يصلي بالإيماء تشبهًا بالمصلين، وقول محمد ﵀ مضطرب ذكر في «الزيادات» وفي كتاب الصلاة في رواية أبي حفص قوله مع أبي حنيفة ﵀، ذكر في رواية الصلاة لأبي سليمان قوله مع أبي يوسف. قال بعض المشايخ: على قول أبي يوسف إنما يصلي بالإيماء إذا لم يكن الموضع يابسًا، أما إذا كان يابسًا يصلي بركوع وسجود.
وأما العاري إذا لم يجد ثوبًا أو اللابس إذا كان له ثوب كلّه نجس ولا يجد ما يغسله، فإنه يصلي ولا يترك الصلاة ولا يعيد. وفي مسألة السجن: إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا نظيفًا على قول أبي حنيفة ﵀ لا يصلي، وعلى قول أبي يوسف: يصلي ويعيد، والفرق أن الشرع أسقط فرض ستر العورة عند العجز، وأسقط غسل النجاسة الحقيقية عند العجز عن استعمال الماء، فجاز الصلاة من غير إعادة.
أما ما أسقط فرض الطهارة الحقيقية والحكمية جملة بحال فلا يصلي من غير طهارة عند أبي حنيفة ﵀ الخطاب بالطهارة، وعند أبي يوسف ﵀ يصلي تشبهًا ولا يعيد.
قال الأسير في دار الحرب إذا منعه الكفار عن الوضوء أو الصلاة يتيمم ويصلي بالإيماء ثم يعيد إذا خرج، وكذا إذا قيل لرجل: حبستك إن توضأت، أو إن توضأت
[ ١ / ١٤٩ ]
حبسناك قتلناك، فإنه يصلي بالتيمم ويعيد.
«فأما بيان ما يتيمم عنه» فنقول بجواز التيمم عن الجنابة والحيض والنفاس كما يجوز التيمم عن الحدث. وقال بعض الناس: لا يجوز التيمم عن الجنابة والحيض والنفاس، وهو قول عمر وابن مسعود ﵄، ومذهبنا يروى عن علي وابن عباس ﵃، والحديث الذي روينا أن قومًا من الأعراب سألوا رسول الله ﵇ وقالوا: إنا قوم نسكن الرمال ولا نجد الماء شهرًا أو شهرين وفينا الجنب والحائض فقال ﵇: «عليكم بأرضكم» دليل لنا في المسألة.
«وأما بيان ما يتيمم لأجله نقول: يجوز التيمم لصلاة العيد إذا كان بحال لو توضأ تفوته الصلاة عندنا، لأن صلاة العيد إذا فاتت لا تقضى عندنا لأنها لم تشرع إلا بجماعة وسلطان، والمنفرد عاجز عن تحصيلها، فيكون قولنا من كل وجه فيجوز التيمم صيانة عن الفوات، وعن هذا قلنا: إن الإمام لا يتيمم لأنه لا يخاف الفوت لأن الناس ينتظرونه، وكذلك غير الولي يتيمم لصلاة الجنازة إذا خاف الفوت لها لأنها لا تعاد.
والولي لا يتيمم لصلاة الجنازة لأنه لا يخاف الفوت لأنه ليس لغير الولي حق الصلاة على الجنازة، ولو صلى غير الولي على الجنازة فللولي حق الإعادة. ولا يتيمم للجمعة وإن خاف الفوت لأن الجمعة تفوت إلى خلف فلا يكون فواتًا مطلقًا.
ويتيمم لمس المصحف ودخول المسجد. وفي سجدة التلاوة اختلاف على ما مر قبل هذا، وفي «شرح الأصل»: ويتيمم لسجدة التلاوة في السفر ولا يتيم لها في الحضر.
وإذا سبق المؤتم الحدث في صلاة العيد في الجماعة فهذا على وجهين:
الأول: إذا سبقه الحدث قبل الشروع في الصلاة وإنه على وجين: الأول إن كان يرجو إدراك شيء من الصلاة مع الإمام لو توضأ، لا يباح له التيمم لأنه لا يخاف الفوت لأنه يمكنه أن يصلي بقية الصلاة وحده.
وإن كان لا يرجو إدراك شيء من الصلاة مع الإمام يباح له التيمم لأنه يخاف الفوت إذ لا يمكنه أن يصليها وحده لأن الإمام والجماعة شرط الأداء بها.
الوجه الثاني: إذا سبقه الحدث بعد الشروع في الصلاة فهذا على وجهين أيضًا:
الأول: أن يكون شروعه بالتيمم في هذا الوجه يتيمم، وهنا لا خلاف لأنا لو أمرناه بالوضوء تفسد الصلاة برؤية الماء فلا يمكنه الإدراك، وإن كان شروعه بالوضوء إن كان يخاف زوال الشمس لو اشتغل بالوضوء يباح له التيمم بالإجماع لأن بعد زوال الشمس تفوت صلاة العيد أصلًا لذهاب الوقت.
وإن كان لا يخاف زوال الشمس فإن كان يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ لا يباح له التيمم بالإجماع، وإن كان لا يرجو إدراك الإمام قبل الفراغ تيمم، وهذا عند أبي حنيفة ﵀ وقالا: يتوضأ ولا يتيمم، فمن مشايخنا قال: هذا اختلاف عصر وزمان
[ ١ / ١٥٠ ]
ومكان، فكان في زمن أبي حنيفة يصلي صلاة العيد في جماعة قريبة بحيث لو انصرف الرجل إلى بيته ليتوضأ لا تزول الشمس فلم يكن خوف الفوت قائمًا فأفتيا على وفق زمانهما.
وكان شمس الأئمة الحلواني وشمس الأئمة السرخسي رحمهما الله يقولان: في ديارنا لا يجوز التيمم لصلاة العيد لا ابتداءً ولا بناءً لأن الماء محيط بمصلى العيد فيمكن التوضؤ، والناسي غير خوف الفوت حتى لو خيف الفوت يجوز التيمم، ومن المشايخ من قال: هذا اختلاف حجة وبرهان، واختلفوا فيما بينهم. قال الفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀: هذه المسألة بناءً على أن من شرع في صلاة العيد ثم أفسدها لا قضاء عليه عند أبي حنيفة ﵀ فكان تفوته الصلاة على أصله لا إلى بدل لو لم يجزئه التيمم فأجاز له التيمم، وعندهما يلزمه القضاء فلا تفوته الصلاة إلى بدل فلم يجوّزا له التيمم، وقبل الشروع إذا فاتته الصلاة لا يمكنه القضاء بالإجماع فكان الفوات لا إلى بدل فيجوز له التيمم بالإجماع.
وغيره من المشايخ جعل هذا اختلافًا مبتدأً فبقولهما: إن المبيح خشية الفوات واللاحق أمن من ذلك فإنه يتوضأ ويتم صلاته بعد فراغ الإمام. وأبو حنيفة ﵀ يقول: البناء أسهل من الابتداء، فلما جاز افتتاح العيد بالتيمم فلأن يجوز البناء عليها بالتيمم أولى، ولأن خوف الفوت ههنا قائم لأنه ربما يصير منشغلًا بالمعالجة مع الناس لكثرة الزحام فتفسد صلاته، ولا يصل إلى الماء حتى تزول الشمس فتفوته بمضي الوقت والله أعلم.
(نوع آخر) في بيان ما يبطل التيمم وما لا يبطل
يجب أن يعلم بأن ما يبطل الوضوء يبطل التيمم لأن التيمم خلف عن الوضول وبدل عنه، وما لا يبطل الأصل لا يبطل الخلف والبدل ضرورة.
قال ويبطل إذا رأى الماء لقوله ﵇: «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء» فبعد ذلك المسألة على وجوه:
إن رأى الماء قبل الشروع في الصلاة توضأ به وصلى، وإن رأى الماء بعدما صلى لا يعيد الصلاة وإن كان في الوقت.
والأصل فيه: ما روي «أن رجلين من الصحابة كانا في سفر فتيمما في أوّل الوقت وصليّا، فلما فرغا من الصلاة وجدا ماءً قبل خروج الوقت فتوضأ أحدهما وأعاد صلاته ولم يفعل الآخر ذلك، فلما رجعا إلى رسول الله ﵇ أخبراه بذلك فقال ﵇ للذي أعاد «لك أجران وقال للآخر: أجزأتك صلاتك» .
والمعنى فيه أن هذه صلاة أديت بطهارة كاملة قد حكم بصحتها وجوازها فلا يرتفع هذا الحكم برؤية الماء بعد ذلك. أكثر ما في الباب أن التيمم خلف وقد قدر على
[ ١ / ١٥١ ]
الأصل، إلا أنه إنما قدر على الأصل بعد حصول المقصود بالبدل فلا يسقط حكم البدل على ما عرف في موضعه، وبهذا الحرف يقع الفرق بين هذا الوجه وبين ما إذا رأى الماء في خلال صلاته حيث يتوضأ ويستقبل الصلاة، لأن هناك قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، وفي مثل هذا يسقط حكم البدل.
وإن رأى ماءً بعدما قعد قدر التشهد فسدت صلاته في قول أبي حنيفة ﵀ في آخر صلاته، وقالا: لا تفسد وهي من المسائل الإثني عشرية المعروفة بين أهل الفقه، وعلى هذا الخلاف الماسح على الخف إذا انقضى وقت مسحه بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلّم، فعلى قول أبي حنيفة ﵀ (٢١ب١): تفسد صلاته، وعلى قولهما لا تفسد، وعلى هذا الاختلاف الماسح على الخف إذا وجد في خفه نجاسة فنزعه وكان ذلك بعدما قعد قدر التشهد، والمراد بهذه النجاسة أن تكون قدر الدرهم أو أقل حتى يصح شروعه، أما إذا كانت أكثر من قدر الدرهم لا يصح شروعه فيها، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: هذا الاختلاف فيما إذا كان الخف واسعًا بحيث يخرج من رجله من غير معالجة كثيرة، فأما إن كان الخف بحال يحتاج في نزعه إلى معالجة كثيرة، بحيث لو وجد في خلال الصلاة أوجب فساد الصلاة، فإن صلاته تكون باطلة بالإجماع، لأنه يكون خروجًا عن الصلاة بصنعه.
وعلى هذا الخلاف: مصلي الجمعة إذا خرج وقت الجمعة بعدما قعد قدر التشهد، وعلى هذا الخلاف مصلي الفجر إذا طلعت الشمس، والعاري إذا وجد ما يستتر به بعدما قعد قدر التشهد. وعلى هذا إذا علم الأميُّ سورة بعدما قعد قدر التشهد. وعلى هذا: القارىء إذا استخلف أميًّا بعدما قعد قدر التشهد، وعلى هذا المومي إذا قدر على الركوع والسجود بعدما قعد قدر التشهد، وعلى هذا: المصلي إذا تذكر فائتة بعدما قعد قدر التشهد وفي الوقت سعة، وعلى هذا: المستحاضة أو صاحب الحدث الدائم إذا ذهب الوقت أو برىء مرضه. وعلى هذا إذا كان بثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم فوجد الماء في هذه الحالة. والشيخ الإمام شيخ الإسلام: يزيد على هذه المسائل فائتة الفجر إذا شرع في قضائها فزالت الشمس في هذه الحالة، وكذلك إذا مسح على الجبائر فسقطت الجبائر عنه عن برء وبعدما قعد قدر التشهد.
من أصحابنا من قال هذه المسائل تنبني على أصل وهو: أن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما ليس بفرض.
هما احتجا بحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﵇ قال: «إذا رفع المصلي رأسه من آخر السجدة وقعد قدر التشهد فقد تمت صلاته» ولأن بالاتفاق لو تكلم أو قهقه أو أحدث متعمدًا أو حاذت المرأة الرجل في هذه الحالة لم تفسد صلاته ولو بقى شيء من فرائض الصلاة لفسدت صلاته بهذه الأمور كما تفسد قبل العقدة، فثبت
[ ١ / ١٥٢ ]
بهذا أن وجود هذه المعاني في هذه الحالة لوجودها خارج الصلاة. ولو وجد هذه المعاني خارج الصلاة لا تفسد صلاته، فكذا إذا وجد في هذه الحالة.
وأبو حنيفة ﵀ يقول: هذه عبادة لها تحريم وتحليل، ثم التحريم لا يكون إلا بصنعه، فكذلك التحليل كما في الحج.
وتقدير هذا الكلام وتحقيقه: وهو أنه إذا أحرم بالظهر يجب عليه الخروج عن الظهر ليؤدي صلاة العصر، ولا يتوصل إلى أداء العصر إلا بالخروج عن الظهر، والأصل أن ما لا يتوصل إلى شيء إلا بغيره صار غيره كعينه، وأداء العصر فرض عليه، فكذلك خروج عن الظهر يكون فرضًا عليه.
وتأويل الحديث: قارب التمام. كما قال: الحج عرفة فمن وقف بعرفة فقد تم حجه أي قارب التمام.
والكلام والحدث والقهقهة والمحاذاة صنع منه، فإن قيل: نزع الخف أيضًا بصنعه قلنا: إنما يكون صنعه إذا كان يحتاج إلى معالجة كثيرة، وعند ذلك صلاته تامة بالاتفاق أما إذا كان الخف واسعًا لا يحتاج إلى صنعه، ومن أصحابنا من قال: هذا الأصل عند أبي حنيفة ﵀ لا يقوى لاستحالة أن يتأدى فرض الصلاة بالكلام والحدث العمد، ولكن الوجه الصحيح عند أبي حنيفة أن التحريمة باقية بعد الفراغ من التشهد، وهذه العوارض مغيرة للفرض فاعتراضها في هذه الحالة كاعتراضها في خلال الصلاة، كنية الإمامة بخلاف الكلام، فإنه قاطع وليس بمفير.
والقهقهة والحدث العمد مبطل وليس بمفير، فإن قيل: طلوع الشمس في خلال الصلاة مبطل وليس بمفير، وقد جعلتموه على الخلاف قلنا: بل هو بمفير للصلاة من الفرض إلى النفل فإنه لا يصير به خارجًا من التحريمة. وجميع ما قلنا فيما إذا اعترض قبل السلام كذلك في سجود السهو أو بعدما فرغ منها قبل أن يتشهد أو بعدما تشهد قبل أن يسلّم هكذا ذكر في «الأصل» .
وإن وجد هذه الأشياء بعدما سلّم قبل أن يسجد للسهو فصلاته تامة، أما عندهما فلا يشكل، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فلأنه بالسلام خرج عن التحريمة، ولهذا لا يتغير فرض المسافر بنية الإقامة في هذه الحالة، فكذلك إن كان سلّم إحدى التسليمتين لأن انقطاع التحريمة يحصل بتسليمة واحدة والله أعلم.
متيمم افتتح الصلاة ثم وجد سؤر الحمار مضى على صلاته، فإذا فرغ توضأ به وأعاد الصلاة لأن سؤر الحمار مشكوك في طهوريته وشروعه في الصلاة قد صح فلا ينتقض بالشك فيُتم الصلاة ثم يتوضأ به ويعيد الصلاة احتياطًا لجواز أن يكون سؤر الحمار طاهرًا. ولو وجد نبيذ التمر في خلال الصلاة فكذلك عند محمد ﵀ لأن عنده نبيذ التمر كسؤر الحمار وعند أبي يوسف ﵀: يتم صلاته ولا يعيد لأن النبيذ عنده ليس بطهور، وعند أبي حنيفة ﵀ يقطع صلاته لأن نبيذ التمر عنده بمنزلة الماء حال عدم الماء فتنتقض صلاته فيتوضأ ويستقبل الصلاة.
وإن وجد سؤر الحمار والنبيذ جميعًا فعند أبي حنيفة ﵀ تفسد صلاته فيتوضأ
[ ١ / ١٥٣ ]
بهما ثم يستقبل لأن سؤر الحمار إن كان طاهرًا فالنبيذ معه ليس بطهور لأن التوضؤ بالنبيذ إنما يجوز عند أبي حنيفة ﵀ إذا كان عادمًا الماء، فإذا كان السؤر طاهرًا لا يكون عادمًا للماء فلا يكون النبيذ طهورًا.
وإذا لم يكن السؤر طاهرًا فالنبيذ طهور فقد وقع الشك في سؤر الحمار فلهذا يتوضأ بهما. وعند أبي يوسف ﵀ يمضي (على) صلاته، فإذا فرغ توضأ بالسؤر خاصة وأعاد الصلاة وعند محمد ﵀ يمضى على صلاته فإذا فرغ توضأ بهما وأعاد الصلاة احتياطًا.
وإذا رأى المتيمم في صلاته سرابًا فظن أنه ماء فمشى إليه ساعة فإذا هو سراب فعليه أن يستأنف الصلاة سواء جاوز مكان الصلاة أو لم يجاوز. وإن شك أنه ماء أو سراب واستوى الظنان فإنه يمضي على صلاته لأنه صح شروعه في الصلاة، وإن وقع الشك في الانصراف إن كان ماء فحل له الانصراف، وإن كان سرابًا لا يحل له، والحرمة كانت ثابتة بيقين فلا يثبت الحل بالشك فيمضي على صلاته، فإذا فرغ من صلاته ذهب. إن كان ماءً توضأ واستقبل القبلة لأنه متيمم وجد الماء في خلال الصلاة فتفسد صلاته. وإن كان سرابًا لا يلزمه الإعادة لأنه أتم الصلاة وهو عادم للماء فلا تفسد صلاته ولا يلزمه الإعادة.
قال: المسافر إذا مرّ في الفلاة بماء موضوع في حب أو نحوه لا ينتقض تيممه وليس له أن يتوضأ منه لأنه وضع للشرب لا للوضوء، والمباح في نوع لا يجوز استعماله في (نوع آخر) إلا أن يكون الماء كثيرًا فيستدل بكثرته على أنه وضع للشرب والوضوء جميعًا فحينئذ يتوضأ ولا يتيمم.
وذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ عن أستاذه عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر بن محمد بن الفضل ﵀ أن الماء الموضوع للشرب يجوز منه التوضؤ، والموضوع للوضوء لا يباح منه الشرب.
قال: وإذا اقتدى المتوضىء بالمتيمم ثم رأى المقتدي ماء ولم ير إمامه فسدت صلاة المقتدي دون صلاة الإمام. وكذا إذا أمّ المتيمم المتوضئين فأبصر بعض القوم الماء ولم يعلم به الإمام والآخرون حتى فرغوا فسدت (صلاة) من أبصر خاصة، وهذا قول علمائنا الثلاثة. وقال زفر ﵀: لا تفسد صلاته، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀. وكذلك على هذا الاختلاف إذا أمَّ الرجل قومًا في صلاة الظهر ولم يصل الفجر ولا يعلم به الإمام وقد علم به القوم فصلاة القوم فاسدة استحسانًا عند علمائنا الثلاثة، وفي القياس وهو قول زفر ﵀: لا تفسد.
وجه القياس وهو أن صلاة المقتدي لو فسدت إنما تفسد بأحد الأشياء الثلاثة، إما بالحدث العمد ولم يوجد وإما برؤية الماء، وذلك لا يضره لأنه متوضىء. وإما بفساد صلاة الإمام وصلاة الإمام صحيحة، فلا معنى لإفساد صلاته، فلا تفسيد صلاته وعلماؤنا ﵏ قالوا: إن طهارة الإمام معتبرة في حق المقتدي بدليل أنه لو تبين أن الإمام محدث لم تجز صلاة المقتدي. وطهارة الإمام هنا بتيمم، فيجعل (٢٢أ١) في حق من
[ ١ / ١٥٤ ]
أبصر الماء كأنه هو المتيمم فلهذا فسدت صلاته ولأنه اعتقد فساد صلاة الإمام، فإن عنده أن الإمام يصلي بالتيمم مع وجود الماء، والمقتدي إذا اعتقد فساد صلاة الإمام تفسد صلاته، كما لو اشتبهت القبلة على الإمام والقوم، فتحرى الإمام إلى جهة والمقتدي إلى جهة أخرى وهو عالم أن الإمام صلى إلى غير جهته فإنه لا يصح اقتداؤه به.
وكذلك في مسألة الترتيب، صلاة الإمام فاسدة في حق المقتدي لأن الترتيب من شرط الجواز، وأنه ثابت في حق المقتدي بعلمه أن على الإمام صلاة الفجر، وبعلم الإمام أنه ليس عليه شيء فكانت صلاة الإمام فاسدة في حق المقتدي، جائزة في حق الإمام فلا يصح اقتداؤه به كذا هذا.
وأجمعوا أن المتيمم إذا أمّ المتيممين ثم رأى بعض من خلفه الماء أو علم بمكانه ولم يعلم الإمام تفسد صلاة من علم بالماء لما ذكرنا أن المفسد للصلاة أحد الأشياء الثلاثة.
ومن جملة ذلك: رؤية الماء في حق المتيمم، وهذا متيمم فيكون رؤية الماء مفسد للصلاة في حقه لا في حق غيره، لأن صلاة الغير لا تتعلق بصلاته. قال: المتيمم إذا وجد الماء فلم يتوضأ به ثم حضرت الصلاة فلم يجد الماء أعاد التيمم، لأنه لما قدر على استعمال الماء بطل تيممه وصار محدثًا بالحدث السابق فهذا محدث لا ماء معه، فعليه التيمم للصلاة.
قال: جماعة من المتيممين إذا رأوا في صلاتهم قدر ما يكفي لأحدهم إن كان الماء مباحًا فسدت صلاة الكل. وإن كان مملوكًا لرجل فقال: أبحت الماء لكل واحد منكم أو قال: من شاء فليتوضأ فسدت صلاتهم. وإن قال: أبحت لكم جميعًا لم تفسد صلاتهم.
قال محمد ﵀ في «الزيادات»: جماعة من المتيممين انتهوا إلى رجل في السفر معه من الماء ما يكفي لأحدهم فأباح لهم وقال: خذوه فليتوضأ به أيكم شاء، ينتقض تيممهم، لأن هذا الماء بالإباحة والتحق بالمباح الأصلي، وهناك ينتقض تيمم الكل لأن هذا الماء يمنعهم عن ابتداء التيمم لأنه يفيد القدرة على الطهارة لكل واحد منهم فيمنع البقاء فكذا ههنا.
فإن توضأ به أحدهم جاز وأعاد الباقون تيممهم. ولو كان قال: هذا الماء لكم فاقبضوه فقبضوه لم ينتقص تيممهم، لأنه ما أباح الماء لهم بل ملكه منهم فلا يصيب كل واحد منهم إلا شيئًا يسيرًا، وذلك القدر لا يفيد القدرة على الطهارة فلا يبطل التيمم، ألا ترى أن ذلك القدر لا يمنع ابتداء التيمم فلا يمنع بقاؤه، قال بعض مشايخنا: وهذا على قولهما لأن عندهما هبة المشاع فيما يحتمل من رجلين هبة جائزة تامة، فكان هذا تمليكًا منهم.
أما على قول أبي حنيفة ﵀: هبة المشاع فيما يحتمل القسمة رجلين أو جماعة غير جائزة فلا يكون هذا تمليكًا منهم بل يكون مجرد إباحة، فصار نظير الوجه الأول. وبعضهم قالوا: هذا قولهم جميعًا وهو الصحيح، وإنما كان كذلك لوجهين:
[ ١ / ١٥٥ ]
أحدهما: أن عند أبي حنيفة ﵀: هبة المشاع فيما يحتمل القسمة رجلين فاسدة والهبة الفاسدة تفيد الملك عند اتصال القبض بها.
والثاني: إن لم يثبت التمليك لا تثبت الإباحة أيضًا لأن التنصيص على الإباحة لم يوجد ههنا لو ثبتت الإباحة، إنما تثبت في ضمن التمليك، فإن أبطل التمليك بطلت الإباحة الثانية في ضمنه ضرورة.
فإن أباح كل واحد منهم لأصحابه يبطل تيممهم، وكذلك لو أباحوا لواحد بعينه بطل تيممه. قال مشايخنا: وهذا على قولهما لأن هذه الهبة وقعت صحيحة عندهما فثبت الملك فيعمل إِذْنُ كل واحد وإباحته في حق أصحابه فينتقص تيممهم.
أما على قول أبي حنيفة ﵀: إذنهم فيما بينهم لا يعمل قبل القبض لعدم الملك وبعد القبض لفساد الملك إذ الملك الفاسد لا يفيد إطلاق الاستمتاع لا بالملك ولا بغيره بإذنه فانعدمت القدرة على الماء.
قال: المتيمم إذا صلى بقوم متيممين ركعة فجاء رجل معه كوز من ماء يكفي أحدهم وقال: هو لفلان لرجل من القوم فسدت صلاة ذلك الرجل، ويمضي القوم على صلاتهم. فإذا فرغوا سألوه الماء، إن أعطى الإمام توضأ الإمام واستقبل الصلاة ويستقبل القوم معه، وإن منع الإمام والقوم فصلاة الكل تامة.
ولو أن الذي جاء بالكوز قال للمتيممين قبل الشروع في الصلاة: من شاء منكم فليتوضأ به انتقص تيممهم.
قوم من المتيممين شرعوا في الصلاة فجاء رجل بماء يكفي أحدهم وقال: من يريد منكم الماء؟ ينتقض تيممهم.
قوم من المتيممين منهم متيمم للجنابة ومنهم متيمم للحدث وإمامهم متوضىء فجاء رجل بكوز من الماء يكفي أحد المتيممين عن الحدث وقال: هذا الكوز من الماء لمن شاء منكم فسدت صلاة المتيممين عن الحدث ولم تفسد صلاة المتيممين عن الجنابة لوجود القدرة على الماء لكل واحد من الفريق الأول دون الثاني. ولو كان الإمام متيممًا عن الحدث فسدت صلاة الكل.
قال: رجلان يصليان أحدهما عريانًا والآخر متيمم، فجاء رجل وقال: معي ماء فتوضأ أيها المتيمم ومعي ثوب فخذه أيها العريان فسدت صلاتهما. كذا قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀.
قال: المصلي بالتيمم إذا قال له نصراني: خذ الماء فإنه يمضي على صلاته ولا يقطع لأنّ كلامه قد يكون على وجه الاستهزاء، وقد صح الشروع بيقين فلا يقطع بالشك. فإذا فرغ من الصلاة سأله، فإن أعطاه أعاد الصلاة، وما لا فلا.
ذكر أبو الحسن في «جامعه» في المصلي إذا وجد مع رفيقه ماءً كثيرًا لا يدري يعطيه أم لا أنه يمضي على صلاته، فإذا فرغ سأله فإن أعطاه توضأ وأعاد، لأنه لما أعطاه للحال فالظاهر أنه كان يعطيه في ذلك الوقت لو طلب، فقد صلى بالتيمم مع القدرة على
[ ١ / ١٥٦ ]
استعمال الماء فيلزمه الإعادة، فإن أبى حين سأله فقد تمت صلاته لعدم القدرة، فإن أعطاه بعدما أبى لم ينتقض ما مضى من صلاته، لأن العجز استحكم بالإباء، فلا يظهر بطلان ما مضى ولزمه الوضوء لصلاة أخرى لارتفاع حكم الإباء في المستقبل بالإعطاء.
وعن محمد ﵀: إذا رأى في الصلاة مع غيره ماءً وفي غالب ظنه أنه يعطيه بطلت صلاته والله أعلم.
ومما يتصل بهذه المسائل
ما قاله محمد ﵀ في «الزيادات» وصورته: مسافر يغتسل عن جنابة فبقي منه لمعة لم يصبها الماء وليس معه ماء فإنه يتيمم ويصلي لأن الجنابة حلت بجميع البدن. قال ﵇: «تحت كل شعرة جنابة» وإنها لا تتجزأ زوالًا كما لا تتجزأ ثبوتًا، فما لم يَطْهر جميع بدنه بالماء لا يخرج عن حكم الجنابة ولم يوجد، فبقي جنبًا وهو عادم الماء، فيجب عليه التيمم حتى يصلي.
فإن تيمم للجنابة ثم أحدث حدثًا يوجب الوضوء وليس معه ماء فإنه يتيمم أيضًا للحدث ويصلي لأن تيممه للجنابة كان متقدمًا على الحدث، والتيمم المتقدم لا يجوز عن الحدث المتأخر، ألا ترى أنه لو اغتسل عن الجنابة ثم أحدث كان عليه أن يتوضأ ولم يجز الاغتسال المتقدم عن الحدث المتأخر كذا ههنا.
فإن وجد ماءً قبل التيمم للحدث فهذا على وجوه خمسة:
الأول: إذا وجد من الماء ما يكفي لهما: وفي هذا الوجه ينتقض تيممه للجنابة لأن وجود هذا القدر من الماء يمنع ابتداء تيممه للجنابة فيمنع البقاء، فيغسل اللمعة ويتوضأ للحدث لأنه محدث معه من الماء ما يكفيه للوضوء.
[ ١ / ١٥٧ ]
الوجه الثاني: إذا وجد من الماء ما لا يكفي لأحدهما: وفي هذا الوجه لا ينتقض تيممه للجنابة لأن وجود هذا القدر من الماء لا يمنع ابتداء تيممه للجنابة فلا يمنع البقاء، ويتيمم للحدث لأنه محدث وليس معه من الماء ما يكفيه للوضوء، ويستعمل ذلك الماء في اللمعة (٢٢ب١) تقليلًا للجنابة.
الوجه الثالث: إذا وجد من الماء ما يكفي اللمعة وما يكفي للوضوء: وفي هذا الوجه ينتقض تيممه للجنابة فيغسل اللمعة ويتيمم للحدث لأنه محدث وليس معه من الماء ما يكفيه.
الوجه الرابع: إذا وجد من الماء ما يكفي للوضوء ولا يكفي غسل اللمعة، وفي هذا الوجه لا يبطل تيممه للجنابة ويتوضأ للحدث لأن بالتيمم الأول طهر من الجنابة إلى أن يجد ماءً يكفيه لما بقي ولم يجد، فلا يبطل تيممه للجنابة، ولكن يتوضأ للحدث لأنه محدث معه من الماء ما يكفيه للوضوء.
الوجه الخامس: إذا وجد من الماء ما يكفي لكل واحد منهما حالة الانفراد ولا يكفي لهما على الجمع: وفي هذا الوجه يصرف الماء إلى اللمعة ثم يتيمم للحدث، لأن الجنابة أغلظ الحدثين، ألا ترى أن الجنب ممنوع عن قراءة القرآن والمحدث غير ممنوع عنه، فعلم أن الجنابة أغلظ الحدثين، والصرف إلى أغلظ الحدثين عند التعارض أولى.
قال: فإن توضأ بهذا الماء جاز ويعيد التيمم للجنابة لأن الماء صار مستحق الصرف إلى اللمعة فقد وجد من الماء ما يكفيه لما بقي فانتقض تيممه للجنابة. والتيمم متى انتقض لا يعود بعد ذلك. فإذا صرف الماء إلى الوضوء بقي جنبًا، وهو عادم الماء فيتيمم للصلاة. فلو أنه لم يتوضأ بهذا الماء ولكن بدأ بالتيمم للحدث ثم صرف إلى اللمعة هل يعيد التيمم للحدث؟
ذكر في «الزيادات» أنه يعيد، وعلى رواية «الأصل» لا يعيد قيل: ما ذكر في «الزيادات» قول محمد ﵀، وما ذكر في «الأصل» قول أبي يوسف ﵀، وجه قول محمد: أنه تيمم وفي يده من الماء ما يكفيه للوضوء فلا يجوز التيمم.
وجه قول أبي يوسف: أن الماء مستحق الصرف إلى اللمعة فالمستحق بجهة معدوم فيما عدا تلك الجهة، ألا ترى أن الماء المستحق بحاجة العطش جعل كالمعدوم في حق جواز التيمم كذا ههنا.
هذا الذي ذكرنا إذا وجد الماء قبل أن يتيمم للحدث، وأما إذا وجد الماء بعدما تيمم للحدث فهو على وجوه خمسة أيضًا:
الوجه الأول: إذا وجد من الماء ما يكفي لهما، وفي هذا الوجه: يبطل تيممه للجنابة والحدث لأن وجود هذا القدر من الماء يمنع التيمم لهما ابتداءً، فيمنع البقاء لهما أيضًا فيغسل اللمعة ويتوضأ للحدث.
الوجه الثاني: إذا وجد من الماء ما لا يكفي لأحدهما: وفي هذا الوجه لا يبطل تيممه للجنابة ولا للحدث لأن وجود هذا القدر من الماء لا يمنع التيمم لهما ابتداءً فلا يمنع البقاء أيضًا، ولكن يصرف الماء إلى اللمعة تقليلًا للجنابة.
الوجه الثالث: إذا وجد من الماء ما يكفي اللمعة دون الوضوء: وفي هذا الوجه يبطل تيممه للجنابة فيصرف الماء إلى اللمعة ولا يبطل تيممه للحدث.
الوجه الرابع: إذا وجد من الماء ما يكفي للوضوء ولا يكفي اللمعة، وفي هذا الوجه: يبطل تيممه للجنابة ويبطل تيممه للحدث فيتوضأ به ويصلي.
وفي الوجه الخامس: إذا وجد من الماء ما يكفي لكلّ واحد منهما حالة الانفراد ولا يكفي لهما جميعًا: وههنا يصرف الماء إلى اللمعة، وهل ينتقض تيممه للحدث على رواية «الزيادات» وهو قول محمد ﵀: ينتقض، وعلى قول أبي يوسف ﵀: لا ينتقض، لأن وجود الماء عند محمد يمنع ابتداء التيمم فيمنع البقاء، وعند أبي يوسف لا يمنع ابتداء التيمم فلا يمنع البقاء.
قال: جنب اغتسل ونسي أن يبدأ بمواضع الوضوء يعني لم يغسل مواضع الوضوء
[ ١ / ١٥٨ ]
ونسي غسل ظهره أيضًا ثم أراق الماء، فإنه يتيمم لأنه جنب بعد، فإن تيمم ثم وجد ماءً يكفي لأحدهما إما لمواضع الوضوء وإما لغسل الظهر لا ينتقض تيممه، لأن وجود هذا القدر من الماء في الابتداء لا يمنع التيمم فلا ينقضه في الانتهاء، وكان له أن يصرف إلى أيهما شاء لأن الثابت فيهما نجاسة الجنابة فاستويا فكان له خيار الصرف، ولكن الأفضل أن يستعمله في مواضع الوضوء، فإنما كان هكذا لأنه ليس في الصرف إلى أحدهما إزالة الجنابة بل فيه تقليل الجنابة والسنة أن يبدأ بمواضع الوضوء فكان إلى ما فيه إقامة السنة أولى.
قال: جنب اغتسل وبقي من جسده ظهره لم يصبه الماء وليس معه ماء آخر فعليه أن يتيمم، فإن لم يتيمم حتى أحدث حدثًا يوجب الوضوء فعليه أن يتيمم تيممًا واحدًا للجنابة والحدث جميعًا. وإنما كان هكذا لأن التيمم خلف عن الماء، ثم استعمال الماء مرة واحدة يكفي عن الحدثين، حتى إن الحائض إذا طهرت من حيضها وأجنبت يكفيها غسل واحد فكذا التيمم.
قيل: وينبغي له عند التيمم أن ينوي عن الحدثين لأن التيمم لا يكون طهارة إلا بالنيّة، فإذا لم ينو عنهما بقي التيمم في حق أحدهما بلا نيّة فلا يكون طهارة. وإن تيمم لهما ثم وجد من الماء ما يكفي لأحدهما إما لغسيل الظهر وإما لمواضع الوضوء صرفه إلى غسيل الظهر لما ذكرنا أن الجنابة أغلظ الحدثين ويعيد التيمم للحدث على رواية «الزيادات» وهو قول محمد ﵀.
استشهد محمد في «الكتاب» لإيضاح مذهبه بمسألة: ألا ترى أن الرجل إذا كان بثوبه أو جسده نجاسة أكثر من قدر الدرهم وأحدث ولم يجد ماءً وتيمم ثم وجد ماءً يكفي لأحدهما فإنه يصرفه إلى غسل النجاسة لأنها أغلظ من الحدث لأنه يتوهم أن يغمر البدن وليس للماء بدل في تطهيرها، والحدث لا يغمر البدن، وللماء بدل في رفعه فعلم أنها أغلظ فلهذا يصرف الماء إليها، ثم يعيد تيممه للحدث، مع أن هذا الماء استحق الصرف إلى النجاسة فكذا في مسألتنا.
قال مشايخنا: لا نحفظ لهذا رواية عن أبي يوسف ﵀ والصحيح أن يقال: لا ينتقض تيممه فلا يلزمه إعادة التيمم عند أبي يوسف.
قال: جنب وجد من الماء قدر ما يكفي للوضوء دون الاغتسال فإنه يتيمم ولا يلزمه استعمال ذلك الماء عندنا لأن هذا القدر من الماء لا يفيد القدرة على الطهارة عن الجنابة فيجعل وجوده والعدم بمنزلة، فإن تيمم وتوضأ ثم أحدث فعليه أن يتيمم لأن الوضوء السابق لا يجزىء عن الحدث اللاحق، فإن تيمم ثم وجد ما يكفيه لأحدهما، إما لبقية جسده أو لمواضع وضوئه صَرَفَهُ إلى الجنابة لأنها أهم ويعيد التيمم للحدث على رواية «الزيادات» وهو قول محمد ﵀.
وفي «نوادر» ابن سماعة: مسافر أجنب فتيمم وشرع في الصلاة ثم أحدث وقد وجد من الماء ما يكفيه للوضوء يتوضأ ويبني على صلاته في قول محمد ﵀ الآخر،
[ ١ / ١٥٩ ]
مروي ذلك عن أبي يوسف ﵀ أيضًا والله أعلم.
(نوع آخر)
إذا أحدث. وفي إمامة المتيمم للمتوضئين إذا افتتح الصلاة بالتيمم ثم سبقه الحدث ولم يجد الماء تيمم وبنى، وكذلك لو افتتح الصلاة بالوضوء ثم سبقه الحدث ولم يجد الماء تيمم وبنى، وإن وجد بعدما تيمم توضأ واستقبل الصلاة سواء وجد الماء بعدما عاد إلى مكانه أو قبل أن يعود إلى مكانه، هكذا ذكره الحاكم الشهيد ﵀ في «المختصر» .
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: كان الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد ﵀ يقول: وجدت رواية عن أبي يوسف أنه يتوضأ ويبني، قال: وهذا أقيس على مذهبه لأن اقتداء المتوضىء بالمتيمم يجوز عنده، فكذا بناء الوضوء على التيمم، فيحتمل أن يكون ما ذكر للحاكم في المختصر قول محمد.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: أن المتوضىء إذا سبقه الحدث فذهب وتيمم ثم وجد الماء بعد ما عاد إلى مكانه استقبل الصلاة، وإن وجد الماء قبل أن يعود إلى مكانه ففي القياس يتوضأ ويستقبل الصلاة وهو قول محمد ﵀، وفي الاستحسان: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يتوضأ ويبني على صلاته.
وفي «البقالي» مسافر أجنب وشرع في الصلاة بالتيمم ثم سبقه الحدث فوجد ماءً قدر ما يكفي للوضوء فإنه يتوضأ ويبني قال: وهذا هو القول الآخر لمحمد ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀.
ويجوز للمتيمم أن يؤم المتوضىء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وقال محمد ﵀: لا يجوز، وهو قول علي ﵁.
حجته: أن التيمم طهارة ضرورية، وطهارة الماء أصلية فلا يجوز بناء الأصلي على الضروري، ألا ترى أن صاحب الجرح السائل لا يؤم الأصحاء لهذا، ومذهبهما يروى عن ابن عباس ﵄، وروي أن رسول الله ﵇ بعث عمرو بن العاص ﵁ أميرًا على سريّة فلما انصرفوا سألهم عن سيرته فقالوا: كان حسن السيرة (٢٣أ١) ولكنه صلى بنا يومًا وهو جنب فسأله عن ذلك، فقال: احتلمت في ليلة باردة وخشيت الهلاك إن اغتسلت فتلوت قول الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (النساء: ٢٩) فتيممت وصليت بهم، فضحك في وجهه وقال: «ما لك من فقه عمرو بن العاص» ولم يأمرهم بإعادة الصلاة لأن المتيمم صاحب بدل صحيح فيؤم المتوضئين كالماسح على الخفين يؤم الغاسلين.
وبه فارق صاحب الجرح السائل فإنه ليس بصاحب بدل صحيح، فإذا كان الإمام
[ ١ / ١٦٠ ]
متيممًا وخلفه متوضئون فأحدث واستخلف متوضىء ثم وجد الإمام الأول الماء فسدت صلاته لأنه متيمم رأى الماء في خلال الصلاة فتفسد صلاته، ولا تفسد صلاة القوم ولا صلاة الخليفة لأن الإمامة تحولت إلى الثاني، وصار الإمام الأول مقتديًا بالخليفة كواحد من القوم. وفساد صلاة واحد من القوم لا يوجب فساد صلاة غيره، كما لو تقيأ متعمدًا أو قهقه أو تكلم فسدت صلاته، ولا يوجب ذلك فساد صلاة غيره.
وإن كان الأول متوضئًا والخليفة متيممًا فوجد الخليفة الماء فسدت صلاته وصلاة الإمام الأول والقوم جميعًا لأن الإمامة تحولت إلى الثاني وصار الإمام الأول مقتديًا بالثاني على ما ذكرنا وقد فسدت صلاة الإمام الثاني برؤية الماء، وفساد صلاة الإمام يوجب فساد صلاة القوم.
وهذا التفريع إنما يتأتى على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لأن عندهما اقتداء المتوضىء بالمتيمم جائز، فأما على مذهب محمد ﵀ لا يتأتى هذا التفريع لأن من مذهبه أن اقتداء المتوضىء بالمتيمم لا يجوز والله أعلم.
(نوع آخر) من هذا الفصلفي المتفرقات
ويصلي الرجل بتيممه ما شاء من الصلوات من الفرائض والنوافل والفوائت ما لم يحدث، أو تزول العلة أو يجد الماء. قال الشافعي: يصلي بتيمم واحد فرضًا واحدًا وما شاء من النوافل، وحاصل الخلاف يرجع إلى أن حكم التيمم عند عدم الماء مادي:
قال أصحابنا ﵏: حكمه زوال الحدث مطلقًا من كل وجه إلى وقت الحدث كما في الماء، إلا أن في الماء الزوال يؤقت إلى غاية الحدث. وفي التيمم يؤقت إلى غاية الحدث أو وجود ماء أو زوال العلة. وعند الشافعي: حكمه رفع الحدث مقدرًا بالحاجة إلى فرض الوقت كما في طهارة المستحاضة والصحيح مذهبنا لقوله ﵇: «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء»، فإن وجد ولم يتوضأ به ثم حضرت الصلاة فلم يجد الماء أعاد التيمم لأنه لما وجد الماء بطل تيممه والباطل لا يعود. وقد مرت المسألة من قبل.
قال: إذا أجنب المسافر ووجد (من) الماء قدر ما يتوضأ به لا غير فإنه يتيمم ولا يتوضأ به عندنا، وقال الشافعي ﵀ يتوضأ بذلك الماء ثم يتيمم، وقد مرت المسألة أيضًا، وكذلك على هذا الاختلاف: المحدث إذا كان معه من الماء ما يكفيه لغسل بعض الأعضاء يتيمم عندنا، وعند الشافعي يستعمل الماء فيما يكفيه ثم يتيمم.
احتج الشافعي بظاهر قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ (النساء: ٤٣) الله تعالى ذكره منكرًا، والمنكر في موضع النفي يعم، فيتناول القليل والكثير، فما دام واجدًا لشيء من الماء لا يكون له أن يتيمم، والفقه فيه: وهو أن الضرورة لا تتحقق إلا بعد استعمال الماء فيما يكفيه، فهو كمن أصابته مخمصة ومعه لقمة من الحلال لا يكون له أن
[ ١ / ١٦١ ]
يتناول الميتة ما لم يتناول تلك اللقمة، والدليل أن من وجد سؤر حمار يلزمه استعماله فكذلك ههنا، بل هذا أولى؛ لأن سؤر الحمار طهور من وجه دون وجه، وهذا الماء طهور من كل وجه، فلما لزمه استعمال سؤر الحمار فهذا أولى، ولأن الطهارة شرط جواز الصلاة، وقد عجز عن استعمال البعض، والعجز عن استعمال البعض لا يسقط الكل قياسًا على الطهارة عن النجاسة الحقيقية وقياسًا على ستر العورة، فإنه لو وجد من الماء قدر ما يغسل بعض النجاسة أو وجد من الثوب قدر ما يستر بعض العورة يلزمه ذلك حتى لو لم يفعل لا تجوز صلاته كذلك ههنا.
وعلماؤنا احتجوا بهذه الآية أيضًا، فالله تعالى شرط جواز التيمم عدم الماء الذي يطهر، ألا ترى أن الماء النجس لا يمنعه من التيمم وقد عدم ههنا الماء الذي يطهره، فيجوز له التيمم، ولأنه معطوف على ما سبق، فقد سبق بيان حكم الوضوء والاغتسال ثم عطف عليه قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ (النساء: ٤٣) فيكون المفهوم منه ذلك الماء الذي يتوضؤون به، ويغتسلون عند الجنابة، وهو غير واجد لذلك الماء، ولأنه إذا لم يطهره استعمال هذا الماء لا يكون في استعماله إلا تضييعه، والماء من أعز الأشياء في السفر، فلا فائدة في استعماله كالمكفر بالصوم إذا وجد بعض الرقبة جاز له الصوم، وكذلك إذا وجد قبل الشروع في الصوم لا يلزمه الإعتاق، ويجوز له الصوم؛ لأن ذلك القدر من الرقبة لا يقع به التكفير، فكذلك ههنا، فتكون الآية حجة لنا من الوجه الذي بينا.
قوله: واجد للماء، قلنا: نعم، ولكن هذا القدر من الماء لا يكفي لإباحة الصلاة، وأما المخمصة، قلنا: لا يلزمه مراعاة الترتيب، فإن ما معه من الحلال إذا كان لا يكفيه لسد الرمق، فله أن يتناول معه الميتة.
وأما سؤر الحمار قلنا ذلك لأن الحدث فيمنع لهذا أما ههنا لا يزول الحدث بهذا القدر من الماء بيقين، فلم يكن هذا نظير ذلك.
قوله: الطاهر عن الحدث شرط من شرائط الجواز، فصار كالنجاسة الحقيقية وستر العورة، قلنا: من مشايخنا من سوى بينهما، وقال: إذا وجد من الماء قدر ما لا يزيل كل النجاسة بل يبقى على الثوب بعدما غسل مقدار ما يمنع من جواز الصلاة، فإنه لا تلزمه الإزالة، وكذلك في الثوب.
ولئن سلمنا فنقول: إن غسل بعض النجاسة الحقيقية مفيد؛ لأن بعض النجاسة يزول على الحقيقة، وكذا بعض الانكشاف يزول ببعض الستر، وهو مأمور بإزالة النجاسة والستر حقيقة وحكمًا فإذا قدر عليها يفرض عليه ذلك، وإذا قدر على إزالته حقيقة دون الحكم، فما عجز عنه يسقط، وما قدر عليه لزمه، أما ههنا غسل بعض الأعضاء لا يفيد له إباحة الصلاة وهي مشروعة لإباحة الصلاة، فإذا لم تُفِدْ له الإباحة، فوجوده وعدمه
[ ١ / ١٦٢ ]
بمنزلة، وكذلك لو وجد الماء هذا المتيمم، فإن كان يكفيه لما خوطب به يبطل تيممه، وإن كان لا يكفيه لا يبطل تيممه اعتبارًا للانتهاء بالابتداء.
فإن تيمم للجنابة وصلى ثم أحدث ومعه من الماء ما يتوضأ به توضأ به لصلاة أخرى، لأن التيمم الأول أخرجه من الجنابة إلى أن يجد ما يكفيه الاغتسال فهذا محدث معه من الماء ما يكفيه للوضوء فيتوضأ به، فإن توضأ به ولبس خفيه ثم مر بماء يكفيه للاغتسال، فلم يغتسل حتى صار عادمًا للماء، ثم حضرت الصلاة ومعه من الماء مقدار ما يتوضأ به فإنه يتيمم، ولا يتوضأ به لأنه لما وجد من الماء قدر ما يغتسل عاد جنبًا كما كان فصار بهذه الحالة والحالة الأولى على السواء، وفي الحالة الأولى يتيمم ولا يتوضأ كذا ههنا.
ولا يلزمه نزع الخف لأنه لا تيمم في الرجل، فإن تيمم ثم حضرت الصلاة الأخرى وقد سبقه الحدث، فإنه يتوضأ به، لأن بالتيمم السابق خرج من الجنابة إلى أن يجد ما يكفيه الاغتسال ولم يجد بعد ذلك ما يكفيه الاغتسال فهذا محدث معه ما يتوضأ به فعليه أن يتوضأ وينزع خفيه، لأنه لما مر بماء يكفيه الاغتسال بعد لبس الخف وجب نزع الخف، فلا يكون له أن يمسح بعد ذلك وإن لم يكن مر بالماء قبل ذلك مسح على خفيه؛ لأن اللبس حصل على طهارة ما لم يجد ما يمكنه الاغتسال، فكان له أن يمسح.
وإذا أصاب بدن المتيمم نجاسة لم ينقض تيممه، وكذلك إذا أصاب ثوبه، لأن التيمم إنما ينتقض بأحد شيئين: أما برؤية الماء أو بالحدث، ولم يوجد واحد منهما، فلا ينتقض تيممه ولكن يمسح تلك النجاسة بخرقة أو خشبة أو تراب ثم يصلي؛ لأنه بالمسح تزول العين، إن كان لا يزول الأثر فهو قادر على إزالة البعض. ولو أمكنه (٢٣ب١) إزالة الكل يؤمر به، فإذا أمكنه إزالة البعض، يؤمر به أيضًا وصار كالعاري إذا وجد من التراب ما يستر به عورته، فإن ترك المسح فإنه يضره لا ترك الأثر، فالأثر لا يكفي لمنع جواز الصلاة.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: في مسلم تيمم ثم ارتد عن الإسلام ثم أسلم فهو على تيممه، وقال زفر ﵀: يبطل تيممه، وأجمعوا على أنه إذا توضأ ثم ارتد عن الإسلام ثم أسلم أنه يكون على وضوئه، فوجه قول زفر: أن الكفر يمنع ابتداء التيمم لكونه عبادة فيمنع البقاء، كالصوم والصلاة، وبه فارق الوضوء؛ لأن الكفر لا يمنع ابتداء الوضوء فلا يمنع البقاء قلنا: إن التيمم قد صح، وأفاد حكمه وهو الطهارة والحال حال بقاء الطهارة والكفر لا ينافي بقاء الطهارة فيبقى بعد الردة، ألا ترى أن لو توضأ ثم ارتد يبقى طاهرًا، بخلاف الصوم والصلاة لأنهما حكمهما بعدالفراغ عنهما الثواب، والكفر ينافيه، والسبب لا يبقى بدون الحكم، فأما التيمم، فله حكمان الثواب والطهارة عن الحدث، والثواب إن بطل بالردة، فالطهارة عن الحدث لم تبطل لأن الكفر لا ينافيها فينتفي التيمم، لأن السبب يبقى ببقاء أحد الحكمين، ألا ترى أنه لو توضأ بنية الصلاة ثم ارتد يبطل الثواب وتبقى الطهارة كذا ههنا.
[ ١ / ١٦٣ ]
وإنما لا يصح ابتداء التيمم لأنه جعل طهورًا بشرط إرادة العبادة التي لا صحة لها إلا بالطهارة، وإرادة العبادة من الكافر لا تصح أما في حالة البقاء لا حاجة إلى الإرادة.
قال: ولو تيمم النصراني يريد به الإسلام، لا يصح تيممه، حتى لا يصلي بهذا التيمم لو أسلم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعلى قول أبي يوسف ﵀ يصح تيممه، شرط في «الجامع الصغير» إرادة الإسلام على مذهب أبي يوسف ﵀ لم يشترط إرادة الإسلام في كتاب الصلاة والصحيح ما ذكر في «الجامع الصغير» لأن بدون إرادة الإسلام حصل التيمم لا بنية القربة، والمسلم لو تيمم لا بنية القربة لا يصح تيممه بالإجماع فههنا أولى.
فوجه قول أبي يوسف أنه تيمم بنية قربة تصح منه فيصح أما بنية القربة؛ لأن الإسلام أصل القرب ورأس العبادات، وإما نية قربة تصح منه فظاهر بخلاف ما لو تيمم بنية الصلاة، لأن نية الصلاة منه لا تصح، غاية ما في الباب أنه لم ينو الصلاة، إلا أن نية الصلاة ليست بشرط لازم، ألا ترى أنه لو تيمم لمس المصحف أو لقراءة القرآن صح.
وجه قولهما: أنه يتيمم بنية قربة تصح بغير طهارة، لأن الإسلام صحيح بدون الطهارة، فلا يعتبر، كما لو تيمم بنية الصوم، أو بنية الزكاة، وبه فارق ما لو تيمم لمس المصحف، أو لقراءة القرآن.
والفقه في ذلك أن التيمم صار طهورًا بخلاف القياس شرعًا بنية قربة لا تتأدى بدون الطهارة. ولو توضأ في حال كفره ثم أسلم وصلى بذلك الوضوء يجوز عندنا خلافًا للشافعي بناء على أن نية الصلاة عنده شرط صحة الوضوء ونية الصلاة من الكافر لا تصح، وعندنا نية الصلاة ليست بشرط لصحة الوضوء، والمسألة معروفة.
وللمسافر أن يطأ جاريته، وإن علم أنه لا يجد الماء، وقال مالك: يكره ذلك، حجته: حديث ابن عمر ﵄ أنه سئل عن ذلك فقال: أما ابن عمر فلا يفعل ذلك وأما أنت فإذا وجدت الماء فاغتسل، والمعنى فيه: وهو أن الضرورة لا تتحقق في اكتساب سبب الجنابة حال عدم الماء، والصلاة مع الجنابة عظيم فلا ينبغي له أن يتعرض لذلك من غير ضرورة، ولنا قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ (النساء: ٤٣) فلذلك يفيد إباحة الملامسة في حال عدم الماء ثم التيمم للجنابة والحدث بصفة واحدة، فكما يجوز له اكتساب سبب الحدث في حال عدم الماء، فكذلك اكتساب سبب الجنابة لأن في منع النفس بعد الشبق بعض الحرج، وما شرع التيمم إلا لرفع الحرج.
سُئل شيخ الإسلام علي السغدي ﵀: عن رجل ضرب يده على الأرض للتيمم فرفعها، فقبل أن يمسح بهما وجهه وذراعه أحدث بصوت أو ريح أو نحو ذلك ثم مسح بهما، هل يجوز ذلك التيمم؟ قال: وقعت هذه المسألة أيام أستاذنا فقال القاضي الإمام المنتسب إلى إسبيجاب ﵀: يجوز التيمم بمنزلة من ملأ كفيه ماء فأحدث ثم استعمله في بعض أعضاء الوضوء، أليس أنه يصح ذلك؟ كذا ههنا، وقال السيد الإمام الأجل أبو شجاع ﵀: لا يجوز؛ لأن الضربة من التيمم، قال ﵇: «التيمم
[ ١ / ١٦٤ ]
ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين» فقد أتى ببعض التيمم ثم أحدث فينتقض كما ينتقض الكل إذا حصل بعد الكل بمنزلة الوضوء إذا حصل الحدث في خلاله ببعض ما وجد كما إذا حصل بعد تمامه ينتقض الكل.
قال: ثلاثة نفر في السفر جنب وحائض طهرت من الحيض وميت ومعهم من الماء قدر ما يكفي لأحدهم، إن كان الماء لأحدهم فهو أحق وإن كان الماء لهم لا ينبغي لأحد أن يغتسل لأن للميت نصيب وإن كان الماء مباحًا فالجنب أحق به وتتيمم المرأة، لأن غسل الجنب فريضة ويمكنه الإمامة، وغسل الميت ليس بفريضة ولأن غسل الجنب بنص الكتاب، وغسل الميت ثبت بالسنة فيوسم الميت ويصلي الرجل وتقتدي به المرأة بالتيمم، وكذا لو كان مكانَ الحائض محدث يصرف إلى الجنب بالإجماع، لأن في كون التيمم شبيهًا بالجنابة خلاف، فإن عمر وابن مسعود لا يريان التيمم للجنب، فكان الصرف إلى الجنابة أولى.
وإن بدأ بذراعيه في التيمم أو مكث بعدما يمم وجهه ساعة ثم يمم ذراعيه أجزأه، وعند الشافعي لا يجوز في الترتيب بناء على مسألة الترتيب في الوضوء، وعند مالك لا يجوز في الموالاة بناء على مسألة الموالاة في الوضوء، وقد بيناهما في باب الوضوء فكذلك ههنا، والمعنى فيهما أن هذا ترك السنّة وترك السنّة لا يمنع الجواز.
قال: متيمم مر على الماء وهو نائم، ذكر في بعض الروايات أن على قول أبي حنيفة ﵀ أنه ينتقض تيممه، وقيل ينبغي أن لا ينتقض عند الكل، إنما الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله فيما إذا تيمم وفي رحله ماء لا يعلم به.
رجل يرى التيمم إلى الرسغ أو الوتر ركعة واحدة ثم رأى التيمم إلى المرفق، والوتر ثلاثًا لا يعيد ما صلى وإن فعل ذلك من غير أن يسأل أحدًا ثم سأل فأمر بثلاث يعيد ما صلى لأنه في الوجه الأول مجتهد وفي الوجه الثاني لا، يعني في الوتر.
قال: المسافر إذا وجد ماء قدر ما يغسل به كل عضو مرة واحدة لا يجوز له أن يتيمم إلا أن يخاف العطش على نفسه أو على دابته، ولو كان متيممًا فوجد ماءً قدر ما يكفي كل عضو مرة واحدة، فغسل بعض أعضائه ثلاثًا ثلاثًا فلم يبق الماء فإنه يعيد التيمم.
قال: وإذا أحدث الإمام في صلاة الجنازة، قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀: إن استخلف متوضئًا ثم تيمم وصلى خلفه أجزأه في قولهم جميعًا، فإن تيمم هذا الذي أحدث وأم الناس فأتم جازت صلاة الكل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعلى قول محمد وزفر رحمهما الله: صلاة المتوضىء فاسدة وصلاة المتيممين جائزة، وهذه المسألة دليل على أن في صلاة الجنازة يجوز البناء والاستخلاف، ويصح فيها اقتداء المتوضىء بالمتيمم كما في غيرها من الصلوات.
قال: المسافر إذا لم يجد الماء ووجد الثلج، إن كان ذلك في مكان البرد وزمانه جاز له التيمم لأن التوضؤ بالثلج لا يجوز، إلا أن يسيل الماء على أعضائه ويتقاطر منها،
[ ١ / ١٦٥ ]
وذلك لا يتصور في زمان الشتاء، فإذا عجز عن الوضوء جاز التيمم.
قال: مسافر أحدث ومعه ثوب نجس، فوجد ماء قدر ما يكفي للوضوء أو لغسل الثوب ولا يكفيهما فإنه يغسل الثوب به ويتيمم للحدث ويصلي وإن توضأ بالماء وصلى في الثوب النجس يجزئه وكان مسيئًا فيما فعل.
وإذا تيمم لصلاة الجنازة وصلى جاز له أن يصلي بذلك التيمم على جنازة أخرى قبل أن يقدر على الوضوء كما لو تيمم للمكتوبة جاز له أن يصلي بذلك التيمم مكتوبة أخرى.
قال: مسافر معه ماء طاهر وسؤر حمار، ولا يعرف أحدهما من الآخر قال محمد ﵀: يتوضأ بهما جميعًا ولا يتيمم.
قال: جنب تيمم للظهر وصلى ثم أحدث فحضرته العصر ومعه ماء يكفي للوضوء فإنه يتوضأ به لأن الجنابة زالت بالتيمم، فإذا أحدث بعد التيمم ومعه ما يكفي للوضوء يتوضأ فإن توضأ للعصر وصلى ثم مر بماء يتأتى منه الاغتسال، وعلم به ولم يغتسل حتى حضرت المغرب وقد أحدث أو لم يحدث (٢٤أ١) ومعه ماء قدر ما يكفيه الوضوء فإنه يتيمم ولا يتوضأ به لأنه لما مر بماء يكفيه الاغتسال عاد جنبًا فهذا جنبٌ معه من الماء ما لا يكفي الاغتسال فيتيمم. ومن تيمم ثم شك أنه أحدث أو لم يحدث فهو على تيممه ما لم يستقين بالحدث، كما لو شك في الحدث بعدما لو توضأ.
قال: مسافر أجنب، فغسل وجهه وذراعيه، ولم يبق الماء فإنه يتيمم، فإن تيمم وشرع في الصلاة ثم قهقه ثم وجد ماءًا يكفي الاغتسال، فإنه يغسل أعضاء الوضوء، إلا رواية عن أبي يوسف ﵀، ويغسل ما بقي من جسده ما لم يكن غسله في المرة الأولى بلا خلاف، فالضحك في الصلاة ينقض طهارة الوضوء بالإجماع، وهل ينقض طهارة الاغتسال؟ فيه خلاف وقد مرت المسألة من قبل.