كل من ملك أرض الخراج يؤخذ منه الخراج كافرًا كان، أو مسلمًا صغيرًا كان، أو مكاتبًا، أو عبدًا مأذونًا، رجلًا كان أو امرأة؛ لأن الخراج مؤنة محضة، وهؤلاء من أهل إيجاب المؤن عليهم، قال محمد رحمة الله عليه في كتاب «العشر والخراج»: وليس في النخيل والشجر شيء، فقد صح عن عمر ﵁ إنما في النخيل والشجر في سواد العراق، ومضى المسألة إذا كان حول المزرعة أشجار، إلا أن لا تكون ملتفة بحيث يمكن زراعة ما تحتها، فإنه لا يجب بسبب الأشجار والنخيل وظيفة أخرى زيادة على خراج الأرض، فأما إذا كان في نفس المزرعة، فبعض المزرعة أشجار ملتفة بحيث لا يمكن زراعة من تحتها. ذكر محمد في كتاب «العشر والخراج» من أصل: أنه يوضع على كل جريب عشرة دراهم، ولم يذكر أن هذا قول مَن.
وفي «النوادر» عن أبي يوسف: أنه يوضع على كل جريب عشرة دراهم مثل ما ذكر محمد في «الأصل»، وذكر محمد في «نوادر الزكاة»، وفي «الجامع الصغير» أن على قوله يوضع على كل جريب بقدر ما يطيق، وبين ذكر محمد من قوله في «النوادر» وفي «الجامع الصغير» أن المذكور في الأصل قول أبي يوسف.
وجه قول محمد: أنه لم يرد في الأشجار الملتفة تقدير من جهة عمر، لأن الذي ورد منه ثلاثة مقادير؛ جريب الأرض قفيز ودرهم، وفي جريب الرطبة خمسة دراهم، وفي جريب الكرم عشرة دراهم، ففي الأشجار الملتفة يوضع بقدر الطاقة، لما مر أن المعتبر في الخراج الطاقة.
ووجه قول أبي يوسف: أنه ورد في الأشجار الملتفة تقدير من جهة عمر ﵁، فإنه روي أنه وظف على جريب النخل عشرة دراهم.
ونقول: الأشجار الملتفة في معنى الكرم؛ لأنها تسمى بستانًا فيما بين الناس، والبستان في معنى الكرم، فالمعنى الوارد في الكرم يكون واردًا في البستان، قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: رجل له أرض خراج عطلها، فعليه الخراج؛ لأنه قصد الإضرار بالمقابلة بإبطال حقهم في الخراج، فيرد عليه قصده، وذلك بإبرام الضمان، وقال في كتاب «العشر والخراج» من أصل: لو أن أرضًا من أراضي الخراجية عجز عنها صاحبها، وعطلها، وتركها للإمام أن يدفعها إلى من يقوم عليها، ويؤدي خراجها، وأراد
[ ٢ / ٣٤٦ ]
بقوله: من يقوم عليها، ويؤدي خراجها: من يعمل فيها بالخراج يأخذ الأرض، ويزرعها، ويؤدي الخراج من الغلة، ويمسك الباقي لنفسه.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: والصحيح من الجواب في هذه المسألة أن يؤجر الإمام الأرض أولًا وما ويرفع عنه قدر الخراج، ويمسك الباقي لرب الأرض، وهكذا ذكر محمد ﵀ في «الزيادات»؛ وهذا لأن الإمام نصب ناظرًا لكل، وتمام نظر في الإجارة أولًا حتى لا يزول ملكهم مع اتصال حق المقابلة إليهم، فإن كان لا يجد من يستأجرها، فدفعها مزارعة بالثلث، أو الربع على قدر من يوجد مثل ملك الأرض مزارعة، فيأخذ (مقدار) الخراج من نصيب صاحب الأرض، ويمسك الباقي على رب الأرض، فإن كان لا يجد من يأخذها مزارعة يدفعها إلى من يقوم عليها، ويؤدي الخراج عنها، وعن هذه المسألة قلنا: أن للسلطان إذا دفع أراضي مملكة إلى قوم ليعطوا الخراج جاز، وطريق الجواز أخذ إلى إقامتهم مقام الملاك في الزراعة، وإعطاء الخراج والإجارة تقدير الخراج، ويكون المأخوذ منهم خراجًا في حق الإمام أجرة في حقهم.
قال: وإن لم يجد الإمام من يعمل فيها بالخراج يبيعها ويرفع الخراج عن ثمنها، ويحفظ الباقي على رب الأرض، وإنما كان كذلك؛ لأن الإمام نصب ناظرًا للمسلمين وينظر رب الأرض، والمقاتلة في الترتيب الذي قلنا قبل ما ذكر أن الإمام يبيع الأراضي قول أبو يوسف، ومحمد، وأما على قول أبي حنيفة، ينبغي أن لا يبيعها؛ لأن الخراج دين، وأبو حنيفة لا يرى بيع مال المديون بغير رضاه؛ لأن في بيع ماله حجر عليه، وأبو حنيفة لا يرى الحجر على الحر.
وقيل: هذا قول الكل، وهو الصحيح؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر في موضع يعود بنفعه إلى العامة كالحجر على الطبيب الجاهل، ومنفعة الحجر هنا عائدة إلى عامة المسلمين، فيجوز البيع على قول الكل من هذا الوجه.
وذكر في بعض الكتب في هذه المسألة؛ أن الإمام يشتري ثيرانًا، وأداة الزراعة، ويدفعها إلى إنسان يزرعها، فإذا حصل الغلة نأخذ منها قدر الخراج، وما أنفق عليها، وحفظنا الباقي على رب الأرض، وقال أبو يوسف: يقرض الإمام صاحب الأرض من مال بيت المال مقدار ما يشتري به الثيران والأداة، ويأخذ منه حقه، ويكتب عليه بذلك كتابًا ليزرع، فإذا ظهرت الغلة أخذ منها الخراج، ومقدار ما أقرض من مال بيت المال، فيكون دينًا على صاحب خراج الأرض، قال: وإن لم يكن في بيت المال شيء يدفعها إلى من يقوم عليها ويؤدي خراجها، وهذا كله إذا كان رب المال عاجزًا عن الزراعة بأن كان معسرًا، فأما إذا كان غنيًا، فالإمام يتقدم إليه، ثم لا تزرع أرضك، ولا يجيزه على العمل، ولكن يأخذ الخراج منه لترك زراعتها مع الإمكان؛ ثم إذا كان رب الأرض عاجزًا
[ ٢ / ٣٤٧ ]
عن الزراعة، وصنع الإمام بالأرض ما ذكرنا، ثم عادت قدرته، وإمكانه من العمل والزراعة يستردها الإمام ممن هي في يده، ويردها على صاحبها، إلا في البيع خاصة؛ لأن بالبيع قد زالت عن ملك صاحبها.
رجل له أرض خراج باعها من غيره فهذه المسألة على وجهين:
الأول: (١٥١أ١) أن تكون الأرض فارغة، والجواب في هذا الوجه أنه، إن بقي من السنة مقدار ما يقدر المشتري على زراعتها قبل دخول السنة، فالخراج على البائع، وإلى هذا أشار محمد ﵀ في «النوادر»، فإنه ذكر في «النوادر»: إذا غرق أرض الخراج، ثم نضب الماء عنها، إن نضب الماء عنها في وقت يقدر على زراعتها ثانيًا قبل دخول السنة الثانية، فلم يزرعها، فعليه الخراج، وإن نضب الماء عنها في وقت لا يقدر على زراعتها ثانيًا قبل دخول السنة الثانية لا يجب الخراج، ثم اختلف المشايخ فيما بينهم أن المعتبر زرع الحنطة، والشعير، أو أي زرع كان؟ فالفقيه أبو نصر ﵀ يعتبر أي زرع كان، والفقيه أبو القاسم يعتبر زرع الحنطة أو الشعير، وكذلك اختلفوا أنه هل يشترط إدراك الريع بكماله؟
بعضهم شرطوا، فقالوا: إذا بقي من السنة مقدار ما يتمكن المشتري من أن يزرع الأرض، ويدرك ريعها قبل دخول السنة الثانية، فلم يزرعها، فالخراج على المشتري، وإن كان بخلافه فلا خراج عليه، وإلى هذا القول مال شمس الأئمة الحلواني ﵀.
وبعضهم لم يشترطوا إدرك الريع بكماله، وقالوا: إذا بقي من السنة مقدار ما يمكنه أن يزرع الأرض أي زرع، فتصير قصيلًا، فتبلغ قيمته قدر الخراج، ومثله يجب الخراج على المشتري، وإن كان بخلافه، فالخراج على البائع.
وكان الصدر الشهيد حسام الدين ﵀ يختار إن بقي من السنة تسعون يومًا، فالخراج على المشتري، وإن كان أقل من ذلك، فالخراج على البائع، وهذا منه اعتبار زرع الدخن، وإدراك الريع بكماله، فإن ريع الدخن يدرك في مثل هذه المدة.
الوجه الثاني: إذا كانت الأرض مزروعة، فإن كان الزرع لم يبلغ بعد، فالخراج على المشتري على كل حال. وذكر في «نوادر مختصر عصام» وإن كان الزرع قد بلغ، وانعقد الحب كان هذا، وما لو باع أرضًا فارغة في حق هذا الحكم سواء، ويعتبر في ذلك المدة، ويكون هذا بمنزلة ما لو باع حنطة من تبنه مع الأرض.
في آخر زكاة «فتاوى أبي الليث»، وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل له أرض خراج باعها من رجل، ومكث عند المشتري شهرًا، ثم باعها المشتري من رجل آخر، ومكث عنده شهر أيضًا، ثم وتم يبيع كل مشتري بعد شهر له حتى مضت السنة، فليس على واحد منهم خراج وإنه ظاهر؛ لأنه لم يكن في يد كل منهم مقدار ما يتمكن من الزراعة، حتى لو كان في المشتري الآخر مقدار ما يتمكن من الزراعة على حسب ما اختلفوا، يجب الخراج عليه.
وإذا كان للأرض ريعان خريفي، وربيعي، وسلم الواحد منهما للبائع، والآخر
[ ٢ / ٣٤٨ ]
للمشتري، أو تمكن كل واحد منهما من تحصيل أحد الريعين لنفسه، فالخراج عليهما، هكذا ذكر صدر الإسلام في شرح كتاب «العشر والخراج» .
قال محمد في كتاب «العشر والخراج»: ولو أن رجلًا له أرض خراج، وهي سبخة، لا تصلح للزرع، ولا يبلغها الماء، وهي مما يصلح أن يعالج ويزرع، فعلى صاحبها الخراج، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: من به من هذا أن الخراج إنما لا يجب بشرطين أن ينقطع الماء عنها، وإن غلب عليها السبخة حتى أنه إذا انقطع الماء عن أرض، وأنها ليست بسبخة، أو كانت سبخة إلا أنه يصل الماء عليها يجب الخراج، وهذا لأن الأرض، وإن كانت سبخة إذا كان الماء يصل إليها، ولا ينقطع يمكن زراعتها وعمارتها؛ لأن عمارة الأراضي بالماء، والسبخة تزول إذا غرقت بالماء، والتمكن من الزراعة يكفي لوجوب الخراج، وكذلك إذا انقطع الماء عن الأرض إلا أنها ليست بسبخة يمكن زراعتها؛ لأن السماء تسقيه، والأنهار، والتمكن من الزراعة يكفي لوجوب الخراج، وعن هذا قلنا: إن ماء الخراج إذا انقطع عن أرض عامًا واحدًا وعامين، فالخراج لا يسقط، لأن السماء تسقيه فينزل ذلك منزلة النهر.
فأما إذا كانت الأرض سبخة، والماء لا يصل إليها لا يجب الخراج؛ لأن الأرض السبخة، لا يمكن معالجتها وعمارتها بماء السماء، فلا يثبت التمكين من الزراعة، ثم اختلفت في هذه الصور، في بعضها، أن الخراج لا يجب، وفي بعضها أن الخراج يجب، والمشايخ وقفوا، فقال: موضوع المسألة في السبخة التي فيها وجوب الخراج أن يكون السبخة قليلة بأن يكون السبخة في جانب واحد من جوانب الأرض، وعامة جوانبها صالحة للزراعة، وهذا لا يوجب سقوط الخراج؛ لأن هذا يؤخذ في عامة الأراضي، وموضوع المسألة في السبخة التي فيها نفي الوجوب أن السبخة تكون عالية على الأرض كلها، وسقوط الخراج في هذه الصورة ظاهر.
وكذلك لو لم تكن الأرض سبخة في الأصل وتركها حتى صارت سبخة، فلا خراج فيها بعدما صارت سبخة، وكذلك إن كانت الأرض ذات بر لا يخرج شيئًا، فلا خراج فيها، ذكر هذين الفصلين صدر الإسلام ﵀.
قال ثمة أيضًا: رجل له أرض غرس مائة جريب منها كرمًا، وهي مما لا يقلع سنين، ولا مما لا قليلًا ولا كثيرًا، فإن عليه فيه ما يجب في الأرض تزرع في كل جريب قفيز ودرهم، ولا يجب عليه خراج الكرم؛ لأنه ما لم يدرك كرمًا، فهو كرم اسمًا لا حقيقة، وأما عليه خراج المزارع، وإن لم يبق ممكّنًا من الزراعة؛ لأن فوات التمكين كان لمعنى من جهته، فيبقى على ما كان في الأصل، فإن بلغ الكرم وأثمر، وكان قيمة الخارج يبلغ عشرين درهمًا فصاعدًا، فعليه خراج الكرم عشرة دراهم في كل جريب، وإن كان قيمة الخارج أقل من عشرين درهمًا، (١٥١ب١) فإنه يؤخذ منه قفيز ودرهم؛
[ ٢ / ٣٤٩ ]
لأنه لو لم يزرع فيها شيئًا يؤخذ منه قفيز ودرهم، فإذا زرع وخرج شيء قليل أولى.
وذكر في بعض روايات، أنه إذا كان الخارج أقل من عشرين درهمًا يؤخذ منه قفيز ودرهم؛ لأنه قد كان فيها قفيز ودرهم، فيبقى ذلك حتى يحصل له ريع الكرم عادة ذكر القاضي الإمام صدر الإسلام في شرح كتاب «العشر والخراج»: إذا زرع في الأرض الخراج الأشجار التي ليست لها ثمرة مثل الحلاف وأشباهه، ففيها قفيز ودرهم، إذا كان جرينًا؛ لأنها في معنى الزرع؛ لأنها تقطع وتباع.
وذكر أيضًا: إذا غرس نخيلًا وأشجارًا أخرى مثمرة تلتف في جميع الأرض، وهي جرين ففيها عشرة دراهم، وإن لم يبلغ، هكذا ذكر في بعض الروايات بخلاف شجر الكرم؛ لأن شجر الكرم ليس لها قيمة كثيرة، بل قيمتها مثل قيمة الزرع، فيجب فيها ما يجب في الزرع إلى أن يبلغ، فإن قيمة الأشجار والنخيل المثمرة كثيرة مثل قيمة الكرم المدركة، فيجب فيها ما يجب في الكرم المدركة، وإذا استأجر الرجل أرضًا، وزرعها أو استعار أرضًا وزرعها، والخراج خراج وظيفة، فالخراج على الأجر والمعير؛ لأن الخراج الوظيفة وعُدَّ به معتمد التمكن من الزراعة، وصاحب الأرض يمكن من الزراعة ههنا؛ لأن المستأجر والمستعير إنما تمكنا من ذلك بتمكنه.
وإن غصب من آخر أرضًا، وزرعها، والخراج خراج وظيفة، فإن لم تنقص الزراعة الأرض، فالخراج على الغاصب؛ لأنه بقدر إيجابها على المالك أمكن إيجابها على الغاصب، بيانه: أن وجوب خراج الوظيفة إن كان يعتمد سلامة الخارج، فالخارج لم يسلم للمالك لا حقيقة، وهذا ظاهر، ولا حكمًا؛ لأنه لم يسلم له بدل ما استوفى الغاصب من منفعة الأرض شيء، فهي لم تنقص الزراعة الأرض حتى يجعل سلامة البدل له كسلامة المبدل، فإن كان يعتمد التمكن من الزراعة، فالمالك لم يتمكن من الزراعة؛ لأن الكلام فيما إذا كان الغاصب جاحدًا، ولم يكن للمالك بينة عادلة حتى لو كان الغاصب مقر، وكان للمالك بينة عادلة، فقد اختلف المشايخ.
قال بعضهم: يجب الخراج على المالك.
وقال بعضهم: يجب على الغاصب على كل حال، وإن تمكن المالك من الزراعة، إلا أنه يسقط التمكن إذا خرج الحب، ويتعلق الواجب بالحب، ألا ترى أنه يسقط الواجب إذا فات الحب من غير صنع صاحب الأرض ورضاه بأن اصطلم الزرع آفة؟ على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وروي عن أبي يوسف أن الخراج على المالك في هذه الصورة، وأما إذا أنقصتها الزراعة غرم الغاصب النقصان، وعلى قول أبي حنيفة: الخراج على رب الأرض؛ لأن الخارج قد سلم للمالك اعتبارًا حيث سلم له بدله، وهو رواية عن أبي يوسف، وعن محمد روايتان:
في رواية، قال: إن كان النقصان أقل من الخراج، فالخراج على الغاصب، ويدخل في ذلك النقصان حتى لا يضمن الغاصب لرب الأرض نقصان الأرض.
وإن كان النقصان مثل الخراج وأكثر منه، فالخراج على رب الأرض.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وفي رواية قال: بمقدار ما حصل من ضمان النقصان يجب على رب الأرض والباقي على الغاصب، وهو رواية عن أبي يوسف.
في «فتاوى أهل سمرقند»: رجل اشترى أرضًا خراجية، وبنى فيها دارًا، فعليه الخراج، وإن لم يبق متمكنًا من الزراعة؛ لأن التمكن إنما فات بصفة، وسيأتي في الفصل الذي يليه بخلاف هذا.