قال محمد ﵀ في «الأصل»: أرض العرب كلها عشرية، وهي من عذيب إلى مكة وعدن أبني إلى مهرة في أقصى اليمن، وكان ينبغي أن تكون أرض مكة خراجية؛ لأن رسول الله ﵇ فتحها قهرًا، وكل أرض فتحت قهرًا تكون خراجية، وإن أسلم أهلها طوعًا بعد ذلك كأراضي العجم، وأراضي العجم، وأراضي العرب، إذا كان أهلها من أهل الكتاب، وقد فتحت عنوة، لكن جعلناها عشرية اتباعًا لفعل رسول الله ﵇، فإن رسول الله ﵇ فتح مكة عنوة، وأسلم أهلها، وتركها عليهم، ووظف عليهم العشر والمعنى فيه: أن أهل مكة كانوا عبدة الأوثان، وعبدة الأوثان من مشركي العرب لا يقبل منهم إلا السيف، أو الإسلام، ولا يتركون على الكفر بالجزية والخراج.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
فبالفتح قبل إسلام لم يثبت حق توظيف الخراج عليهم لو ثبت حق توظيف الخراج عليهم بعد الإسلام، كان هذا توظيف الخراج على المسلم ابتداءً، والمسلم لا يبتدأ بتوظيف الخراج، بخلاف العجم ومشركي العرب من أهل الكتاب، فإنهم يتركون بالجزية والخراج بعد الفتح، فبمجرد الفتح يثبت للإمام حق توظيف الخراج عليهم، فلو وضعنا الخراج بعدما أسلموا لا يكون في هذا توظيف الخراج على المسلم، ابتداء، والمسلم لا يبتدأ بتوظيف الخراج بخلاف العجم، ومشركي العرب من أهل الكتاب، فإنهم يتركون بالجزية والخراج بعد الفتح، فبمجرد الفتح يثبت الإمام حق توظيف الخراج عليهم، فلو وضعنا الخراج بعدما أسلموا لا يكون في هذا توظيف الخراج على المسلم ابتداء.
وكذلك كل أرض أسلم عليها أهلها طوعًا، فإنها تكون عشرية، «ألا ترى أن رسول الله ﵇ وظف العشر على أهل الحجاز واليمن، وقد أسلم أهلها طوعًا»، فصار هذا أصلًا للعمل في كل بلدة أسلم أهلها عليها طوعًا، وكذلك كل أرض فتحت قهرًا وعنوة، وقسمت بين الغانمين، فهي عشرية، عرف ذلك بفعل النبي ﵇ في أراضي قريظة والنضير.
وكذلك كل أرض من أراضي العرب، إذا فتحت عنوة وقهرًا، وأهلها من عبدة الأوثان، فأسلموا بعد الفتح، وترك الإمام الأراضي عليهم، فهي عشرية، وكذلك بلدة من بلاد العجم إذا فتحها الإمام، أو عنوة، وتردد في أن يمن عليهم برقابهم وأراضيهم، ويضع على الأراضي الخراج، وبين أن يقسمها بين الغانمين، ويضع على الأراضي العشر، فقال: جعلت الأراضي عشرية، ثم بدا له، فمنّ عليهم برقابهم، فإن الأراضي تبقى عشرية، هكذا ذكر محمد في «النوارد»، والكرخي في «كتابه» .
ولا يكون هذا ابتداء توظيف العشر على الكافر؛ لأن وضع العشر سبق المن، فلا يكون وضعه في أرض الكافر، وكذلك المسلم إذا جعل داره بستانًا أو مزرعة، فهو عشري هكذا ذكر في «الأصل» وفي «الجامع الصغير» فمن الحنفية من مشايخنا من قال: هذا إذا كانت الأرض في الأصل عشرية بأن أسلم أهلها عليها طوعًا، فمتى جعل داره في مثل هذه الأرض بستانًا تكون عشريًا؛ لأنها كانت عشرية في الأصل، إلا أنها ما دامت أيًا كأن لا يوجد (١٤٨ب١) منها شيء؛ لأنها غير نامية، فإذ جعلها بستانًا صارت نامية، فجاءت الوظيفة الأصلية.
فأما إذا كانت أرضه في الأصل خراجيًا، إذا جعل داره فيه بستانًا، فإنه يكون خراجيًا لما ذكرنا في طرف العشر، ومن مشايخنا من قال: العبرة في هذا للماء، فإن كانت تسقى بماء العشر، فهي عشرية، وإن كانت تسقى بماء الخراج، فهي خراجية؛ لأن وظيفة الأرض بسبب النماء، وحياة الأرض، وحصول النماء بالماء، فإن كانت تسقى من هذا مرة، ومن هذا أخرى فالعشر أحق بالمسلم؛ لأن فيه معنى العبادة.
وكذلك أرض الخراج إذا انقطع عنها ماء الخراج، وصارت تسقى بماء العشر، فهي عشرية لما ذكرنا أن وجوب وظيفة الأراضي بسبب النماء، فإذا انقطع عنها ماء الخراج، وصارت تسقى بماء العشر كان النماء بسبب ماء العشر، وكذلك أرض الموات إذا أحييت
[ ٢ / ٣٣٥ ]
بإذن الإمام بماء العشر، فهي عشرية، وإن فتحت عنوة في الابتداء هكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل»، والمعنى ما ذكرنا، وهذا قول محمد.
فأما على قول أبي يوسف، فإن كانت هذه الأراضي التي أحييت في جزء أرض العشر فهي عشرية، وإن كانت في جزء أرض الخراج فهي خراجية؛ لأن جزء الشيء يعطى له حكم ذلك الشيء، لهذا لا يجوز إحياء ما في خير القرية بحق أهل القرية، ويجوز لصاحب الدار الانتفاع بجزئه.
جئنا إلى بيان معرفة الماء، فنقول: ماء البئر التي حفرت في أرض العشر، وماء العين التي تظهر في أرض العشر؛ لأنه يخرج من الأرض، فإذا كانت الأرض عشرية كان الماء الخارج منها عشريًا تبعًا للأرض، وكذلك ماء السماء، وماء البحار العظام عشري؛ لأن الخراج من حكم الغنيمة، والغنيمة اسم لما كانت في أيدي الكفرة، ثم صارت في أيدينا بطريق القهر والغلبة، ولم تثبت أيدي الكفرة على ماء السماء، ولا على ماء البحار العظام؛ لأن ثبوت اليد على الماء إنما يتحقق بإمكان القنطرة، أو بإمكان السكر، أو بعقد الشقف بعضها ببعض حتى يصير بمنزلة القنطرة، وهذا الإمكان لا يثبت في ماء البحار وماء السماء، وإذا لم تأخذ هذه المياه حكم الغنيمة لم تكن خراجيًا فتكون عشريًا؛ لأن العشر ليس من حكم الغنيمة.
فأما ماء السيحون، وماء الجيحون، وماء الفرات، فذكر المشايخ في شرح كتاب الزكاة من «الأصل»: أن على قول أبي يوسف خراجي، وعلى قول محمد عشري، وذكر محمد في أول كتاب «العشر والخراج» أنه خراجي، فإنه ذكر أن كل أرض تسقى بماء دجلة والفرات، فهي خراجية، وروي عن أبي حنيفة في «النوادر» أنه خراجي، وهكذا روي عن أبي يوسف في «النوادر» أيضًا، وروي عن محمد في «النوادر» أيضًا أنه عشري، فقيل أن يكون المذكور في كتاب «العشر والخراج» قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ويحتمل أن يكون قول الكل، فيكون في المسألة روايتان عن محمد، وإلى هذا مال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀، أو يكون ما ذكر في «الكتاب»، أي في كتاب «العشر والخراج» تأولًا على قول محمد، وإليه مال شيخ الإسلام ﵀، وتأويله إذا كان الأرض بحالة بأن سقيها بماء الخراج، فسقيت بماء دجلة أو الفرات، وكل أرض خراجية يمكن سقيها بماء الخراج، إذا سقيت بماء العشر، فهي عشرية.