ما يجب اعتباره في هذا الفصل شيئان:
أحدهما: أن الصائم إذا أكل ما يتداوى به، أو ما يؤكل عادة، إما مقصودًا بنفسه، أو تبعًا بغيره تلزمه الكفارة، وهذا لأن الكفارة إنما شرعت بخلاف القياس زجرًا عن جناية إفساد الصوم، وإنما يحتاج إلى الزجر فيما يميل الطبع إليه، والطبع إنما يميل إلى ما يعتاد أكله، أو يتداوى به، أما لا يميل إلى ما لا يعتاد أكله، ولا يتداوى به،
والثاني: أن ما يصلح للدواء والغذاء يجب في ما لا يعتاد أكله، ولا يتداوى إلا بأقله الكفارة قصد الغذاء، أو الدواء أو لم يقصد.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا أكل ورق الشجر إن أكل ما تؤكل عادة كرام زكيد مر تلزمه الكفارة، وإن أكل التاك والحلبوي، فكذلك إن أكل في الابتداء تلزمه الكفارة، وإن أكل بعد ما كبر هذه الأشياء لا تلزمه الكفارة؛ لأنه لا يعتاد أكله كذلك، وعن هذا قلنا: إذا ابتلع جوزة يابسة، أو لوزة يابسة لا كفارة عليه، وإن ابتلع لوزة رطبة، فعليه الكفارة.
وكذلك إذا ابتلع بطيخة صغيرة، فعليه الكفارة، ولو مضغ الجوزة اليابسة، أو اللوزة حتى وصل الممضوغ إلى جوفه، فعليه الكفارة روي ذلك عن أبي يوسف مطلقًا من غير فصل، وذكر هشام عن محمد في «المنتقى» المسألة مطلقة أيضًا من غير فصل،
قال مشايخنا ﵏: إن وصل القشر أولًا إلى حلقه، فلا كفارة؛ لأن الفطر حصل بالقشر، وإنه لا يوجب الكفارة، وإن وصل اللب أولًا إلى حلقه، فعليه الكفارة.
في «نوادر» صوم شمس الأئمة الحلواني، وفي «المنتقى»، وابن سماعة في «نوادره»: لو أكل قشور الرمان بشحمه، أو ابتلع رمانة، فعليه القضاء، ولا كفارة،
أكل قشر البطيخ، إن أكل يابسًا أو كان بحال يتقذر منه، فلا كفارة، وإن كان طريًا وكان بحال لا يتقذر منه، فعليه الكفارة، وإذا أكل الحنطة، فعليه الكفارة؛ قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: تلزمه الكفارة، وإن أكل حبة، وفي «القدوري» يقول: إذا قضم حنطة، فعليه الكفارة، وإن أكل الشعير، فلا كفارة عليه، إلا إذا كان مقليًا، في «نوادر الصوم» لشيخ الإسلام، وذكر شمس الأئمة الحلواني في «نوادر» صومه أن فيه اختلاف المشايخ، ولم يتعرض للمقلي وغير المقلي، وأكل الأرز والجاورس لا يوجب الكفارة وإن أكل عجينًا، فعليه الكفارة عند محمد، وعند أبي يوسف لا كفارة عليه؛ لأنه لا يؤكل عادة، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وفي موضع آخر الخلاف على عكس هذا وإن أكل عجين الحوك الذي سمي بالفارسية تبعه، ينبغي أن تجب الكفارة كما لو أكل العصيدة
[ ٢ / ٣٨٧ ]
في «نوادر» شمس الأئمة أيضًا، ودقيق الذرة إذا لته بالسمن والدبس تجب الكفارة بأكله؛ لأنه يؤكل كذلك عادة، ودقيق الحنطة أو الشعير غسل بالماء وخلط بالسكر وسمي بالفارسية تيست تجب الكفارة بأكله؛ لأنه دواء، وإن أكل الطين الأرمني، فعليه الكفارة لأنه يتداوى به، وعن أبو يوسف أنه لا يجب في «البقالي»، وإن أكل الطين الذي يأكله الناس على سبيل العلة ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في صومه أن فيه اختلاف المشايخ، وذكر ﵀ في «نوادر» صومه عن محمد أنه لا كفارة، قال: تدري أن كثيرًا من مشايخنا استحسنوا، وأوجبوا الكفارة، وفي «البقالي» عن ابن المبارك مطلقًا أنه تجب الكفارة، فقيل له: ترويه عن أحد، قال: هو قول محمد و«شرحه» .
في بعض روايات «المنتقى» الأكل للتداوي، ولو أكل كافورًا، أو مسكًا، أو زعفرانًا، فعليه الكفارة؛ لأنه يتداوى بهذه الأشياء ولو ابتلع إهليلج ففيه روايتان، وإذا أخذ لقمة من الجبن ليأكلها، فلما مصها تذكر أنه صائم، فإن ابتلعها كذلك، فعليه القضاء والكفارة، وإن أخرجها من فمه، ثم أعادها، وابتلعها، فلا كفارة؛ لأن بالإخراج صارت نحلًا يعاف عنها، وإذا أكل الملح وحده، فقد قيل: بأنه لا تلزمه الكفارة، وقد قيل: بأن عليه الكفارة، وقيل: تجب الكفارة بأكل القليل منه، ولا تجب بأكل الكثير؛ لأن الكثير منه مضر؛
نوع منه
إذا جامع امرأته في نهار رمضان ناسيًا، فتذكر وهو مجامعها فقام عنها، أو جامع ليلًا، فانفجر الصبح، وهو مخالطها، فقام عنها حتى لم يفسد صومه، أو عاد وهو ذاكر، في بعض الكتب أن عليه الكفارة من قبل إن عاد وهو على صومه، وذكر في بعض الكتب أن عن محمد في وجوب الكفارة روايتين، في رواية قال: تلزمه الكفارة لما قلنا، وفي رواية قال: إن كان الرجل فقيهًا يعلم أن الأول لم يفطره، ثم عاد تلزمه (١٦١أ١) الكفارة، وإن كان جاهلًا لا تلزمه الكفارة.
وهو نظير ما لو أكل ناسيًا، ثم أكل ناسيًا، ثم أكل بعد ذلك متعمدًا، إن كان الرجل فقيهًا تلزمه الكفارة، وإن كان جاهلًا لا تلزمه كذا ههنا.
الجماع في الدبر عندهما يوجب الكفارة، وكذلك عند أبي حنيفة على إحدى الروايتين، وهو الصحيح، لأن وجوب الكفارة بالجماع؛ لأنه قضاء الشهوة على سبيل التمام، وقد وجد ذلك ههنا، ووجوب الحد بالزنا لتضييع الولد، وفساد الفراش، وهذا المعنى لم يوجد ههنا.
وإذا طاوعت المرأة زوجها في الجماع، فعليها الكفارة، وإن كانت مكرهة، فلا كفارة عليها قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: الشرط كونها مكرهة وقت الإيلاج؛ لأن الصوم إنما يفسد بالإيلاج، ولو أكرهت المرأة زوجها على الجماع، فعلى الزوج الكفارة، هكذا ذكر في بعض المواضع؛ لأن الزوج لا يجامعها إلا بعد انتشار الآلة، وإذا جاء الانتشار زال الإكراه، وذكر محمد في «الأصل» أن الكفارة عليه، وعليه الفتوى؛ لأن هذا إفطار بقدر،
[ ٢ / ٣٨٨ ]
إذا علمت بطلوع الفجر، وكتمت عن زوجها حتى جامعها، والزوج لم يعلم بطلوع الفجر، فعليها الكفارة، والله أعلم.