هذا الفصل مشتمل على أنواع:
الأولفي تبيين فرضية الجمعة، وفي بيان أصل الفرض يوم الجمعة
فنقول: صلاة الجمعة فريضة بالكتاب والسنّة، وإجماع الأمة، ونوع من المعنى.
أما الكتاب قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: ٩) والمراد من الذكر المذكور في الآية هو الخطبة بإجماع أهل التفسير؛ لأنه ليس بعد الأذان ذكر الله تعالى إلا الخطبة، فالاستدلال بالآية من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أمر بالسعي إلى الخطبة، والأمر للوجوب، وإذا وجب السعي إلى الخطبة التي هي شرط جواز الصلاة، فإن أصل الصلاة أوجب.
والثاني: أن الله تعالى أمر بترك البيع المباح بعد النداء وتحريم المباح لا يكون إلا لأمر واجب.
وأما السنّة حديث جابر ﵁ قال خطبنا رسول الله ﵇ يوم الجمعة فقال في خطبته: «أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا» إلى أن قال: «واعلموا أن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في شهري هذا في مقامي هذا فريضة واجبة في حياتي وبعد مماتي إلى يوم القيامة فمن تركها عن غير عذر تهاونًا واستخفافًا وله إمام جائر أو عادل ألا فلا بارك الله له ألا فلا جمع الله شمله ألا فلا صلاة له ألا فلا زكاة له ألا فلا صوم له ألا فلا حج له إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه»، وروي عن النبي ﵇ أيضًا أنه قال: «من ترك
[ ٢ / ٦٢ ]
الجمعة من غير عذر ثلاثًا، فهو منافق» وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: «من ترك أربع جمع متواليات من غير عذر، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره» .
وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على فرضية الجمعة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلّمإلى يومنا هذا.
وأما المعنى فلأنا أمرنا بترك الظهر لإقامة الجمعة، والظهر فريضة ولا يجوز ترك الفرض إلا لفرضٍ هو آكد وأولى منه، فدل وجوب ترك الظهر لإقامة الجمعة على أن الجمعة أوجب وأقوى وآكد من الظهر في الفرضية، هذا بيان فرضيتها.
وأما بيان أصل الفرض في هذا الوقت، فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: أصل الفرض الظهر إلا أنه إذا أدى الجمعة يسقط الظهر عنه، وقال بعضهم: أصل الفرض الجمعة، وقال بعضهم: الفرض أحدهما إلا أن الجمعة أفرضهما، وقال بعضهم: على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله: أصل الفرض في هذا الوقت هو الظهر، وقد أمر بإسقاطه بالجمعة.
وقال محمد ﵀: الفرض هو الجمعة وله أن يسقط الجمعة بأداء الظهر، ولمحمد ﵀ في «النوادر» قول آخر: أن الفرض أحدهما ويتعين بفعل آخر، وقال زفر ﵀: الفرض هو الجمعة على اليقين، الظهر بدل عنه إذا فاتت.
وإنما قال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ﵏: إن أصل الفرض الظهر؛ لأن أصل الفرض في حق كل أحد ما يتمكن من أدائه بنفسه، وهو إنما يتمكن من أداء الظهر بنفسه، إما ما يتمكن بأداء الجمعة، ولأنا لو جعلنا أصل الفرض الجمعة كان الظهر خلفًا عن الجمعة عند فواتها، وأربع ركعات لا تكون خلفًا عن ركعتين، ولأن الظهر كان مشروعًا في هذا الوقت قبل شروع الجمعة، لو انتسخ شرعيته إنما تنسخ معوضًا بشرعية الجمعة، وليس من ضرورة شرع الجمعة انتساخ الظهر إذا وجمع الشرع بينهما كان مستقيمًا، والدليل عليه أنه شرع في حق العبد والمريض والمسافر، حتى لو أدوا الجمعة جاز وبقي الظهر مشروعًا في حقهم، حتى لو صلى الظهر يجوز، فلو كان بينهما منافاة ما اجتمعا.
وثمرة الاختلاف مع زفر تظهر في فصلين:
أحدهما: أنه إذا صلى الظهر قبل أداء الناس الجمعة في منزله لم يعتد به في قول زفر؛ لأن الفرض هو الجمعة والظهر بدل عنها، ولا صحة للبدل مع القدرة على اتحاد الأصل، وعندهما لما كانت فرضية الظهر باقية مشروعة وقع موقعه.
الفصل الثاني: أن المعذور من المريض والمسافر والعبد إذا أدى الظهر في منزله ثم
[ ٢ / ٦٣ ]
سعى إلى الجمعة انتقض الظهر، وقال زفر: لا ينتقض؛ لأن فرضية الجمعة لم تظهر في حقه، فوقع الظهر موقع الفرض فسقط الفرض، فلا ينتقض بعد ذلك.
ولنا: أن فرضية الظهر لم تنسخ في حق المعذور، وغير المعذور أمر بإسقاط الفرض بأداء الجمعة، فإذا سعى إلى الجمعة صار ممتثلًا للأمر، فاستدعى انتقاض الظهر فإذا عرفنا هذا في غير المعذور.
نقول: إنما فارق المعذور غير المعذور في حق الترخيص على معنى أنه رخص له لذلك يترك الظهر بأداء الجمعة، فإذا لم يترخص صار هو وغير المعذور سواء، فيستدعي انتقاض الظهر في حقه كما لو حضر قبل أداء الظهر، وأدى الجمعة صار تاركًا للظهر بأداء الجمعة كغير المعذور.
وثمرة الاختلاف الذي ذكرنا مع محمد ﵀ تظهر في مسألة أخرى، وهي أنه إذا تذكر الفجر في خلال الجمعة وهو يخاف إن اشتغل بأدائها أن تفوته الجمعة ولا تفوته الظهر، قال محمد ﵀: يتم الجمعة؛ لأن فرض الوقت هو الجمعة، فإذا خاف فوت فرض الوقت اشتغل به وعندهما فرضية الظهر فيه وأمر بإسقاطه بأداء الجمعة، فإذا لم يخف فوت فرض الوقت تعين مراعاة الترتيب فرضًا عليه.
وهذه المسألة في الحاصل على ثلاثة أوجه: إن كان الوقت بحال لو اشتغل بالفائتة يخرج الوقت مضى في الجمعة عند الكل؛ لأن الترتيب سقط عند ضيق الوقت وإن كان في الوقت سعة، بحيث يعلم أنه لو اشتغل بالفائتة لا تفوته الجمعة بقطع الجمعة في قولهم ويقضي الفائتة.
وإن علم أنه لو اشتغل بالفائتة تفوته لكن يمكنه أداء الظهر، فالمسألة على الخلاف على قول (١٠١أ١) أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله يقطع الجمعة، ويصلي الفائتة ثم يصلي الظهر في آخر الوقت، وقال محمد: يمضي ويصلي في الجمعة والله أعلم.
النوع الثاني في بيان شرائط الجمعة وما يتصل من المسائل بها
فنقول: للجمعة شرائط بعضها في نفس المصلي، وبعضها في غيره، أما الشرائط التي في غير المصلي فستة:
أحدها: المصر وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: المصر ليس بشرط وكل قرية سكنها أربعون من الأحرار البالغين لا يظعنون عنها شتاءً ولا صيفًا تقام لها الجمعة.
حجته في ذلك: قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: ٩) من غير فصل وقوله ﵇: «الجمعة على من سمع النداء» من غير فصل، وعن ابن عباس
[ ٢ / ٦٤ ]
﵄ قال: «أول جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة جمعة جمعت بجواثا» وجواثا قرية من قرى عامر بن القيس بالجرين.
ولنا: حديث علي ﵁ موقوفًا عليه، ومرفوعًا إلى رسول الله ﵇ «لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع»، وروى سراقة بن مالك عن رسول الله ﵇ أنه قال: «لا جمعة ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع»، ولأن إقامة الجمعة، وهي ركعتان مقام الظهر وهي أربع ركعات أمر عرف شرعًا بخلاف القياس فيراعى فيه جميع الشرائط التي اعتبرها الشرع، والشرع اعتبر المصر، فإن النبي ﵇ أقامها بمدينة، ولم ينقل أنه أقامها في حوالي مدينة، وفي تسميتها جمعة دليل على أن المصر شرط فإنما تسمى جمعة؛ لأنها جامعة للجماعات حتى وجب بنداء الجماعات يوم الجمعة.
وفي قرية يسكنها أربعون رجلًا لا يتصور جمع الجماعات، فإن جماعتهم واحدة، والآية لا حجة له فيها؛ لأن المكان مضمر فيه بالإجماع حتى لا يجوز إقامة الجمعة في البوادي بالإجماع، فنحن نضمر المصر وهو يضمر القرية، وأما حديث ابن عباس ﵄، قلنا: جواثي بلدة كبيرة وتسميتها قرية لا ينافي كونها بلدة؛ لأن اسم القرية ينطلق على البلدة قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ الَّتِى أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلاَ نَصِرَ لَهُمْ﴾ (محمد: ١٣) والمراد مكة وهي بلدة.
وإذا ثبت أن المصر شرط لإقامة الجمعة نحتاج إلى بيان حد المصر الذي تقام فيه الجمعة، وقد تكلموا فيه على أقوال: روي عن أبي حنيفة ﵀: أن المصر الجامع ما يجتمع فيه مرافق أهلها دينًا ودنيًا، وعن أبي يوسف ﵀ ثلاث روايات، في رواية قال: كل موضع فيه منبر وقاضي ينفذ الأحكام ويقيم الحدود فهو مصر جامع، وهو رواية عن أبي حنيفة ﵀، وفي رواية أخرى عنه كل موضع أهلها بحيث لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لم يسعهم ذلك فهو مصر جامع، وفي رواية أخرى قال: كل موضع يسكن فيه عشرة آلاف نفر، فهو مصر جامع.
ومن العلماء من قال: المصر الجامع ما يعيش فيه كل صانع لصنعته، ولا يحتاج إلى العود من صنعة إلى صنعة، وعن محمد ﵀ أنه قال: كل موضع مصر للإمام فهو مصر حتى أن الإمام إذا بعث إلى قرية نائبًا لإقامة الحدود فيهم وقاضيًا يقضي بينهم صار ذلك الموضع مصرًا، وإذا عزله ودعاه إلى نفسه عادت قرية كما كانت، وقال بعض العلماء: كل مصر بلغت مساحته مصرًا جمع فيه رسول الله ﵇، فهو مصر جامع.
ومن العلماء من قال: كل موضع كان لأهله من القوة والشوكة، ما لو توجه إليهم
[ ٢ / ٦٥ ]
عدو دفعوه عن نفسهم، فهو مصر جامع.
وقال سفيان الثوري ﵀: المصر الجامع ما يعده الناس مصرًا عند ذكر الأمصار المطلقة كبخارى أو سمرقند، فعلى هذا القول لا يجوز إقامة الجمعة بكرمينة وكثانية.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وظاهر المذهب أن المصر الجامع أن يكون فيه جماعات الناس، وجامع وأسواق للتجارات وسلطان أو قاضي يقيم الحدود، وينفذ الأحكام، ويكون فيه مفتي إذا لم يكن الوالي أو السلطان مفتيًا، ثم في كل موضع وقع الشك في كونه مصر أو أقام أهل ذلك الموضع الجمعة بشرائطها، فينبغي لأهل ذلك الموضع أن يصلوا بعد الجمعة أربع ركعات وينوون بها الظهر احتياطًا، حتى أنه لو لم تقع الجمعة موقعها يخرجون عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر بيقين.
ولا بأس بالجمعة في موضعين أو ثلاثة من مصر واحد عند محمد، وأجاز أبو يوسف في موضعين دون الثلاث، وفي رواية «الأمالي»: أجاز في موضعين إذا كان مصرًا له جانبان بينهما نهر عظيم حتى يصير في حكم مصرين كبغداد، فإن لم يكن المصر بهذه الصفة فالجمعة لمن سبق منهم بأدائها فإن فعلوا معًا، فسدت صلاتهم جميعًا وكما يجوز إقامة الجمعة في المصر يجوز إقامتها خارج المصر قريبًا منه نحو مصلى العيد؛ لأن مصلى العيد أبدًا يكون في فناء المصر، وفناء المصر ألحق بالمصر فيما كان من حوائج أهل المصر وأداء الجمعة من حوائج أهل المصر، فيلحق بالمصر في أداء الجمعة، هكذا ذكر المسألة في «شرح القدوري» .
وفي «فتاوى أبي الليث ﵀»: شرط الفناء نصًا، فقال: ويجوز إقامة الجمعة خارج المصر إذا كان في فناء المصر، وفي «نوادر الصلاة» لو أن الأمير خرج للاستسقاء يدعو، وخرح معه ناس كثير فحضرت الجمعة فصلى بهم الجمعة في الجبانة على قدر غلوة من المصر أجزأهم، لأنه فناء المصر ولفناء المصر حكم المصر.
قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: اختلف الناس في تقدير فناء المصر فقدرة محمد في «النوادر» بالغلوة وفارسيته (يك تيربرتاو)، وقدره بعض المشايخ بفرسخين، وبعضهم بثلاثة أميال كل ميل ثلث فرسخ.
وبعضهم بمنتهى حد الصوت، إذا صاح في المصر إنسان أو أذن مؤذنهم لمنتهى صوته فناء المصر، فيجوز أداء الجمعة فيه، وما وراءه ليس فناء المصر، فلا يجوز أداء الجمعة فيه، والشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: قدر الفناء بالغلوة اتباعًا لما ذكره محمد في «النوادر»، وقدر أبو يوسف ﵀ الفناء بميل أو ميلين، فإنه روي عنه: لو أن إمامًا خرج من المصر مع أهل المصر لحاجة له قدر ميل أو ميلين، فحضرته الجمعة فصلى بهم الجمعة أجزأه، وهذا بخلاف ما لو خرج المسافر عن عمران المصر حيث يقصر الصلاة؛ لأن فناء المصر إنما يلحق بالمصر فيما كان من حوائج أهل
[ ٢ / ٦٦ ]
المصر، وقصر الصلاة ليس من حوائج أهل المصر، فلا يلحق الفناء بالمصر في حق هذا الحكم.
وذكر في «فتاوى أبي الليث»: أن على قول أبي بكر لا تجوز الجمعة خارج المصر إذا كان ذلك الموضع منقطعًا عن العمران، وكان الفقيه أبو الليث يقول: بالجواز في فناء المصر، قال الفقيه أبو الليث ﵀: وقد قال بعضهم: يجب أن يكون على الاختلاف على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: يجوز إقامة الجمعة في فناء المصر وعلى قول محمد: لا يجوز بناءً على اختلافهم في الجمعة بمنى ويجوز أن يكون هذا بلا خلاف بينهم من قبل أن محمدًا إنما لم يجوز الجمعة بمنى؛ لأنه قرية ليس له حكم المصر فأما لفناء المصر حكم المصر.
وقيل: إنما يجوز إقامة الجمعة في فناء المصر إذا لم يكن بينه مزارع، فعلى قول هذا القائل لا يجوز إقامة الجمعة ببخارى في مصلى العيد، وقد وقعت هذه المسألة مرة وأفتى بعض المفتين بعدم الجواز، ولكن هذا ليس بصواب فإن أحدًا من الأئمة لم يقل بعدم جواز صلاة العيد في مصلى العيد ببخارى لا من المتقدمين، ولا من المتأخرين وكما أن المصر أو فنائه شرط جواز الجمعة، فهو شرط جواز صلاة العيد ويجوز إقامة الجمعة بمنى في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد ﵀: لا جمعة بمنى أجمع العلماء على أنه لا جمعة بعرفات لأنه مفازة وليست بمصر، وليست من أفنية المصر؛ لأن بينها وبين مكة أربع فراسخ، وإنما تقام الجمعة إما في المصر أو في فناء المصر، وأما بمنى محمد ﵀ يقول: فإنه ليس بمصر والمصر شرط، وهما يقولان: إن منى مصر في أيام الموسم، فإن لها أبنية.
قيل: إنه ثلاث سكك وتنقل إليها الأسواق في أيام الموسم، فيصير مصرًا، أكثر ما في الباب أنه لا يبقى مصرًا بعد ذلك لكن بناؤه مصرًا ليس بشرط بخلاف عرفات، فإنه ليس بمصر فإنه لا أبنية له، ومن المشايخ من قال: إن عندهما إنما يجوز أداء الجمعة بمنى؛ لأنها من أفنية مكة وهذا فاسد، إلا على قول من يقدر فناء المصر بفرسخين؛ لأن بينهما فرسخان.
وقال محمد ﵀ (١٠١ب١) في «الأصل»: إذا نوى الإقامة بمكة وبمنى خمسة عشر يومًا لا يصير مقيمًا، فعلم أنهما موضعان إنما الصحيح ما قلنا: لا يصلي بمنى صلاة العيد بالاتفاق، لا لعدم المصرية بل لاشتغال الحاج بأعمال المناسك في ذلك اليوم، فوضع عنهم صلاة العيد بخلاف الجمعة؛ لأنه لا يتفق كل سنة في يوم الجمعة في إقامة الرمي بمنى بخلاف صلاة العيد؛ لأنها لو شرعت كانت في كل سنة، وإنما تجوز الجمعة بمنى عندهما إذا كان فيها أمير مكة أو أمير الحجاز أو الخليفة، أو أمير الموسم فإن استعمل على مكة يقيم الجمعة بمنى عندهما أيضًا، وإن لم يستعمل على مكة إنما استعمل على الموسم لا غير، فإن كان من أهل مكة يقيم الجمعة بمنى عندهما أيضًا، وإن لم يكن من أهل مكة لا يقيم الجمعة عندهما أيضًا.
وفي «نوادر هشام»: عن محمد ﵀ قال على مذهب أبي حنيفة ﵀: إذا
[ ٢ / ٦٧ ]
جمع أمير الموسم بهم وهو مسافر بمكة قال يجزئه، وإن صلى بهم بمنى لا يجزئه ليس له حق إقامة الجمعة، ثم في ظاهر رواية أصحابنا ﵏ لا يذهب شهود الجمعة، إلا على من يسكن المصر والأرباض المتصلة بالمصر حتى لا تجب على أهل السواد أن يشهدوا الجمعة سواء كان السواد قريبًا من المصر أو بعيدًا عنه.
وعن محمد ﵀: أنه إذا كان بينه وبين المصر ميل أو ميلان أو ثلاثة أميال، فعليه الجمعة وإن كان أكثر من ذلك، فلا جمعة عليه وعنه في رواية «نوادر» أخرى أنه إذا كان بينه وبين أهل المصر أقل من فرسخين فعليه أن يشهد الجمعة، وإن كان أكثر من ذلك فلا، وعنه في رواية أخرى أن في كل موضع لو خرح الإمام إلى ذلك الموضع وأقام الجمعة فيه جاز جمعته، وعد مجمعًا في المصر فعلى أهل ذلك الموضع الرواح إلى الجمعة، وكل موضع لو خرج الإمام إليه وجمع فيه لم يعد مجمعًا في المصر، فلا جمعة عليه.
وعن أبي يوسف ﵀: أنه إذا كان بينه وبين المصر فرسخ أو فرسخان، فعليه أن يشهد الجمعة، وعنه أيضًا: أنه إذا كان بحيث لو غدا وشهد الجمعة أمكنه الرجوع إلى منزله قبل أن يؤتيه الليل، لزمه أن يشهد الجمعة، وكثير من المشايخ أخذوا بهذه الرواية.
وجه ما ذكر في هذه ظاهر الرواية أن النبي ﵇ وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين كانوا لا يأمرون أهل السواد القريبة بالحضور إلى الجمعة؛ إذ لو أمروا لاشتهر واستفاض، والمعنى فيه أن المسافر الذي في المصر لا يجب عليه حضور الجمعة لاشتغاله بأمور السفر نفيًا للحرج، والحرج الذي يلحق القروي بدخول المصر أكبر من حرج المسافر فيسقط عن القروي بطريق الأولى.
وروى الفقيه أبو جعفر عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن من كان مقيمًا في عمران المصر وأطرافه، وليس بين مكانه وبين المصر فرجة فعليه الجمعة، ولو كان بين ذلك الموضع وبين عمران المصر فرجة من المزارع والمراعي لا جمعة على أهل ذلك الموضع، وإن كان النداء يبلغهم، والغلوة والميل والأميال ليست بشيء. هذا جملة ما روى الفقيه أبو جعفر عن أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏، وبه كان يفتي شمس الأئمة الحلواني ﵀، وكان يقول: لا جمعة على أهل القلع ببخارى.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: لو أن أهل مدينة حضرهم جند من أهل الشرك، فأحاطوا بالمدينة، فخرجوا إليهم من مدينتهم وعسكروا على ميلين أو ثلاثة لا يريدون سفرًا فعليهم الجمعة في عسكرهم، وكأنه أعط للمكان الذي نزلوا فيه وهو على قدر ميلين أو ثلاثة حكم المصر.
والشرط الثاني: السلطان، أو نائبه من الأمير أو القاضي، هذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: السلطان ليس بشرط، حجته في ذلك ما روي: أن عثمان ﵁ حين كان محصورًا صلى علي ﵁ الجمعة بالناس ولم يرو أنه صلى بأمر عثمان ﵁؛ ولأنها مكتوبة كسائر الصلوات، فلا يشترط لإقامتها السلطان كسائر الصلوت.
[ ٢ / ٦٨ ]
ولنا: قوله ﵇: «أربع إلى الولاة» وذكر من جملتها «الجمعة والعيدين»، وفي حديث جابر ﵁ قال: «من تركها استخفافًا بها والإمام عادل أو جائر» ألحق الوعيد الشديد بترك الجمعة بشرط أن يكون له إمام، والمراد به السلطان؛ لأنه وصفه بالعدل أو الجور، وذا إنما يتحقق من السلطان، ولأن إقامة الجمعة مقام الظهر عرف شرعًا بخلاف القياس فيراعى جميع ما ورد به النص والنص ورد بإقامتها من السلطان؛ ولأن الناس يتركون الجماعة هذا اليوم لإقامة الجمعة.
فلو لم يشترط فيها السلطان أدى إلى الفتنة لأنه يسبق بعض الناس إلى الجامع، فيقيمونها لفرض لهم وتفوت على غيرهم وفيه من الفتنة ما لا يخفى، فيجعل مفوضًا إلى الإمام الذي فوض إليه أحوال الناس والعدل بينهم؛ لأنه أقرب إلى تسكين الفتنة والاحتجاج بحديث علي ﵁ لا يصح لأنه يحتمل أنه فعل ذلك بإذن عثمان ﵁، فلا يصح الاحتجاج به مع الاحتمال أو إن فعل بغير إذنه وإنما يفعل أن الناس اجتمعوا عليه وعند ذلك يجوز لما نبين إن شاء الله تعالى.
وقوله: بأن هذه صلاة مكتوبة كسائر الصلوات، قلنا: نعم هذه مكتوبة إما ليست كسائر الصلوات فإنه يشترط لها من الشرائط ما لا يشترط كسائر الصلوات، بل هي صلاة عرف لها من النص فتعرف شرائطها من النص، لا في سائر المكتوبات.
وإذا ثبت أن السلطان شرط يتفرع على هذا مسائل:
أحدها: ما ذكر في «الأصل»: أن رجلًا من عرض الناس لو صلى الجمعة بالناس بغير إذن الإمام أو خليفته أو صاحب شرطة أو القاضي لا يجزئهم لفوات شرطها فقد جمع في هذه المسألة بين الإمام وخليفته وصاحب شرطة والقاضي، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: هذه المسألة بناءً على عرف زمانهم، فإن في زمنهم صاحب شرطة والقاضي كل واحد منهما كان موليًا أمر السياسة وإقامة الجمعة، أما في زماننا القاضي وصاحب الشرطة لا يوليان ذلك.
وفي «نوادر بشر» أبي يوسف رحمهما الله: أن لصاحب الشرطة أن يصلي الجمعة بالقوم وإن لم يخرج الأمير، ولا يصلي بهم القاضي إذا لم يخرج الأمير، وعن أبي يوسف أيضًا أنه قال: أما القوم، فالقاضي يصلي بهم الجمعة؛ لأن الخلفاء يأمرون القضاة أن يصلوا بالناس الجمعة.
قيل: أراد بهذا قاضي القضاة الذي يشهد له أنه قاضي الشرق والغرب كأبي يوسف في وقته، فأما في زماننا القاضي، وصاحب الشرطة لا يوليان ذلك.
والي مصر مات، ولم يبلغ موته الخليفة حتى مضت بهم جمع، فإن صلى بهم خليفة الميت أو صاحب الشرطة أو القاضي جاز؛ لأنه فوض إليهم أمر العامة، هكذا ذكر في
[ ٢ / ٦٩ ]
«العيون»، وهذا الجواب في حق القاضي وصاحب الشرطة بناءً على عرف زمانهم على ما بينا.
ولو اجتمعت العامة على أن يقدموا رجلًا مع قيام واحد من هؤلاء الذين ذكرنا من غير أمرهم لم يجز؛ لأنه لم يفوض إليهم أمورهم إلا إذا لم يكن ثمة قاضي ولا خليفة الميت بأن كان الكل هو الميت حينئذٍ، جاز لضرورة.
ألا ترى أن عليًا ﵁ صلى بالناس يوم الجمعة وعثمان ﵁ محصور؛ لأن الناس اجتمعوا على علي ﵁، فقد جمع في هذه المسألة أيضًا بين القاضي وخليفة الميت، والجواب في حق القاضي بناءً على عرف زمانهم على ما ذكرنا.
إبراهيم عن محمد رحمهما الله، أنه إذا خطب الأمير ثم أحدث ولم يقدم أحدًا فتقدم عامل له لم يجز، ولا يجوز أن يقدم أحدًا إلا أحد هؤلاء الثلاثة صاحب الشرطة أو القاضي أو الذي ولاه القاضي.
والحاصل: أن حق التقدم في إقامة الجمعة حق الخليفة إلا أنه لا يقدر على إقامة هذا الحق بنفسه، في كل الأمصار، فيقيمها غيره بنيابته، والسابق في هذه النيابة في كل بلدة الأمير الذي ولي على تلك البلدة ثم الشرطي ثم القاضي ويريد به قاضي القضاة، ثم الذي ولاه قاضي القضاة، وتجوز صلاة الجمعة خلف المتغلب الذي لا عهد له أي لا منشور له من الخليفة إذا كانت سيرته في رعيته حسنه، لأمر الحكم فيما بين رعيته بحكم الولاية؛ لأن بهذه ثبتت السلطنة، فيتحقق الشرط.
الشرط الثالث: الوقت يعني به وقت الظهر، حتى لا يجوز تقديمها على الزوال ولا بعد خروج الوقت، والأصل فيه ما روي أن النبي ﵇ لما بعث مصعب بن عمير ﵁ إلى المدينة قبل هجرته قال له: «إذا مالت الشمس، فصل بالناس الجمعة» وكتب إلى سعد بن زرارة «إذا زالت الشمس من اليوم الذي تتجهز فيه اليهود لسبتها، فازدلف إلى الله تعالى بركعتين»، ولأن الجمعة أقيمت مقام الظهر، فيشترط أداؤها في وقت الظهر، حتى لو خرج وقت الظهر في خلال الصلاة تفسد الجمعة، وإن خرج بعد ما قعد قدر التشهد، فكذا عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما لا تفسد ولو خرج بعد السلام لا تفسد بالإجماع، ثم إذا خرج وقت الظهر في خلال الصلاة حتى فسدت الجمعة يبقى أصل الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وعند محمد ﵀: تبطل التحريمة، ولا يبقى أصل الصلاة، وهذا بناءً على أصل معروف تقدم ذكره أن للصلاة جهتان عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله الفرضية وأصل الصلاة، فإذا بطلت صفة الفرضية يبقى أصل الصلاة، وعند محمد
[ ٢ / ٧٠ ]
﵀ للصلاة جهة واحدة وهو الفرضية، فإذا بطلت الفرضية بطل أصل الصلاة.
وفي «فتاوى الفضلي»: المقتدي إذا نام في صلاة الجمعة ولم ينتبه حتى خرج الوقت، فسدت صلاته؛ لأنه لو أتمها كان قضاء، وقضاء الجمعة لا يجوز، ولو انتبه بعد فراغ الإمام والوقت قائم أتمها جمعة؛ لأنه يصير مؤديًا الفرض في الوقت.
الشرط الرابع: الجماعة؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: ٩) فهذا خطاب للجماعة، ولأنها سميت جمعة وفي هذا الاسم ما يدل على اعتبار الجماعة فيها.
ثم إن العلماء ﵏ اختلفوا فيما بينهم في تقدير الجماعة، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: يتم بثلاثة نفر سوى الإمام، وعن أبي يوسف ﵀: في غير رواية الأصول اثنان سوى الإمام، وقال الشافعي ﵀: لا تنعقد الجمعة إلا بأربعين رجلًا من الأحرار المقيمين سوى الإمام.
حجة الشافعي: ما روي أن أول جمعة أقيمت في الإسلام كانوا أربعين رجلًا، وكان رسول الله ﵇ ينتظر اجتماع الأربعين فلو كانت تنعقد بدون الأربعين لكان لا ينتظر اجتماع الأربعين، ولأن إقامة الجمعة مقام الظهر أمر عرف بخلاف القياس، فلا يقوم مقامها إلا بالشرائط التي ورد بها النص، ولم ينقل أن النبي ﵇ أقام الجمعة بثلاثة نفر من الرجال وقد نقل أنه أقامها بأكثر من ثلاثة نفر فقدرنا الأكثر بأربعين بما روينا من الحديث.
وأبو يوسف ﵀ يقول: للمثنى حكم الجماعة حقيقة وحكمًا، أما حقيقة، فلأن الجماعة مشتقة من الاجتماع وذلك يتحقق بالمثنى وأما حكمًا، فلأن الجماعة الإمام يتقدم عليهما، وذلك من أحكام الجماعة وربما كان يقول إذا كان سوى الإمام إثنان يكون مع الإمام ثلاثة، والثلاث جمع متفق عليه.
ولنا: قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: ٩) الآية، فالمنادي كأنه خارج عن خطاب الشرع كذلك الذاكر، وهو الإمام خارج عن خطاب السعي أيضًا، فيكون قوله: «فاسعوا» خطاب جمع الذين يسمعون النداء، فتناول هذا الخطاب كل جمع، وأقل الجمع المتفق عليه الثلاثة، فإذا أجاب المنادي ثلاثة من الناس وسعوا إلى الجمعة، وأقاموها جاز لظاهر الآية، وما قاله الشافعي: باطل لما روي أنه لما نفر الناس في اليوم الذي دخل فيه العير المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَرَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التّجَرَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرزِقِينَ﴾ (الجمعة: ١١)، بقي مع رسول الله ﵇ إثني عشر رجلًا، فصلى بهم الجمعة وقد روى الزهري: أن النبي ﵇ بعث مصعب بن عمير أميرًا إلى المدينة ثم كتب إليه أن أقم بهم الجمعة، فأقام بهم الجمعة وكانوا اثني عشر نفسًا ولا حجة له في الحديث الذي روي إذ فيه أنه أقام
[ ٢ / ٧١ ]
بأربعين وما دونه مسكوتٌ عنه على أنه روي أنهم كانوا أقل من أربعين.
وقول أبي يوسف ﵀: إن للمثنى حكم الجماعة فاسد؛ لأن ما دون الثلاث ليس بجمع مطلق بدليل أن أهل اللغة، فصلوا بين التثنية والجمع، والجمع والشرط هو الجماعة المطلقة، وقوله الثاني أنه إذا كان مع الإمام إثنان كان مع الإمام جماعة فاسد؛ لأن الإمام شرط للجواز سوى الجماعة، فإن كل واحد منهما شرط على حدة، ولا يعتبر الإمام مع القوم في الجماعة بخلاف سائر الصلوات؛ لأن الإمام في سائر الصلوات ليس بشرط.
وكذلك الجماعة، فأمكننا أن نعد الإمام من القوم ثم يشترط في الثلاثة أن يكونوا بحيث يصلحون للإمامة في صلاة الجمعة، حتى أن نصاب الجمعة لا يتم بالنساء والصبيان، ويتم بالعبيد والمسافرين؛ لأنهم يصلحون للإمامة، ولا شك أن درجة الإمامة أعلى من درجة الاقتداء، فإذا لم يشترط الحرية والإقامة في الإمامة الذي هو أعلى، فلأن لا يشترط في الاقتداء الذي هو أدنى وفي كونه مؤتمًا كان ذلك أولى وأحرى وهذا مذهبنا.
وقال زفر ﵀: لا تجوز إمامة العبد والمسافر في صلاة الجمعة لأنه لا تفترض عليهما الجمعة وإنما تصح منهما الأداء بطريق التبعية، فلا يجوز أن يكون أصيلًا بالإمامة وصار كالمرأة والصبي.
ولنا: أن العبد والمسافر صلحًا إمامين في سائر الصلوات فكذا في الجمعة وامتناع الفرضية ليس لعدم الأهلية، بل لعذر رخص الشرع الترك لأجله على ما مر، فإذا حضر وأدى وقع عن الفرض، وبه فارق الصبي والمرأة فإن الصبي ليس بأهل لأداء الفرض وكذا المرأة ليست بأهل للأداء بهذا الفرض؛ لأن مبناها على الاستتار، وفيما بني على الاستتار المرأة لم تؤهل، فإذا ظهر الكلام في جواز إمامتها، ففي انعقاد الجمعة باقتدائهما يكون أظهر، وقد صح أن رسول الله ﵇ أقام الجمعة بمكة، وهو مسافر حتى قال: «أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا قوم سفر» .
ومما يتصل بهذا الشرط من المسائل
ما ذكر في «الجامع الصغير»: فقال: إذا نفر الناس بعدما خطب الإمام فهذا على وجهين: إما أن ينفروا قبل الشروع في الصلاة أو بعد الشرع فيها.
فإن نفروا قبل الشروع فيها إن نفر الكل فالإمام يصلي بهم الظهر؛ لأن الجماعة شرط ولم تبق الجماعة وقت افتتاح الصلاة وإن نفر البعض إن كان الباقي سوى الإمام ثلاثة صلى الجمعة عندنا؛ خلافًا للشافعي؛ وإن كان الباقي اثنان سوى الإمام صلى الظهر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعن أبي يوسف ﵀ في غير رواية «الأصول»:
[ ٢ / ٧٢ ]
أنه يصلي الجمعة؛ لأنا نجعل من ذهب من القوم كأنه لم يحضر من الابتداء غير هؤلاء كان الجواب كما قلنا، فهنا كذلك، وإن لم يبق مع الإمام إلا عبيد ومسافرون صلى بهم الجمعة عند علمائنا ﵏ على ما مر.
وإن نفروا بعد الشروع في الصلاة إن صلى الإمام من الجمعة ركعة أتم الجمعة عند علمائنا الثلاثة ﵏، وعند زفر يصلي الظهر، وإن لم يقيد الركعة بالسجدة حتى نفروا صلى الظهر عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما يتم الجمعة.
فالأصل عند زفر: أن الجماعة شرط من أول الجمعة إلى آخرها كالطهارة والوقت، وهو القياس؛ لأن شرط الشيء يعتبر من أوله إلى آخره، وإنه ليس بصحيح، لأن شرط الشيء ما في وسع الإنسان، وإمكانه وليس في وسع الإمام وإمكانه إبقاء الجمع مع نفسه في جميع الصلاة، فلا يشترط ذلك.
والأصل عندهما: أن الجماعة شرط وقت الشروع في الصلاة؛ لأن الجماعة إذا وجدت حالة الشروع تنعقد التحريمة للجمعة بوصف الصحة، فجاز أن يتمها جمعة كما إذا نفروا بعدما قيد الركعة بالسجدة، وليس كما إذا نفروا قبل الشروع؛ لأن هناك تحريمته لم تنعقد للجمعة، فكيف يتمها جمعة.
والأصل عند أبي حنيفة ﵀: أن الجماعة شرط في ركعة تامة؛ لأن ما دون الركعة معتبر من وجه دون وجه، معتبره من وجه، فإنه إذا تحرم ثم قطع يلزمه القضاء، وغير معتبرة من وجه، فإنه إذا أدرك الإمام في السجود لا يصير مدركًا للركعة وإذا حلف لا يصلي، فافتتح الصلاة وقرأ وركع ثم قطع لا يحنث في يمينه، وصلاة الجمعة تغيرت من الظهر إلى الجمعة، فلا يتغير إلا بيقين ولا يقين إلا وأن توجد ركعة معتبرة من جميع الوجوه.
وإذا كبر الإمام للجمعة والقوم حضور لم يشرعوا معه ثم شرعوا بعد ذلك، ذكر في «الأصل»: أنهم إذا كبروا قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع صحت الجمعة، وإلا استقبلها ولم يذكر في الأصل خلافًا، وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر» ﵀ جعل هذا قول محمد وذكر، وقال أبو حنيفة: إن كبر قبل أن يقرأ الإمام آية قصيرة صحت الجمعة وإلا استقبلها.
وقال أبو يوسف: إن كبروا قبل أن يقرأ الإمام ثلاث آيات قصار أو آية طويلة صحت الجمعة وإلا استقبلها، وإن كبروا قبل أن يشرع الإمام في القراءة صحت الجمعة بالاتفاق، ولو خطب والقوم حضور وشرعوا في الصلاة (١٠٢ب١) ثم أحدث القوم فخرجوا فدخل آخرون لم يسمعوا الخطبة، ودخلوا في صلاته جاز؛ لأن الخطبة والافتتاح حصل مع الجمع، ولو ظهر أن الأولون لم يكونوا على وضوء فكبر الإمام ثم دخل آخرون هم على الوضوء استقبل بهم التكبير؛ لأن الشروع ما حصل مع الجمع والله أعلم.
والشرط الخامس: الخطبة حتى لو صلوا من غير خطبة أو خطب الإمام قبل الوقت لا يجوز، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
[ ٢ / ٧٣ ]
فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: ٩) والمراد منه الخطبة، فقد أمر بالسعي إلى الخطبة، والأمر بالسعي إليها دليل على وجوبها؛ ولأن إقامة الجمعة مقام الظهر عرفت شرعًا بخلاف القياس، والشرع ما جاء بها إلا مقيدًا بالخطبة، فإن النبي ﵇ ما أقامها في عجزه من غير خطبة.
وبعض مشايخنا ﵏ قالوا: الخطبة تقوم مقام ركعتين، ولهذا لا يجوز إلا بعد دخول وقت الجمعة، وفي حديث ابن عمر، وعائشة ﵃، «إنما قصرت الصلاة لمكان الخطبة» دليل على أن الخطبة شطر الصلاة، وهذا ليس بصحيح بدليل أن الإمام لا يستقبل القبلة عند الخطبة، ولا يقطعها الكلام ويعتد بها إذا أداها وهو محدث أو جنب على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
وإذا ثبت أن الخطبة شرط يتفرع على هذا مسائل؛ إذا خطب الخطيب وحده جاز على قول أبي حنيفة وعلى قولهما لا يجوز، ذكر الخلاف على هذا الوجه في «متفرقات الفقيه أبي جعفر»، ورأيت في موضع آخر أن عن أبي حنيفة ﵀ في هذا الفصل روايتان.
وفي «نوادر المعلى»: عن أبي يوسف إذا خطب يوم الجمعة ونفر الناس عنه، ثم رجعوا صلى بهم الجمعة، ولو لم يرجعوا وجاء قوم آخرون لا يصلي بهم الجمعة إلا أن يعيد الخطبة، وفي ظاهر الرواية يصلي بهم الجمعة من غير أن يعيد الخطبة.
ولو خطب والقوم حضور إلا أنهم محدثون، أو كانوا جنبًا فذهبوا وتوضؤوا ثم رجعوا وصلى بهم الجمعة جاز، ولو خطب وهناك رجال من بعيد لم يسمعوا الخطبة جاز، ولو خطب بالفارسية جاز عند أبي حنيفة على كل حال.
وروى بشر عن أبي يوسف: أنه إذا خطب بالفارسية وهو يحسن العربية لا يجزئه إلا أن يكون ذكر الله في ذلك العربية في حرف أو أكثر من قبل أنه يجزىء في الخطبة ذكر الله، وما زاد فهو فضل.
قال الحاكم أبو الفضل: هذا خلاف قوله المشهور، وإذا خطب الإمام في الجمعة قبل الزوال وصلى بعد الزوال لا يجوز، فإنه شرعت الخطبة شرطًا للجواز، والشرائط تكون مقدمة على المشروط إلا أنها شرط بمنزلة الركعتين وهو الشفع الثاني، وكما لا يجوز إقامة الشفع الثاني قبل الخطبة فكذا الخطبة، ولو خطب صبي يوم الجمعة وله منشور الوالي، وصلى بالناس بالغ جاز.
وفي «فتاوى خوارزم»: قال محمد ﵀: ويخطب الإمام قائمًا يوم الجمعة؛ لما روي أن رجلًا سأل ابن عباس، وابن مسعود ﵃ أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائمًا أو قاعدًا، قالا: أليس يتلو قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَرَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التّجَرَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرزِقِينَ﴾ (الجمعة: ١١) كان رسول الله ﵇ يخطب قائمًا حين انفض عنه الناس بدخول العير المدينة، وهكذا جرى التوارث من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا، والذي روي أن عثمان
[ ٢ / ٧٤ ]
﵁ كان يخطب قاعدًا، إنما فعل ذلك لمرض أو لكبر سن في آخر عمره، وفي حديث جابر بن سمرة «أن النبي ﵇ كان يخطب قائمًا خطبة واحدة فلما أسن وكبر جعلها خطبتين وجلس بينهما جلسة» ويستقبل القوم بوجهه مستدبرًا القبلة، به جرى التوارث من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا من غير نكير منكر.
ثم السنّة أن يخطب خطبتين ويجلس جلسة خفيفة بينهما يحمد الله تعالى في الأولى، ويثني عليه ويتشهد ويصلي على النبي ﵇، ويعظ الناس ويذكرهم، وفي الثانية يفعل كذلك إلا أنه يدعو مكان الوعظ، كذا جرى التوارث.
قال شمس الأئمة السرخسي في تقدير الجلسة بين الخطبتين: إنه إذا تمكن في موضع جلوسه، واستقر كل عضو منه في موضعه قام من غير مكث ولبث، وكان ابن أبي ليلى يقول: إذا مس الأرض موضع جلوسه أدنى مسه قام إلى الخطبة الأخرى.
وينبغي أن تكون الخطبة الثانية ما يخطب بها الخطباء في بلدنا اليوم: الحمد لله نحمده ونستعينه لا يبدل هذا بحال ولا يغيره، وله أن يبدل الأولى ويغيرها، فقد صح أن النبي ﵇ كان لا يترك هذه الخطبة بحال، ولو خطب خطبة واحدة قائمًا أو قاعدًا أو خطب خطبتين قاعدًا أو إحداهما قائمًا، والأخرى قاعدًا أجزأه إلا أنه يصير مسيئًا إن فعل ذلك من غير عذر.
وكذلك إذا خطب متكئًا على عصا أو على قوس جاز، إلا أنه يكره، لأنه خلاف السنّة وإذ خطب مستقبل القبلة موليًا ظهره إلى الناس جاز، ولكن يكره؛ لأنه خلاف السنّة، ويقرأ في خطبته سورة من القرآن أو آية، فالأخبار قد توافرت أن النبي ﵇ كان يقرأ القرآن في خطبته، وأن خطبته لا تخلوا عن سورة أو آي من القرآن، روي أنه قرأ في خطبته: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٨١) وروي أنه قرأ: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (الأحزاب: ٧٠) وروي أنه قرأ: ﴿وَنَادَوْاْ يمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّكِثُونَ﴾ (الزخرف: ٧٧) وروي أنه قرأ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الاْرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١) .
وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يقول: يستحب للإمام أن يقرأ في كل جمعة ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا بَعِيدًا وَيُحَذّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءوفُ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران: ٣٠) الآية.
إلا أنه إذا أراد أن يقرأ سورة، فإنه يتعوذ في أولها ويسمي وإن قرأ آية من القرآن اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يتعوذ ويسمي وأكثرهم قالوا: يتعوذ ولا يسمي، ولهذا تعارف الخطباء في زماننا ترك التسمية احتياطًا، والأمان بالتعوذ على كل حال يقولون: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقد يسمون وقد لا يسمون، وأصل الاختلاف في القراءة في غير الخطبة إذا أراد أن يقرأ سورة يتعوذ ويسمي، وإذا أراد أن
[ ٢ / ٧٥ ]
يقرأ آية هل يسمي؟ فعلى الاختلاف.
وإذا قرأ الإمام على المنبر آية السجدة سجدها، وسجد معه من سمعها، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: ينزل من المنبر ويسجد على الأرض، ثم قال ﵀: قال مشايخنا: إذا تلا الإمام آية السجدة في صلاة الجمعة لا يسجد لها؛ لأنه إذا خر للسجود كبر المكبرون، فيظن الناس أنه للركوع فيفتننون، فيكون تركها أولى ولا يطول الخطبة، جاء عن عمر ﵁ أنه قال: طولوا الصلاة وقصروا الخطبة، وقال ابن مسعود ﵁: طول الصلاة وقصر الخطبة مئينة في فقه الرجل.
قال القدوري في «كتابه»: ويكون قدر الخطبتين مقدار سورة من طوال المفصل ويستقبل الإمام بوجههم حالة الخطبة؛ لأن الخطيب يعظهم بالخطبة ويخاطبهم فالإعراض عنهم يكون تهاونًا وجفاءً.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: من كان أمام الإمام استقبله بوجهه، ومن كان عن يمين الإمام أو عن يساره انحرف إلى الإمام، فقد صح أن رسول الله ﵇ كان إذا خطب استقبله أصحابه، فمن كان أمامه أقبل بوجهه إليه ومن كان عن يمينه أو عن يساره انحرف إليه، قال شمس الأئمة الحلواني السرخسي: والرسم في زماننا استقبال القوم القبلة، وترك استقبالهم الخطيب ما يلحقهم من الحرج بتسوية الصفوف بعدما فرغ الخطيب من الخطبة، لكثرة الزحام، قال: وهذا أحسن.
ويجزىء في الخطبة قليل الذكر، نحو قوله الحمد لله، ونحو قوله: لا إله إلا الله، ونحو قوله: سبحان الله، وهذا قول أبي حنيفة ﵀.
وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يجوز إلا إذا كان كلامًا به يسمى خطبة عادة، وقال الشافعي ﵀: لا بد من خطبتين الشافعي يحتج بالتوارث من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا من غير نكير منكر، والمتوارث كالمتواتر.
وأبو يوسف، ومحمد رحمهما الله، قالا: بأن الشرط هو الخطبة والتكبيرة الواحدة لا تسمى خطبة، ولا يقال لقائلها خطيبًا عرفًا وعادة، وإن كانت خطبة حقيقة، فكانت خطبة من وجه دون وجه، وقع الشك في جواز الجمعة، فلا يحكم بالجواز.
وأبو حنيفة ﵀ يحتج بقوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الجمعة: ٩) (١٠٣أ١) أمر بمطلق الذكر، فمن قيده فقد نسخ المطلق، وعن رسول الله ﵇ أنه كتب إلى مصعب بن عمير «إذا مالت الشمس من اليوم الذي تتجهز اليهود لسبتها، فاجمع من قبلك من المسلمين، وذكرهم بالله» من غير فصل بين ذكر وذكر.
وعن عثمان ﵁: أنه لما صعد المنبر في أول جمعة ولي قال: الحمد لله فأرتج عليه، فقال: «إن أبا بكر، وعمر ﵄ كانا يعدان لهذا المكان حقه، ألا
[ ٢ / ٧٦ ]
وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وسيأتي الخطب من بعد الله أكبر ما شاء فعل» ونزل، وصلى معه خيار الصحابة من غير نكير منكر ومراده من قوله: وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال أن الخطباء الذين يأتون بعد الخلفاء الراشدين يكونون على كثرة المقال مع قبح الفعال، وأنا لم أكن قوالًا مثلهم فأنا على الخير دون الشر فأما أن يريد بهذه المقالة تفضيل نفسه على الشيخين فلا، ثم قوله: الحمد لله، كلمة وجيزة تحتها معاني جمة تشتمل على قدر الخطبة وزيادة، فالمتكلم بقوله: الحمد لله كالذاكر بجملة ذلك، فيكون ذلك منه خطبة لكنها وجيزة. وقصر الخطبة مندوب إليه على ما مر.
وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀: عن أستاذه الفقيه أبو بكر الأعمش ﵀ كان يقول: التسبيحة الواحدة والتكبيرة الواحدة في مثل هذا المكان، في مثل هذه الحالة من مثل هذا الخطيب خطبة، وإن كانت لا تكون خطبة من غيره؛ لأن المكان أعد للخطبة والوقت وقت خطبة والخطيب هيأ نفسه لذلك، فإذا جاء بالذكر وإن قل يكون خطبة ولا يبعد أن يختلف الكلام باختلاف المحل.
ألا ترى أن من اعتاد التكلم بنعم في خلال الكلام كان نعم منه في خلال الكلام كفوًا، وهدرًا، وإذا قال له غيره: لي عليك كذا وكذا، فقال: نعم كان ذلك منه إقرارًا ملزمًا للمال، واختلف الكلام لاختلاف المحل كذا هنا.
وقال الحاكم الشهيد ﵀ في «إشاراته»: إن هذه المسألة، فرع مسألة أخرى: أن أبا حنيفة ﵀ يعتبر في شروط جواز الصلاة أدناها حتى قال: لو حنى ظهره للركوع ولم يعتدل جاز، وإذا سجد بأنفه دون جبهته وإن رفع رأسه بين السجدتين أدنى الرفع جاز ووقع الفصل.
وإن قرأ في صلاته آية قصيرة جاز عنده، فجعل هذا أصلًا من أصول أبي حنيفة وخرج المسائل عليه، وعد هذه المسألة من جملتها، وقاس الخطبة بالصلاة بأدنى الأذكار والأركان، فالخطبة أولى.
وعن أبي يوسف ﵀ أن الإمام إذا عطس على المنبر، وقال: الحمد لله، ثم نزل وصلى بالناس جازت صلاته، وكان حمده خطبة، ثم رجع، وقال: لا يكون خطبة، ومن المشايخ من قال: إذا عطس على المنبر وحمد الله تعالى، إذا نوى به الخطبة كان خطبة، وإذا نوى حمد العاطس لا يكون خطبة، وكذا فيما إذا أتى بتسبيحة إنما تجزئه عن الخطبة إذا نوى به الخطبة.
وهو نظير من حمد الله تعالى عند الذبح أجزأه عن الذبح إذا نوى به التسمية، وإن لم ينو به التسمية لا يجزئه، ولو خطب وهو جنب أو محدث ثم اغتسل أو توضأ وصلى بهم الجمعة أجزأه وهذا مذهبنا.
وقال الشافعي ﵀: لا يجوز، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀ بناءً على أن عند الشافعي الخطبة تقوم مقام ركعتين من الصلاة، وعندنا ليس كذلك بدليل ما ذكرنا من الأحكام.
[ ٢ / ٧٧ ]
والمعنى في المسألة: أن الخطبة ذكر الله تعالى، والجنب والمحدث لا يمنعان عن ذكر الله تعالى جاء في الحديث «أن النبي ﵇ كان لا تحجره الجنابة عن شيء إلا عن قراءة القرآن»، إلا أنه لو تعمد ذلك يصير مسيئًا لدخوله المسجد من غير طهارة، ولأن الخطبة وإن لم تكن صلاة حقيقة إلا أنها تشبه الصلاة، ولهذا لا تجوز الجمعة بدونها، ولو كانت صلاة حقيقة لا تجوز بدون الطهارة، فإذا كانت تشبه الصلاة.h
قلنا: تكره مع الحدث والجنابة ولم يذكر محمد ﵀ في «الكتاب»: أنه هل تعاد الخطبة؟ وذكر في «النودار» عن أبي يوسف ﵀: أنه لا تعاد، والأذان جنبًا يعاد ولكل واحد منها شبهًا بالصلاة إلا أن الأذان أشبه بالصلاة من الخطبة فإن الأذان يؤدى مستقبل القبلة والخطبة تؤدى مستدبر القبلة.
وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ الإعادة فيهما جميعًا وإن خطب وهو طاهر، ثم أحدث وأمر رجلًا بالصلاة فإن كان الرجل المأمور قد شهد الخطبة أو بعضها أجزأه، لأنه ينشىء تحريمة الجمعة وقد وجد شرط افتتاح الجمعة في حقه وهو الخطبة؛ فيجوز، وإن لم يشهد المأمور الخطبة لا يجزئه، إلا أنه يريد أن ينشىء تحريمة الجمعة من غير شرطها، وهو الخطبة، فلا تجزئه كما إذا لم يخطب الأولى، وأراد أن يصلي بالناس الجمعة.
ولو أن الإمام الأول أحدث بعد الشروع في الجمعة، فأمر رجلًا لم يشهد الخطبة حتى يصلي بهم الجمعة يجوز؛ لأنه لا ينشىء التحريمة، بل يبني على صلاة الإمام والخطبة شرط افتتاح الجمعة، لا شرط البناء.
فإن قيل: ما ذكرتم من العذر ليس بصحيح، بدليل أن الثاني لو أفسد صلاته ثم افتتح بهم أجزأه، وهو مفتتح في هذه الحالة.
قلنا: نعم ولكن لما صح شروعه في الجمعة وصار خليفة للأول التحق بمن شهد الخطبة حكمًا، فهلذا أجاز له الافتتاح بعد الإفساد.
إذا خطب الإمام يوم الجمعة ثم قدم أمير آخر إن صلى القادم بخطبة الأول صلى أربعًا، لأن الخطبة شرط افتتاح الجمعة، وإنه غير موجود في حق القادم وإن خطب خطبة جديدة صلى ركعتين وإن صلى الأول الجمعة بالناس، فإن لم يعلم بقدوم الثاني أجزأهم؛ لأنه لا ينعزل ما لم يعلم بقدوم الثاني، وإن علم بقدوم الثاني لا يجزئهم؛ إلا أن يكون القادم أمر الأول بإقامتها، فحينئذٍ يجوز؛ لأنه يستجمع شرائط الجمعة.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وقد قيل: لا يجزئهم؛ لأن الثاني لما لم يملك إقامتها لعدم الخطبة يصح أمره الأول بها.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: إمام خطب الناس يوم الجمعة ثم قدم عليه أمير آخر مكانه بعدما فرغ من الخطبة، فأمر هذا القادم رجلًا ممن شهد الخطبة فصلى بالناس
[ ٢ / ٧٨ ]
الجمعة يجزئهم من قبل أن خطبة الأول قد انتقضت حين عزل، ولو أن القادم شهد الخطبة ولم يعزل الأول، ولكنه أمر رجلًا أن يصلي الجمعة بالناس، فصلى جاز؛ لأنه لما شهد الخطبة، فكأنه خطب بنفسه، ولو أن القادم شهد خطبة الأول، وسكت عنه حتى صلى بالناس، وهو يعلم بقدومه فصلاته جائزة؛ لأنه على ولايته لم يظهر العزل.
وفي «نوادر بشر»: عن أبي يوسف: في الإمام الذي له حق إقامة الجمعة إذا عزل وصلى بالناس الجمعة قبل أن يأته الكتاب بعزله أي: قبل أن يعلم بعزله جاز وإن صلى بعدما علم بعزله لا يجوز، وإن صلى صاحب شرطة جاز؛ لأن عمالهم على حالهم بعد العزل، وإذا افتتح الإمام الجمعة ثم حضر والي آخر يمضي على صلاته؛ لأن افتتاحه قد صح فصار كرجل أمره الإمام أن يصلي بالناس الجمعة ثم حجر عليه، إن حجر عليه قبل الشروع في الصلاة عمل حجره؛ وإن حجر عليه بعد الشروع لا يعمل حجره؛ وكذا ها هنا.
ولو أن الإمام سبقه الحدث قبل الشروع في الصلاة، فأمر جنبًا قد شهد الخطبة حتى صلى بالناس، وأمر المأمور طاهرًا قد شهد الخطبة، فصلى بهم جاز كما لو أمر الإمام الأول؛ وهذا لأن أمر الإمام الأول قد صح؛ لأنه فوض الجمعة إلى من هو من أهل الجمعة، فإن الجنب أهل للجمعة لكنه عاجز عن أدائها، لفقد الشرط وهو الطهارة، وإذا صح التفويض إلى الأول، لكونه أهلًا قام الثاني مقام الأول، فصار أمر الثاني كأمر الأول.
بخلاف ما إذا أمر الأول صبيًا لو محترمًا، فأمر الصبي رجلًا قد شهد الخطبة لا يجوز الثاني أن يصلي الجمعة؛ لأن التفويض إلى الصبي لم تصح لعدم أهلية الجمعة، وإذا لم يصح التفويض إليه لم يقم مقام الأول ليصير أمره كأمر الأول، وبخلاف ما إذا أمر الأول امرأة، فأمرت المرأة رجلًا قد شهد الخطبة لا يجوز لهذا الرجل أن يصلي بهم الجمعة لما ذكرنا، في حق الصبي.
وذكر الحاكم الشهيد ﵀ في «المنتقى»: أن إمامًا لو سبقه الحدث في الصلاة، فذهب وقدم امرأة، فإنه ينظر إن قامت مقامه فسدت صلاته، وإن قدمت رجلًا مكانها جازت صلاة الكل.
بعض مشايخنا ظنوا (١٠٣ب١) أن الاستخلاف من المرأة والصبي جائز في سائر الصلوات غير حائز في الجمعة، وليس الأمر كما ظنوا، بل الاستخلاف منها لا يجوز في الصلوات كلها؛ لأن تفويض الإمامة إلى الصبي، والمرأة لم تصح في سائر الصلوات، فلا يصح منها الاستخلاف، وإذا لم يصح استخلافهما جعل وجود الاستخلاف منهما وعدمه بمنزلة وجعل كأن خليفة الصبي، والمرأة تقدم بنفسه من غير استخلافهما إلا أنه لو تقدم بنفسه في سائر الصلوات يصير إمامًا، ويجوز له أن يصلي بهم ولو تقدم بنفسه في الجمعة لا يصير إمامًا فلا يجوز له أن يصلي الجمعة بهم؛ لأنه أقامها بغير إذن الإمام كذا ها هنا.
[ ٢ / ٧٩ ]
الإمام إذا خطب ثم أحدث وأمر من لم يشهد الخطبة أن يصلي بالناس، وأمر ذلك الرجل من شهد الخطبة فصلى بهم ذكر شمس الأئمة السرخسي أنه لا يجوز، وهكذا ذكر الحاكم في «المختصر» .
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: أنه يجوز؛ لأن الذي لم يشهد الخطبة من أهل الصلاة فصح التفويض لكن عجز عن الأداء، لفقد شرطه وهو سماع الخطبة، فيملك التفويض إلى الغير ولو كان الثاني ذميًا ولم يعلم الإمام به، فأمر الذمي مسلمًا حتى يصلي بهم فصلى لم يجز؛ لأن التفويض إلى الذمي لم يصح؛ لأنه ليس من أهل الصلاة فلا يصح منه التفويض إلى المسلم.
وكذا لو أن الأول أمر مريضًا يصلي بإيماء أو أخرسًا أو أميًا، فأمر هؤلاء غيرهم حتى يصلي لم يجز، وفيه فإن كان التفويض إلى هؤلاء قبل الجمعة بأيام فبرأ المريض والأخرس وتعلم الأمي، فصلى بهم الجمعة أو أمروا غيرهم جاز؛ لأن التفويض ليس بلازم، وما ليس بلازم كان لبقائه حكم الابتداء فصار كأنه فوض إليهم للحال، وهم في الحال من أهل الصلاة، فإن كان الإمام دخل في الصلاة ثم أحدث، فقدم ذميًا وقدم الذمي غيره لا يجوز، فإن أسلم الذمي بعدما قدمه إن خطب بهم وصلى الجمعة من الابتداء أو أمر غيره بأن يخطب ويصلي بهم الجمعة، بعدما أسلم جاز، وإن بنى على تلك الصلاة لم يجز لما قلنا.
وإذا أحدث الإمام قبل الشروع في الصلاة فلم يأمر أحدًا فتقدم صاحب شرطة أو القاضي أو أمر رجلًا قد شهد الخطبة، فتقدم وصلى بهم الجمعة أجزأهم، واختلفت عبارة المشايخ في علة المسألة.
بعضهم قالوا: إقامة الجمعة من أمور العامة وقد فوض إلى القاضي وصاحب الشرطة، ما هو أمور العامة، فينزلا فيها منزلة الإمام في الإمامة بأنفسهما وبالاستخلاف.
وبعضهم قالوا: القاضي وصاحب الشرطة خلفًا للإمام فيما هو من السياسة والديانة، وإقامة الجمعة وتفويضهما إلى غيرهما من الديانة، فقاما فيهما مقام الإمام وقد مر شيء من ذلك في أول الفصل.
وفي «نوادر ابن سماعة»: عن أبي يوسف في إمام خطب ونزل وافتتح التطوع ركعتين خفيفتين، وأتمهما أو أفسدهما أو شرع في الجمعة ثم علم أن عليه صلاة الغداة، فقضاها فإني آمره بإعادة الخطبة، وإن لم يعدها أجزأه، وكذلك لو خطب، ثم رجع إلى منزله، فتوضأ أو قعد أو فعل شبه ذلك، ثم رجع وصلى جاز.
وفي «المنتقى»: إمام خطب يوم الجمعة وأحدث، وانصرف وتوضأ، ثم جاء وصلى أجزأه؛ لأن هذا من عمل الصلاة.
ولو تغدى أو جامع فاغتسل ثم جاء استقبل الخطبة، وذكر الطحاوي ﵀ في «شرح الأثار»، فلا ينبغي أن يكون للإمام في صلاة الجمعة غير الخطيب؛ لأن صلاة الجمعة مع الخطبة كشيء واحد من حيث المعنى؛ لأن صلاة الجمعة إنما قصرت؛ لأجل
[ ٢ / ٨٠ ]
الخطبة؛ فلا ينبغي أن يقيمها اثنان ولا ينبغي للخطيب أن يتكلم في خطبته بما هو كلام الناس؛ إما لأن الخطبة تشبه الصلاة على ما بينا؛ ولا ينبغي للمصلي أن يتكلم في صلاته بما يشبه كلام الناس، أو لأن الخطبة كلمات منظومة شرعت قبل الصلاة، فأشبهت الأذان، ولا ينبغي للمؤذن أن يتكلم في أذانه بما يشبه كلام الناس، ولا بأس بأن يتكلم بما يشبه الأمر بالمعروف.
وقد صح أن رسول الله ﵇ كان يخطب، فدخل سليك الغطفاني، وجلس، فقال ﵇: «أركعت ركعتين» فقال سليك: لا، فقال ﵇: «قم واركع ركعتين ثم اجلس»، وعن عمر ﵁ أنه كان يخطب يوم الجمعة، فدخل عثمان ﵁ فقال عمر ﵁: أية ساعة المجيء هذه، فقال عثمان: ما زدت حين سمعت النداء على أن توضأت، فقال عمر: «أتوضؤ أيضًا»، ورسول الله ﵇ كان يأمر بالاغتسال يوم الجمعة.
ولأن ما يشبه الأمر بالمعروف خطبة من حيث المعنى، وإن لم يكن خطبة من حيث النظم؛ لأن الخطبة في الحقيقة وعظ وأمر بالمعروف.
ثم فرق بين الإمام والقوم فحرم على القوم التكلم في وقت الخطبة بجميع الكلام ما يشبه بكلام الناس، وما يشبه الأمر بالمعروف، وفي حق الإمام فرق بينهما.
والفرق: أن المفروض على الإمام الخطبة والأمر بالمعروف والوعظ لا يقطعها معنى، والمفروض على القوم الاستماع والإنصات، والكلام يقطع ذلك أي كلام كان.
من العلماء من قال: السكوت على القوم كان لازمًا في زمن رسول الله ﵇؛ لأنه كان يعرض عليهم في خطبته ما نزل عليه من القرآن فكان يلزمهم السكوت والاستجماع، ليأخذوا ويقبلوا منه ويصدقوه في ذلك، فأما اليوم، فالسكوت غير لازم لأنه قد يكون في القوم من هو أعلم من الإمام، وأورع منه، فلا يؤمر باستماع وعظ من هو دونه.
ومنهم من قال ما دام في حمد الله تعالى والثناء عليه والوعظ للناس، فعليهم أن يستمعوا، وإذا أخذ في مدح الظلمة والدعاء لهم، فلا بأس بالكلام؛ لأن مدحهم لا يخلو عن كذب فالإعراض عنه أولى، وهذا ما روي عن بعض السلف أنه كان يقلب الحصى في ذلك الوقت إنما كان يفعل ذلك، ليصير ذلك مانعًا دخول ذلك في سمعه.
وكان الطحاوي ﵀ يقول: على القوم أن يستمعوا وينصتوا إلا أن يبلغ الخطيب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: ٥٦)، فحينئذٍ يجب عليهم أن يصلوا على النبي ﵇ ويسلموا؛ لأن الخطيب حكى عن الله تعالى وملائكته أنهم يصلون وحكى أمر
[ ٢ / ٨١ ]
الله تعالى بالصلاة عليه وامتثال أمر الله تعالى واجب، فيجب عليهم في هذه الحالة، والذي عليه عامة مشايخنا: أن على القوم أن يستمعوا الخطبة وينصتوا من أول الخطبة إلى آخرها.
والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىء الْقُرْءانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٤) نزلت الآية في الخطبة على ما ذكرنا، والله تعالى أمر باستماع الخطبة مطلقًا فيتناول الخطبة من أولها إلى آخرها.
وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: إذا ذكر الله والرسول في الخطبة استمعوا، ولم يذكروا الله تعالى والثناء عليه ولم يصلوا على النبي ﵇، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يصلي الناس عليه في نفوسهم وهذا كله في حق من كان قريبًا من الإمام بحيث يسمع ما يقوله الإمام.
أما من كان بعيدًا من الإمام لا يسمع ما يقوله الإمام ماذا يصنع؟ لا رواية في هذا الفصل، قال محمد بن سلمة ﵀: يسكت، وهكذا ذكر المعلى في «كتاب الصلاة» عن أبي يوسف ﵀.
وروي عن نصير بن يحيى ﵀: أنه إذا كان بعيدًا من الإمام يقرأ القرآن، وروي عنه أنه كان يحرك بسيفه ويقرأ القرآن، وروى حماد عن إبراهيم أنه قال: إني لأقرأ جزأين يوم الجمعة والإمام يخطب وجه هذا القول أن المقصود من الإنصات الاستماع لما فيها من قراءة القرآن والوعظ، فإذا لم يستمع يقرأ حتى يحصل ما هو المقصود بقراءة القرآن.
ووجه ما روي عن محمد بن سلمة حديث عمر وعثمان ﵄ أنهما قالا: إن أجر المنصت الذي لا يسمع مثل أجر المنصت السامع، ولأنه مأمور بشيئين بالاستماع والإنصات فمن قرب من الإمام، فقد قدر عليهما ومن بعد من الإمام فقد قدر على أحدهما وهو الإنصات فيأتي بما قدر عليه، ويترك ما عجز عنه.
فأما دراسة الفقه والنظر في كتب الفقه وكتابته فمن أصحابنا ﵏ من كره ذلك، ومنهم من قال: لا بأس به، وهكذا روي عن أبي يوسف (١٠٤أ١) .
وروي أن الحكم بن زهير كان أبلغ في الفطنة من أبي يوسف حتى روى عن أبي يوسف أنه كان يقول: ما رأيت رجلًا أذكى ولا أفصح ولا أصبح وجهًا من الحكم بن زهير، وقال الحسن بن زياد ﵀: ما دخل العراق أحد أفقه من الحكم بن زهير، وإن الحكم كان يجلس مع أبي يوسف يوم الجمعة وكان ينظر في كتابه ويصححه بالقلم وقت الخطبة.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: هنا فصل آخر اختلف فيه المشايخ أيضًا: أنه إذا لم يتكلم بلسانه، ولكنه أشار برأسه أو بيده أو بعينه نحو إن رأى منكرًا من إنسان، فنها بيده أو أخبر بخبر فأشار برأسه هل يكره ذلك، أم لا؟ فمن أصحابنا ﵏ من كره ذلك، وسوى بين الإشارة بالرأس وبين التكلم باللسان، والصحيح أنه لا بأس به، فإنه روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ «أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلّميوم الجمعة وهو
[ ٢ / ٨٢ ]
يخطب، فرد عليه بالإشارة»، والدليل عليه ما روي «أن أبا ذر ﵁ كان جالسًا إلى جنب أبي بن كعب ورسول الله ﵇ كان يخطب يوم الجمعة فقرأ في خطبته آية من القرآن، فقال أبو ذر لأبي ﵄: متى نزلت هذه الآية؟ ولم يجبه وغمزه ليسكت» دل أن الإشارة، لا بأس بها.
قال شمس الأئمة: وهنا فصل آخر وهو أن الدنو من الإمام أولى أو التباعد عنه، قال كثير من العلماء: التباعد أولى، كيلا يسمع مدح الظلمة ودعاؤهم، والصحيح من الجواب عن مشايخنا ﵏ أن الدنو منه أفضل.
قال محمد ﵀ في «الأصل»: ولا تشمتوا العاطس، ولا ترد السلام يعني وقت الخطبة، ولم يذكر فيه خلافًا وروى محمد عن أبي يوسف في صلاة الأثر أنهم يردون السلام ويشمتون العاطس، ويتبين بما ذكر في صلاة الأثر أن ما ذكر في «الأصل» قول محمد.
والخلاف بين أبي يوسف، ومحمد في هذا بناءً على أنه إذ لم يرد السلام في الحال بل رده بعد ما فرغ الإمام من الخطبة على قول محمد يرد، وعلى قول أبي يوسف ﵀ لا يرد، فلما كان مذهب محمد الرد بعد فراغ الإمام من الخطبة كان الاستماع والإنصات أولى؛ لأنه لو رد يفوت الإنصات والاستماع، ولو استمع لا يفوت رد السلام بل يتأخر والتأخير أولى من التفويت.
وعند أبي يوسف ﵀ لما كان لا يمكنه رد السلام ولا يشمت العاطس بعد فراغ الإمام من الخطبة، فلو رد لا يفوت الاستماع أصلًا بل يفوت البعض، ولو لم يرد يفوت الرد أصلًا وتفويت البعض دون البعض أولى من تفويت الكل، وإنما لا يمكنه رد السلام بعد الفراغ من الخطبة عند أبي يوسف؛ لأن رد السلام جواب الخطاب وجواب الخطاب ما يكون على غرار الخطاب، أما إذا تأخر يكون كلامًا مبتدءًا ولا يكون جوابًا، ومحمد ﵀ يقول: يمكنه الرد؛ لأن المجلس واحد، فيجعل الموجود في آخر المجلس كالموجود في أوله، كما في البيع.
وروي عن أبي حنيفة ﵀ في غير رواية «الأصول»: أنه يرد بقلبه ولا يرد بلسانه؛ لأنه إن عجز عن رده بلسانه، فإنه لم يعجز عن رده بقلبه، يقوم الرد بالقلب مقام الرد باللسان كما قام الإيماء بالرأس في حق المريض مقام الركوع والسجود، ولم يذكر محمد ﵀ في «الأصل»: أن العاطس هل يحمد الله؟ وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ أن العاطس وقت الخطبة يحمد الله تعالى في نفسه، ولا يجهر، وهذا صحيح؛ لأن ذلك لا يشغله عن الاستماع.
[ ٢ / ٨٣ ]
وعن محمد ﵀: أن العاطس يحمد الله تعالى بقلبه فلا يحرك شفتيه، وإذا فرغ الإمام من الخطبة يحمد الله تعالى بلسانه، وهذا كالمتغوط إذا سمع الأذان يجيبه بقلبه، وإذا فرغ من التغوط يجيبه بلسانه، فلا ينبغي لهم أن يشربوا أو يأكلو والإمام يخطب لما ذكرنا أن صلاة الجمعة مع الخطبة كشيء واحد.
ثم لا ينبغي لهم أن يأكلوا ويشربوا والإمام في الصلاة فكذا إذا كان في الخطبة، وفي بعض الكتب ما يحرم في الصلاة يحرم في الخطبة، وهو إشارة إلى ما قلنا.
ثم عند أبي حنيفة ﵀ يكره الكلام من حين يخرج الإمام إلى أن يفرغ من الصلاة للخطبة، وكذلك الصلاة.
وقال أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله: لا بأس بأن يتكلم قبل الخطبة وبعدها ما لم يدخل الإمام في الصلاة.
وأما الكلام عند الجلسة الخفيفة، من مشايخنا ﵏ من قال: بأنه على هذا الخلاف، ومنهم من قال: بلا خلاف يكره، حجتهما ما روى أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﵇ كان إذا نزل عن المنبر أمر ببعض حوائجه، وكان يسأل الناس عن حوائجهم وعن أسعار السوق ثم يصلي، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام، ولم يجعل خروجه قاطعًا للكلام.
وروي عن عمر، وعثمان ﵄ كانا إذا صعدا المنبر أنهما يسألان الناس عن أسعار السوق، وحوائجهم؛ ولأن التكلم بما لا إثم فيه إنما حرم لأجل الاستماع ولا استماع في باقي الحال، بخلاف الصلاة؛ لأنها تمتد إلى وقت الخطبة أو إلى وقت الشروع في الصلاة.
حجة أبي حنيفة ﵀ ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الناس الأول، فالأول» الحديث إلى أن قال: «فإذا خرج الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمتعون الذكر» وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس الكلام فأما إذا كانوا يتكلمون فهم يكتبون عليهم قال الله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: ١٨) وروى عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﵇ أنه قال: إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ» فلأن الخطبة في معنى شطر الصلاة، فالمتكلم في الخطبة كالمتكلم في وسط الصلاة من وجه، فيكره وأما حديث رسول الله ﵇.
قلنا: إن رسول الله ﵇ كان إمامًا، ولا بأس للإمام أن يتكلم، ألا ترى أنه يخطب والخطبة من أولها إلى آخرها كلام، وجواب آخر أن نقول: يحتمل أن رسول الله
[ ٢ / ٨٤ ]
﵇ فعل ذلك لعذر وضرورة، ويحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حين كان الكلام مباحًا في الصلاة، فيكون مباحًا في حالة الخطبة بطريق الأولى، وهو الجواب عن حديث عمر ﵁.
وإن افتتح الصلاة بعدما خرج الإمام خففها، وأتمها، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: أيهم الجواب في «الأصل» وفسره في «النوادر» قال: إن كان صلى ركعة أضاف إليها أخرى وسلم، وإن كان نوى أربعًا عند التكبير وإن قيد الثالثة بالسجدة أضاف إليها الرابعة وسلم وخفف القراءة فيها، فيقرأ بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة، وإن كان له ورد في القراءة ترك الورد في هذه الصورة، وإذا لم يقيد الثالثة بالسجدة، ماذا يصنع؟ لم يذكر هذا الفصل في «النوادر»، المتأخرون في هذا على قولين، منهم من قال: يمضي فيها ويتمها أربعًا ويخفف القراءة، ومنهم من قال: يعود إلى القعدة، وكأن هذا القائل قاس هذه المسألة بمسألة باب الحدث.
وصورة تلك المسألة: إذا شرع الرجل في فريضة في المسجد، ثم أقيم لها وقد كان قام إلى الثالثة، وإن لم يقيد الثالثة بالسجدة عاد إلى التشهد وسلم، وإن قيد الثالثة بالسجدة أتمها أربعًا، ويدخل في صلاة الإمام.
والشرط السادس: الإذن العام، وهو أن تفتتح أبواب الجامع، ويؤذن للناس كافة حتى أن جماعة لو اجتمعوا في الجامع وأغلقوا الأبواب على أنفسهم وجمعوا لم يجزئهم ذلك وكذلك إذا أراد السلطان أن يجمع بحشمه في داره، فإن فتح باب الدار، وأذن للناس إذنًا عامًا جازت صلاته، شهدها العامة أو لم يشهدوها، وإن لم يفتح باب الدار وأغلق الأبواب كلها، وأجلس عليها البوابين ليمنعوا الناس عن الدخول لم تجزئهم الجمعة؛ لأن اشتراط السلطان للتحرز عن تفويتها على الناس، ولا يحصل ذلك إلا بالإذن العام وكما يحتاج العام إلى السلطان لإقامة الجمعة والسلطان أيضًا يحتاج إلى العام بأن يأذن لهم إذنًا عامًا حتى تجور صلاة الكل بهذا النظر من الجانبين.n
وأما الشرائط التي في المصلي: فسبعة:
أحدها: الإسلام وإنه ظاهر.
والثاني: البلوغ.
والثالث: العقل، وإنه ظاهر أيضًا؛ لأن الصبي والمجنون لا يخاطبان بشيء من العبادات.
والرابع: الإقامة؛ لأن المسافر تلحقه المشقة في دخول المصر (١٠٤ب١) وحضور الجمعة، وربما لا يجد من يحفظ رحله وينقطع عن أصحابه.
الخامس: الصحة؛ لأن المريض تلحقه المشقة أيضًا في حضور الجمعة، وانتظار الإمام.
والسادس: الحرية؛ لأن العبد مشغول بخدمة المولى، فيتضرر المولى بترك خدمته،
[ ٢ / ٨٥ ]
وشهود الجمعة وانتظاره الإمام وأما الذكورة؛ فلأن المرأة مشغولة بخدمة الزوج، فيتضرر الزوج بترك خدمته، فلدفع الضرر والحرج أسقط الشرع الجمعة عن هؤلاء.
والأصل فيه قوله ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا مسافر أو مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض» غير أن الإسلام والبلوغ والعقل شرائط الوجوب، والصحة والإقامة والحرية والذكورة شرائط الأداء، حتى أن المسافر والمملوك والمريض إذا حضروا الجمعة وأدوها جازت، وكانت فريضة؛ لأن سقوط فرض السعي منهم للضرر والحرج، فإذا تحملوها التحقوا في الأداء بغيرهم.
ومما يتصل بهذه الشروط من المسائل
روى إبراهيم عن محمد في نصراني استعمل على مصر أو استقضي، ثم أسلم ليس له أن يصلي بالناس الجمعة، ولا أن يحكم حتى يؤمر بعد إسلامه، وكذلك الصبي، ولو قال الخليفة للنصراني: إذا أسلمت تصلي بالناس الجمعة، لو قال للصبي: إذا أدركت تصلي بهم الجمعة، ثم أسلم النصراني وأدرك الصبي، وصلى بهم الجمعة جاز.
وقد ذكرنا بعد هذا عن «فتاوى أهل سمرقند»: أن الإمام إذا أمر الصبي أو النصراني على بلدة وفوض إليه أمر الجمعة، ثم أسلم النصراني، وأدرك الصبي صلى بهم الجمعة جاز، وهذه الرواية بخلاف ما ذكرنا ثمة.
وفي «النوازل»: العبد إذا ظهر على ناحية، فصلى بهم الجمعة جاز، ولكن لا تجوز الأنكحة بتزويجة كالقضاء، وليس على المقعد الجمعة بالإجماع وكذلك لا جمعة على الأعمى وإن وجد قائدًا، عند أبي حنيفة، وعندهما عليه الجمعة إذا وجد قائدًا.
والفرق لهما بين المقعد والأعمى: أن الأعمى قادر على السعي إلا أنه لا يهتدي، فإذا وجد قائدًا فقد وجد من يهتدي به، فهو بمنزلة الصحيح إذا ضل الطريق، فأما المقعد فغير قادر عليه أصلًا.
وفي «نوادر هشام»: عن محمد أنه لا جمعة على الأعمى، وإن وجد قائدًا، والشيخ الكبير الذي ضعف، وعجز عن السعي لا تلزمه الجمعة كالمريض، وعلى المكاتب الجمعة، وكذلك على معتق البعض إذا كان يسعى فلا جمعة على العبد المأذون، وعلى العبد الذي يؤدي الضريبة.
قال في «الأصل»: وللمولى أن يمنع عبده من حضور الجمعة، ولا يكره له التخلف عنها؛ لأنه لم تكتب عليه، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: ما ذكر في «الكتاب» محمول على ما إذا لم يأذن له المولى، أما إذا أذن له المولى، فتخلف عنها يكره كما في الحر.
قال ﵀: وهذا موضع اختلاف، وقد تكلم الناس فيه، قال بعضهم: له أن يتخلف عنها وإذا أذن له المولى بها.
[ ٢ / ٨٦ ]
وقال بعضهم: ليس له أن يتخلف عنها؛ لأن المولى لو أمره بخدمة نفسه يلزمه طاعته، فإذا أمره بخدمة الله تعالى أولى.
وذكر شيخ الإسلام في «شرحه»: إذا أذن المولى للعبد في حضور الجمعة كان له أن يشهد الجمعة؛ لأن المنع كان حق المولى، وقد أبطل المولى حقه بالإذن، فكان له أن يشهدها، ولكن لا يجب عليه ذلك؛ لأن منافع العبد لم تصر مملوكة للعبد بإذن المولى فالحال بعد الإذن كالحال قبله.
قال في «الأصل» أيضًا: ولا ينبغي له أن يصلي الجمعة بغير إذن مولاه، قال بعض مشايخنا: إنما لا يصلي الجمعة بغير إذن مولاه إذا علم أنه لو استأذن منه في ذلك كره، أما إذا علم أنه لو استأذن منه في ذلك رضي له وأذن له لا يتخلف عنها.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وهكذا قالوا في المرأة إذا أرادت أن تصوم تطوعًا بغير إذن زوجها إن علمت أنها لو استأذنت منه أذن لها، ولم يكره تصوم، وإن علمت أنها لو استأذنت منه يكره ولا يرضى، فلا تصوم، وذكر شمس الأئمة الحلواني السرخسي ﵀ اختلاف المشايخ في العبد يحضر مع مولاه المسجد الجامع ليحفظ دابته على باب الجامع، هل له أن يصلي الجمعة؟ قال ﵀: والأصح أن له ذلك إذا كان لا يخل بحق مولاه في إمساك دابته، وروي عن محمد أن له أن لا يصلي الجمعة، وإن تمكن من ذلك، وأذن له السيد في أدائها، وإذا قدم المسافر المصر يوم الجمعة على عزم أن لا يخرج يوم الجمعة لا تلزمه الجمعة ما لم ينوِ الإقامة خمسة عشر يومًا.
ومما يتصل بهذه المسائل
ما حكي عن الشيخ الإمام أبي حفص الكبير ﵀: أن للمستأجر أن يمنع الأجير من حضور الجمعة، وكان الفقيه أبو علي الدقاق ﵀ يقول: ليس له أن يمنع الأجير في المصر من حضور الجمعة لكن يسقط عنه الأجر بقدر اشتغاله بالصلاة بذلك إن كان بعيدًا، وإن كان قريبًا لا يحط عنه شيء من الأجر وإن كان بعيدًا، واشتغل قدر ربع النهار حط ربع الأجر، وليس للآجر أن يطالبه من الربع المحطوط بمقدار اشتغاله بالصلاة.
الإمام إذ منع أهل مصر أن يجمعوا، حكي عن الفقيه أبي جعفر ﵀ أنه إذا نهاهم مجتهدًا بسبب من الأسباب، أو أراد أن يخرج ذلك الموضع من أن يكون مصرًا لم يجمعوا، فأما إذا نهاهم متعنتًا، أو إضرارًا بهم، فلهم أن يجتمعوا على رجل يصلي بهم الجمعة، ولو أن إمام مصر مصلٍ ثم نفر الناس عنه لخوف عدو وما أشبه ذلك ثم عادوا إليه، فإنهم لا يجمعون إلا بإذن مستأنف من الإمام.
القروي إذا دخل المصر يوم الجمعة تلزمه الجمعة، وإن نوى أن يخرج من المصر في يومه ذلك قبل دخول وقت الصلاة أو بعد دخول وقت الصلاة، فلا جمعة عليه؛ لأن في الوجه الأول صار كواحد من أهل المصر، وفي الوجه الثاني لا، والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٨٧ ]
نوع آخر في الرجل يصلي الظهر يوم الجمعة يتوجه إلى الجمعة أو لا يتوجه
يجب أن نعلم أن الكلام ههنا في فصول:
أحدها: في جواز الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة.
والثاني: في الكراهة.
والثالث: في الانتقاض إذا خرج يريد الجمعة، أما الكلام في الجواز فنقول: بجواز أداء الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ لأن أصل الفرض الظهر لما مر قبل هذا، وأما الكلام في الكراهة فنقول: يكره أداء الظهر قبل فراغ الإمام من الجمعة؛ لأنه مأمور بأداء الجمعة وبإسقاط الظهر بالجمعة، فإذا صلى الظهر قبل فراغ الإمام، فقد خالف أمر الشرع فلهذا يكره، وهذا بخلاف ما بعد فراغ الإمام من الجمعة، فإن بعد فراغ الإمام من الجمعة سقط عنه الأمر بإقامة الجمعة ولزمه أداء الظهر فكان في أداء الظهر موافقًا أمر الشرع لا مخالفًا.
قال في «الأصل»: وإن كان مريضًا يستحب له أن يؤخر الظهر إلى أن يفرغ الإمام من الجمعة، ولو لم يؤخر لا يكره، والصحيح المقيم يؤخر ولو لم يؤخر يكره.
والفرق: أن المريض مأمور بأداء الجمعة لكن استحب التأخير؛ لأنه يرجى على إقامة الجمعة بزوال المرض ساعة فساعة فلا يصير بأداء الظهر مخالفًا أمر الشرع، ولا كذلك الصحيح.
وأما الكلام في انتقاض الظهر إذا خرج يريد الجمعة به، فاعلم بأن هذا الفصل على وجهين: إما إن أدرك الجمعة مع الإمام، أو لم يدرك، فإن أدركها مع الإمام ينتقض ظهره عند علمائنا الثلاثة ﵏، المعذور نحو العبد والمسافر والمريض، وغير المعذور في ذلك على السواء، حتى لو بطلت الجمعة بوجه ما كان عليه إعادة الظهر.
وقال زفر ﵀ في المعذور: لا ينتقض ظهره هو يقول: بأن فرض المعذور الظهر، وقد صح حين أداه في وقته فلا ينتقض بغيره.
وجه قول علمائنا الثلاثة ﵏: أن المعذور إنما فارق غير المعذور في حق الترخيص بترك السعي إلى الجمعة فإذا سعى التحق بغير المعذور، وأما إذا لم يدرك الجمعة مع الإمام فهذه المسألة على وجهين:
إما إن خرج من بيته والإمام قد فرغ من الجمعة أو خرج من بيته والإمام في الجمعة، فقبل أن يصل إلى الإمام فرغ الإمام من الجمعة، ففي الفصل الأول لا ينتقض ظهره بالإجماع، وفي الفصل الثاني اختلاف.
قال أبو حنيفة ﵀: ينتقض ظهره، وقال أبو يوسف ومحمد: لا ينتقض، وهو المذكور في «الجامع الصغير»، وعلى هذا الخلاف: إذا وصل الإمام والإمام في الجمعة إلا أنه لم يحرم للجمعة حتى سلم الإمام، ولو خرج لا يريد الجمعة لا ينتقض ظهره بالإجماع.
[ ٢ / ٨٨ ]
حجتهما: أن في المسألة المختلفة أنه مأمور بنقض ظهره ضرورة أداء الجمعة لا مقصودًا؛ لأن نقض العبادات مقصودًا حرام؛ فإن وجه الأداء (١٠٥أ١) ينتقض الظهر، وما لا فلا، ولا يمكن أن يجعل السعي إلى الجمعة كمباشرة الجمعة في حق نقض الظهر.
ألا ترى أن من أحرم بالحج والعمرة يؤمر بتقديم أعمال العمرة، فلو أنه قدم أعمال الحج، ووقف بعرفة يصير رافضًا لعمرته، ولو سار إلى عرفات لا يصير بمجرد السير رافضًا لعمرته.
ألا ترى أنه لم يجعل السعي إلى الوقوف بعرفات بمنزلة الوقوف في حق رفض العمرة كذا في مسألتنا، ولأبي حنيفة أن الأمر كما قالا: إنه مأمور بنقض الظهر، ضرورة أداء الجمعة، إلا أن السعي من خصائص الجمعة، ألا ترى أنه أمر به في الجمعة دون سائر الصلوات؟ فيقام مقام أداء الجمعة في موضع الاحتياط، وإعادة ما صلى من باب الاحتياط.
وأما مسألة القارن فقد قيل: إنه قولهما، فأما عند أبي حنيفة ﵀، فالجواب في المسألتين هو أنه تنتقض العمرة بالسعي إلى الوقوف كما ينتقض الظهر هنا.
وقيل: في مسألة القارن القياس على قول أبي حنيفة ﵀: ترتفض عمرته، وفي الاستحسان: لا ترتفض، ووجه الفرق على جواز الاستحسان على قول هذا القائل أن السعي إلى عرفات قبل أعمال العمرة منهي عنه؛ لأن بالوقوف بعرفات يصير رافضًا لعمرته، ورفض العمرة منهي عنه، فلا يقام السعي إلى عرفات مقام الوقوف إعلامًا للنهي، أما السعي إلى الجمعة ليس منهي عنه، بل هو مأمور به، وإنه من خصائص الجمعة، فجاز أن يقام مقام أداء الجمعة في حق نقض الظهر احتياطًا والله أعلم.
نوع آخر في الرجل يريد السفر يوم الجمعة
وإنه على وجهين: إن كان الخروج قبل الزوال فلا بأس به بلا خلاف؛ لأن الجمعة لا تجب قبل الزوال فلا يصير بالخروج تاركًا فرضًا، وصار الخروج قبل الزوال، وليس فيه ترك فرض، نظير الخروج يوم الخميس، وإن كان الخروج بعد الزوال، فإن كان يمكنه أن يخرج من مصره قبل خروج وقت الظهر، فإنه لا بأس به بالخروج قبل إقامة الجمعة، وإن كان لا يمكنه أن يخرج من مصره قبل خروج وقت الجمعة، فلا ينبغي له أن يخرج، بل يشهد الجمعة ثم يخرج.
وهذه المسألة لا توجد بهذا التفصيل إلا في «السير»: وهذا بناءً إلى أصل معروف لنا أن وجوب الصلاة وسقوطها يتعلق بآخر الوقت، فمتى كان لا يخرج وقت الظهر قبل خروجه من المصر، فهو صار مسافرًا في آخر الوقت ولا جمعة على المسافر، ولا يصير تارك فرض وإذا كان يخرج وقت الظهر قبل خروجه من مصره كان مقيمًا في آخر الوقت،
[ ٢ / ٨٩ ]
وهو في المصر وكان عليه إقامة الجمعة، فيصير بالخروج تاركًا فرضًا، فلا يباح له الخروج.
قال مشايخنا ﵏: وعلى قياس هذه المسألة يجب أن يكون الجواب على التفصيل متى لم يخرج للسفر، ولكن خرج بعد الزوال قبل إقامة الجمعة إلى موضع لا يجب على أهل ذلك الموضع الجمعة، هل يباح له ذلك؟ إن كان يخرج وقت الظهر قبل أن ينتهي إلى ذلك الموضع لا يباح له ذلك؛ لأنه يكون تاركًا فرضًا، وإن كان لا يخرج وقت الظهر إلا بعد أن ينتهي إلى ذلك الموضع يباح له ذلك؛ لأنه لا يصير تارك فرض؛ لأن العبرة لآخر الوقت.
حكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: أنه كان يقول عندي في جواب أصل المسألة إشكال، وجهه: أن اعتبار آخر الوقت إنما يكون فيما ينفرد هو بأدائه وهو سائر الصلوات، فأما الجمعة لا ينفرد هو بأدائها، وإنما يؤديها مع الإمام والناس، فينبغي أن يعتبر وقت أدائهم حتى إذا كان لا يخرج من المصر قبل أداء الناس الجمعة ينبغي أن يلزمه شهود الجمعة.
الرستاقي إذا سعى يوم الجمعة إلى المصر يريد إقامة الجمعة، وإقامة حوائج له في المصر ومعظم مقصوده إقامة الجمعة ينال ثواب السعي، إلى الجمعة، وإذا كان قصده إقامة الحوائج لا غير أو كان معظم مقصوده إقامة الحوائج لا ينال ثواب السعي إلى الجمعة، إذا أدرك الإمام في الجمعة بعدما قعد قدر التشهد، فعن محمد وزفر: أنه يصلي أربعًا بتحريمة الجمعة، ولا يستقبل التكبير بخلاف الإمام، إذا دخل عليه وقت العصر وهو في الجمعة، فإنه يستقبل التكبير للظهر، قال الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص رحمة الله عليه: قلت لمحمد ﵀: يصير مؤديًا الظهر بتحريمة الجمعة؟ فقال: ما تصنع وقد جاءت به الآثار.
نوع آخرمن هذا الفصل في المتفرقات
إذا تذكر يوم الجمعة والإمام في الخطبة أنه لم يصل الفجر، فإنه يقوم يصلي الفجر، ولا يستمع الخطبة؛ لأنه لو استمع وقضى الفجر بعدها تفوت الجمعة، إذا صلى السنّة التي بعد الجمعة بنية الظهر، ينبغي أن يقرأ في جميع الركعات، وإذا صلى الإمام ركعة من الجمعة ثم أحدث خرج من المسجد، ولم يقدم أحدًا، فقدم الناس رجلًا قبل أن يخرج الإمام من المسجد، جاز ضرورة إصلاح صلاتهم، فإن تكلم المقدم أو ضحك قهقهة، فأمر غيره أن يجمع بهم لا يجوز، لأن الإمام لم يفوض إليه لكن استحسنا أن يبني على صلاة الإمام، ضرورة إصلاح صلاتهم فإذا خرج عن صلاة الإمام لم يبق إمامًا.
[ ٢ / ٩٠ ]
ولو اقتدى رجل بالإمام يوم الجمعة ونوى صلاة الإمام إلا أنه يحسب أنه يصلي الجمعة، فإذا هو يصلي الظهر جاز ظهره معه وإن اقتدى به ونوى عند التكبير أن يصلي معه الجمعة، فإذا هو يصلي الظهر لا يجزئه الظهر معه؛ لأن في الوجه الأول نوى صلاة الإمام وحسب أنها جمعة، فصحت نيته الصلاة معه وبطل بالحسبان، أما في الوجه الثاني نوى أن يصلي الجمعة فإذا تبين أن الإمام يصلي الظهر تبين أنه لم يصح الاقتداء.
إذا حضر الرجل يوم الجمعة والمسجد ملآن يتخطى يؤذي الناس لم يتخط، وإن كان لا يؤذي أحدًا بأن لا يطأ ثوبًا ولا جسدًا لا بأس بأن يتخطى ويدنو من الإمام، وذكر الفقيه أبو جعفر ﵀ عن أصحابنا ﵏: أنه لا بأس بالتخطي ما لم يأخذ الإمام في الخطبة، ويكره إذا أخذ؛ لأن للمسلم أن يتقدم ويدنو من المحراب إذا لم يكن الإمام في الخطبة، ليتسع المكان على من يجيء بعده، وينال فضل القرب من الإمام، فإذا لم يفعل الأول فقد ضيع ذلك المكان من غير عذر، فكان للذي جاء بعده أن يأخذ ذلك المكان.
أما من جاء والإمام يخطب فعليه أن يستقر في موضعه من المسجد؛ لأن مشيه وتقدمه عمل في حالة الخطبة، وروى هشام عن أبي يوسف أنه للناس بالتخطي ما لم يخرج الإمام، أو يؤذ أحدًا.
رجل لم يستطع يوم الجمعة أن يسجد على الأرض من الزحام فإنه ينتظر حتى يقوم الناس فإذا رأى فرجة سجد، وإن سجد على ظهر رجل أجزأه، وإن وجد فرجة فسجد على ظهر رجل لم يجز، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ﵀.
وقال الحسن ﵀: لا يسجد على ظهر الرجال على كل حال.
رجل ركع ركوعين مع الإمام في الجمعة ولم يسجد لكثرة الزحام، حتى صلى الإمام ثم رأى فرجة، قال أبو حنيفة: يسجد سجدتين للركعة الأولى، وتلغى ركعته الثانية التي ركعها مع الإمام فلا يعتد به ثم يقوم، فيركع بعدما تمكن قائمًا، ولا يقرأ ويسجد سجدتين، وإن نوى حين يسجد للركعة الثانية، بطلت نيته وكانت السجدة للأولى، وقال الفقيه أبو جعفر ﵀: هذا على إحدى الروايتين عن علمائنا ﵏.
فأما على الرواية الأخرى: السجدتان للثانية، وقال أبو حنيفة: إن ركع مع الإمام في الأولى ولم يسجد وركع معه في الثانية وسجد معه، فالثانية تامة ويقضي الأولى بركوع وسجود، ولو كان سجد مع الإمام في الركعة الأولى سجدة أجزأته الركعتان جميعًا؛ لأنه قيد الأولى بسجدة فيسجد للأولى سجدة أخرى ويسجد للثانية سجدتين ويتشهد، وإن لم يقدر على السجود مع الإمام في واحدة من الركعتين، فلما فرغ الإمام من سجدتي الركعة الثانية، وقعد سجد الرجل سجدتين يريد بهما اتباع الإمام في سجدتي الركعة الثانية، ثم تشهد الإمام وسلم، فإن نية الرجل باطلة والسجدتان للركعة الأولى، فتمت الأولى (١٠٥ب١)، وبطلت الركعة الثانية، فليقم وليصل الركعة الثانية، وهكذا روى ابن سماعة عن محمد في «الرقيات» .
[ ٢ / ٩١ ]
وفي «النوادر» عن محمد: رجل ركع مع الإمام في صلاة الجمعة ولم يستطع أن يسجد لكثرة الزحام، حتى قام الإمام إلى الثانية وقرأ وركع، فركع هذا الرجل معه يريد اتباعه في الثانية وسجد معه، قال: هذا السجود للثانية ولا يقعد مع الإمام، فيقوم ويقضي الأولى بركوع وإن لم يركع مع الإمام في الثانية، ولكنه سجد معه ينوي اتباعه، لا تجزئه هذه السجدة من الركعتين، فإن انحط فسجد قبله ينوي اتباعه ثم أدرك الإمام فيها فهي للأولى، وكذلك إذا سجد بعدما رفع الإمام رأسه ينوي اتباعه في الثانية، وإن سجد مع الإمام في الثانية ينوي الأولى فهي للأولى وروى ابن سماعة عن أبي يوسف، نحو هذا.
قال محمد ﵀: ويكره أن يصلي الظهر يوم الجمعة في المصر بجماعة في سجن وغير سجن، هكذا روي عن علي ﵁، والمعنى فيه: أن المأمور به في حق من يسكن المصر في هذا الوقت شيآن، ترك الجماعة وشهود الجمعة، فأصحاب السجون قدروا على أحدها وهو ترك الجماعة، فيأتون بذلك ولو جوزنا للمعذور إقامة الظهر بالجماعة ربما يقتدي بهم غير المعذور، وفيه تقليل الناس في الجامع.
بخلاف القرى حيث يصلي أهلها الظهر بالجماعة؛ لأنه ليس على من يسكنها شهود الجمعة، فكان هذا اليوم في حقهم كسائر الأيام، والمسافرون إذا حضروا يوم الجمعة في مصر يصلون فرادى، وكذلك أهل المصر إذا فاتتهم الجمعة، وأهل السجن والمرضى تكره لهم الجماعة والمريض الذي لا يستطيع أن يشهد الجمعة، إذا صلى الظهر في بيته بغير أذان وإقامة أجزأه، وإن صلاها بأذان وإقامة فهو حسن؛ لأن هذا اليوم في حق المريض كسائر الأيام، من صلى الظهر في بيته إن صلاها بغير أذان وإقامة، فهو جائز وإن صلاها بأذن وإقامة فحسن كذا ها هنا.
وفي القدوري ومن فاتته الجمعة صلى الظهر بغير أذان ولا إقامة، وكذلك أهل السجن والمرضى والعبيد والمسافرون، ذكر الحاكم في المسافر مثلًا مسافر أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد صلى أربعًا بالتكبير الذي دخل به معه.
الغسل يوم الجمعة سنّة بالإجماع، والأصل فيه ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «من السنّة الغسل يوم الجمعة»، واختلفوا في أن الغسل للصلاة أو للوقت ذكر الفضلي في «فتاويه»، عن أبي يوسف أن الغسل لليوم.
وفي «الأصل» و«الطحاوي» و«القدوري»: أن الغسل عند أبي يوسف للصلاة، وعند الحسن لليوم وفي «العصام»: أن الغسل على قول أبي يوسف لليوم، وعلى قول محمد للصلاة.
قال الفضلي في «كتابه»: الاغتسال للصلاة لا لليوم؛ لإجماعهم على أنه لو اغتسل بعد الصلاة، لا يكون مقيمًا للسنّة، ولو كان الغسل لليوم، لصار مقيمًا للسنّة ولكن هذا ليس بصواب، فقد ذكر في «شرح الإسبيجابي» أن الغسل يقع سنة على قول من يقول: بأن الغسل سنّة اليوم، وإذا اغتسل بعد طلوع الفجر ثم أحدث وتوضأ، وصلى لم تكن صلاة بغسل، وإن لم يحدث حتى صلى كان صلاة بغسل، وهذا على قول من يقول بأن الغسل سنّة الصلاة.
[ ٢ / ٩٢ ]
الأذان المعتبر الذي يجب السعي عنده، ويحرم البيع للأذان عند الخطبة لا للأذان قبله؛ لأن ذلك لم يكن في زمن النبي ﵇، هكذا ذكر في «النوازل»: وفي «شرح الطحاوي» وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ وشمس الأئمة السرخسي ﵀: أن الصحيح أن المعتبر هو الأذان الأول بعد دخول الوقت، وبه كان يفتي الفقيه أبو القاسم البلخي ﵀، وقال الحسن بن زياد: الأذان على المنارة هو الأصل، قال صاحب «شرح الطحاوي»: الأذان قبل التطوع وعلى المنارة محدث، وزيادة إعلام لمصلحة الناس.k
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل جالس على الغداء يوم الجمعة، فسمع النداء إن خاف أن تفوته الجمعة، فليحضرها بخلاف سائر الصلوات؛ لأن الجمعة تفوت على الوقت أصلًا وسائر الصلوات لا، وزان مسألتنا من سائر الصلوات إذا خاف ذهاب الوقت في سائر الصلوات، وهناك يترك الطعام ويصلي في وقتها كذا ها هنا.
ذكر الحاكم في «المنتقى»: مرسلًا أمير أمر إنسانًا أن يصلي بالناس الجمعة في المسجد الجامع وانطلق إلى حاجة له، ثم دخل المصر ودخل بعض المساجد وصلى الجمعة لا يجزئه إلا أن يكون علم الناس بذلك كله، فهذا كالجمعة في موضعين وإنه جائز به ورد الأثر عن علي ﵁، وإن خرج الإمام يوم الجمعة للاستسقاء، وخرج معه ناس كثير وخلف إنسانًا يصلي بهم الجمعة في المسجد الجامع، فلما حضرت الصلاة صلى بهم الجمعة في الجبانة، وهو على غلوة من المصر وصلى خليفته في المسجد الجامع يجزئهما، ودلت المسألة على أن الجمعة في الجبانة جائزة.
ويقرأ في الجمعة بأي سورة شاء ولا يقصد سورة بعينها يديم قراءتها، والكلام في الجمعة نظير الكلام في سائر الصلوات، وفي أي حال أدرك الإمام، دخل معه، وأجزأه عن الجمعة وكذا إذا أدركه في سجدتي السهو وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف.
وقال محمد: لا تجزئه الجمعة حتى يدرك ركعة كاملة، لما روي عن رسول الله ﵇، أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فقد أدركها»، ومن أدرك ما دونها صلى أربعًا ولهما قوله ﵇: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» وهذا عام في الصلوات كلها، ومذهبهما مثل مذهب ابن مسعود، ومعاذ، ثم عند محمد إذا لم تجز الجمعة يصلي أربعًا يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، وهل تجب عليه القعدة الأولى؟ حكى الطحاوي عنه وجوب القعدة الأولى؛ لوجوبها على الإمام، وحكى عنه المعلى أنها لا تجب؛ لأنه يصلي الظهر في حالة البداء والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٩٣ ]