فأما خراج الوظيفة، فقال محمد ﵀: في أرض الخراج على كل جريب يصلح للزراعة قفيز ودرهم، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الزعفران يقدر ما يطيق، أما أرض الزرع والكرم والرطبة، فالتقدير فيها من جهة عمر ﵁، وأما أرض الزعفران، فلم يرد فيها تقدير من جهة عمر؛ لأنه لم يكن بسواد العراق في ذلك الوقت، واعتبر فيها الطاقة، وهذا لأن الخراج توظيف بقدر الطاقة، ألا ترى أن عمر ﵁ قال: للذين مسحا سواد عراق لعلكما حملتما الأراضي ما لا تطيق، فقد اعتبر الطاقة.
وذكر القاضي الإمام صدر الإسلام في شرح كتاب العشر والخراج، ذكر في بعض الروايات: أن في أرض الزعفران قفيز ودرهم، والجريب اسم لستين ذراعًا بذراع الملك، وذراع الملك تسع قبضات، وذلك يرد على ذراع العامة بقبضة، هذه الجملة لفظ كتاب العشر والخراج.
قال شيخ الإسلام المعروف بخواهرزاده ﵀: إن قول محمد: الجريب اسم لستين ذراعًا في ستين ذراعًا، فكان عن جريبهم في أرضهم، وليس بتقدير لازم في الأراضي كلها، بل جريب الأراضي يختلف باختلاف البلدان، فيعتبر في كل بلدة بتعارف أهلها، وأراد بذراع الملك ذراعًا، كان ينسب إلى ملكهم في زمانهم، وكان يزيد على ذراع العامة بقبضة، وكانت الأرض في ذلك الزمان تزرع بذراع الملك وفيه الأرض نحو الكرباس وأشباهه يزرع بذراع العامة، وأراد بالدراهم بوزن سبعة، وقد مر تفسيره في كتاب الزكاة، وأراد بالقفيز الصاع الذي كان على عهد رسول الله ﵇، وهو ثمانية أرطال بالعراقي، وهو أربعة أمنان، وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع أبو يوسف، وقال: هو ثمانية أرطال وثلث رطل، وهو صاع أهل
[ ٢ / ٣٤٣ ]
المدينة، وسيأتي ذلك في مسائل صدقة الفطر، وهذا القفيز يكون من الحنطة، هكذا ذكر في موضع من كتاب العشر والخراج، وذكر في موضع آخر منه، قال: ويكون هذا القفيز بما يزرع في ذلك الأرض، وهو الصحيح قال في كتاب العشر والخراج: وينبغي أن يكال هذا القفيز بزيادة حفنتين، وتكلموا في تفسير قوله يكال بزيادة حفنتين.
قال بعضهم تفسيره: أن يضع الكيال كفيه على جانب القفيز عند الكيل من الصبرة، ويمسك ما يقع في كفيه من الطعام، ونصف القفيز مع ما بحفنتيه في جوالق العاشر، وبعضهم قالوا: معناه أن يملأ الكيال القفيز، ثم يمسح أعلى القفيز في أعلاه من الحبات، ثم يصب القفيز في جوالق العاشر بما بحفنتيه في الصبرة، ويرميها في جوالق العاشر زيادة على القفيز، وإنما شرطنا زيادة حفنتين احتياطًا لحق الله تعالى، ليخرج عن حقه بيقين، وذكر في أرض الزعفران أن خراجها بقدر ما تطيق، ومعنى الطاقة يأتي بعد هذا إن شاء الله.
ثم هذا المقدر لا يجب (١٥٠أ١) في كل سنة إلا مرة واحدة، زرع المالك مرة واحدة، أو مرارًا إلا أن عمر ﵁، لما وظف هذا المقدار في السنة مع علمه أن الأرض قد تزرع مرتين، علمنا بأن المعتبر أصل الزراعة لا المرات بخلاف خراج المقاسمة والعشر؛ لأن هناك الواجب جزء الخارج فيتكرر الوجوب بتكرر الخراج الوظيفة بخلافه.
ثم ما ذكرنا في مقدار الخراج، فذلك إذا كانت الأراضي تطيق ذلك، فأما إذا كانت الأراضي لا تطيق ذلك، بأن قل ريعها، فإنه ينقص عنه إلى ما يطيق، فالنقصان عن وظيفة عمر إذا كانت الأراضي تطيق الزيادة بأن كثر ريعها، هل يجوز؟ ففي الأرض التي صدر التوظيف فيها من عمر لا يجوز الزيادة بالإجماع، وإن أطاقت الزيادة، وهذا لأن المقادير لا يعرف توقيفًا وسماعًا، والظاهر أن عمر ﵁ عرف هذا التقدير من جهة رسول الله ﵇، وفي بعض الآثار ما يدل على هذا، وهو حديث أبي هريرة على ما روينا، وكأنه أخذ التقدير من حديث أبي هريرة ﵄، والتقدير الشرعي يتبع الزيادة. مع هذا رضي عمر بهذا المقدار.
أو نقول: الصحابة أجمعوا على هذا المقدار، وإجماع الصحابة حجة شرعًا، فيمنع الزيادة، وكذلك لو أن هذا الإمام وظف على أراضي مثل وظيفة عمر، ثم أراد أن يزيد على تلك الوظيفة ليس له ذلك، وإن كانت الأراضي تطيق الزيادة، وكذلك لو أراد أن يحولها إلى وظيفة أخرى بأن كانت الوظيفة الأولى دراهم، فأراد أن يحولها إلى المقاسمة، أو كانت الوظيفة الأولى مقاسمة، فأراد أن يحولها إلى الدراهم ليس له ذلك، فإن زاد عليهم على تلك الوظيفة، أو حولها إلى وظيفة أخرى، وحكم بذلك عليهم، وكان من رأيه ذلك، ثم ولي بعده والي يريد خلاف ذلك، فإن كان الأول صنع ما صنع بطيب أنفسهم، أمضى الثاني ما فعله الأول، وإن كان الأول صنع ذلك بغير طيب أنفسهم، فإن كانت الأراضي فتحت عنوة، ثم مَنَّ الإمام بها عليهم أمضى الثاني ما صنع الأول؛ لأن
[ ٢ / ٣٤٤ ]
فعل الأول حصل في محل مجتهد فيه.B
بيانه: أن العلماء اختلفوا في الأراضي التي فتحت عنوة، ومنّ الإمام عليهم بها، منهم من قال: بأن الأراضي تصير للمسلمين ضرب عليهم الضرائب، وهكذا قالوا: سواد العراق إن جعل السواد بمنزلة العبيد للمسلمين، وجعل أراضيهم ملكًا للمسلمين، وما وضع عليهم، فهو كالضريبة التي يضربها المولى على عبده، وعبيدنا هم أحرار، والأراضي مملوكة لهم، وما يؤخذ منهم، فهو خراج كأهل بلدة من أهل الحرب ما مع الإمام على أن نجعلهم رقيق، فإن كان الأمر كما قال علماؤنا ﵏: لا يجوز الزيادة، وإن كان الأمر كما قاله أولئك يجوز الزيادة، ويجوز التحويل؛ لأن للإمام ولاية نقل الجند من وظيفة إلى وظيفة، وأن يزيد على الوظيفة الأصلية، فإذا اجتهد الإمام حول أولئك، وحكم عليهم بالزيادة وبالتحويل، فقد حكم في فعل مجتهد فيه، فلا يكون للثاني أن يبطله بعد ذلك.
وإن افتتح الأراضي بالصلح قبل أن يظهر الإمام عليهم، وباقي المسألة بحاله، فالثاني ينقض فعل الأول؛ لأن فعله فعل في موضع لا يسوغ فيه الاجتهاد، لأن العلماء اتفقوا على أن هؤلاء أحرار، وأموالهم باقية على ملكهم، وليسوا بمنزلة العبيد للمسلمين إذ لم يوجد فيهم سبب الرق، والإمام أعطاهم الأمان بما شرط عليهم من الوظيفة، والتحويل والزيادة عليها تكون غدر بهم بالإجماع، فلم يقبل حكم الأول، فرده الثاني، بخلاف ما إذا فتحت الأراضي عنوة؛ لأن هناك وجد سبب الرق فيهم، وهو القهر والغلبة والاستيلاء، فيأتي الخلاف أن الإمام بالمن جعلهم أحرارًا، أو جعلهم عبيدًا للمسلمين على نحو ما بينا، الأراضي التي يريد الإمام توظيف الخراج عليها ابتداء، إذا زاد على وظيفة عمر ﵁ على قول محمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف يجوز، وعلى قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف لا يجوز، وهو الصحيح للمعنى الذي ذكرنا هذا هو الكلام خراج الوظيفة حينًا إلى خراج المقاسمة، فالتقدير فيه مفوض إلى الإمام، ولكن لا يزاد على نصف الخارج؛ لأن الشرع لم يرد بالزيادة على نصف الخارج.
ثم إن محمدًا ﵀ يعتبر طاقة الأراضي في الخراج، ومعنى الطاقة أن لا يزيد الخراج نصف الخارج؛ لأن الشرع لم يرد بالزيادة على نصف الخارج، إليه أشار في كتابه «العشر والخراج» .
وروى داود بن رشيد عن محمد: في معنى الطاقة أن يترك لكل رجل من أصحاب الأراضي من زرعه ما يقوته، ويقوت عياله، ويذره في أرضه، إلى أن يعود الزرع من قابل، وذكر القاضي الإمام صدر الإسلام معنى الطاقة في أرض الزعفران فقال: ينظر إلى ما خرج من جريب الأرض من الزرع كم قيمته، فإن كان قيمته مائة ينظر إلى الواجب فيه،
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وهو قفيز ودرهم كم يبلغ؟ فإن كان يبلغ أربعة بأن كان قيمة القفيز ثلاثة عرفت أن الواجب في المائة أربعة دراهم، ثم ينظر أن الخارج من الزعفران كم قيمته؟ فإن كان قيمته مائة يجب فيه أربعة، وإن كان قيمته (١٥٠ب١) مائتين يجب فيه ثمانية، فعلى هذا القياس يجب.