فرائض الصلاة نوعان: أحدهما: قبل الشروع فيها على سبيل المتهيؤ لها وإنها كثيرة، فمن جملتها ستر العورة للرجل من تحت سرته حتى يجاوز ركبتيه، وقال زفر: من فوق السرة إلى تحت الركبة بناءً على أن سرة الرجل ليست بعورة عند علمائنا الثلاثة خلافًا لزفر وركبته عورة عند علمائنا جميعًا وهي مسألة كتاب الاستحسان إلا أن (٤٣ب١) الرجل إذا ستر مقدار ما ذكرنا، وصلى كذلك كان مسيئًا؛ لأنه ترك الزينة أصلًا والمصلي مأمور بها، قال الله تعالى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ﴾ (الأعراف: ٣١) أي عند كل صلاة.
بخلاف ما إذا صلى في ثوب واحد متوشحًا وتفسير التوشح أن يفعل بالثوب مثل ما يفعله القصار في المقصرة إذا لف الكرباس على نفسه حيث لا يكون مسيئًا؛ لأن هناك أتى بأصل الزينة، أما ترك التمام.. عن أبي حنيفة ﵀، أن الصلاة في سراويل
[ ١ / ٢٧٨ ]
واحد يشبه فعل أهل الجفاء، وفي الثوب الذي يتشح به أبعد من الجفاء وفي قميص وإزار خلاف الناس تحملهم وذكر ابن شجاع أنه إذا كان محلول الإزار، وكان إذا نظر رأى عورة نفسه من زيقه لم تجز صلاته. وهكذا ذكر هشام في «نوادره»، والمذكور في «نوادر هشام»، إذا صلى في قميص واحد وهو محلول الجيب فانفتح جيبه حتى لو نظر رأى عورة نفسه فصلاته فاسدة، وزاد فقال: وإن لم ينظر وإن كان مدلوق الثوب بصدره، فلم ير عورته لو نظر إليها لا تفسد صلاته، فعلى هذه الرواية جعل ستر العورة من نفسه شرطًا.
حتى فرق بعض أصحابنا على هذه الرواية بين أن يكون المصلي خفيف اللحية وبين أن يكون كث اللحية فقال إذا كان المصلي كث اللحية تجوز صلاته، لأن لحيته سترت عورته، وقال بعضهم لا تجوز صلاته ولا تنفعه لحيته ذكر الزندوستي هذا القول في «نظمه»، وعامة أصحابنا جعلا الشرط ستر العورة من غيره لا من نفسه؛ لأن العورة لا تكون عورة في حق صاحبها إنما تكون عورة في حق غيره.
ألا ترى أنه يجوز لصاحب العورة مسَّها والنظر إليها، وروى ابن شجاع عن أبي حنيفة وأبي يوسف أيضًا أنه إذا كان محلول الجيب، فنظر إلى عورته لا تفسد صلاته، وإن كان عليه قميص لبس غيره، فكان إذا سجد لا يرى أحد عورته، ولكن لو نظر إنسان من تحته رأى عورته فهذا ليس بشيء.
وأما المرأة يلزمها أن تستر نفسها من فرقها إلى قدميها ولا يلزمها ستر الوجه والكفين بلا خلاف، وفي القدمين اختلاف المشايخ واختلاف الروايات عن أصحابنا ﵏، وكان الفقيه أبو جعفر يتردد في هذا فيقول مرة؛ إن قدميها عورة، ويقول مرة: إن قدميها ليس بعورة، فمن يجعلها عورة يقول يلزمها سترها ومن لا يجعلها عورة يقول: لا يلزمها سترها، والأصح أنه ليس بعورة، وهي مسألة كتاب الاستحسان آنفًا.
وفي «الجامع الصغير»: امرأة صلت وربع ساقها أو ثلث ساقها مكشوفة لم تجز صلاتها، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إن كان المكشوف أكثر من النصف لم تجز صلاتها، وإن كان أقل من النصف جازت صلاتها، وفي النصف عنه روايتان، يجب أن تعلم أن قليل الانكشاف عفو؛ لأن الناس فيه بلوى وضرورة؛ لأن ثيابهم لا تخلو عن قليل خرق، فيجعل عفوًا بالإجماع فلا بلوى في الكثير؛ لأن الثياب تخلو عن كثير خرق، فلا يجعل عفوًا بعد هذا.
قال أبو حنيفة ومحمد: الربع وما فوقه كثير، وما دون الربع قليل، وقال أبو يوسف: ما فوق النصف كثير وما دونه قليل، وفي النصف عنه روايتان، والصحيح قولهما؛ لأن ربع الشيء أقيم مقام الكل في كثير من الأحكام كمسح ربع الرأس في الوضوء، وكحلق ربع الرأس في حق المحرم.
قال في «الجامع الصغير»: وكذلك حكم البطن والظهر والفخذ والشعر نظير حكم الساق، قال بعض مشايخنا: لولا هذه الرواية لكنا نقول بأن حكم الظهر والبطن أغلظ، ألا ترى أنه لا يحل للرجل بأن ينظر إلى بطن أمه وظهرها، ويحل له أن ينظر إلى ساقها،
[ ١ / ٢٧٩ ]
فبهذه الرواية عرفنا أن حكم الظهر والبطن والفخذ والشعر والساق سواء، ثم إن كان المراد من الشعر في «الكتاب» ما يواري المنبت ما ذكر من الجواب على الروايات كلها، وإن كان المراد منه الشعر المسترسل، فما ذكر من الجواب على إحدى الروايتين؛ لأن في كون المسترسل عورة روايتان، واختار الفقيه أبي الليث ﵀ رواية العورة، لأن الرواية الأخرى تقتضي للرجل النظر إلى طرف وصرع الأجنبية وطرف ناصيتها كما ذهب إليه أبو عبد الله البلخي، وهذا أمر يؤدي إلى الفتنة، فكان الاحتياط فيما قلنا.
وأما العورة الغليظة، فالتقدير فيها على الخلاف الذي ذكرنا، هكذا ذكر في «الزيادات»، وذكر الكرخي في «كتابه» أنه يعتبر في السوءيتن قدر الدرهم، وفيما عدا ذلك الربع.
وإنما قال ذلك؛ لأن العورة نوعان غليظة وخفيفة كما أن النجاسة نوعان: غليظة وخفيفة، ثم في النجاسة الغليظة اعتبر الدرهم، وفي الخفيفة اعتبر الربع فكذا في العورة، ولكن هذا وهم من الكرخي؛ لأنه قصد به الغليظه في العورة الغليطة، وهذا في الخفيفة تخفيف؛ لأنه اعتبر في الدبر قدْر الدرهم والدبر لا يكون أكثر من قدر الدرهم، فهذا يقتضي جواز الصلاة، وإن كان جميع الدبر مكشوفًا وهذا تناقض.
والركبة تعتبر عضوًا على حدة أم تعتبر مع الفخذ عضوًا واحدًا؟ فقد اختلف المشايخ فيه منهم من قال: الركبة عضو على حدة حتى يعتبر فيه انكشاف الربع منه ومن المشايخ من قال: يعتبر مع الفخذ عضوًا واحدًا حتى يعتبر الربع منهما.
وأما الخصيتان مع الذكر ففيهما اختلاف المشايخ أيضًا، قال بعضهم يعتبر كل واحد منهما عضوًا على حدة اعتبارًا بالدية، فإن في باب الدية يعتبر كل واحد منهما عضوًا على حدة، ومنهم من قال يعتبران عضوًا واحدًا؛ لأن الخصيتين كالتبع للذكر.
وأما ثدي المرأة إن كانت مراهقة فهي تبع للصدر وإن كانت كبيرة فالثدي أصل بنفسه.
ومن جملتها طهارة ما يستر به عورته إذا كان مقيمًا وله ثوب آخر (وليس له ثوب آخر)، وإذا كان مسافرًا وله ثوب آخر لا تجوز صلاته مع ثوب للنجس إذا كانت النجاسة أكثر من قدر الدرهم، وإن لم يكن له ثوب آخر وعجز عن غسله لعدم الماء أو معه ماء بحال العطش جاز له الصلاة فيه، وإن كان كله مملوءًا من الدم كان هو بالخيار، إن شاء صلى عريانًا قاعدًا نائمًا، وإن شاء صلى قائمًا بركوع وسجود، وعن محمد يلزمه أن يصلي به قائمًا بركوع وسجود قال: هذا أهون الوجهين، لأن فيه ترك فرض واحد وهو طهارة الثوب، وفي الآخر ترك الفرائض من ستر العورة والقيام والركوع والسجود.
ولهما: أن الوجهين قد استويا في حق حكم الصلاة، فإن الصلاة عريانًا لا تجوز حالة الاختيار، وكذلك الصلاة في الثوب المملوء من الدم لا تجوز حالة الاختيار فكان له الاختيار، وما يقول بأن في الصلاة عريانًا ترك الفرائض قلنا: ليس كذلك؛ لأن القاعد يأتي بالأركان كلها لكن بالإيمان وفيه ضرب قصور ولكن مع إحراز الطهارة، وفي الجانب الآخر يأتي بها مع استعمال بالنجاسة، وفيه ضرب قصور أيضًا فاستويا، فإن كان
[ ١ / ٢٨٠ ]
ربعه طاهرًا وثلاثة أرباعه نجسًا لم تجز الصلاة عريانًا بالإجماع، لأن للربع حكم الكل في الجملة، فثبت للثوب شبهة الطهارة، فصار أولى من العري الذي لا شبهة فيه، وإن كان أقل من الربع طاهرًا فله الخيار على الاختلاف الذي مر.
ولو وجدت المرأة ثوبًا تستر به جسدها ورأسها لا يزيد على ذلك فغطت به جسدها، ولم تستر به رأسها لم تجز صلاتها، لأن للربع حكم الكل، ألا ترى أنه لو انكشف ربع ساقها لم تجز صلاتها عند أبي حنيفة ومحمد، وإذا جعل انكشاف الربع كانكشاف الكل يجعل القدرة على تغطية الربع كالقدرة على تغطية الكل، ولو كانت تقدر على أن تغطي بذلك الثوب جسدها أقل من ربع رأسها فالأفضل لها أن تغطي ما قدرت عليه من رأسها تقليلًا عورة، وإن لم تغط رأسها وغطت جسدها جاز، لأن ما دون الربع ليس له حكل الكل، ألا ترى أن في حق الانكشاف فرقًا بين الربع وما دونه، فكذا في حق التغطية والله أعلم.
وإذا صلى وهو لابس منديلًا أو ملاءة وأحد طرفيه فيه نجس والطرف الذي فيه النجاسة على الأرض فكان النجس يتحرك بتحرك المصلي لم تجز صلاته، وإن كان لا يتحرك تجوز صلاته؛ لأن في الوجه الأول مستعمل للنجاسة، وفي الوجه الثاني لا.
وإذا صلى في ثوب وعنده أنه نجس، فلما فرغ من صلاته تبيّن له أنه طاهر تجوز صلاته. وبمثله لو صلى إلى جهة عنده أن القبلة إلى جهة أخرى فلما فرغ من صلاته تبين أنه أصاب القبلة لا تجوز صلاته. المسألة في «مجموع النوازل» .
ومن جملة (٤٤أ١) ذلك: طهارة موضع الصلاة، فإن كان موضع قدميه وركبتيه وجبهته وأنفه طاهرًا جازت صلاته بلا خلاف، وكذلك إذا كان موضع قدميه طاهرًا وموضع أنفه نجسًا وموضع جبهته وركبتيه طاهرًا تجوز صلاته بلا خلاف، وكذلك إذا كان موضع قدميه وموضع ركبتيه وموضع أنفه طاهرًا وموضع جبهته نجسًا سجد على أنفه، وتجوز صلاته بلا خلاف للقذر الذي في الجبهة، وإن كان موضع قدميه وركبتيه طاهرًا وموضع جبهته وأنفه نجسًا ذكر الزندوستي في «نظمه» قال أبو حنيفة: يسجد على أنفه دون جبهته وتجوز صلاته؛ لأن الأرنبة لا تأخذ من الأرض والنجاسة أكثر من قدر الدرهم وفرض السجود عنده يتأدى بوضع الأنف إلا إذا كان بجبهته عذر وعندهما لا تجوز صلاته؛ لأن فرض السجود، عندهما لا يتأدى بوضع الأنف إلا إذا كان بجبهته عذر، والجبهة تأخذ من الأرض، والنجاسة أكثر من قدر الدرهم.
وفي «القدوري»: أن عن أبي حنيفة في هذا الفصل روايتين: روى محمد عنه لا تجوز، وروى أبو يوسف عنه أنه يجوز، فإن أعاد تلك السجدة في الصلاة في مكان طاهر تجوز ذكره في «القدوري» أيضًا.
وإن كان موضع قدميه وجبهته وأنفه طاهرًا، وموضع ركبتيه نجسًا ذكر الزندوستي في «نظمه»
[ ١ / ٢٨١ ]
أن في ظاهر الأصول لا تجوز صلاته لعجزه عن السجدة بدون الركبتين، وقال الطحاوي تجوز، وكان الفقيه أبو الليث يقول: لا تجوز، وذكر الشيخ شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» في باب الحدث إذا كانت النجاسة في موضع الكفين والركبتين جازت صلاته عندنا خلافًا لزفر، وهكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀ إلا أنه لم يذكر خلاف زفر، وهكذا ذكره القدوري.
وفي «المنتقى»: ابن سماعة عن أبي يوسف في «الأمالي»: إذا سجد على دم أو وضع يديه أو ركبتيه عليه، فإنه لا يعيد الصلاة عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما إن سجَدَ عليه يعيد الصلاة، وإن وضع يديه أو ركبتيه لا يعيد الصلاة، أما إذا وضع يديه أو ركبتيه؛ لأنه ليس بفرض من فرائض الصلاة فأقلّ حاله أن يجعل كالعدم، وأما إذا سجد فالكلام فيه بناءً على ما قلنا إن فرض السجود يتأدى بوضع الأنف لا غير، وعندهما بوضع الجبهة.
وعن الفقيه أحمد بن إبراهيم أنه قال فيمن صلى قائمًا وموضع القدمين نجس: فسدت صلاته، ولا يفترق الحال بين أن يكون جميع موضع القدمين نجسًا، وبين أن يكون موضع الأصابع؛ لأن القدم وموضع الأصابع شيء واحد، فكان حكمها واحدًا، وإذا كان موضع إحدى القدمين طاهرًا، وموضع الأخرى نجسًا؛ فوضع قدميه اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: لا تجوز صلاته؛ لأن القيام يحصل برجل واحدة فيكون وضع الآخر كلا وضع، وفي نسخة الإمام الزاهد الصفار؛ الأصح أنه لا تجوز صلاته؛ لأنه لما وضعهما صار القيام مرادًا بهما، وهكذا كان يفتي الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، فإن وضع إحدى القدمين التي موضعها طاهر ورفع القدم الأخرى التي موضعها نجس وصلى، فإن صلاته جائزة.
وفي «القدوري» إذا افتتح الصلاة على مكان نجس منع ذلك انعقاد الصلاة، وإن افتتح الصلاة على مكان طاهر ثم نقل قدميه إلى مكان نجس ثم عاد إلى مكان طاهر صحت صلاته، إلا أن يتطاول حتى يصير في حكم الفعل الذي إذا زيد في الصلاة أفسدها.
ولو صلى على بساط في ناحية منها نجاسة إن كانت النجاسة في موضع قيامه لا تجوز، وإن كانت في موضع سجوده فعلى ما ذكرنا فيما إذا كانت النجاسة على الأرض، وإن كانت غير هذين الموضعين فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يجوز صغيرًا كان البساط (أو لبيا) وحدّه أنه إذا رُفِعَ أحد طرفيه لا يتحرك الطرف الآخر، في الوجهين جميعًا تجوز صلاته وبه أخذ الفقيه أبو جعفر ﵀، وقال بعضهم: إذا كان البساط صغيرًا على التفسير الذي قلنا: لا يجوز، وإن كان كبيرًا على التفسير الذي قلنا يجوز.
ولو كان البساط مُبطّنًا فأصابته النجاسة البطانة فصلى على الظهارة، وقد قام على ذلك الموضع، فعن محمد أنه يجوز، وهكذا ذكر في «نوادر» الصلاة، وعن أبي يوسف أنه لا يجوز، وقيل: جواب محمد في مخيط غير مُضَرَّب حكمه حكم ثوبين وجواب أبي
[ ١ / ٢٨٢ ]
يوسف في مخيط مضرب حكمه حكم ثوب واحد، فلا خلاف بينهما في الحقيقة في «شرح الطحاوي»؛ قال شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «نوادره» الضم بالخياط غير معتبر، وهو كثوبين منفصلين، الأسفل منهما نجس وأبو يوسف يقول: الضم قد جمعهما فهو كثوب واحد غليظ.
وفي «نوادر المعلى» عن أبي يوسف في جبّة مبطنة أصابها دم قدر درهم وخلص إلى البطانة وهو إن جمع كان أكثر من قدر الدرهم فصلى فيه جازت صلاته، والجسد بمنزلة ثوب واحد، وروى أبو سليمان عن محمد أنه لا يجوز؛ لأن هذا بمنزلة ثوبين عنده وصار كالبساط المبطن.
وفي «النوازل»: ثوب ذو طاقين فأصابته نجاسة أقل من قدر الدرهم ونفذت النجاسة إلى الجانب الآخر، حتى صارت أكثر من قدر الدرهم لا يجوز، ولو كان الثوب ذو طاق واحد فأصابته نجاسة، ونفذت إلى الجانب الآخر وصارت أكثر من قدر الدرهم، لم يمنع ذلك جواز الصلاة؛ لأن هذا من الجانبين واحد فلا يعتبر منفردًا، فأما ذو الطاقين متعدد وما ذكر من الجواب في الثوب إذا كان ذا طاقين فذاك قول محمد، أما على قول أبي يوسف لا يمنع ذلك جواز الصلاة؛ لأنها بمنزلة ثوب واحد عنده بدليل المسائل الذي ذكرنا قبل هذا.
وفي «القدوري» لو كانت على بطانة مصلاه أو في حشوها جازت الصلاة عليها، بخلاف ما إذا كانت النجاسة في حشو جبته، وإذا صلى على موضع نجس وفرش نعليه وقام عليهما جاز، ولو كان لابسًا لهما لا يجوز لأنهما يكونان تبعًا له حينئذٍ.
في «النوازل»: إذا قام على مكعبه وعلى نعله نجاسة جاز عند محمد خلافًا لأبي يوسف، ولو كان لم يخرج رجليه وصلى فيهما إن كان واسعًا فهو على الخلاف، وإن كان ضيقًا لم تجز بلا خلاف، فلو كانت النجاسة في خفه لا تجوز بلا خلاف، وقول أبي حنيفة لا يحفظ في باب المسح من «نوادر شمس الأئمة الحلواني ﵀» .
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: إذا صلى على مكان طاهر وسجد على مكان طاهر إلا أنه إذا سجد تقع ثيابه على أرض نجسة يابسة أو ثوب نجس جازت صلات؛ لأنه أدى الصلاة في مكان طاهر، وفي اختلاف زفر: إذا كانت النجاسة على باطن اللبنة أو الآجرّة وهو على ظاهرها قائم يصلى لم تفسد صلاته.
وفي «المنتقى»: عن أبي يوسف: البول إذا كان على الأرض فبنى عليه أو فرشه بطين وجص حتى رفع به أحكام الفعل وقام عليه البول وصلى أجزأه، وإن أرق البول بباطن البناء وليس البناء في هذا كالثوب، ولو فرشه بالتراب ولم يطين بجص، والبول اتصل بباطنه، القياس أن لا تجوز، وعنه أيضًا لبنة أو آجرّة أصابها بول فجف حتى ذهب أثره ثم بنى عليها بناءً أو فرشها أجزأه أن يصلي عليها.
وعنه أيضًا: آجرّة حلت بها نجاسة فقلبها رجل وسجد عليها جاز، وبمثله لو حلت نجاسة بخشبة، فقلبها وسجد عليها لم يجز، هكذا ذكر في بعض المواضع، وذكر مسألة
[ ١ / ٢٨٣ ]
الخشبة في موضع آخر، وذكر أنه إذا كان غلظ الخشب بحيث يقبل القطع تجوز الصلاة وعن أبي يوسف رواية أخرى في الآجر واللبن يقلب: نظر في ذلك، فإن وضع للبناء أو للفرش جازت صلاته، وإن وضع لغير ذلك لكن يرفع لم تجز صلاته، وكذلك الأرض إذا أصابته نجاسة فألقى عليها التراب وصلى عليها، فإن كان ذلك غير أن يفعل إلى غيرها جازت صلاته وإلا فلا، وقال محمد في هذه الفصول كلها: إن صلاته جائزة ولو كان لبأ أصابه فقلب حلت وصلى على الوجه الثاني؛ روى عن محمد أنه يجوز، وقال أبو يوسف: لا يجوز.
ومن جملة ذلك الوضوء والتييم: إذا كان مسافرًا عادمًا الماء، ومسائل الوضوء والتيمم مرت في كتاب الطهارة.
ومن جملة ذلك الوقت حتى لو صلى قبل دخول الوقت لا يجوز، وقد ذكرنا مواقيت الصلاة في الفصل المتقدم.
ومن جملة ذلك استقبال القبلة، قال الله تعالى: ﴿فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (القرة:١٤٤) فكل من كان بحضرة الكعبة يجب عليه إصابة عينها، ومن كان نائيًا عنها ففرضه جهة الكعبة لا عينها، وهذا قول الشيخ أبي الحسن (٤٤ب١) الكرخي والشيخ أبي بكر الرازي ﵀؛ لأنه ليس في وسعه سوى هذا، والتكليف بحسب الوسع، وعلى قول الشيخ أبي عبد الله الجرجاني من كان غائبًا عنها، ففرضه عينها، لأنه لا فصل في النص.
وثمرة الخلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة، فعلى قول أبي عبد الله تشترط، وعلى قول أبي الحسن وأبي بكر: لا تشترط؛ وهذا لأن عند أبي عبد الله لما كان إصابة عينها فرضًا لا يمكنه إصابة عينها حال غيبته عنها إلا من حيث النية، شرط نيّة عينها، وعند أبي الحسن وأبي بكر لما كان الشرط إصابة جهتها لمن كان غائبًا، وذلك يحصل من غير نيّة العين لا حاجة إلى اشتراط العين، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يشترط نيّة الكعبة مع استقبال القبلة، وكان الشيخ الإمام أبو بكر بن فضل لا يشترط ذلك وبعض المشايخ يقول: إن كان يصلي في المحراب فكما قال الحامدي، وإن كان في الصحراء فكما قال الفضلي وذكر الزندوستي في «نظمه»: إن الكعبة قبلة من يصلي في المسجد الحرام والمسجد الحرام قبلة أهل مكة ممن يصلي في بيته أو في البطحاء، ومكة قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل العالم، قال وقيل: مكة وسط الدنيا، فقبلة أهل المشرق إلى المغرب عندنا، وقبلة أهل المغرب إلى المشرق، وقبلة أهل المدينة إلى يمين من توجه إلى المغرب، وقبلة أهل الحجاز إلى يسار من توجه إلى المغرب، فإذا صلى بمكة صلى إلى أي جهات الكعبة شاء مستقبلًا بشيء منها، فإن كان منحرفًا عنها غير متوجه إلى شيء منها لم تجز.
[ ١ / ٢٨٤ ]
قال القدوري: إن صلوا جماعة استداروا حول الكعبة، هكذا جرت العادة، ومن كان منهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، فإن كان في الجماعة التي يصلي إليها الإمام لم يجز؛ لأنه متقدم على الإمام، فإن كان في جهة أخرى جاز.
وإن صلت امرأة إلى جنب الإمام في ذلك الجهة فسدت صلاة الإمام وصلاة القوم، وإن صلت إلى غير ذلك الجهة فسدت صلاة من يحاذيها خاصة، والكلام في فساد صلاة الرجل بحسب المحاذاة يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى، وسواء كانت الكعبة مبنيّة أو منهدمة يتوجه إليها، لأن الكعبة ليست للحيطان ألا ترى لو وضع الحيطان في موضع آخر وصلى إليها لا يجوز.
وفي «الأصل» يقول: وإذا كانت الكعبة تبنى جاز له أن يصلي إليها، وأراد به انهدام الحيطان، لكن يكره إطلاق لفظ الهدم عليها، ولو صلى في جوف الكعبة أو على سطحها جاز إلى حيث ما توجه؛ لأنه مستقبل الجزء منها واستدبار الباقي لا يضر؛ لأن استقبال الكل متعذّر ولو صلى على جدار الكعبة فإن كان وجهه إلى سطح الكعبة يجوز وإلا فلا، ولو صلوا في جوف الكعبة بجماعة استداروا خلف الإمام وينبغي لمن يواجه الإمام أن يجعل بينه وبين الإمام سترة، ولو صلى وظهره إلى ظهر الإمام جاز، ومن كان ظهره إلى وجه الإمام لم يجز؛ لأنه متقدم.
الإمام إذا صلى فنوى مقام إبراهيم، ولم ينوِ الكعبة إن كان هذا الرجل قد رأى مكة، لم يجز وإن لم يكن رأى مكة، وعنده أن المقام أو البيت واحد أجزأه؛ لأنه نوى البيت، وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في الباب الأول من صلاته من نوى مقام إبراهيم لا يجزيه إلا أن ينوي الجهة، فحينئذٍ يجوز، ومن شرط نية الكعبة يقول إذا نوى الكعبة أو نوى الفرضة يجوز، ولو نوى البناء لا يجوز إلا أن يريد بالبناء الجهة، ولو صلى مستقبلًا بوجهه إلى الحطيم لا يجوز.
ولو أن مريضًا صاحب فراش لا يمكن أن يحول وجهه إلى القبلة وليس يحضر به أحد يوجهه تجزيه صلاته إلى جهة ما توجه، وكذا إذا كان صحيحًا لكنه يختفي من العدو أو غيره ويخاف أنه إذا تحرك واستقبل القبلة أن يتبصر به العدو جاز له أن يصلي قاعدًا أو قائمًا بالإيماء أو مضجعًا حيث ما كان بوجهه، وكذلك إذا انكسرت السفينة وهي على لوح وخاف أنه لو استقبل القبلة يَسقط في الماء يتأتى له أن يصلي حيث ما كان وجهة المصلي إذا حوّل وجهه عن القبلة إن حول صدره فسدت صلاته، وإن لم يحول صدره لا تفسد صلاته إذا استقبل من ساعة القبلة؛ لأنه قل ما يمكن التحرز عن هذا، قالوا: وهذا الجواب أليق بقول أبي يوسف ومحمد أما على قول أبي حنيفة ينبغي أن لا تفسد صلاته في الوجهين بناءً على أن عندهما الاستدبار إذا لم يكن لقصد الإصلاح تفسد الصلاة، وعند أبي حنيفة إذا لم يكن لقصد ترك الصلاة لا تفسد ما دام في المسجد.
أصل هذا إذا انصرف عن القبلة على ظن أنه أتم الصلاة فتبيّن أنه إن لم يتم فعند أبي حنيفة يبني ما دام في المسجد، وعندهما لا يبني، والمسألة مع أجناسها تأتي بعد هذا
[ ١ / ٢٨٥ ]
إن شاء الله، ومن جملة ذلك النية، قال ﵇: «لا عمل لمن لا نية له» وقال ﵇: «إنما الأعمال بالنيّات» .
وفي «الأصل» يقول: إذا أراد الدخول في الصلاة فظن بعض أصحابنا أن محمدًا لم يذكر النية، وليس الأمر كما ظنوا؛ لأنه ذكر إرادة الدخول في الصلاة، وإرادة الدخول في الصلاة هي النية. والكلام فيها في فصلين في كيفيتها وفي محلها.