فإن عاد شيء إلى جوفه، فهذا على وجهين: إما إن كان القيء ملء الفم، أو أقل من ملء الفم، فإن عاد بإعادته يفسد صومه بالإجماع، وإن عاد لا بإعادته، قال أبو يوسف: لا يفسد صومه، وقال محمد: يفسد هكذا ذكر القدوري، وذكر شيخ الإسلام الخلاف على خلاف ما ذكره القدوري، فذكر أن على قول أبي يوسف: يفسد صومه، وعلى قول محمد: لا يفسد.
وإن كان القيء أقل من ملء الفم، فعاد شيء منه لا بإعادته لا يفسد صومه بالاتفاق، وإن أعاده، فعلى قول أبي يوسف: لا يفسد صومه، وقال محمد: يفسد صومه، وأما إذا تقيأ، فإن كان ملء الفم يفسد صومه بالاتفاق، عاد شيء منه إلى جوفه، أو لم يعد، وإن كان أقل من ملء الفم، فعلى قول أبي يوسف: لا يفسد صومه عاد شيء إلى جوفه أو أعاده، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀، وعلى قول محمد: يفسد عاد شيء إلى جوفه، أو أعاده، أو لم يعد أصلًا.
فالحاصل أن محمدًا: لا يعتبر الصنع في طرق الإخراج، أو الإدخال، وأبو يوسف يعتبر ملء الفم، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀: فيما إذا تقيأ أقل من ملء الفم، فعاد شيء إلى جوفه، إن عن أبي يوسف روايتين، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» في هذه الفصول بالاتفاق في مفهوم «الأصل»، وإذا قاء بلغمًا لا ينتقض صومه في قول أبي حنيفة ومحمد وأما قول أبي يوسف: ينتقض الصوم، القدوري؛ ثم على قول من يشترط ملء الفم في التقىء إذا تقيأ أقل من ملء الفم، مرارًا يجمع إن كان بنفس ذلك السبب يجمع، هكذا ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀،
والمذكور في شرح «الجامع الصغير» على قول أبي يوسف (١٥٩ب١) . إن كان الغثيان واحد يجمع، وإن سكن غثيانه، ثم تقيأ لا يجمع.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وحدّ ملء الفم ما لا يمكن ضبطه، وفي بعض المواضع ما لا يمكن ضبطه ألا يخرج، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال: ملء الفم أن يعجزه عن الكلام، ومن المشايخ من اعتبر في هذا أن يبلغ نصف الفم.
وإذا استعط، أو أقطر في أذنه، إن كان شيئًا يتعلق به صلاح البدن، نحو الدهن والدواء يفسد صومه من غير كفارة، وإن كان شيئًا لا يتعلق به صلاح البدن كالماء قال مشايخنا: ينبغي أن لا يفسد صومه، إلا أن محمدًا ﵀: لم يفصل بينما يتعلق به صلاح البدن، وبينما لا يتعلق.
ولو اغتسل، فدخل الماء في أذنه لا يفسد صومه، بلا خلاف، وفي الإقطار في الأذن لم يشترط محمد ﵀ الوصول إلى الدماغ حتى قال مشياخنا: إذا غاب في أذنه كفى ذلك لوجوب القضاء، وبعضهم شرطوا الوصول إلى الدماغ.
وإذا حك أذنه، فأخرج العود، وعلى رأسه شيء من الدرن؛ ثم أدخله ثانيًا مع ذلك الدرن، ثم أخرجه، وبقي الدرن ثم في الأذن لا يفسد صومه، وإذا أوجر فما دام في فمه لا يفسد صومه، وإذا أوصل إلى الجوف يفسد صومه، ولا تلزمه الكفارة في ظاهر الرواية من غير تفصيل بين حالة الاختيار، وبين حالة الاضطرار.
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه فرق بينهما، وقال: أرأيت لو استلقى على قفاه، وقال: صبوا في حلقي ماء أكان لا تلزمه الكفارة؟
وعامة المشايخ في هذه المسألة على أنه إن فعل ذلك به باختياره، ولا عذر به تلزمه الكفارة، وإن فعل ذلك من غير اختياره، أو باختياره، لكن به عذر ألا تلزمه الكفارة.
وروى هشام عن أبي يوسف: أن عليه الكفارة في هذه المسائل، وإذا احتقن يفسد صومه، وإذا استنجى، وبالغ حتى وصل الماء إلى موضع الحقنة يفسد صومه، ومن غير كفارة، وإذا أقطر في إحليله لا يفسد صومه عند أبي حنيفة، ومحمد، خلافًا لأبي يوسف، وروى الحسن عن محمد: أنه توقف في هذه المسألة في آخر عمره.
قال الفقيه أبو بكر البلخي: إنما يفسد الصوم على قول أبي يوسف: إذا وصل إلى الجوف، أما إذا كان في القصبة بعد لا يفسد، وهكذا ذكر في «المنتقى»: وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أن الصب في الإحليل بمنزلة الحقنة يفسد الصوم إذا أوصل في الجوف.
وتكلم المشايخ في الإقطار في قبل النساء، منهم من قال: هو على هذا الخلاف، ومنهم من قال: يفسد الصوم بلا خلاف كالحقنة، وهو الصحيح.
وفي الجائفة والآمة إذا داواهما بدواء يابس لا يفسد صومه، وإذا داواهما بدواء رطب يفسد صومه عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، وأكثر المشايخ اعتبروا الوصول إلى الجوف في الجائفة والآمة إن عرف أن اليابس وصل إلى الجوف يفسد صومه بالاتفاق، وإن عرف أن الرطب لا يصل إلى الجوف لا يفسد صومه، كذا ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀،
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وأما إذا اكتحل، أو أقطر شيئًا من الدواء في عينه لا يفسد صومه عندنا، وإن وجد طعم ذلك في حلقه، وإذا بزق فرأى أثر كحل ولونه في بزاقه، هل يفسد صومه؟ ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: إن فيه اختلاف المشايخ، عامتهم على عدم الفساد.
شد طعامًا بخيط، وعلقه في حلقه ما دام مشدودًا في الخيط لا يفسد صومه، وإن سقط من الخيط في حلقه يفسد صومه هكذا روي عن أبي يوسف.
في شرح شمس الأئمة الحلواني ﵀: إذا طعن الصائم برمح، فإن نزعه لم يفطره، وإن بقي الرمح أفطر، هكذا ذكر في عامة الكتب، وذكر سيدنا ﵀ في «شرح التجريد» بيان في هذا الفصل، وهو ما إذا أبقي الرمح اختلاف المشايخ.
في «البقالي»: السهم إذا أصابه، ونفذ من الجانب الآخر لا يفسد صومه، وإذا أدخل إصبعه في دبره أكثر المشايخ على أنه لا يجب الغسل والقضاء، وإذا أدخل خشبة في دبره، إن كان طرفها خارجًا لا يفسد صومه.
في الباب الأول من «الواقعات»، وعلى هذا إذا ابتلع حنطة، وأخذ طرفها في يديه، ثم أخرها لم يفطره، وإن ابتلع كلها فطر، إذا كان بين أسنانه شيء، فدخل جوفه، وهو كاره لذلك لا يفسد صومه هذا هو لفظ محمد ﵀، وأما إذا ابتلعه، فيه اختلاف المشايخ، ونص في «الجامع الصغير»: على أنه لا يفسد، وهذا كله إذا كان شيئًا قليلًا، فأما إذا كان كثيرًا يفسد صومه دخل جوفه، أو ابتلعه، والحمّصة وما فوقها كثير ذكره في اختلاف زفر ويعقوب عن أبي حنيفة.
وفي «الجامع الأصغر»: أن أبا نصر الدبوسي قدر الكثير بأن يقدر على ابتلاعه من غير ريق، وهذا إذا لم يخرجه من فمه، فإن أخرجه، ثم ابتلعه يفسد صومه بالاتفاق، ثم إذا فسد صومه إذا كان قدر الحمصة، أو كان أقل لا أنه أخرجه من الفم، ثم ابتلعه هل تلزمه الكفارة؟ قال أبو يوسف: لا تلزمه؛ لأنه ليس من جنس ما يتغذى به، والطباع لا تميل إليه، فهو بمنزلة التراب، وإذا ابتلع سمسمة كانت بين أسنانه لا يفسد صومه، وإن تناولها من الخارج إن مضغها لا يفسد صومه، إلا أن يجد طعمه في حلقه، وإذا مص إهليلجة يابسة، ولم يدخل عينها في جوفه لا يفسد صومه، ولو فعل هذا بالفانيد أو السكر يفسد صومه.
وفي «الجامع الصغير»: إذا وقع ثلجة أو مطرة في فم الصائم، وابتلعها يفسد صومه هو المختار، والغبار والدخان وطعم الأدوية، وريح العطر، إذا وجد في حلقه لم يفطره؛ لأن التحرز عنه غير ممكن.
وإذا وضع البزاق على كفه، ثم ابتلعه فسد صومه بالاتفاق، وإن كان البزاق شيئًا (١٦٠أ١)، فيدلي من فمه لكن لم يزايل فمه، ثم ابتلعه لم يفسد صومه، في صوم شمس الأئمة الحلواني، وعن الفقيه أبو جعفر أنه إذا أخرج البزاق على شفتيه، ثم ابتلعه فسد صومه.
في «المنتقى»: الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف قال: البزاق إذا خرج من الفم
[ ٢ / ٣٨٤ ]
ثم رجع إلى فمه، فدخل حلقه، وقد بان من الفم، أو لم يبن، فإن كان ذلك قدر ما إذا أصاب الصائم فطره، فإنه يفطره، وإذا ابتلع بزاق غيره فسد صومه من غير كفارة، إلا إذا كان بزاق صديقه، فحينئذٍ تلزمه الكفارة؛ لأن الناس قلما يعافون بزاق أصدقائهم،
وفي «المنتقى»: إذا شرب النائم، فعليه القضاء قال: ثمة، وليس هو كالناسي، وأشار إلى الفرق، فقال: ألا ترى أن النائم أو الذاهب العقل، إذا ذبح لم تؤكل ذبيحته، والناسي للتسمية تؤكل ذبيحته؟
وفي «الواقعات»: للصدر الشهيد ﵀: الدمع إذا دخل فم الصائم إن كان قليلًا، كالقطرة والقطرتين لا يفسد صومه، وإن كان كثيرًا حتى وجد ملوحته في جميع فمه، وابتلعه يفسد صومه، وكذلك الجواب في عرق الوجه.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر» إن تلذذ بابتلاع الدموع، فعليه القضاء مع الكفارة.
وفي «الواقعات» أيضًا الدم إذا خرج من الأسنان، ودخل الحلق إن كانت الغلبة للبزاق لا يفسد صومه، وإن كانت الغلبة للدم فسد صومه، وإن كان على السواء فسد صومه احتياطًا، ولا كفارة إذا كانت الغلبة للدم، أو كانا على السواء، لأنه لا كفارة في الدم الخالص في ظاهر الرواية، فهذا أولى.
إذا أكل لحمًا غير مطبوخ يلزمه القضاء بلا خلاف، وتكلموا في الكفارة قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته»: والمختار أنه تلزمه، وإذا أكل لحمًا غير مطبوخ تلزمه الكفارة بلا خلاف؛
الصائم إذا دخل المخاط من أنفه رأسه، فاستشمه، فأدخل حلقه على عمد منه لا يفسد صومه، وهو بمنزلة ريقه،
إذا رمت المرأة القطنة في قبلها إن انتهت إلى الفرج الداخل، وهو رحمها انتقض صومها؛ لأنه تم الدخول.
قيل لرجل يأكل: إنك صائم، وهو لا يتذكر، تكلموا فيه، واختيار الصدر الشهيد: أنه يلزمه القضاء، وإذا فتل خيطًا، أو سلكًا، فبله ببزاقه، ثم أدخله في فمه ثم أخرجه، وفعل كذلك مرارًا لا يفسد صومه في صوم شمس الأئمة الحلواني؛ الصائم إذا عمل عمل الإبريسم، فأدخل الإبريسم في فمه، فخرجت به خضرة الصبغ، أو صفرية، أو حمرية، واختلطت بالريق، فصار الريق أخضرًا أو أحمرًا أو أصفرًا، فيبلع هذا الريق، وهو ذاكر لصومه فسد صومه.
وفي «البقالي»: إذا أمسك في فمه شيئًا لا يؤكل، فوصل إلى جوفه لا يفسد صومه، وفيه أيضًا: إذا اغتسل فدخل الماء في فمه لا يفسد صومه.
وفيه أيضًا: عن نصر إذا اغتسل، فدخل الماء في فمه لا يفسد صومه؛ لأنه لم يصب فيه متعمدًا.
نوع منه: إذا عالج ذكره بيده حتى أمنى، قال أبو بكر، وأبو القاسم: لا يفسد صومه، وعامة مشايخنا استحسنوا، وأفتوا بالفساد، وكذلك على هذا الخلاف إذا أتى
[ ٢ / ٣٨٥ ]
بهيمة فأنزل، وإن لم ينزل لا يفسد صومه بلا خلاف،
وأما إذا قبل بهيمة أو مس فرج بهيمة، فأنزل لا يفسد صومه بالاتفاق في صوم شمس الأئمة الحلواني ﵀،
وإذا قبل امرأته، وأنزل فسد صومه من غير كفارة، وإذا قبلت المرأة زوجها، فكذلك في حقها، وهذا إذا رأت بللًا، فأما إذا وجدت لذة الإنزال لكنها لا ترى بللًا قال شمس الأئمة الحلواني ﵀، قال: ينبغي أن لا يفسد صومها عند محمد خلافًا لأبي يوسف، وهو نظير الاختلاف، فيما إذا رأت في منامها، ووجدت لذة إلا أنها لم تر بللًا قيل: يلزمها الاغتسال؛
l
جامع في نهار رمضان قبل الصبح، فلما جيء الصبح خرج، فأمنى بعد الصبح لا يفسد صومه؛ لأنه لم يوجد بعد الصبح الجماع لا صورة ولا معنى؛
ولو نظر إلى امرأته بشهوة، فأمنى لا يفسد، وإذا مسها، وأمني يفسد صومه، والمراد مس ليس بينهما ثوب، فأما إذا مسها من وراء ثياب، فإن كان يجد حرارة أعضائها فسد صومه إذا أمنى، وإن كان لا يجد حرارة أعضائها لا يفسد صومها، وإن أمنى، في صوم شمس الأئمة.
وإذا مست المرأة زوجها حتى أنزل لم يفسد صومه، ولو كان تكلف بذلك، ففيه اختلاف المشايخ.
في «البقالي»: مس الصائم امرأته، وأمذى لا يفسد صومه، ومن المشايخ من فصل القول وقال: إذا خرج المذي على سبيل الدفق يفسد، وإن خرج لا على سبيل الدفق لا يفسد. جماع الميتة بمنزلة جماع البهيمة يفسد صومه، إذا أنزل،
إذا جامع امرأته في نهار رمضان ناسيًا، فتذكر وهو مجامعها، فقام عنها، أو جامعها ليلًا، فانفجر الصبح، وهو مخالطها، فقام عنها قال محمد ﵀: هما سواء، ولا قضاء عليه، وهكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنه لم يوجد بعد التذكر وانفجار الصبح عن الجماع، ولو وجد بجزء من المجامعة ومخالطة، فذاك مما لا يستطاع الامتناع عنه، وقال إسماعيل: قال إسماعيل: قال أبو يوسف يقضي الذي كان يطأها الليل، ولا يقضي الذي كان يطأها بالنهار، وإن طلع الفجر، وهو مخالطها وبقي، فعليه قضاء لا كفارة، وكذلك إذا جامع ناسيًا، فتذكر، فبقي، رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، (١٦٠ب١) وأبي يوسف، وهشام عن محمد.
وعن أبي يوسف: إذا بقي بعد الطلوع، فعليه الكفارة، وإن بقي بعد الذكر، فلا كفارة، والصحيح هو الأول؛ لأنه ما لم يصح الشروع لا تجب الكفارة، واقتران المجامعة بالشروع يمنع صحة الشروع، وعلى هذا إذا كان يأكل ويشرب ناسيًا، فتذكر، أو كان طلع الفجر، وهو يأكل ويشرب، فقطع الشرب، أو ألقى اللقمة، فصومه تام.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
في «الحاوي» في امرأتين عملتا عمل الرجال من الجماع، إن أنزلتا، فعليها القضاء، وإن لم تنزلا، فلا قضاء عليهما، والله أعلم.