وإذا كان للرجل على رجل دين حال عليه الحول، فوهبه ممن عليه دين أو تصدق به عليه، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون الموهوب له غنيًا، وفي هذا الوجه لا يجزئه عن زكاته، وهذا ظاهر؛ لأن محل صرف الزكاة الفقراء دون الغني، وهل يصير ضامنًا للزكاة؟ ذكر في «الجامع» وعامة الروايات أنه يصير ضامنًا، وذكر في «نوادر الزكاة» (١٣٧أ١) لأبي سليمان أنه لا يصير ضامنًا؛ لأنه استهلك النصاب قبل وجوب الأداء، فلا يصير ضامنًا كما لو استهلكها قبل الحول.
بيانه: أن أداء الزكاة عن الدين إنما تجب بعد القبض على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء، فقبل القبض لا يكون الأداء واجبًا.
وجه ما ذكر في عامة الروايات: أنه استهلك النصاب بعد وجوب الزكاة، فيضمن كما لو وهب النصاب العين من الغني.
بيانه: أن الدين الواجب بدلًا عما هو مال نصاب قبل القبض بالإجماع على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. وما يقول بأن الأداء ليس بواجب قبل القبض، قلنا:
[ ٢ / ٢٧٧ ]
أصل الوجوب ثابت قبل القبض بالإجماع إن لم يكن وجوب الأداء ثابتًا، فباعتبار أصل الوجوب يصير مستهلكًا، وباعتبار وجوب الأداء لا يصير مستهلكًا، فرجحنا جانب الاستهلاك ليمكننا إيجاب الضمان احتياطًا لأمر العبادة.
الوجه الثاني: إذا كان الموهوب له فقيرًا، فهذا على وجهين أيضًا:
الوجه الأول: أن يهب كل الدين منه، وإنه على وجهين أيضًا: أما إن لم ينو الزكاة، وفي هذا الوجه يجزئه عن زكاة هذا الدين استحسانًا. ولو كان مكان الهبة صدقة يجزئه عن زكاة هذا الدين قياسًا واستحسانًا. هكذا ذكر في «الجامع»، وذكر القدوري في كتابه «فضل الصدقة»، وجعل على القياس والاستحسان كالهبة.
أما الكلام في الصدقة، فوجهه: أنه وجد أصل نية العبادة؛ لأن الصدقة ما ينبغي بها وجه الله إلا أنه لم يوجد نية الفرض، لكن نية الفرض مستغنى عنها لكون النصاب متعينًا. يوضحه: أن قدر الزكاة من النصاب صار حقًا للفقير، فإذا وصل ليد الفقير بأي طريق ما وصل يقع عن المستحق على ما عرف.
وفي «المنتقى»: روى المعلى عن أبي يوسف: رجل له مائتا درهم حال عليها الحول، فتصدق بها كلها، ولا نية له، فعليه أن يتصدق بخمسة دراهم لزكاتها. وروى ابن سماعة عنه أنه يجزئه عن الزكاة.
أما الكلام في الهبة فإنما لم يجزه عن زكاة هذه الدراهم قياسًا؛ لأنه لم يوجد نية القربة أصلًا، ويجزئه استحسانًا؛ لأن نية المال من الفقير يقصد بها أيضًا مرضاة الله تعالى، فصارت الهبة من الفقير والتصدق عليه سواء.
الوجه الثاني: إذا وهب كل الدين ممن عليه ناويًا الزكاة، وإنه على ثلاثة أوجه: إما إن نوى زكاة العين الذي عنده، وأنه لا يجزئه قياسًا واستحسانًا؛ لأنه أدى الكامل بالناقص؛ لأن الدين في المالية أنقص من العين على ما عرف، وأداء الكامل بالناقص لا يجوز؛ ولأن النصاب إذا كان عينًا، فالواجب تمليك جزء منه من كل وجه، وهبة الدين لمن عليه تمليك من وجه، إسقاط من وجه، ولهذا يصح من غير قبول وإنما يصح من حيث أنه إسقاط، والتمليك من وجه دون التمليك من كل وجه، والشيء لا يتأدى بما دونه.
وإما إن نوى زكاة دين آخر له على رجل آخر، وإنه لا يجزئه أيضًا قياسًا واستحسانًا؛ لأن الدين الآخر بمحل أن يصير عينًا بالقبض، والدين الموهوب له ليس بمحل أن يصير عينًا، فيصير مؤديًا الدين عن العين باعتبار المال، وقد ذكرنا أن أداء الدين عن العين لا يجوز.
وإما أن يؤدي زكاة هذا الدين، وفيه قياس واستحسان، القياس: أن لا يجزئه؛ لأن الواجب في باب الزكاة التمليك من كل وجه، ولهذا لا يتأدى بالإعتاق، وهبة الدين إسقاط من وجه على ما مر.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وفي الاستحسان: يجزئه؛ لأن المؤدى المثل عن المثل؛ لأن المؤدى عنه دين كالمؤدى، والمؤدى عنه لا يصير عينًا في الثاني كالمؤدى، فيجزئه وما قول من المعنى.
قلنا: التمليك من كل وجه إنما يجب إذا كان الواجب في النصاب فائدة للتمليك من كل وجه، إما حالًا كما في العين، أو مآلًا كما في الدين له على آخر، أما إذا كان لا يقبل التمليك إلا من وجه كما في مسألتنا لا يجب إلا هذا القدر، هذا إذا وهب كل الدين ممن عليه، وهو فقير، فأما إذا وهب بعض الدين ممن عليه وهو فقير إن لم ينوِ الزكاة لا يسقط عنه شيء من الزكاة، عند أبي يوسف إذا كان الباقي بعد الهبة بقي بحق الفقير، حتى لو وهب منه مائة وخمسة وتسعين، وبقيت خمسة كان عليه أن يؤدي خمسة؛ لأن ما بقي يصلح زكاة هذا الدين، ولو وهب مائة وستة وتسعين كان عليه أن يؤدي أربعة دراهم، وعلى قول محمد: تسقط عنه زكاة ما وهب من الفقير، وإنما عليه زكاة الباقي لا غير حتى لو وهب له مائة سقط عنه درهمان ونصف وبقي عليه درهمان ونصف، وعلى هذا الخلاف إذا وهب البعض من الفقير ناويًا عن التطوع.
وذكر القدوري في «شرحه»: إذا تصدق ببعض ماله، ولم ينوِ الزكاة وجعله على الخلاف على نحو ما ذكرنا في الهبة.
فوجه قول محمد ﵀: أن الواجب شائع في الكل، ولو وهب الكل ليس يسقط عنه جميع الزكاة، فإذا وهب البعض يجب أن يسقط قدر ما فيه اعتبارًا للبعض بالكل، ولأبي يوسف أن بعد حَوَلان الحول صار النصاب مشتركًا بين الفقير وصاحب المال، فإذا وهب منه البعض، ولم تحضره النية، أو نوى التطوع انصرفت الهبة إلى نصيبه بقي حق الفقير بكماله، فيلزمه الأداء بخلاف ما إذا وهب كل النصاب؛ لأن بعد هبة الكل ليس له مال تصرف الهبة إلى نصيبه خاصة، فصرفناها إلى النصيبين جميعًا.
فأما إذا وهب بعض النصاب ممن عليه ناويًا الزكاة، إن نوى زكاة العين أو زكاة دين له على رجل آخر لا يجزئه قياسًا واستحسانًا، وإن نوى زكاة هذا الدين لا شك أنه لا يجزئه عن زكاة الباقي قياسًا واستحسانًا؛ لأن الباقي يصير عينًا في الباقي بالقبض، وكان بمنزلة ما نوى زكاة دين له على رجل آخر، فأما عن قدر ما وهب، ودفعت المرأة عنه للمدفون لا يجزئه قياسًا، ولا تسقط زكاة ذلك القدر، ويجزئه استحسانًا، حتى أنه لو وهب منه مائة تسقط عنه درهمان ونصف حصة الموهوب، ويؤدي درهمين ونصف عن الباقي، ولو وهب منه خمسة دراهم يؤدي عن الباقي خمسة دراهم إلا ثمن درهم، والقياس والاستحسان في هذا نظر القياس والاستحسان إذا وهب الكل منه ناويًا عن الدين الذي له عليه.
وفي «القدوري»: إذا نوى أن يؤدي الزكاة، فجعل يتصدق إلى آخر السنة، ولم تحضره النية، يعني وقت التصدق لا يجزئه، فإن أفردها للزكاة، فتصدق مال أرجو أن يجزئه.
وفي «نوادر هشام»: سألت محمدًا ﵀ عن رجل قال: ما تصدقت به إلى آخر
[ ٢ / ٢٧٩ ]
السنة، فقد نويت أنه من الزكاة، وفي وقت التصدق لم تحضره النية قال: أرجو أن يجزئه، ولو تصدق بخمسة ينوي بها التطوع والزكاة بل عن الزكاة في قول أبي يوسف، وقال محمد: يقع عن التطوع؛ لأنه لا وجه إلى اعتبار النيتين لتناف سببهما، ولا وجه إلى اعتبار أحديهما لا بعينها ولا بغير عينها، فبطلتا فتقع عن التطوع كما لو لم تحضره النية أصلًا، ولأبي يوسف أن الفرض أقوى من النفل، والتعيين بالنية يحتاج إليه في الفرض دون النفل، فيندفع النفل بالفرض، والله أعلم.