هذا الفصل يشتمل على نوعين:
الأول: في معرفة الأعيان النجسة وحدّها، فنقول: الأعيان النجسة نوعان: مائع وغير مائع، وكل نوع على قسمين: نجس باعتبار نفسه، ونجس باعتبار غيره وسنذكر ههنا بعضها، وبعضها في كتاب الصلاة.
[ ١ / ١٨٥ ]
قال القدوري ﵀ في «كتابه»: كل ما يخرج من بدن الإنسان مما يوجب الوضوء أو الغسل فهو نجس، كالغائط والبول والدم والمني وغير ذلك، وقال الشافعي ﵀: المني طاهر لحديث عائشة ﵂ قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلّموهو يصلي»، والمراد: حال الصلاة كما يقال فلان دخل الدار وهو راكب، ولأنه أصل الآدمي يجب أن يكون طاهرًا كرامة له، ولهذا اكتفي بالفرك، ولنا قوله ﵇ في حديث عمار بن ياسر ﵁: «إنما يغسل الثوب من خمسة من البول والغائط والمني والقيء والدم»، وهو دليل على نجاسته إلا أنه اكتفى فيه بالفرك، إما لأنه شيء لزج لا يداخل أجزاء الثوب كثيرًا، وإنما يصيب ظاهره، وذلك يزول بالفرك، ولا يبقى منه إلا شيء قليل، وإنه عفو، أو لمكان الحرج، فإن إصابة المني اليابس إنما تكون باعتبار أن الجماع غالبًا إنما يكون في الثياب ويتعذر صيانة الثياب عنها، فلو كلف الغسل عند كل إصابة يؤدي إلى الحرج، فسقط اعتباره وأقيم الفرك مقامه.
والأرواث والأخثاء كلما نجسة، وقال زفر ومالك: كلها طاهر، حجتهما أن الأرواث وقود أهل الحرمين فإنهم يطبخون ويخبزون به ولو كان نجسًا لما انتفعوا (بها)، وروي أن الشبان من الصحابة ﵃ كانوا إذا نزلوا في أسفارهم يترامون بالأبعار ويتلاعبون بها، فلو كان نجسًا لما استعملوها، وأما حديث ابن مسعود ﵁ قال: «طلب مني رسول الله صلى الله عليه وسلّمأحجار الاستنجاء ليلة الجن؛ فأتيته بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى بالروثة، وقال: إنها رجس» أي نجس، وروى المعلى عن محمد ﵀ أنه قال: الروث لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرًا فاحشًا، قيل: هذا آخر قوله رجع إلى هذا القول حين طلع مع الخليفة إلى الري، ورأى أسواقهم وسككهم مملوءة من الأرواث، فرجع إلى هذا القول لدفع البلوى.r
قال مشايخنا على قياس هذه الرواية لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرًا فاحشًا، مع أن التراب مخلوط في العذرات دفعًا للبلوى، وكان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀ لا يعتمد على هذه الرواية، وكان يقول البلوى إنما تكون في النعال والنعال مما يمكن خلعها، وقد اعتاد الناس خلع النعال، وليس فيه كثير ضرورة والصلاة بغير النعل أحمد، والكثير الفاحش فيه يمنع جواز الصلاة.
وقد ذكرنا خرء ما يؤكل لحمه من الطيور (٢٧ب١) كالحمامة والعصفور والبط والحدأة.
[ ١ / ١٨٦ ]
وأما خرء ما لا يؤكل لحمه نحو سباع الطير، كالصقر والبازي وغيرها من الحدأة وأشباهها، فهو طاهر في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد ﵀: هو نجس، فوجه قول محمد ﵀، وهو الفرق له بين خرء هذه الطيور، وبين خرء العصفور والحمامة، أن هذه الطيور لا تخالط الناس فيمكن التحرز عن خرئها بخلاف الحمامة والعصفور؛ لأنهما تخالطان، فلا يمكن التحرز عن خرئهما.
ولهما أن هذه الحيوانات تذرق من الهواء، وفي التمييز بينما يخالطونا وبينما لا يخالط الناس، فيحتاج إلى التأمل في كل جانب، وفيه حرج على أن ما قال من المعنى لا يتأتى في الصقر والبازي والشاهين، فإن الناس يخالطوهما أكثر مما لا يخالطون الحمام والعصفور.
والأبوال كلها نجسة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله.
وقال محمد ﵀: بول ما يؤكل لحمه طاهر حجته في ذلك حديث العرنيين، فإنه روى «أن قومًا من عرينة جاؤوا إلى رسول الله ﵇ بالمدينة فاجتووها فانتفخت بطونهم واصفرت ألوانهم، فأمرهم رسول الله ﵇ أن يخرجوا إلى إبل الصدقات، فيشربوا من أبوالها وألبانها»، فقد أمرهم بشرب الأبوال، فلو كانت نجسة لما أمرهم بذلك مع قوله ﵇: «إن الله تعالى لم يجعل في نجس شفاء» وإذا ثبت أنه طاهر، فإذا أصاب الثوب لا يمنع جواز الصلوة فيه وإن فحش، وإذا وقع في الماء القليل لا يمنع التوضؤ به إلا أن يغلب على الماء، فحينئذٍ لا يجوز التوضؤ به لا لأنه نجس، ولكن لأنه صار شيئًا آخر، ألا ترى أنه لو وقع اللبن في الماء القليل واللبن غالب لا يجوز التوضؤ به، وإنما لا يجوز لأنه صار شيئًا آخر لا لنجاسة اللبن، كذا ههنا.
لهما ما روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﵇ أنه قال: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه»، ولأن بول الآدمي نجس مع أنه أطهر الحيوانات فبول هذه الحيوانات أولى، وأما حديث العرنيين، فالتمسك به لا يصح؛ لأنه روي عن أنس بن مالك ﵁ «أن رسول الله ﵇ أمرهم بشرب ألبانها»، ولم يذكر الأبوال، ولو ثبت فهو محمول على أن رسول الله ﵇ عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه، ويحل تناول النجس إذا علم حصول الشفاء، ألا ترى أن من اضطر إلى ميتة إن أصابه جوع مفرط يخاف منه الهلاك ولم يجد إلا ميتة يباح له التناول؛ لعلمه أنه يزول به الجوع والجوع داء، وكذلك إذا اضطر إلى خمر بأن أصابه عجز مفرط ولا يجد إلا
[ ١ / ١٨٧ ]
خمرًا جاز له الشرب منها بقدر ما يزول به العطش، لعلمه أنه يزول به العطش والعطش داء.
ويحتمل أنه كان مباحًا في الابتداء، ثم انتسخ إباحته بقوله ﵇: «استنزهوا (من) البول» .
ثم إن أبا حنيفة وأبا يوسف رحمهما الله اختلفا فيما بينهما، قال أبو حنيفة لا يجوز شربه للتداوي ولغيره، وقال أبو يوسف يجوز شربه للتداوي، ولا يجوز شربه لغيره. فأبو يوسف قال القياس ما قاله أبو حنيفة، ولكن تركنا القياس بالأثر والأثر أباح شربه للتداوي، فبقي الشرب لغير التداوي على أصل القياس.
وبول الهرة نجس لو أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم منع جواز الصلاة هو الظاهر من المذهب، وحكي عن محمد بن محمد بن سلام ﵀ أنه كان يقول: لو ابتليت به لغسلت ولكن آمر غيري بإعادة الصلاة.
وأما بول الفأرة إذا وقع في الماء أفسد الماء، حتى لا يجوز التوضؤ به بخلاف سؤره، والقياس أن يكون سؤره نجسًا لأن لعابه نجس لنجاسة لحمه، لكن أسقطنا النجاسة في اللعاب لمكان الضرورة، فإنها تقصد الماء وتشرب، وصون الأواني عنها غير ممكن، أما الضرورة في البول (فتنتفي) لأنها لا تقصد الماء لتبول فيه، فيحكم بنجاسته.
وأما بول الفأرة إذا أصاب الثوب، فقد قال بعض مشايخنا إنه ينجس الثوب وقاسه على الماء، وقال بعضهم: لا ينجسه وفرق بين الثوب والماء، والفرق أن صيانة الثوب في الغالب يكون بالثياب؛ بأن يلف البعض في البعض ومتى صين على هذا الوجه، وبال على الثوب الأعلى يصل إلى باقيه ويتنجس، فصيانة الثياب عن بول الفأرة غير ممكن، فصار البول معفوًا عنه في الثياب.
أما الماء يصان في الأواني، والأواني مما يُخمر وبعد التخمير تقع الصيانة للماء لا محالة، فلم يكن البول معفوًا عنه في الماء، وعن محمد ﵀ أنه قال: ولا أرى ببول الفأرة بأسًا، وذهب في ذلك إلى أن البلوى في بولها ظاهر، وإن وجد رائحته في الثوب، ولا يستيقن فالتنزه أولى، وإن صلى فيه لم أقل بأنه لا يجزئه، وبعض مشايخنا قالوا: لا ينجسه، إلا أن هذا القائل يجعل أثر البلوى في التخفيف لا في صلب أصل النجاسة.
وقال الحسن بن زياد ﵀ لو أن بعرة من بعر الفأرة وقعت في وقر حنطة، وطحنت لم يجز أكلها، ولو وقعت في دهن فسد الدهن.
وقال محمد بن مقاتل ﵀ لا تفسد الحنطة والدهن ما لم يتغير طعمه، قال الفقيه أبو الليث ﵀: وبه نأخذ.
وفي مسائل أبي حفص ﵀ في بعر الفأرة: إذا وقع في الزيت أو الخل إنه لا يفسده.
وعن الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن الفضل الخيزاخزي ﵀ أنه قال: وقعت في هذه المسألة، فسألت أبا إسحاق الضرير، فقال: لو كان لي لشربت وأنا لم
[ ١ / ١٨٨ ]
أشرب، وليس بول الخفاش وخرؤه بشيء؛ لأنه لا يستطاع الامتناع عنه، وليس دم البق والبراغيث بشيء وإن كثر لأنه ليس بدم مسفوح، وأما دم الحلم والأقراد فنجس لأنه دم مسفوح والاحتراز عنه ممكن، وإذا أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز الصلوة.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: الدم يخرج من الكبد إن لم يكن من غيره متمكنًا فيه فهو طاهر؛ لأن الكبد دم جامد وكذلك اللحم المهزول إذا قطع، فالدم الذي فيه ليس بنجس، هكذا حكي عن الفقيه أبي بكر ﵀، وكان الصدر الشهيد ﵀ يرفض هذا القول ويقول: إن لم يكن هذا دمًا فقد جاور الدم، والشيء ينجس بنجاسة المجاور.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ في موضع آخر: ذكر مسألة اللحم مطلقة، ولم يقيد بالمهزول.
ورأيت في موضع آخر: الطحال إذا شق وخرج منه دم فليس بشيء، وكذلك الدم الذي في القلب ليس بشيء، ذكر المسألة مطلقة من غير فصل بين دم ودم.
وفي «عيون المسائل»: الدم الملتزق باللحم إن كان ملتزقًا من الدم السائل بعدما سال كان نجسًا، وإن لم يكن ملتزقًا من الدم السائل لم يكن نجسًا، وروى المعلى عن أبي يوسف ﵀: أن غسالة الدم إذا أصابت الثوب لم تجز الصلاة فيه، وإن صب في بئر يفسد الماء يريد به الدم الذي بقي في اللحم ملتزقًا به، ولو طبخ اللحم.
وفي «القدوري» صفرة أو حمرة، فلا بأس به، ورد الأثر في غير هذه الصورة عن عائشة ﵂، وعن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله: أنه إنما يحرم الدم المسفوح وهو السائل، فأما ما يكون في اللحم ملتزقًا به فلا بأس، وعن أبي يوسف ﵀ يفسد برواية ابن سماعة، إنما يحرم الدم المسفوح الذي يسكن العروق، وإذا فجر سال، فهذه الروايات تبين لنا أن في الطعن في مسألة اللحم المهزول كلام.
وفي «الجامع الأصغر» عن أبي جعفر الكبير: أن الطين إذا جعل فيه السرقين وطُين به شيء ويبس، لا بأس بأن يوضع عليه منديل مبلول.
وسئل هو عن سرقين جاف أو التراب النجس إذا هبت به الريح وأدخلته في الثوب لا ينجسه ما لم ير أثره.
التبن النجس، إذا استعمل في الطين، إن كان يرى مكانه كان نجسًا، وإن لم ير مكانه لا يكون نجسًا؛ لأنه مستهلك في الوجه الأول دون الثاني.
ولو يبس يحكم بطهارته، ولو أصابه الماء فهو على الروايتين إذا كان الماء أو التراب نجسًا، أما الطين فيها يكون طاهرًا، هكذا حكي عن الفقيه أبي نصر محمد بن سلام ﵀.
وكان الفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀ يقول: العبرة للماء، إن كان الماء طاهرًا فالطين طاهر، وإن كان الماء نجسًا، فالطين نجس، وقد قيل على العكس أيضًا وكان الفقيه أبو القاسم الصفار ﵀ يقول: الطين نجس، وبعضهم قالوا على (٢٨أ١) قول محمد ﵀: الطين يكون طاهرًا، وعلى قول أبي يوسف ﵀ يكون نجسًا،
[ ١ / ١٨٩ ]
وجعلوه فرعًا لمسألة أخرى: إن السرقين أو العذرة إذا احترقت وصارت رمادًا، فالمذهب عند محمد ﵀ أن النجس يطهر بالتغيير والاستحالة، خلافًا لأبي يوسف ﵀.
إذا لف الثوب النجس في ثوب طاهر، والنجس رطبة مبتلة، فظهر ندوته على الثوب الطاهر، ولكن لم يصر رطبًا، بحيث لو عصر يسيل منه شيء ويتقاطر اختلف المشايخ فيه:
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: والأصح أنه لا يصير نجسًا، وكذلك الثوب الطاهر اليابس إذا بسط على أرض نجسة مبتلة، وظهر أثر بلة النجاسة في الثوب، إلا أنه لم يصر رطبًا ولم يصر بحال لو عصر يسيل منه شيء ويتقاطر، اختلف المشايخ، قال شمس الأئمة ﵀: والأصح أنه لا يصير نجسًا ذكر هذين الفصلين في «صلاة المستفتي» إذا وضع رجله على أرض نجسة، أو على لبد نجس، إن كانت الرجل رطبة والأرض أو اللبد يابسًا، وهو لم يقف عليه بل مشى لا تتنجس رجله، ولو كانت الرجل يابسة والأرض رطبة وظهرت الرطوبة في الرجل تتنجس رجله، وفي بعض المواضع لا يشترط ظهور الرطوبة في الرجل؛ لأنه يظهر أثر الرطوبة في الرجل لا محالة.
وإذا نام الرجل على فراش قد أصابه مني ويبس، فعرق الرجل وابتل الفراش من عرقه، إن لم يصب بلل الفراش جسده لا يتنجس جسده، وإن أصاب بلل الفراش جسده يتنجس جسده.
وفي «مجموع النوازل»: عن أبي بكر الوراق ﵀ سئل عمن توضأ بشط نهر ومشى حافيًا إلى المسجد، قال: كاد أن ينكسر ظهري في زعم بعض الناس يتوضؤون على شطوط الأنهار، ويغسلون أقدامهم ويمشون حفاة ورجلاهم رطبة إلى مساجدهم، فينجسون الحصر والبواري وتفسد صلواتهم وصلاة أهل المسجد، ووبال ذلك عليهم، ثم ينصرفون كذلك حفاة إلى منازلهم، وينامون مع أزواجهم، فتتنجس فرشهم وأيدي أزواجهم وأرجلهم وجميع أعضائهن، فيصلين ولا يشعرن بذلك، فتفسد صلاتهن، ووبال ذلك عليهم وأكثر هذا الخوف على أرباب الدواب، وأهل الرساتيق الذين يحتاجون إلى الدخول على الدواب والمرابط كل يوم كذا مرة، وقد قيل في: إنه يرمى بالدم، فإن كان كذلك نجسًا والثوب المصبوغ به أيضًا يكون نجسًا، فيغسل ثلاث مرات ويحكم بطهارته عند أبي يوسف ﵀، وقد سألنا عن معارف النجار فأخبرونا أنه لا يرمى بالدم، وسمعنا أيضًا أن أهل فارس يستعملون البول في الديباج عند النسج، ويقولون: إن البول يزيد في بريقه، فإن كان كذلك لا شك أن ديباجهم يكون نجسًا، ولا تجوز معه الصلاة إلا بعد الغسل ثلاث مرات عند أبي يوسف ﵀، وقد وقع عند بعض الناس أن الصابون نجس؛ لأنه يتخذ من دهن الكتان، ودهن الكتان نجس لأن
[ ١ / ١٩٠ ]
أوعيته تكون مفتوحة الرأس، والغالب يقصد شربها ويقع فيها غالبًا، ولكنا لا نفتي بنجاسة الصابون لأنا لا نفتي بنجاسة الدهن؛ لأن الأصل الطهارة، والنجاسة يعارض أمرًا نادرًا وقع، إنما نفتي بنجاسة الدهن، ولا نفتي بنجاسة الصابون؛ لأن الدهن قد تغير وصار شيئًا آخر، وقد ذكرنا أن من مذهب محمد ﵀ أن النجس يصير طاهرًا بالتغيير، يفتى فيه بقول محمد ﵀ لمكان عموم البلوى.
وفي «الجامع الأصغر»: سئل خلف عمن ألقى حجرًا ملطخًا بالعذرة في نهر كبير جار، فارتفعت قطرات من الماء فأصاب ثوبه، قال: إن كان ذلك من الماء المتصل بالحجر، فسد وإن كان من غير ذلك الماء، فلا بأس به، وإن لم يعلم، فأحب إليّ أن يغسله، ويسعه أن يصلي فيه من غير أن يغسله.
وفي «الفتاوى»: سئل ابن شجاع عن هذه المسألة، فقال عليه أن يغسله، وبه قال نصر بن يحيى ﵀، وقال إبراهيم بن يوسف لا يضره ذلك، وبه قال أبو بكر إلا إن ظهر فيه لون النجاسة، قال أبو الليث ﵀: وبه نأخذ. وفيه عن إبراهيم: حمار يبول في الماء، فيصيب من ذلك الرش ثوب إنسان، قال: لا يضره وهو ماء حتى يستيقن أنه بول، قال الفقيه: وبه نأخذ.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر»: في الفرس إذا مشى على الماء وعليه راكب وأصاب ثوبه من ذلك الماء، عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أنه إذا كان في رجل الفرس نجاسة نحو السرقين وغيره صار الثوب نجسًا، سواء كان الماء جاريًا أو راكدًا، وإن لم يكن في رجله نجاسة لا يضره.
سئل أبو نصر عمن يغسل الدابة، فيصيب من مائها أو من عرقها، قال لا يضره ذلك، قيل: فإن كانت تمرغت في بولها وروثها، قال: إذا جف وتناثر وذهب عينه لا يضر أيضًا.
وفي «الأصل»: رجل مر بكنيف فسال عليه من ذلك الكنيف شيء، قال: إن علم بنجاسته فعليه غسله، وإن علم بطهارته لا يجب عليه غسله، وإن لم يعلم بنجاسته ولا بطهارته، ولم يجد من يسأل عنه يتحرى، ويبني الأمر على ما يستيقن عليه رأيه، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني، والشيخ الإمام شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده رحمهما الله: إنما بنى هذا الجواب على عرف ديارهم، أما في عرف ديارنا يغسله لا محالة؛ لأن الكنيف في ديارنا معد لصب النجاسة لا يصب فيه إلا النجاسة، أما في ديارهم: الكنيف كما يعد لصب النجاسة يعد لصب غسالة القدر، قال شيخ الإسلام: هذا وقياس كنيفهم بما عندنا الميازيب، فإنه يصب فيه الماء وغيره، فلا جرم لو أصابه شيء من الميزاب كان الجواب على ما ذكره في «الكتاب» .
[ ١ / ١٩١ ]
وعن أبي عصمة سعد بن معاذ المروزي ﵀: أن من مر بكنيف وسال منه شيء وهبت به الريح وانتضح عليه منه شيء مثل رؤوس الإبر، قال: هذا ليس بشيء، ولا يجب عليه الغسل وإن استيقن أنه بول، وهكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل»، والمذكور في «الأصل» إذا انتضح عليه البول مثل رؤوس الإبر، فليس ذلك بشيء، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: قوله: رؤوس الإبر دليل أن الجانب الآخر من الإبرة معتبرة، وليس عندنا هكذا، بل لا يعتبر.
وفي «نوادر المعلى» عن أبي يوسف ﵀: إذ انتضح من البول بشيء يرى أثره لا بد من غسله، ولو لم يغسل، وصلى كذلك، فكان إذا جمع كان أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة.
ذباب المستراح إذا جلس على ثوب رجل فقد قيل لا بأس به؛ لأن التحرز عنه غير ممكن، وقيل: لا بأس به إذا فحش.
ذكر النوع الثاني من الفصلفي بيان مقدار النجاسة التي تمنع جواز الصلاة
يجب أن يعلم بأن القليل من النجاسة عفو عندنا، لما روي أن عمر ﵁ سئل عن قليل النجاسة في الثوب، فقال: «إذا كان مقدار ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة»، ولأن التحرز عن قليل النجاسة غير ممكن، فإن الذباب يغفو على النجاسة ثم يغفو على ثياب المصلي، لا بد وأن يكون (في) أجنحتهن وأرجلهن نجاسة، فجعل القليل عفوًا لمكان البلوى، وقد صح أن أكثر الصحابة كانوا يكتفون بالاستنجاء بالأحجار، وإنه لا يزيل أصل النجاسة لولا أن القليل من النجاسة عفو، وإلا لما اكتفوا به.
ثم النجاسة نوعان: غليظة، وخفيفة، فالغليظة إذا كانت قدر الدرهم أو أقل فهي قليلة لا تمنع جواز الصلاة، وإن كانت أكثر من قدر الدرهم منعت جواز الصلاة، ويعتبر الدرهم الكبير دون الصغير، قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» الدرهم الكبير أكبر ما يكون من الدرهم ولم يبين أنه أراد بالكبير من حيث العرض والمساحة أو من حيث الوزن، وذكر في «النوادر» أن الدرهم الكبير أكبر ما يكون من الدراهم كالدراهم السود الزبرقانية، درهم كبير أسود ضربه الزبرقان، وقال في موضع آخر: الدرهم ما يكون عرض الكف كالدرهم السهيلي، فهذا اعتبار التقدير من حيث العرض.
ومن المشايخ من قال: إنما يعتبر أكبر ما تكون الدراهم من نقود زمانهم أما ما كان من النقود وانقطع لا يعتبر، وذكر في «كتاب الصلاة»: واعتبر الكبير من حيث الوزن، قال الفقيه أبو جعفر ﵀ يوفق بين ألفاظ محمد ﵀، فنقول (٢٨ب١) أراد بالتقدير من حيث الوزن تقدير النجاسة الغليظة، وهو الصحيح من المذهب أن في الرقيقة يعتبر الدرهم من حيث العرض، وفي الغليظة يعتبر الدرهم من حيث الوزن، ثم إنما قدروا بالدرهم، لما روي عن عمر ﵁ أنه قدره بظفره، وظفره كان يبلغ قدر الدرهم الكبير واعتبارًا لموضع الحدث؛ لأن الشرع عفى عن النجاسة التي في موضع الحدث،
[ ١ / ١٩٢ ]
فإنه حكم بطهارته بالاستنجاء بالحجر، وإنه يزيل العين لا الأثر، والأثر مانع جواز الصلاة كالعين، فدل أن الشرع عفا عن النجاسة التي في موضع الحدث، وموضع الحدث يبلغ قدر الدرهم الكبير لكن استقبحوا ذكر موضع الحدث، فكنوا عنه بالدرهم، هكذا قاله إبراهيم النخعي ﵀.
وأما النجاسة الخفيفة، فالتقدير فيها بالكثير الفاحش هكذا ذكر محمد ﵀ في هذا «الكتاب»، وفي «الأصل» ولم يبين لذلك حدًا، وروى بشر بن غياث عن أبي يوسف ﵀، قال: سألت أبا حنيفة ﵀ عن حد الكثير الفاحش فكره أن يحد فيه حدًا، فقال: الكثير الفاحش ما يستفحشه الناس ويكثرونه، وكان لا يقدر ما استطاع؛ لأن المقادير لا تعرف قياسًا.
وروى الحسن في «المجرد» عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: الكثير الفاحش شبر في شبر في «كتاب الصلاة» للمعلى قال: هو شبر أو أكثر، وعن محمد ﵀ أنه قال: الكثير الفاحش هو ربع الثوب، وذكر أبو علي الدقاق ﵀ في كتاب «الحيض»: الكثير الفاحش عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله ربع الثوب، وروى هشام عن محمد ﵀ أنه قال: الكثير الفاحش مقدار باطن الخفين معًا، وأن يستوعب القدمين، وروي عن محمد ﵀ أن الفاحش في الخف أكثر الخف، وإنما خص الخف بالأكثر على هذه الرواية؛ لأن الضرورة فيه مستدامة خصوصًا لسايس الدواب، فقدر الفاحش فيه بالأكثر إظهارًا لتوسعه، وقد اختلفت الروايات فيه عن أبي يوسف ﵀، ذكر في «كتاب الصلاة»: أنه شبر في شبر، قاله الفقيه أبو الليث ﵀، وهكذا ذكر في «الأمالي» .
وفي «صلاة الأثر» قال أبو يوسف ﵀ في لعاب الحمار: قدر شبر فاحش يعيد منه الصلاة، وفي عرفه الفاحش أكثر من شبر، وفي الوضوء أكثر من شبر على أصله، وذكر الطحاوي في «مختصره» عن أبي يوسف ذراعًا في ذراع، وقيل على قوله على قياس مسائل كثيرة، الكثير الفاحش أكثر من النصف، في النصف روايتان.
قال مشايخنا: الأصح التقدير بالربع؛ لأن الربع أقيم مقام الكل في كثير من الأحكام، المسح ربع الرأس أقيم مقام الكل، وكحلق ربع الرأس في الإحرام أقيم مقام حلق الكل، وكذا كشف ربع العورة أقيم مقام كشف الكل.
ثم اختلف المشايخ في كيفية اعتبار الربع بعضهم، قالوا: يعتبر ربع جميع الثوب لأن اسم الثوب يقع على المحيط بجميع أجزائه، فيصير ربع جميع الثوب إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم، حكي عن أبي بكر الرازي أنه يعتبر ربع السراويل احتياطًا؛ لأنه أقصر الثياب، ومنهم من قال: يعتبر ربع ثوب كامل، وقال بعض المشايخ: يعتبر ربع الطرف الذي أصابه النجاسة، يعني: ربع الكم أو الذيل أو الدخريص.
بعد هذا يحتاج إلى الحد الفاصل بين الغليظة والخفيفة: قال القدوري ﵀ في «شرحه»: النجاسة الغليظة عند أبي حنيفة ﵀ كل عين ورد في نجاستها نص ولم
[ ١ / ١٩٣ ]
يعارضه نص آخر اختلف الناس فيها أو اتفقوا فيها، أشار إلى أنه إذا عارضه نص آخر فهي خفيفة اتفق الناس فيها أو اختلفوا، وهذا لأن النص يعارض النص، فإن لم يعمل بأحدهما بدليل فلا أقل من أن يؤثر في تخفيف حكمه، أما إذا لم يعارضه نص لا يخفف حكم النجاسة، اختلف الناس فيها أم اتفقوا؛ لأنه لم يعارض النص (إلا الاختلاف)، والاختلاف ليس بحجة بمقابلة النص إلى النص حجة، وقال أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله: ما شاع الاجتهاد في طهارته فهو مخفف؛ لأن الاجتهاد حجة في حق وجوب العمل كالنص.d
وثمرة الاختلاف تظهر في الأرواث: عند أبي حنيفة ﵀ نجاستها غليظة؛ لأنه ورد فيه النص، وهو حديث ابن مسعود ﵁ على ما روينا، ولم يعارض هذا الحديث نص آخر فيتغلظ؛ وعندهما نجاستها خفيفة لاختلاف العلماء فيه، ولمكان البلوى، فإن الطرق مملوءة فيها، وقد يحتاج الإنسان إلى سوق الدواب فيمشي عليها، فيصيبه الروث على وجه لا يمكنه الدفع عن نفسه، وللضرورة أثر في إسقاط النجاسة كما في سؤر الهرة، فلأن يكون لها أثر في التخفيف أولى وقد ذكرنا رواية «المعلى» عن محمد ﵀ أنه قال: الروث لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرًا فاحشًا.
ونجاسة بول ما يؤكل لحمه على قول من يقول بنجاسته خفيفة، حتى لو أصاب الثوب لا يمنع جواز الصلاة ما لم يكن كثيرًا فاحشًا، وإذا وقع قطرة في الماء أفسده؛ لأن القليل في الماء يصير كثيرًا، وإنما كانت نجاسته خفيفة إما لأن بنجاسته اختلاف، فتخفف نجاسته، أو لأن فيه ضرورة وللضرورة أثر في التخفيف.
قال الفقيه أحمد بن إبراهيم: إن أصحابنا جعلوا القيء في «ظاهر الرواية» كالعذرة والبول، حتى قالوا إذا أصاب يده القيء، وهو أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة معه، وفي رواية الحسن ﵀ ما جعله كذلك حتى كان التقدير فيه بالكثير الفاحش على رواية الحسن، ووجه ذلك أن القيء في الأصل طعام طاهر وقد تغير عن حاله، فلا هو طعام طاهر على الكمال ولا استحال غائطًا على الكمال، فلا تعطى له درجة الطاهر ولا درجة البول والغائط، بل يحكم له بحكم التخفيف؛ ليكون حكمه مأخوذًا من كل الأصل، فيتقدر فيه بالكثير الفاحش، كما في سائر النجاسات الخفيفة.
ونجاسة سؤر سباع البهائم غليظة في إحدى الروايتين عن محمد ﵀، وفي رواية أخرى عنه خفيفة، وهو قول أبي يوسف ﵀، وعلل أبو يوسف فقال: الناس اختلفوا في نجاسة سؤر سباع البهائم وطهارته، فأوجب ذلك تخفيفًا فيه كبول ما يؤكل لحمه.
والخمر: وهي التي من ماء العنب إذا غلى وقذف بالزبد واشتد، نجاستها غليظة، وإذا طبخ أدنى طبخة وغلى واشتد وقذف بالزبد، فنجاستها غليظة، إليه أشار محمد ﵀ في كتاب الأشربة، قالوا: هكذا روى هشام عن أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمة الله عليهما، وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ أن على قول
[ ١ / ١٩٤ ]
أبي حنيفة، وأبي يوسف يجب أن تكون نجاستها خفيفة، والفتوى على الأول أن نجاستها غليظة والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل
ذكر الحاكم الشهيد ﵀ في أسآره أن النجاسة إذا أخرجت من البئر ولم ينزح شيء من الماء بعد، فنجاسة الماء غليظة، ثم بقدر ما ينزح من الماء تخف النجاسة وتقل قال: وهذا كما قلنا في الكلب إذا ولغ في إناءين، فغسلت إحداهما مرة وغسلت الأخرى مرتين، إن كل واحد منهما نجس ثم غسلا مرة مرة، فإن الذي غسل في المرة الأولى مرتين طهر والآخر لا يطهر ما لم يغسل مرة باليد.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: قال مشايخنا: نجاسة الثوب إذا غسل الثوب ينبغي أن يكون على هذا القياس.
بيانه: في الثوب النجس إذا غسل في ماء طاهر وعصر ثم غسل في ماء آخر على هذا القياس طاهر، وعصر ثم غسل في ماء ثالث طاهر وعصر، فإن الثوب يطهر والمياه كلها نجسة، ولو أنه أصاب هذا الماء الثالث ثوبًا ينبغي أن يطهر هذا الثوب بالعصر، وإن لم يغسل؛ لأن ما دخل فيه من النجاسة لو كانت في الثوب الأول، فكان يطهر بالعصر، ولا يحتاج فيه إلى الغسل، ولو أصاب الماء الثاني كانت طهارته بالعصر والغسل مرة، ولو أصاب الماء الأول كانت طهارته بالعصر والغسل مرتين، وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» أن الماء الثاني أو الثالث من غسالة الثوب النجس إذا أصاب الثوب لا يطهر الثوب إلا بالغسل ثلاثًا، وفرق (٢٩أ١) بين مسألة البئر وبين مسألة الثوب، وفي «شرح الجامع» من تعليقي في مسألة الثوب أن نجاسة المياه على نمط واحد عند أبي يوسف ﵀، وعند محمد ﵀ نجاستها مختلفة.
فمن حكم الماء الأول أنه إذا أصاب ثوبًا آخر لا يطهر إلا بالغسل ثلاث مرات، ومن حكم الماء الثاني أنه إذا أصاب الثوب لا يطهر إلا بالغسل مرتين، ومن حكم الماء الثالث أنه إذا أصاب الثوب يطهر بالغسل مرة؛ لأن بالغسل تحولت النجاسة من الثوب إلى الماء، فيصير الماء والذي أصابه هذا الماء على الصفة التي كان الثوب الأول، والثوب الأول حال إصابته النجاسة كان بحال لا يطهر إلا بالغسل ثلاثًا، وبعد الغسل الأول كان بحال لا يطهر إلا بالغسل مرتين، وبعد الغسل الثاني كان بحال يطهر مرة بالغسل، فكذا الذي أصابته هذه المياه على هذا الترتيب والله أعلم.
في تطهير النجاسات
يجب أن تعلم أن إزالة النجاسة واجبة، قال الله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ (المدثر: ٥) وقال تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (المدثر: ٤) وإزالتها إن كانت مرئية بإزالة عينها وأثرها إن كانت شيئًا يزول أثرها ولا يعتبر فيه العدد، وإن كان شيئًا لا يزول أثرها فإزالتها بإزالة عينها ويكون ما بقي من الأثر عفوًا، وإن كان كثيرًا، وإنما اعتبرنا زوال العين، والأثر فيما يزول
[ ١ / ١٩٥ ]
الأثر؛ لأن النجاسة كانت باعتبار العين والأثر، فيبقى ببقائهما ويزول بزوالهما، وإنما لم يعتبر زوال الأثر فيما لا يزول أثرها لما روي عن رسول الله ﵇ «أنه قال لخولة حين سألته عن دم الحيض: اغسليه ولا يضرك أثره»، والمعنى في ذلك الحرج.
بيانه: أن المرأة إذا خضبت يدها أو رأسها بحناء نجسة، لو شرطنا زوال الأثر لثبوت الطهارة تقاعدت عن الصلاة أيامًا كثيرة، وفيه من الحرج ما لا يخفى، وكذلك الرجل إذا صبغ ثوبه بصبغ نجس لو شرطنا زوال الأثر لثبوت الطهارة لتقاعد عن الصلاة إذا لم يكن له إلا هذا الثوب، وإنه قبيح.
وحكي عن الفقيه أبي إسحاق الحافظ ﵀: أن المرأة إذ خضبت يدها بحناء نجسة أو الثوب إذا صبغ بصبغ نجس غسلت يدها وغسل الثوب إلى أن يصفو ويسيل معه ماء أبيض، ثم يغسل بعد ذلك ثلاثًا، ويحكم بطهارة يدها وبطهارة الثوب بالإجماع.
وكان الفقيه أبو جعفر ﵀ يذكر مسألة الحناء والثوب المصبوغ بالصبغ النجس، ويقول على قول محمد ﵀ لا يطهر، وكان الفقيه أبو إسحاق هذا ﵀ يقول في الدم إذا كان عنيفًا لا يذهب أثره بالغسل، يغسل إلى أن يصفو أو يسيل الماء من الثوب على لونه ثم يغسل بعد ذلك ثلاثًا، وكذلك الصديد وغيرها من النجاسات العنيفة.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا غمس الرجل يده في سمن نجس، ثم غسل اليد في الماء الجاري بغير حرض، وأثر السمن باق على يده، طهرت به، لأن نجاسة السمن باعتبار المجاور، وقد زال المجاور عنه، فيبقى على يده سمن طاهر، وهذا لأن تطهير السمن بالماء ممكن، ألا ترى إلى ما روي عن أبي يوسف ﵀ في الدهن إذا أصابته نجاسة أنه يجعل في إناء «ويصبّ عليه الماء ثلاثًا»، فغسله الدهن فيرفع بشيء، هكذا نفعل ثلاث مرات ويحكم بطهارته في المرة الثالثة.
وإن زال العين والأثر في المرة الأولى هل يحكم بطهارة الثوب، اختلف المشايخ فيه منهم من قال تطهر؛ لأن النجاسة كانت بسبب العين وقد انتفت بزوال العين، فيحكم بطهارة الثوب كما لو غسله ثلاثًا.
في تطهير النجاسات
يجب أن تعلم أن إزالة النجاسة واجبة، قال الله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ (المدثر: ٥) وقال تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (المدثر: ٤) وإزالتها إن كانت مرئية بإزالة عينها وأثرها إن كانت شيئًا يزول أثرها ولا يعتبر فيه العدد، وإن كان شيئًا لا يزول أثرها فإزالتها بإزالة عينها ويكون ما بقي من الأثر عفوًا، وإن كان كثيرًا، وإنما اعتبرنا زوال العين، والأثر فيما يزول الأثر؛ لأن النجاسة كانت باعتبار العين والأثر، فيبقى ببقائهما ويزول بزوالهما، وإنما لم يعتبر زوال الأثر فيما لا يزول أثرها لما روي عن رسول الله ﵇ «أنه قال لخولة حين سألته عن دم الحيض: اغسليه ولا يضرك أثره»، والمعنى في ذلك الحرج.
بيانه: أن المرأة إذا خضبت يدها أو رأسها بحناء نجسة، لو شرطنا زوال الأثر لثبوت الطهارة تقاعدت عن الصلاة أيامًا كثيرة، وفيه من الحرج ما لا يخفى، وكذلك الرجل إذا صبغ ثوبه بصبغ نجس لو شرطنا زوال الأثر لثبوت الطهارة لتقاعد عن الصلاة إذا لم يكن له إلا هذا الثوب، وإنه قبيح.
وحكي عن الفقيه أبي إسحاق الحافظ ﵀: أن المرأة إذ خضبت يدها بحناء نجسة أو الثوب إذا صبغ بصبغ نجس غسلت يدها وغسل الثوب إلى أن يصفو ويسيل معه ماء أبيض، ثم يغسل بعد ذلك ثلاثًا، ويحكم بطهارة يدها وبطهارة الثوب بالإجماع.
وكان الفقيه أبو جعفر ﵀ يذكر مسألة الحناء والثوب المصبوغ بالصبغ النجس، ويقول على قول محمد ﵀ لا يطهر، وكان الفقيه أبو إسحاق هذا ﵀ يقول في الدم إذا كان عنيفًا لا يذهب أثره بالغسل، يغسل إلى أن يصفو أو يسيل الماء من الثوب على لونه ثم يغسل بعد ذلك ثلاثًا، وكذلك الصديد وغيرها من النجاسات العنيفة.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا غمس الرجل يده في سمن نجس، ثم غسل اليد في الماء الجاري بغير حرض، وأثر السمن باق على يده، طهرت به، لأن نجاسة السمن باعتبار المجاور، وقد زال المجاور عنه، فيبقى على يده سمن طاهر، وهذا لأن تطهير السمن بالماء ممكن، ألا ترى إلى ما روي عن أبي يوسف ﵀ في الدهن إذا أصابته نجاسة أنه يجعل في إناء «ويصبّ عليه الماء ثلاثًا»، فغسله الدهن فيرفع بشيء، هكذا نفعل ثلاث مرات ويحكم بطهارته في المرة الثالثة.
وإن زال العين والأثر في المرة الأولى هل يحكم بطهارة الثوب، اختلف المشايخ فيه منهم من قال تطهر؛ لأن النجاسة كانت بسبب العين وقد انتفت بزوال العين، فيحكم بطهارة الثوب كما لو غسله ثلاثًا.
وقال بعضهم وإن زال العين بالمرة الأولى ما لم يغسله مرتين لا يحكم بطهارته اعتبارًا بغير المرئي، وهذا لأن المرئي لا يخلو عن غير المرئي، فإن رطوبته التي اتصلت بالثوب لا تكون مرئيًا، وغير المرئي لا يطهر إلا بالغسل ثلاثًا، فكذا هذا إذا كانت النجاسة مرئية.
وإن كانت غير مرئية كالبول والخمر، ذكر في «الأصل»، وقال يغسلها ثلاث مرات ويعصر في كل مرة، فقد شرط الغسل ثلاث مرات، وشرط العصر في كل مرة. وعن محمد ﵀ في غير رواية الأصول: أنه إذا غسل ثلاث مرات وعصر في المرة الثالثة تطهر.
[ ١ / ١٩٦ ]
وفي «القدوري» ما لم تكن مرئية، فالطهارة موكولة إلى غلبة الظن، وقدرنا بالثلاث؛ لأن غلبة الظن يحصل عنده.
وفي «شرح الطحاوي» إن كانت النجاسة غير مرئية كالبول وأشباه ذلك يغسله حتى يطهر ولا وقت في غسله ووقته سكون قلبه إليه.
وهذا الذي ذكرنا من اشتراط الغسل ثلاث مرات مذهبنا.
وقال الشافعي ﵀: إذا كانت النجاسة غير مرئية فإنه يطهر بالغسل مرة والعصر إلى أن يخرج الماء، وقد روي عن أبي يوسف ﵀ مثل قول الشافعي، وإنه ذكر الحاكم الشهيد ﵀ في «المنتقى» عنه: أنه إذا غسل مرة واحدة ما معه طهر، فالشافعي ﵀ اعتبر النجاسة الحقيقية بالنجاسة الحكمية، والنجاسة الحكمية تزول بالغسل مرة، وكذا الحقيقية، بل أولى لوجهين:
أحدها: أن الحكمية أغلظ من الحقيقية لأن الحكمي، وإن قل يمنع جواز الصلوة، ولا يكون عفوًا والحقيقي ما لم يكن كثيرًا لا يمنع جواز الصلوة خصوصًا على أصلكم.
والثاني: أن الحكمي لا يسقط اعتبارها عند عدم ما يزيلها، فإنه إذا لم يجد الماء وكان على بدنه نجاسة يصلي كذلك، وفي الحكمي ينتقل إلى التراب، فصح أن الحكمية أغلظ من الحقيقية والتقريب ما ذكرنا.
ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «إذا استيقظ من منامه، فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، إنه لا يدري أين باتت يده» فالنبي ﵇ أمر بغسل اليد ثلاثًا من نجاسة غير مرئية إذا كانت متوهمة، فلأن يجب عن نجاسة متحققة أولى وأحرى.
واعتبار النجاسة الحقيقية بالنجاسة الحكمية باطل؛ لأن الحكمية عرف ثبوتها بالحكم لا بالحقيقة، فيعرف زوالها بالحكم والحكم حكم بالزوال مرة واحدة، لما روي عن النبي ﵇ «أنه توضأ مرة مرة، وقال «هذا وضوء من لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به» فقد حكم بزوالها مرة واحدة، فأما الحقيقية عرف ثبوتها بالحقيقة، فيعرف زوالها بالحقيقة، والحقيقية المرئية في الأغلب لا يزول إلا بالثلاث، فاعتبر غير المرئي بها ثم يشترط «الأصل» ثلاث مرات في ظاهر رواية الأصل، وإنه أحوط، وفي غير رواية الأصول يكتفي بالعصر مرة، وإنه أوسع وأرفق بالناس.
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «صلاة المستفتي» أن النجاسة إذا كانت بولًا أو ماءً نجسًا وصب الماء عليه كفاه ذلك، ويحكم بطهارة الثوب على قياس قول أبي يوسف ﵀، فإنه روي عنه أن الجنب إذا اتزر في الحمام وصب الماء على جسده من جنب الظهر والبطن حتى خرج عن الجنابة ثم صب الماء على الإزار يحكم بطهارة
[ ١ / ١٩٧ ]
الإزار، وإن لم يعصره. وقال في رواية أخرى: إذا صب الماء على الإزار وأمرّ الماء يكفيه فوق الإزار فهو أحسن وأحوط، فإن لم يفعل يجزئه.
وفي «المنتقى» شرط العصر على قول أبي يوسف ﵀، فقد روى ابن سماعة عنه في الثوب يصيبه مثل قدر الدرهم من البول، فصب عليه الماء صبة واحدة وعصره طهر، وكذلك إذا غمسه غمسة واحدة في إناء أو نهر جار وعصره، فإن ذلك يطهره وإن غمسه غمسة سابغة، فلم يطهره، قال الحاكم الشهيد ﵀ يريد به إذا لم يعصره.
وبعض مشايخنا قالوا على قول أبي يوسف إذا كانت النجاسة رطبة لا يشترط العصر، وإذا كانت يابسة يشترط.
واستدلوا بما روي عنه أنه قال عقيب مسألة الجنب: إذا اتزر في الحمام وصب الماء على جسده ثم صب الماء على الإزار إنه يحكم بطهارة الإزار، ثم قال: وكذلك في الثوب، فقد عطف الثوب على الإزار ونجاسة الإزار رطبة؛ لأن نجاستها بنجاسة الماء المستعمل، فإن الماء المستعمل عند أبي يوسف نجس، ثم في كل موضع شرط العصر ينبغي أن يبالغ في العصر في المرة الثالثة، حتى يصير الثوب بحال لو عصر بعد ذلك لا يسيل منه الماء، ويعتبر في حق كل شخص قوته وطاقته ثلاثًا.
و(لو) عصر في كل مرة ثم تقاطر منه قطرة، فأصاب شيئًا قال ينظر إن عصر في المرة (٢٩ب١) الثالثة عصرًا بالغ فيه حتى صار بحال لو عصر لم يسل منه، فالثوب طاهر واليد طاهرة وماتقاطر طاهر، وإن لم يبالغ في العصر في المرة الثالثة، وكان الثوب بحال لو عصر سال الماء، فالماء نجس، والثوب نجس، وما تقاطر نجس؛ لأن الأول بله والتحرز عنه غير ممكن، والثاني ماء والتحرز منه ممكن.
ثم الغسل يكون بطرفين، تورد الماء على العين النجس بأن يصب الماء على العين النجس، ويغسل، ويورد الماء على العين النجس على الماء بأن يجعل الماء في طست ويلقى فيه الثوب النجس، والقياس: أن يطهر العين النجس سواء ورد الماء عليه أو ورد هو على الماء؛ لأن الماء لاقى النجاسة في الحالين، فينجس بأول الملاقاة وتحتمل الغسل بالماء النجس، ولكن ترك القياس حال ورود الماء على النجس، وحكم بالطهارة بالإجماع.
وفي حال ورود النجس على الماء خلاف، والمسألة في «الجامع»، وصورتها: إذا غسل الثوب النجس في إجانة ماء وعصر، ثم غسل في إجانة أخرى وعصر، ثم غسل في إجانة أخرى، وعصر فقد طهر الثوب والمياه كلها نجسة، هكذا ذكر المسألة في «الجامع» .
وذكر بعد هذه المسألة في «الجامع»: إذا غسل العضو النجس في ثلاث إجانات فقد طهر عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وعند أبي يوسف ﵀: لا يطهر ما لم يصب عليه الماء صبًا، ذكر الخلاف في فصل العضو ولم يذكره في فصل الثوب، والمشايخ المتأخرون يختلفون في ذلك، فمشايخ عراق على أن الخلاف في الفصلين
[ ١ / ١٩٨ ]
واحد عند أبي يوسف ﵀ لا يطهر الثوب ما لم يصب عليه الماء صبًا كالعضو، قيل وهكذا روى عنه في «النودار»، ومشايخ بلخ ﵏ على أن الخلاف في فصل العضو لا غير، وفرقوا على قول أبي يوسف بين فصل العضو وبين فصل الثوب، قيل: وهكذا روى ابن سماعة في «نوادره»، فإن حملنا فصل الثوب على الخلاف، فوجه قول أبي يوسف ﵀ في الفصلين أن القياس أن لا يطهر العين النجس في الأحوال كلها؛ لأن الماء يلاقي النجس في الحالتين، فينجس بأول الملاقاة.
ويحتمل بالماء النجس لكن عرفنا الطهارة حال ورود الماء عليه بالنص على ما مر، والنص الوارد حال ورود الماء عليه لا يكون واردًا حال وروده على الماء؛ لأن الماء حالة الصب على النجس بمعنى الماء الجاري؛ لأنه ينزل على الماء الذي تنجس بأول الملاقاة ماء طاهر مرة بعد أخرى، فيصير بمعنى الماء الجاري؛ لأن ما يلاقي النجس من الماء الجاري، يتنجس بأول الملاقاة ثم ينزل على ما يتنجس من الماء ماء طاهر مرة بعد أخرى فيطهره.
وإذا أورد النجس على الماء لايرد على الماء الذي يتنجس ماء طاهر ليطهره، فيكون بمعنى الماء الراكد لا يرد عليه ماء طاهر مرة بعد أخرى، والماء الجاري أقدر على إزالة النجاسة، وألقى لها من الماء الراكد.
ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أنا تركنا القياس حال ورود الماء على النجس ضرورة إمكان التطهير، يجب أن يترك القياس حال ورود النجس على الماء ضرورة إمكان التطهير أيضًا، أكثر ما في الباب أن الضرورة تندفع بورود الماء على النجس، إلا أنه ليس أحدهما بالتعيين بأولى من الآخر إذا كان كل واحد منهما مؤثرًا أو كل واحد منهما مؤثر؛ لأن الماء تداخل أجزاء الثوب في الحالين، وبالعصر يخرج ويخرج النجاسة مع نفسه، ألا ترى أن أبا يوسف ﵀ كما ترك القياس حال ورود الماء على النجاسة ضرورة إمكان التطهير، ترك القياس حال ورود النجاسة على الماء ضرورة إمكان التطهير، وإن كانت الضرورة تندفع بالماء ما كان الطريق إلا ما قلنا إن كل واحد منهما مؤثر، وليس أحدهما بالتعيين أولى من الأخرى كذا ههنا.
وقوله بأن الماء حال وروده على النجس، يصير بمعنى الماء الجاري على ما قدر قلنا الماء الثاني والثالث يتنجس أيضًا بملاقاة النجاسة إياه إلا أن النجاسة في المرة الثالثة والثانية يكون أقل من النجاسة في المرة الأولى، لكن قليل النجاسة في تنجيس الماء القليل والكثير سواء، ثم وجب ترك القياس في أحد الموضعين ضرورة إمكان التطهير، فكذا في الباقي، وإن حملها فصل الثوب على الوفاق، فوجه الفرق لأبي يوسف بين الثوب وبين العضو أن في الثوب تركناالقياس، لتعامل الناس، فإن الناس يتعاملون بغسل الثياب في الإجانات من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا، والقياس يترك بالتعامل، والتعامل في العضو بصب الماء لا بإدخال العضو في الماء القليل، فيبقى فصل العضو على أصل القياس.
[ ١ / ١٩٩ ]
والدليل على ترك القياس في الثوب كان للتعامل، ما حكي عن الفقيه أبي إسحاق الحافظ ﵀: أنه لو غسل ثلاثة أثواب مختلفة في ثلاثة إجانات وعصرها في كل مرة لا تطهر؛ لأنه لا تعامل فيه، إنما التعامل في ثوب واحد، ثم إذا طهر الثوب بالغسل في الإجانات على قول من قال به طهرت الإجانة، لأن نجاسة الإجانة كانت تبعًا لنجاسة الثوب، فإذا طهر الثوب طهرت الإجانة بطريق التبعية، وهو نظير ما قلنا في طهارة الدلو والرشاء تبعًا لطهارة البئر، هذا إذا أصابت النجاسة شيئًا يتأتى فيه العصر.
فأما إذا أصابت شيئًا لا يتأتى فيه العصر، فقام إجراء الماء فيه مقام العصر حتى حكي عن الفقيه أبي إسحق الحافظ ﵀: أنه إذا أصابت النجاسة البدن يطهر بالغسل ثلاث مرات متواليات؛ لأن العصر متعذر فقام التوالي في الغسل مقام العصر.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: خف بطانة ساقه من الكرباس، فدخل جوفه ماء نجس، فغسل الخف ودلكه باليد ثم ملأه بالماء ثلاثًا وأهراقه إلا أنه لم يتهيأ له عصر الكرباس، فقد طهر الخف وعلل ثمة فقال: لأن جريان الماء قد يقام مقام الغسل واستشهد، فقال: ألا ترى أن البساط النجس إذا جعل في نهر وترك فيه يومًا وليلة حتى جرى عليه الماء يطهر، وإذا أصابت النجاسة الأرض، فإن كانت رخوة طهرت بالصب عليها؛ لأنها صارت بمنزلة العصر في الثوب، وإن كانت صلبة فاندفع الماء عن موضع النجاسة طهر ذلك المكان، وينجس الموضع الذي انتقل الماء إليه، وإن لم ينتقل الماء عن ذلك المكان يحفر ذلك الموضع، هكذا ذكر القدوري ﵀، ومعنى قوله يحفر ذلك الموضع أنه يجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها.
وفي «الطحاوي»: إذا كانت الأرض محددة، وكانت صلبة، فإنه يحفر في أسفلها حُفيرة، فيصب الماء عليها، فيجمع الماء في تلك الحفيرة فيغسل الأرض ثم يكنس الحفيرة، وإن كانت الأرض مستوية وكانت صلبة، فلا حاجة إلى غسلها بل يجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها ويطهر.
وفي «الفتاوى»: البول إذا أصاب الأرض واحتيج إلى الغسل يصب الماء عليه عند ذلك وينشف ذلك أو خرقة، فإذا فعل ذلك ثلاثًا طهر وإن لم يفعل كذلك، ولكن صب عليه ماءً كثيرًا حتى عرف أنه زالت النجاسة، ولا يوجد في ذلك لون ولا ريح ثم تركه حتى تنشفه الأرض كان طاهرًا، وعن الحسن بن أبي مطيع ﵀ قال: لو أن أرضًا أصابها نجاسة، فصب عليها الماء، فجرى عليها إلى أن أخذت قدر ذراع من الأرض طهرت الأرض، والماء طاهر ويكون ذلك بمنزلة الماء الجاري.
وفي «المنتقى»: أرض أصابها بول أو عذرة ثم أصابها ماء المطر، وكان المطر غالبًا قد جرى ماؤه عليه فذلك مطهر له، وإن كان المطر قليلًا لم يجر ماؤه عليها لم يطهر، ثم قال: وليغسل قدميه وخفيه؛ لأن غسل كل شيء إنما يكون على حسب ما يليق
[ ١ / ٢٠٠ ]
بذلك الشيء واللائق بالأرض إجراء الماء عليه قد وجد إذا كان المطر غالبًا، ولم يوجد إذا كان المطر قليلًا، فبقي نجسًا، فإذا وضع عليها خفه أو قدمه فقد تنجس، فيجب الغسل، فإذا كان ذلك الموضع قد يبس قبل المطر، فلا يغسل (٣٠أ١) قدميه يريد به إذا كان المطر قليلًا، وهذه إشارة إلى إحدى الروايتين في الأرض النجسة يبست ثم أصابها الماء.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر» عن أبي يوسف رحمهما الله أنه سئل عن غسل أرض أصابها نجاسة، قال: إذا صب عليها من الماء مقدار ما يغسل به ثوب أصابته هذه النجاسة ثلاث مرات، وعصر في كل مرة يطهر وطهرت الأرض بهذا المقدار، فبلغ هذا القول أبا عبد الله محمد بن سلمة ﵀، فأعجبه وقال: ما أحد أتى أبا يوسف ﵀ إلا وجد عنده فائدة.
حصير أصابه نجاسة، فإن كانت النجاسة يابسة لا بد من الدلك حتى تلين، وإن كانت رطبة إن كان الحصير من قصب أو ما أشبه ذلك، فإنه يطهر بالغسل ولا يحتاج فيه إلى شيء آخر؛ لأن النجاسة لا تدخل أجزاء القصب، بل تبقى على ظاهر، فيطهر بالغسل، وإن كان الحصير من بردي أو ما أشبه ذلك غسل ويوضع عليه شيء ثقيل أو يقوم عليه إنسان حتى يخرج الماء من أثنائه، هكذا ذكر في بعض المواضع ذكر عن الفقيه أحمد بن إبراهيم أن الحصير إذا كان من بردي يغسل ثلاثًا، ويجفف في كل مرة ويطهر عند أبي يوسف ﵀، خلافًا لمحمد ﵀.I
وفي «شرح الطحاوي» أنه لا يؤقت في إزالة النجاسة إذا أصابت الحجر أو الآجر أو شيئًا من الأواني، بل يغسله مقدار ما يقع في أكبر رأيه أنه قد طهر، ويشترط مع ذلك أن لا يوجد منه طعم النجاسة ولا رائحتها ولا لونها، فأما إذا وجد هذه الأشياء لا يحكم بالطهارة قال ثمة: وسواء كانت الآنية من خزف أو غيره، وسواء كانت قديمة أو جديدة.
وعن محمد ﵀ أن الخزف الجديد إذا وقع فيه خمر أو بول أنه لا يطهر أبدًا.
وفي «النوازل»: إن تشربت النجاسة في النصاب بأن غمس السكين بماء نجس أو كان الخزف أو الآجر جديدين على قول محمد ﵀ لا يطهر أبدًا، وعلى قول أبي يوسف ﵀ يمر الحديد بالماء الطاهر ثلاثًا ويغسل الآجر الجديد والخزف الجديد بالماء ويجفف في كل مرة ويطهر.
وحدّ التجفيف أن يترك في كل مرة حتى ينقطع التقاطر وتذهب الندوة ولا يشترط اليبس.
وعلى هذا الاختلاف الحنطة إذا أصابتها خمر وتشربت فيها وانتفخت من الخمر فغسلها عند أبي يوسف أن تنقع في الماء حتى تشرب الماء كما تشربت الخمر ثم تجفف، يفعل ذلك ثلاث مرات ويحكم بطهارتها عند أبي يوسف، وقيل: مثل هذا في غسل الخزف الجديد أن يوضع في الماء حتى يتشرب فيه الماء كالنجاسة، ويطهر في قول أبي يوسف.
ورأيت في «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀ ثوب كان فيه خمر فتطهيره أن يجعل الماء فيه ثلاث مرات كل مرة بساعة إذا كان الثوب جديدًا.
[ ١ / ٢٠١ ]
إذا أصابت الحنطة الخمر إلا أنها لم تنتفخ من الخمر فغسلت ثلاثًا ولا يوجد لها طعم ولا رائحة ذكر في بعض المواضع عن أبي يوسف أنه لا بأس بأكلها، وفي «شرح الطحاوي»: أنه لا يحل أكلها، وكأن المذكور في «شرح الطحاوي» قول محمد ﵀.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀ لو طبخت الحنطة بخمر حتى تنتفخ وتنضج فطبخت بعد ذلك ثلاث مرات وانتفخت في كل مرة وجفت بعد كل طبخة فلا بأس بأكلها وفيه أيضًا: الدقيق إذا أصابه خمر لم يؤكل وليس لهذا حيلة. وفيه أيضًا: قدر يطبخ فيه لحم وقع فيه خمر فغلى فيه لا يؤكل، وهذا قول محمد ﵀، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يطبخ بالماء ثلاث طبخات ويرد بعد ذلك كل طبخة ويؤكل.
وفي مسائل: امرأة تطبخ بقدر فطار طير ووقع في القدر ومات لا تؤكل المرقة بالإجماع لأنه تنجس بموت الطير فيه، وأما اللحم ينظر إن كان الطير وقع في القدر حالة الغليان لا يؤكل لأن النجاسة سرت فيه، وإن كان الطير قد وقع في القدر حالة السكون يغسل ويؤكل، وهذا قول محمد ﵀: فأما على قول أبي يوسف ﵀: إذا كان الوقوع في القدر حالة الغليان يطبخ في الماء ثلاث مرات ويرد في كل مرة ويؤكل.
وكذلك الجمل المشوي إذا كان في بطنها بعر فأصابت بعض اللحم في حالة الشي، فطريق غسله ما ذكرنا عند أبي يوسف ﵀.
أبو يوسف عن أبي حنيفة ﵀: رجل اتخذ من سمك وملح وخمر إذا صار مرقًا فلا بأس للأثر الذي جاء عن أبي الدرداء ﵁، وأبو يوسف ﵀ يقول كذلك إلا في مسألة واحدة أن السمك إذا كان هو الغالب والخمر قليل فأراد أن يتناول شيئًا منه ليس له ذلك وهو كالخبز عجن بالخمر وإذا كان غالبًا وتحول الخمر عن طبيعتها إلى المرق فلا بأس بذلك.
وفيه أيضًا عن أبي يوسف ﵀ لو أن رجلًا اتخذ من الخمر طيبًا أو ألقى فيه فإنه لا يحل له أن يتطيب به وأن به، ولا يحل له بيعها لأن ذلك لا يغيرها عن طبها.
وكذلك ما خالط الخمر من الإدام فإن الخمر يحرمه ماخلًا حصيلة واحدة أن تكون الخمر غالبة فتتحول عن طباعها إلى الحل أداء المرئي.
وعن أبي يوسف ﵀: لو أن رغيفًا من الخبز المعجون بالخمر وقع في دنّ خلّ وذهب فيه حتى لا يرى فلا بأس بأكل الخل، فأما الرغيف نفسه فلا يؤكل، وفيه أيضًا لو أن خرقة أصابها خمر ثم سقطت في دن خل فلا بأس بأكل الخل، ولو وقع رغيف طاهر في خمر ثم وقع في خل طهر الخل.
ورأيت في موضع آخر الرغيف إذا وقع في الخمر ثم تخلل فههنا اختلف المشايخ فيه، إذا أصابت النجاسة خُفًا أو نعلًا لم يكن لها جرم كالبول والخمر فلا بُدّ من الغسل رطبًا كان أو يابسًا.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي يحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ إذا أصاب نعله بول أو خمر ثم مشى على التراب أو الرمل ولزق به بعض التراب وجف ومسحه بالأرض يطهر عند أبي حنيفة ﵀ وهكذا ذكر الفقيه أبو جعفر عن أبي حنيفة ﵀. وهكذا ذكر الفقيه أبو جعفر عن أبي حنيفة رحمهما الله، وعن أبي يوسف ﵀ مثل ذلك إلا أنه لم يشترط الجفاف.
وأما التي لها جرم إذا أصابت الخف أو النعل فإن كانت رطبة لا تطهر إلا بالغسل، هكذا ذكر في «الأصل» ألا ترى أن الرطوبة التي فيها لو أصابته لا يطهر إلا بالغسل فكذا إذا أصابته مع غيرها، وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا مسحه في التراب أو الرمل على سبيل المبالغة يطهر، وعليه فتوى من مشايخنا للبلوى والضرورة.
وإن كانت النجاسة يابسة يطهر بالحت والحك عند أبي يوسف. وقال محمد ﵀ لا تطهر إلا بالغسل، الصحيح قولهما لقوله ﵇: «إذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه وإن كان بهما أذىً فليمسحهما بالأرض فإن الأرض لهما طهور» .
والمعنى فيه أن الجلد شيء صلب لا تتسرب فيه رطوبات النجاسة إلا بعد زمان وجرم النجاسة يبس قل أن تتشرب في الجلد الرطوبة وتجذب بأعلى النعل من الرطوبة إلى نفسه، فإذا حكّه وحتهّ يزول الجرم وتزول الرطوبة معه ولا يبقى معه إلا شيء قليل والقليل من النجاسة معفو وعن محمد ﵀ أنه رجع عن هذا القول بالري لما رأى من كثير السرقين في طرقهم، قال القدوري ﵀ في «شرحه»: معنى قول أبي حنيفة ﵀ في هذه المسألة أن الخف والنعل يطهر لجواز الصلاة معه.
أما لو أصابه الماء بعد ذلك يعود نجسًا على إحدى الروايتين وأصل المسألة: الأرض إذا ثبت أصل النجاسة فيها ثم أصابها الماء فإنه يعود حكم النجاسة على إحدى الروايتين، وجعل القدوري رواية عود النجاسة في الأرض بإصابة الماء «ظاهر الرواية» ثم إن محمدًا ﵀ ذكر في «الجامع الصغير» في النجاسة التي لها جرم إذا أصابت الخف أو النعل وحكّه أو حتّه بعدما يبس إنه يطهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وذكر في «الأصل»: إذا مسحه بالتراب يطهر، قال مشايخنا لولا المذكور في «الجامع الصغير» لكنا نقول لا يطهر ما لم يمسحه بالتراب لأن المسح بالتراب له أثر في باب الطهارة، فإن محمدًا ﵀ قال: المسافر إذا أصابت (٣٠ب١) يده نجاسة يمسحه بالتراب، وأما الحك فلا أثر له في باب الطهارة فالمذكور في «الجامع الصغير» من أن للحك أثرًا كما أن للمسح بالتراب أثرًا، ثم إذا وجب غسل الخف أو النعل في الموضع الذي وجب فإن كان الجلد يشف رطوبات النجاسة فقد قال بعض مشايخنا: إنه
[ ١ / ٢٠٣ ]
لا يطهر أبدًا على قول محمد ﵀ إذا كان لا يمكن عصره، وعلى قول أبي يوسف ﵀ ينقع ثلاثًا في ماء طاهر ويجفف في كل مرة في رواية، وفي المرة الثالثة في رواية، وقاسوا الخف والنعل على الخزف الجديد والآجر الجديد وسائر المسائل التي مرّ ذكرها من هذا الجنس.
وبعض مشايخنا قالوا هذا التفصيل خلاف ظاهر لفظ محمد ﵀، فإن محمدًا ﵀ قال: لا يجزئه حتى يغسل موضع النجاسة في الخفٍ وغيره من غير فصل بين خف وخف وهو الظاهر، فإن الذي يتخذ منه الخف والنعل أو لا ينقع في الماء ويعالج بالدهن والشحم فلا يتسرب منه رطوبات النجاسة فلايكون نظير الكوز والحب. ولأجل هذا المعنى مال بعض مشايخنا (إلى) اشتراط التجفيف في الخف، ألا ترى إلى ما حكي عن أبي القاسم الصفار ﵀ في الرجل يستنجي ويجري ماء استنجائه بين رجليه وخفه ليس بمنخرق أن له أن يصلي مع ذلك الخف لأن الماء الآخر يطهر خفه كما يطهر موضع استنجائه ولم يشترط الجفاف، فعلى قول هذا القائل الخف أو المكعب إذا أصابته نجاسة يغسل ثلاث مرات بدفعة واحدة ويحكم بطهارته.
والمختار أنه يغسل ثلاث مرات ويترك في كل مرة حتى ينقطع التقاطر وتذهب الندوة ولا يشترط اليبس وفي «مجموع النوازل»: الخف الخراساني الذي صرمه موشًّى بالغزل حتى صار ظاهر الصرم كله غزلًا فأصابه نجاسة فحته وصلى فيه، قال نجم الدين النسفي ﵀: لا تجوز صلاتهُ إلا إذا غسله بالماء ثلاثًا وجففه في كل مرة، وحكم هذا حكم الثوب لا حكم الخف أو السيف أو السكين إذا أصابه بول أو دم. ذكر في «الأصل» أنه لا يطهر إلا بالغسل.
فإن أصابه عذرة إن كانت رطبة فكذلك الجواب، وإن كانت يابسة طهرت بالحت عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعند محمد ﵀ لا يطهر إلا بالغسل.
والكرخي ﵀ ذكر في «مختصره» أن السيف يطهر بالمسح من غير فصل بين الرطب واليابس وبين العذرة والبول، وعلل فقال: لأن السيف متى صقل لا تتداخل النجاسة في أجزائه بل تبقى على ظاهره، فإذا مسحها لا يبقى إلا شيء قليل وذلك غير معتبر.
وفي «الفتاوى» سئل أبو القاسم عمن ذَبَحَ بالسكين ثم مسح السكين على صوفها أو بما يذهب به أثر الدم عنه يطهر، وعنه أنه لحس السيف بلسانه حتى ذهب الأثر فقد طهر، وعن أبي يوسف ﵀ أن السيف إذا أصابه دم أو عذرة فمسحت بخرقة أو تراب إنه يطهر حتى لو قطع بطيخًا بعد ذلك أو ما أشبهه كان البطيخ طاهرًا ويباح أكله، وقد صح أن الصحابة كانوا يقتلون الكفار بسيوفهم ويمسحون السيوف ويصلون معها.
وإذا وقع على الحديد نجاسة من غير أن يمره بها فكما يطهر بالغسل يطهر بالمسح بخرقة طاهرة أيضًا، إذا كان الحديد صقيلًا غير خشن كالسيف والسكين والمرآة ونحوها.
[ ١ / ٢٠٤ ]
الحديد إذا أصابه نجاسة فأدخله في النار قبل أن يمسحه أو يغسله، ينبغي أن يطهر إذا ذهب أثر النجاسة ويكون الحرق كالغسل، ألا ترى إلى ما ذكر في «الفتاوى»: إذا أحرق رجل رأس شاة ملطخ وزال عنه الدم فإنه يحكم بطهارته كذا هنا بخلاف ما إذا مرّ الحديد بالماء النجس على قول محمد ﵀ لأن النجاسة تسير فيه بالتمويه، أما بدون التمويه لا تتسرب فيه النجاسة بل يبقى على ظاهره فتزول بالإحراق.
وإذا سعرت التنور ثم مسحه بخرقة مبتلة نجسة ثم حرقت فيه فإن كانت حرارة النار أكلت بلّة الماء قبل إلصاق الخبز بالتنور لا يتنجس الخبز لأن النجاسة لا تبقى إذا نشف التنور بالنار كما لا تبقى نجاسة الأرض إذا يبست بالشمس.
قال الزنرويستي ﵀ في «نظمه»: شيئان يطهران بالجفاف: الأرض إذا أصابها نجاسة فجفّت ولم يُرَ أثرها جازت الصلاة فوقها. والتلة والحشيش وما نبت في الأرض إذا أصابتها النجاسة فجفت طهرت لأنها من نبات الأرض والأرض تطهر بهذا فكذا نباتها.
ورأيت في موضع آخر أن الكلأ أو الشجر ما دام قائمًا على الأرض ففي طهارته بالجفاف اختلاف المشايخ، وحكى الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ أنه قال: الحمار إذا بال على السك فوقع عليه الظل ثلاث مرات والشمس ثلاث مرات فقد طهر ويجوز عليه الصلاة الحشيش إذا أصابه النجاسة وأصابه المطر بعد ذلك كان له بمنزلة الغسل.
وفي بعض النسخ حكم الحصى حكم الأرض إذا تنجست فجفت وذهب أثرها، يريد به: إذا كان الحصى في الأرض متداخلًا، فأما إذا كان على وجه الأرض لا يطهر، وكذا الحجر على وجه الأرض إذا أصابته نجاسة.
في «متفرقات الفقيه أبي جعفر ﵀، والآجرة إذا كانت مفروشة فحكمها حكم الأرض تطهر بالجفاف وإن كانت موضوعة تُنقل، وتجول من مكان إلى مكان لا بُدّ من الغسل، وكذلك اللبنة إذا أصابتها نجاسة وهي غير مفروشة لا تطهر بالجفاف، وإن كانت مفروشة وصلى عليها بعد الجفاف يجوز لأن في الوجه الثاني صارت من وجه الأرض بخلاف الوجه الأول، فإن خلعت بعد ذلك هل تعود نجسة؟ ففيه روايتان.
الخف أو النعل أو الثوب إذا أصابه مني فإن كان رطبًا فلا بُدّ من الغسل. وإن كان يابسًا يجوز فيه الفرك، عرف ذلك ما روت عائشة ﵂ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال لها: «إذا وجدت المني على الثوب، فإن كان رطبًا فاغسليه وإن كان يابسًا فافركيه» .
قال الفقيه أبو إسحاق الحافظ ﵀: المني اليابس إنما يطهر بالفرك إذا كان رأس الذكر طاهرًا وقت خروجه بأن كان بال واستنجى، أما إذا لم يكن طاهرًا لا يطهر
[ ١ / ٢٠٥ ]
قالوا: وهكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀، قيل أيضًا: إذا كان رأس الذكر طاهرًا إنما تطهر الثياب بالفرك إذا خرج المني قبل خروج المذي، فأما إذا خرج المذي على رأس الإحليل ثم خرج المني لا يطهر الثوب بالفرك.
وإذا فرك المني اليابس عن الثوب وحكم بطهارة الثوب ثم أصاب الماء ذلك الثوب هل يعود نجسًا فهو على الروايتين، وقد مرّ نظير هذا فيما تقدم.
وإذا كانت النجاسة على بدن الآدمي ذكر في «الأصل» أنها لا تطهر إلا بالغسل رطبًا كان أو يابسًا لها جرم أو لا جرم لها. وفي «القدوري»: لا يطهر شيء كان فيه نجاسة من ثوب أو بدن إلا بالغسل إلا المني فإنه يجوز فيه الفرك إذا كان يابسًا على الثوب، وإن كان على البدن لا يكتفى بالحتّ ويغسل في رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله، لأن البدن لا يمكن أن يفرك ولأن لمس البدن وتجاذ به فلا يزول بالحت منه ما يزول بالفرك في الثوب فبقي على الأصل.
وذكر الكرخي ﵀ مسألة المني في «مختصره» وذكر أنها تطهر بالفرك من غير فصل بين العضو وغيره. ويجوز إزالة النجاسة من الثوب والبدن بكل شيء ينعصر بالعصر كالخل وبماء الريق في قولهما، وقال محمد وزفر لا يزول إلا بالماء، وروي عن أبي يوسف في البدن كذلك، وفرّق أبو يوسف ﵀ على هذه الرواية بين الثوب والبدن ووجه الفرق: أن البدن كما يقبل النجاسة الحقيقية يقبل النجاسة الحكمية ثم النجاسة الحكمية اختص زوالها بالماء فكذا النجاسة الحقيقية ولا كذلك الثوب.
وفي «المنتقى» رجل على ساقه دم أخذ كفًّا من ماء وغسل به ذلك الدم وسال الماء على يده أجزأه وطهّره، ولو غمس يده في الماء ولم يأخذ في يده شيئًا منه ثم مسح به موضع الدم حتى ذهب أثره لم يجزه، يريد به إذا مسح موضع الدم بعدما أخرجه من الماء، أما لو مسح به في الماء حتى ذهب أثره يجزئه وهذا ظاهر.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: كل ما غسل به الثوب من شيء نحو الدم وأشباهه يخرج منه الدم بعصره فانعصر حتى سال فقد أذهب النجس. قال: والأدهان لا تخرج الدم لأن لها رسوبة ولصوقًا بالمحل فلا يقدر على الاستخراج. قال: ولو غسله بلبن أو خل فانعصر موضع الدم (٣١أ١) . حتى خرج من الثوب فقد طهر، وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف ﵀ إذا غسل الدم من الثوب بدهن أو سمن أو زيت حتى يذهب أثره جاز، ولو أصاب يديه لم يجز إلا أن يغسله بالماء، وقد ذكرنا الفرق بين البدن والثوب على رواية أبي يوسف.
وفي «المنتقى» وقال أبو يوسف في المحتجم لا يجزئه أن يمسح الدم عن موضع الحجامة حتى يغسله، قال الحاكم: رأيت عن أبي حفص عن محمد بن الحسن ﵏ أنه إذا مسحه بثلاث خرق رطاب نظاف أجزأه.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد في حمار وقع في الملاحة ومات وترك حتى صار ملحًا أكل الملح، وقال أبو يوسف: لا يؤكل، وكذلك رماد عذرة أحرقت وصلى عليه
[ ١ / ٢٠٦ ]
على هذا الاختلاف، وحكى أبو عصمة: خشبة لو أصابها بول فاحترقت ووقع رمادها في بئر قال أبو يوسف ﵀ يفسد الماء، وقال محمد ﵀: لا يفسد.
الطين النجس إذا جعل منه الكوزأ والقدر فطبخ يكون طاهرًا.
إذا قاء ملء الفم ينبغي أن يغسل فاه، فإن لم يغسل ومضى زمان ينبغي أن تجوز صلاته في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ويطهر فمه ببزاقه.
وعلى هذا إذا شرب الخمر وصلى بعد زمان، وإذا شرب الخمر ونام وسال من فمه شيء على وسادته إن كان لا يرى عين الخمر ولا يوجد رائحته ينبغي أن يكون طاهرًا، على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ عليهما بناء على ما قلنا.
العنب إذا تنجس يغسل ثلاثًا ويؤكل، وضع المسألة في «مجموع النوازل» في العنقود إذا أكل الكلب بعضه وذكر أنه يغسل العنقود ثلاثًا ويؤكل. كذا قال ثمة وكذا يفعل بعد يبس العنقود، ولو عصر عنبًا فأدمى رجله وسال في العصير والعصير يسيل ولا يظهر أثر الدم فيه قال لا ينجس العصير، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ﵀ عليهما كما في الماء الجاري.
الفأرة إذا وقعت في دن تشاسته ومات واين تشاسة وسيده بودشت، قال الشيخ الإمام نجم الدين رحمه ا: أقتاده باشدكه آب درخم كرد بودنه ديك رود شرخم كشاده بوداب دنكر رنجيشد دشرخم يستندوبعه أن جنه سبانروز سرخم كسادنه موش ماقنية اما سيده أماومعلوم شه كه موشرهم ان اول انذر اقتاده اشت قال الاحتياط في هذا أن يُراق لأن القلب لا يسكن إلى طهارته وزوال نجاسته، ولو بذر هذا في الأرض صار نجسًا وهذا الذي ذكر قول محمد ﵀ أما على قول أبي يوسف ﵀ يغسل التساستح ثلاثًا ويجفف في كل مرة ويحكم بطهارته.
رجل اتخذ عصيرًا في خابية فغلى واشتد وقذف بالزبد وانتقص مما كان ثم صارت خلًا طهر الحب كله حتى يخرج الخل طاهرًا إذا زالت رائحة الخمر، هكذا وقع في بعض الكتب، وفي بعضها: إذا تخلل وتطاول مكثه في الدن طهر الحب كله، ولو رفع من الدن كما تخلل من غير مكثه فالموضع الذي لوّث بالخمر نجس، فأما إذا عالج ذلك الموضع بالخل على أن يتطاول مكثه فعلى قول من يرى إزالة النجاسة الحقيقية بغير الماء يطهر الدن الذي فيه العصير.
إذا غلى واشتد وصار خمرًا وعلى رأسه فرفع ذلك بعد زمان يعني بعدما صار خلاّ وتطاول مكثه فإنه يكون طاهرًا لو وضع على قدر مرقة لا تتنجس المرقة أما إذا رفع قبل أن يصير خلًا فإنه يكون نجسًا فتنجس المرقة وكذلك إذا رفع بعدما صار خلًا ولكن قبل أن يتطاول مكثه.
وقع كوز من خمر في دن خل أو صب فيه ولا يوجد طعمها ولا رائحتها يباح الخل
[ ١ / ٢٠٧ ]
من ساعته. ولو وقع قطرة من خمر في دن خل لا يباح خل من ساعته، والفرق: أن الخمر الذي في الكوز كثير لو لم يتغير المصبوب ولو لم يصر خلًا توجد رائحته، فإذا لم يوجد علمنا أنه تغير وصار خلًا، فأما القطرة فشيء قليل لا يكون لها رائحة فلا يستدل بعدم الرائحة على التغيير، فلعل أنها على حالها ولم تتغير فلا يحكم بالخل في الحال. هكذا ذكر في «مجموع النوازل» وينبغي أن يقال في القطرة: إذا كان غالب ظنه أنه صار خلًا يطهر.
الخمر إذا وقع في الماء، والماء إذا وقع في الخمرة صار خلًا ففيه اختلاف المشايخ، واختار الصدر الشهيد ﵀ أنه يطهر، وكذلك في خل اختلف المشايخ فيه واختياره أنه يطهر.
وإذا صب الخل المتنجس في الخمر حتى صار الكل خلًا تبقى النجاسة في الكل، وإذا وقعت فأرة في دن خمر وصارت الخمر خلًا فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: يباح تناول الخل وقال بعضهم: لا يباح، وقال بعضهم: إن تفسخت الفأرة فيها لا يباح، وإن لم تتفسخ يباح.
الكلب إذا وقع في عصير فتخمّر العصير ثم تخلل لا يحل شربه لأن لعاب الكلب فيه قائم وإنه لا يصير خلًا، وعلى قياس خل ينبغي أن يحلّ شربه
الحديدة إذا أصابها نجاسة فبالغسل ثسلاثًا تطهر ظاهرًا لا باطنًا حتى لو وقع قطعة منها في ماء قليل يتنجس الماء.