تكبير التشريق سنّة: أجمع أهل العلم على العمل بها، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: ٢٠٣) جاء في التفسير: أن المراد منه أيام العشر، وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﵇ قال: «وأفضل ما قلت وقالت الأنبياء قبل يوم عرفة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد» وعن جابر ﵁: أن رسول الله ﵇: «صلى الفجر يوم عرفة وقال: «الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد» وقد اختلف الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في ابتدائه وانتهائه.
أما الاختلاف في ابتدائه فكبار الصحابة عمر، وعلي، وابن مسعود ﵃ قالوا: يبدأ بالتكبير من صلاة الغداة يوم عرفة، وبه أخذ علماؤنا في ظاهر الرواية، وهو أحد أقوال الشافعي ﵀.v
وصغار الصحابة كعبد الله ابن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت رضوان الله عليهم أجمعين قالوا: يبدأ بالتكبير من صلاة الظهر من يوم النحر، وهو المشهور من أقوال الشافعي ﵀، وهو مروي عن أبي يوسف ﵀، وللشافعي ﵀ قول ثالث أنه يبدأ بالتكبير من صلاة الفجر من يوم النحر.
[ ٢ / ١١٥ ]
وأما الاختلاف في انتهائه، قال ابن مسعود ﵁: يكبر في صلاة العصر من أول يوم النحر ويقطع فتكون الجملة عنده ثمان صلوات، وبقوله أخذ أبو حنيفة ﵀، وقال علي ﵁: يكبر في صلاة العصر من آخر أيام التشريق ويقطع، فتكون الجملة ثلاثًا وعشرون صلاة، وبه أخذ أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله، وعن عمر ﵁ روايتان، في رواية كما قال علي ﵁ وفي رواية قال: يكبر إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق وقال عبد الله بن عمر ﵄: يكبر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق.
وقال زيد بن ثابت في رواية كما قال علي ﵁: وفي رواية قال: يكبر إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشرق.
وللشافعي ﵀ للقطع ثلاثة أقوال أيضًا قال في قول: يكبر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، وقال في قول: يكبر إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق، وقال في قول: يكبر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق. نتكلم أولًا في ابتدائه حجة صغار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَآءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءاتِنَا فِى الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الاْخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ (البقرة: ٢٠٠) والفاء للتعقيب، والمراد به التكبير؛ لأنه لا يجب ذكر آخر عقيب قضاء المناسك إلا التكبير، وقضاء المناسك إنما يتم وقت الضحوة من يوم النحر فينبغي أن يكون التكبير عقيبه فيقع ابتداء التكبير من صلاة الظهر.
حجتنا قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (البقرة: ٢٠٣) روي عن جماعة من الصحابة أن المراد به أيام العشر، ومنهم من قال: المراد منه يوم النحر ويومان بعده، فاتفقوا على أن يوم النحر مراد بظاهره يقتضي أنه كلما طلع الفجر من يوم النحر يكبر وعنده لا يكبر في صلاة الفجر، وحديث جابر، وعبد الله بن عمر ﵃ على ما روينا دليل على صحة مذهبنا.
وروى أبو الطفيل عن علي، وعمار بن ياسر ﵄ «أنهما سمعا رسول الله ﵇ يكبر في دبر الصلوات المكتوبات من صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة العصر من أخر أيام التشريق حتى يسلم من المكتوبات» . أما الجواب عن التعليق بالآية
قلنا: أراد به ذكر الله تعالى في الأوقات كلها لا التكبير في أوقات مخصوصة ألا ترى أنه قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَآءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءاتِنَا فِى الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِى الاْخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾ (البقرة: ٢٠٠) وهم كانوا يذكرون آبائهم في الأوقات كلها على سبيل التفاخر وأمرهم الله تعالى بذكره في الأوقات كلها مقام ذكر آبائهم.
[ ٢ / ١١٦ ]
وحاصل الاختلاف بيننا وبين الشافعي ﵀ على ما هو المشهور من قوله راجع إلى أن التكبير في أول يوم النحر بأي علةٍ شرعت فإن التكبير في أول يوم النحر مشروع بالإجماع.
فعند علمائنا ﵏ شرع؛ لأنه يوم اختص بركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة فإنه يجوز فيه ولا يجوز قبله (١٠٩ب١)، فشرع التكبير فيه ليكون علمًا على أنه وقت ركن من أركان الحج.
وعند الشافعي شرع فيه؛ لأنه يوم اختص بتبع من توابع الحج وهو الرمي فإن رمي جمرة العقبة مشروع فيه، وليس بمشروع قبله، فشرع التكبير فيه ليكون علمًا على أنه وقت رمي الجمر، فنحن عللنا بما عللناه إلى يوم عرفة؛ لأن يوم عرفة يوم اختص بركن من أركان الحج، وهو الوقوف بعرفة وهو عدل بما علل إلى ثلاثة أيام التشريق؛ لأنه اختص هذه الأيام بتبع من توابع الحج وهو الرمي، فرجح الشافعي علته وقال: التكبير تبع من توابع الحج، وليس من أركان الحج فكان جعله علمًا على ما شرع تبعًا من توابع الحج أولى من جعله علمًا على ما شرع ركنًا من أركان الحج.
وعلماؤنا ﵏ رجحوا عليتهم فقالوا: متى عللنا بما قلنا فقد علقنا التكبير بما علقه الشرع به بيقين، ومتى عللنا بما قاله الشافعي ﵀ فما علقنا التكبير بما علقه الشرع به بيقين.
بيانه: أن في الركن تبع وزيادة لأن الركن يستتبع التبع أما التبع لا يستتبع الركن فمتى علقنا التكبير بالركن والتبع موجود فيه فقد علقناه بما علقه الشرع به بيقين ومتى علقناه بالتبع والركن لا يوجد في التبع فما علقناه بما علقه الشرع به بيقين لأنه يحتمل أن الشرع علقه بالركن والركن لم يوجد في التبع فكان ما قلناه أولى. وقد صح عن رسول الله ﵇ برواية جابر ﵁ «أنه صلى الفجر يوم عرفة وكبر» فصار تعليلنا مؤيدًا بخبر رسول الله ﵇ فكان أولى، هذا هو الكلام في البداية.
وأما الكلام في القطع والنهاية فأبو حنيفة ﵀ رجح قول ابن مسعود ﵁؛ لأن شرعية التكبير في أول يوم النحر لكونه مختصًا بركن من الحج ولم توجد هذه العلة في اليوم الثاني من يوم النحر، وهما رجحا قول علي ﵁ فقالا: تعليل الأصل كما يجوز بعلة واحدة فيجوز بعلتين، فنحن نقول شرعية التكبير في أول يوم النحر معلولة بما قلنا وبما قاله الشافعي ﵀، وإحدى العلتين موجودة في هذه الأيام بعد يوم النحر فصحت التعدية.
ومحمد ﵀ ذكر في «الكتاب»: ليرجح قولهما فقال: لما اختلف أصحاب رسول الله ﵇ في التكبيرات عقيب الصلوات كان الأخذ بقول علي ﵁، وفيه زيادة تكبير أولى؛ لأنه إن كان كبر وليس عليه ذلك أولى من أن يترك وعليه
[ ٢ / ١١٧ ]
ذلك، فمن المشايخ من ناقض محمدًا في هذا فقال: أليس لم يأخذ محمد ﵀ بتكبير ابن عباس ﵁ في صلاة العيد مع أن فيه زيادة تكبير.
ومحمد ﵀ يفرق ويقول: تكبيرات العيد يؤتى بها في الصلاة والأصل صيانة الصلاة عن إدخال الزوائد فيها كما في سائر الصلوات، إلا أن فيما اتفقت عليه الأقاويل هو الأقل عدلنا عن الأصل. وفيما اختلفت فيه الأقاويل عدنا إلى الأصل، أما تكبيرات التشريق يؤتى بها عقيب الصلوات، وهو موضع الدعاء والذكر والإكثار في الأذكار في موضعها أفضل قال الله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤١) بعد هذا يحتاج إلى بيان كيفية هذ التكبير وإلى بيان ما يجب عليه هذا التكبير.
أما الكلام في كيفيته فنقول: التكبير عندنا الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وقال الشافعي ﵀: التكبير أن يقول: الله أكبر ثلاث مرات، أو خمس مرات، أو سبع مرات، أو تسع مرات، حجته في ذلك أن المنصوص عليه في الكتاب هو التكبير لا غير قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ١٨٥) والتكبير قول: الله أكبر وقوله: لا إله إلا الله، تهليل وقوله: ولله الحمد تحميد، فمن شرط ذلك فقد زاد على الكتاب.
حجتنا في ذلك: حديث ابن عمر ﵁ وحديث جابر على نحو ما روينا في ابتداء المسألة، والأمة توارثوا التكبير من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا من الوجه الذي بينا، والتوارث حجة.
وقيل: إن مأخذ التكبير من جبريل، وإبراهيم، وإسماعيل صلوات الله عليهم، فإن إبراهيم لما أضجع إسماعيل للذبح أمر الله ﷿ جبريل ﵇ حتى يذهب إليه بالفداء فلما رأى جبريل أنه أضجعه للذبح فقال: الله أكبر الله أكبر كيلا يعجل بالذبح، فلما سمع إبراهيم صوت جبريل ﵇ وقع عنده أنه يأتيه باللسان.
فهلل الله تعالى وذكره بالوحدانية فقال: لا إله إلا الله والله أكبر، فلما سمع إسماعيل كلامهما وقع عنده أنه فدي، فحمد الله تعالى وشكره فقال: الله أكبر ولله الحمد، فثبوته على هذا الوجه بهولاء الأجلاء فلا يجوز أن يأتي بالبعض ويترك البعض.
وأما الكلام فيمن يجب عليه هذا التكبير فنقول: على قول أبي حنيفة ﵀: لا تجب هذه التكبيرات مقصودًا إلا على الرجال المقيمين في الأمصار عقيب الصلوات المكتوبات بالجماعة، وهو مذهب عبد الله بن عمر ﵄.
وقال أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله: يجب على كل من تجب عليه الصلاة المكتوبة في أيام التشريق، الرستاقي والبلدي والمسافر والمقيم والذي يصلي وحده والذي يصلي بجماعة سواء، وهو قول إبراهيم، وعامر.
[ ٢ / ١١٨ ]
فوجه قولهما: أن التكبير تبع للمكتوبة فيجب على كل من تجب عليه المكتوبة بطريق التبعية.
وجه قول أبي حنيفة ﵀: قوله ﵇: «لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع» والمراد من التشريق تكبير أيام التشريق هكذا قاله النضر بن شميل، والخليل بن أحمد وهما كانا من أئمة اللغة، ولأن التشريق حقيقته تقديد اللحم؛ لأنه تفعيل من شرق تشريقًا إذا قطع وأظهر للشمس سمي تقديد اللحم تشريقًا؛ لأن في ذلك تقطيعه وإظهاره للشمس والحقيقة وهو التقديد ليس بمراد؛ لأنه لا يختص بالمصر وله مجاز أن الصلاة والتكبير في أدبار الصلوات لأن في ذلك إظهار شعار الإسلام فإن أمكن حمله عليهما يحمل عليهما ويكون هذا تبعًا للصلاة والتكبير إلا في مصر جامع، وإن لم يمكن حمله عليهما يحمل على التكبير لأن نفي صلاة العيد إلا في المصر استفيد برواية أخرى، وهو قوله ﵇ والتحية: «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع» والمراد من الفطر والأضحى صلاة الفطر والأضحى فلو حمل التشريق المذكور في هذه الرواية على الصلاة كان تكرارًا ومهما أمكن حمل اللفظ على فائدة جديدة لا يحمل على التكرار، وإذا ثبت أن المصر شرط وجب أن يشترط القوم الخاص والجماعة كما في الجمعة وصلاة العيدين.
فإن قيل: هذه التكبيرات شرعت تبعًا ولا يجوز أن يشترط التبع ما لا يشترط الأصل قلنا: نعم إلا أن هذه التبعية عرفت شرعًا بخلاف القياس فإنه لم يشرع في غير هذه الأيام فيراعى لهذه التبعية جميع الشرائط التي ورد بها، والنص جعل من إحدى شرائط إقامته المصر وجب أن يشترط القوم الخاص والجماعة كما في الجمعة والعيد، واختلاف المشايخ على قول أبي حنيفة ﵀: أن الحرية هل هي شرط لوجوب هذه التكبيرات.
[ ٢ / ١١٩ ]
وفائدة الخلاف إنما تظهر فيما إذا أم العبد قومًا صلاة مكتوبة في هذه الأيام هل يجب عليه التكبير لمن شرط الحرية قال: فإن الذكورة والمصر شرط لإقامته مقصودًا فكذا الحرية قياسًا على الجمعة وصلاة العيد.
ومن لم يشترط الحرية قال: لم يشترط لإقامته السلطان فلا يشترط الحرية كسائر الصلوات وإنما لم يشترط لإقامته السلطان عند أبي حنيفة ﵀ لما حكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀: أن التكبير يشبه صلاة العيد وصلاة الجمعة من حيث إنه شرط لإقامته المصر بالنص كما شرط الإقامة للجمعة والعيد ويشبه سائر الصلوات من حيث إنه يقام في يوم واحد خمس مرات، فكان له حظًا من الخصوص والعموم، فأشبه بالخصوص شرطنا القوم الخاص والجماعة وأشبه بالعموم لم يشترط السلطان توفيرًا على الشبهين حظهما بقدر الإمكان.
قال محمد ﵀ في «الجامع»: وإذا صلى النساء والمسافرون مع الرجال المقيمين في مصر جماعة وجب عليهم التكبير بالإجماع إذا كان الإمام مقيمًا؛ لأنهم بالاقتداء به صاروا أتباعًا له في الصلاة، فكذا في التكبير؛ لأن التكبير من توابع الصلاة وقد يثبت الشيء تبعًا، وإن كان لا يثبت مقصودًا، ألا ترى أن الزكاة (١١٠أ١) لا تجب في الجملان والفصلان مقصودًا عند أبي حنيفة ﵀ وتجب تبعًا لغيرهن بأن كانت معهن مسنة.
وأما المسافرون إذا صلوا جماعة في مصر ففيهم روايتان في رواية الحسن: عليهم التكبير، وفي رواية أخرى لا تكبير عليهم؛ لأن السفر للفرض مسقط للتكبير ثم لا فرق في تغير الفرض أن يصلوا في المصر وبين أن يصلوا خارج المصر فكذا في التكبير ولا يكبر في شيء من النوافل لأن الجهر بالتكبير عرف قربة شرعًا بخلاف القياس والشرع إنما ورد به في المكتوبات، ففي غير المكتوبات يبقى على أصل القياس.
ولا يكبر في صلاة العيد؛ لأنها تطوع فأشبه سائر التطوعات ولا في الوتر. أما عندهما؛ فلأنه سنّة وتطوع، وأما عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه وإن كان فرضًا إلا أنه يؤدى بجماعة إلا في شهر رمضان والجماعة عند أبي حنيفة ﵀ شرط.
قال محمد ﵀ في «الجامع» أيضًا: ولو أن رجلًا صلى بقوم صلاة في أيام التشريق، فنسي التكبير، ثم تذكر بعدما خرج من المسجد، أو تكلم لم يكن عليه تكبير.
والأصل في جنس هذه المسائل: أن ما يمنع بناء بعض الصلاة على البعض يمنع التكبير، وما لا يمنع بناء بعض الصلاة على البعض لا يمنع التكبير؛ لأن التكبير شرع متصلًا بالصلاة كأفعال الصلاة شرعت متصلة بعضها ببعض.
قلنا: وكلام الناس والخروج عن المسجد لا لإصلاح الصلاة لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الظن يمنع البناء فيمنع التكبير، فأما إذا تحول من مكانه إلا أنه في المسجد بعد، ولم يتكلم فتذكر فإنه يأت بالتكبير أستدبر القبلة أو لم يستدبر، إن لم يستدبر فظاهر، لأن المسجد مع تباين أطرافه جعل كمكان واحد في حق الصلاة، ألا ترى أنه جاز اقتداء
[ ٢ / ١٢٠ ]
من كان تأخر وانصرف بالإمام، فكذا في حق التكبير فصار كأنه في مكان صلاته حقيقة مستقبل القبلة، وقد سهى عن التكبير، ثم تذكر، وهناك يأتي بالتكبير فهنا كذلك، وأما إذا استدبر القبلة، فكذلك الجواب، وكان ينبغي أن لا يأتي بالتكبير لأن الاستدبار ما كان لإصلاح الصلاة هنا؛ لأنه أتم الصلاة، والاستدبار إذا لم يكن لإصلاح الصلاة يمنع البناء.
ألا ترى أنه لو ظن أنه مسح رأسه فاستدبر القبلة ثم تذكر أنه مسح رأسه، وهو في المسجد بعد لا يمكنه البناء، فينبغي أن لا يأتي بالتكبيرات هنا أيضًا. والجواب وهو الفرق بين المسألتين: أن استدبار القبلة في تلك المسألة لا يمنع البناء؛ لأنه ما كان لإصلاح الصلاة بل لأنه كان للرفض والترك حقيقة، وهذا يمنع البناء؛ لأنه يقطع حرمة الصلاة وهنا الاستدبار لم يكن للترك والرفض؛ لأنه أتم الصلاة فشبه من هذا الوجه استدبار القبلة في مسألة الرعاف بأن سال من أنفه ماء فظن أنه رعاف فاستدبر القبلة ثم تبين أنه ماء وهو في المسجد بعد وهناك يبني؛ لأن الاستدبار ما كان للترك والرفض.
وحكي عن الشيخ الإمام الزاهد عبد الواحد الشيباني ﵀ أنه كان يقول: ما ذكر محمد ﵀ في «الجامع» يصير رواية، فيمن سلم على ظن أنه أتم الصلاة واستدبر القبلة، ثم تذكر أنه لم يتم الصلاة وهو في المسجد بعد، ولم يتكلم بكلام الناس أنه يأتي بما بقي عليه، وكان يقول: لا يعرف لهذه المسألة رواية إلا في «الجامع»، وكان يقول أيضًا: وذكر الكرخي ﵀ في «الجامع الصغير»: أن من سلم على ظن أنه أتم صلاته ثم تذكر بعدما استدبر القبلة أنه لم يتم، وهو في المسجد بعد، لا يكون ذلك قاطعًا لصلاته عند أبي حنيفة ﵀، وعند محمد ﵀ يكون قاطعًا. فعلى قياس ما ذكر الكرخي ينبغي أن لا يأتي بالتكبير هنا عند محمد؛ لأن هذا يمنع البناء عنده فيمنع التكبير أيضًا عنده.
قال: والحدث العمد يمنع التكبير لأنه يمنع البناء، والحدث ساهيًا لا يمنع التكبير؛ لأنه لا يمنع البناء إلا أن هناك يلزمه الذهاب لتجديد الوضوء وهنا لا يلزمه؛ لأن التكبير ليس من أفعال الصلاة، ولا يؤدي في حرمة الصلاة، فلا يشترط له الوضوء ولكن لو ذهب وتوضأ كان أفضل؛ لأن ذكر الله تعالى مع الطهارة تكون أفضل.
قال محمد ﵀ في «الجامع» أيضًا: رجل صلى بقوم في أيام التشريق فسلم ولم يكبر ساهيًا حتى خرج من المسجد، فعلى القوم أن يكبروا، والمسألة لو كان على الإمام سجود السهو لم يكن على القوم أن يسجدوا.
والفرق: أن سجود السهو من أفعال الصلاة، فإنها تؤدى في حرمة الصلاة؛ ولهذا لو أدرك الإمام في سجود السهو يصير مدركًا للصلاة، ولو قهقه في هذه الحالة يكون حدثًا وما كان من أفعال الصلاة، متى سقط عن الإمام سقط عن القوم كالقعدة على رأس الركعتين، وسجدة التلاوة واجبة في الصلاة.
فأما تكبيرات التشريق ليست من أفعال الصلاة، وإنها تؤدى خارج الصلاة بدليل
[ ٢ / ١٢١ ]
عكس ما ذكرنا من الأحكام، فسقوطه عن الإمام لا يوجب سقوطه عن القوم.
يوضحه: أن المقتدي بالاقتداء صار تابعًا للإمام فيما هو من أفعال الصلاة، لا فيما ليس من أفعال الصلاة، وحكم التبع لا يخالف حكم الأصل فيما هو من أفعال الصلاة متى سقط عن الإمام فسقط عن المقتدي بطريق التبعية، ولا كذلك ما ليس من أفعال الصلاة.
فإن قيل: كان ينبغي أن لا يأتون بالتكبير عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن الجماعة عنده شرط الوجوب يجب أن يكون شرط الأداء كما في الجمعة، والجماعة إنما تتحقق بالإمام والقوم، فإذا ذهب الإمام فقد انعدمت الجماعة على ما ذكرنا.
قلنا: التكبير يشبه الجمعة ويشبه سائر الصلوات، فلشبهه بالجمعة يشترط لوجوبه الجماعة، ولشبهه بسائر الصلوات لا يشترط لأدائه الجماعة عملًا بالشبهين بقدر الإمكان. قال محمد ﵀ في «الجامع» أيضًا: إذا فاتته الصلاة في غير أيام التشريق فأراد أن يقضيها في أيام التشريق فهنا أربع مسائل:
إحداها: هذه والحكم فيها أن يقضيها من غير تكبير وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه يقضيها بتكبير، وجه هذه الرواية قوله ﵇: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» جعل وقت التذكر وقت الأداء، ووقت التذكر وقت التكبير، وجه ظاهر الرواية: أنه إن في القضاء تعتبر حالة الفوات في حق بعض الأحكام فإن من قضى الفجر في غير وقته يجهر بالقراءة فيها، ومن قضى الظهر والعصر في غير وقتها يخافت بالقراءة فيها، ومن قضى الفائتة في حالة السفر في حالة الإقامة، فصار ركعتين في ذوات الأربع ومن قضى الفائتة في حالة الإقامة في حالة السفر قضاها أربعًا.
وفي حق بعض الأحكام تعتبر حالة القضاء، ألا ترى أن المريض إذا فاتته صلاة قائمًا فقضاها بعدما قدر على الركوع والسجود فقضاها بركوع وسجود ولو فاتته صلاة بركوع وسجود، فأراد أن يقضيها حال ما لا يقدر على الركوع والسجود قضاها قائمًا، فباعتبار حالة القضاء إن كان يجب التكبير، فباعتبار حالة الأداء لا يجب التكبير.
والجهر بالتكبير عرف شرعًا بخلاف الأصل، فإن الأصل في الأذكار والأدعية الخفية فإذا وجب من وجه دون وجه لا يجب على اعتبار حالة الفوات راجح، لأنه هو المعتبر في عامة الأحكام، وإنما اعتبر حالة القضاء في المريض خاصة وإبداء العبرة للراجح. والحديث لا حجة له فيه؛ لأن الحديث يقتضي أن يكون وقت التذكر وقت الصلاة الفائتة، فكان هذا الوقت من حيث التقدير، كأنه ذلك الوقت، وذلك الوقت ليس وقت التكبير.
المسألة الثانية: إذا فاتته صلاة في أيام التشريق، وقضاها في غير أيام التشريق، فقضاها من غير تكبير، وعند الشافعي ﵀ قضاها بتكبير وجه قوله: أن الفائت إنما
[ ٢ / ١٢٢ ]
يقضى على الوجه الذي فات كما في الجهر والمخافتة على ما مر.
وجه قولنا: أن الفائت إنما يقضى على الوجه الذي فات إذا أمكن، وهنا لا إمكان؛ لأن الجهر بالتكبير إنما عرف قربة في زمان مخصوص بالنص بخلاف القياس، فلا تكون قربة في غير ذلك الزمان، فعجز عن القضاء بالتكبير فسقط.v
ألا ترى: أن التضحية إذا فاتت عن وقتها لا تقضى، وكذا رمي الجمار إذا فاتت عن وقته لا تقضى؛ لأن التضحية عرف قربة في زمان مخصوص بالنص بخلاف القياس (١١٠ب١)، فلا تكون قربة في غير ذلك الزمان فعجز عن القضاء بالتكبير فسقط.
ألا ترى: أن التضحية لما كانت تثبت في الحقيقة فلا تكون قربة في غير ذلك الزمان فعجز عن القضاء فسقط كذا ههنا.
المسألة الثالثة: إذا فاتته صلاة في أيام التشريق، فقضاها في أيام التشريق من عامه ذلك فقضاها بتكبير؛ لأن وقت التكبير باقي؛ لأن جميع أيام التشريق وقت التكبير.
ألا ترى: أن التكبيرات تضاف إلى جميع أيام التشريق إلا أنه فات الوقت المستحب، فإن الوقت المستحب أن يأتي بها عقيب الصلوات في أوقاتها، ولكن فوات الوقت المستحب لا يوجب سقوط العبادة إذا بقي أصل الوقت. ألا ترى لو ترك رمي الجمار إلى آخر أيام التشريق ثم رمى فإنه يجزىء وكذا ههنا.
المسألة الرابعة: إذا فاتته صلاة في أيام التشريق فقضاها في الأيام التشريق من العام القابل قضاها من غير تكبير في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف ﵀ أنه يقضيها بتكبير؛ لأنا إن اعتبرنا وقت الفوات فهو وقت التكبير، وإن اعتبرنا وقت القضاء فهو وقت التكبير فقد قدر على القضاء بالتكبير فيلزمه ذلك.
وجه ظاهر الرواية: أن اعتبار وقت الفوات إن كان يوجب التكبير فاعتبار وقت القضاء لا يوجب التكبير؛ لأن وقت القضاء وقت التكبير عقيب الصلوات المشروعة فيه قضاء، فدار التكبير بين أن يجب وبين أن لا يجب، وهو بدعة في الأصل، فلا يجب عند التردد بخلاف ما إذا أراد أن يقضيها في أيام التشريق من عامه ذلك؛ لأن التكبير مشروع في الصلوات المشروعة في هذه الأيام، والفائت صلاة هذه الأيام، أما هنا فيخالفه.
ويبدأ الإمام إذا فرغ من صلاته بسجود السهو ثم بالتكبير ثم بالتلبية إن كان محرمًا، أما تقديم سجود السهو على التكبير؛ لأن سجود السهو يؤدى في حرمة الصلاة والتكبير يؤدى في فور الصلاة لا في حرمتها، ولهذا صح الاقتداء بالإمام في سجود السهو، ولا يصح الاقتداء به في التكبير. وأما تقديم التكبير على التلبية؛ فلأن التكبير يؤدى في فور الصلاة والتكبير لا يختص أداؤه بحال في فور الصلاة، والتكبير من خصائص الصلاة، والتلبية ليست من خصائص الصلاة، فإنه يلبي كلما هبط واديًا أو علا شرفًا وبالأسحار.
يجهر بالتكبير في عيد الأضحى في طريق المصلى بلا خلاف، وإذا انتهى إلى المصلى يقطع، وفي رواية لا يقطع ما لم يفتتح الإمام الصلاة.
وفي عيد الفطر هل يجهر بالتكبير في طريق المصلى؟ روى المعلى عن أبي يوسف
[ ٢ / ١٢٣ ]
عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يجهر، وروى الطحاوي عن أستاذه أبي عمر بن العلاء عن أبي حنيفة ﵏ أنه يجهر وهو قول أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله. احتجوا بما روى الزهري عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﵇: «كان يكبر في الفطر والأضحى إذا خرج من بيته رافعًا صوته بالتكبير» ولأبي حنيفة ﵀ ما روي أن ابن عباس ﵄ مر في يوم الفطر ومعه قائد فسمع الناس يكبرون فقال: أكبر الإمام، فقال: لا، قال: أفجن الناس؛ ولأن هذا وقت اختص بركن من أركان الحج فلا يشرع فيه التكبير قياسًا على رمضان؛ وهذا لأن التكبير شرع علمًا على وقت أركان الحج.
فإن قيل: كلما دخل شوال دخل وقت بعض أفعال الحج فإنه لو أحرم في شوال وسعى لها يجوز، والسعي من أفعال الحج.
قلنا: هذا من واجبات الحج لا من أركانه والواجبات تقع للأذكار فشرع التكبيرات علمًا على الأركان، وإنها أصول لا يدل على شرعها علمًا على الواجبات وإنها توابع. وعن الفقيه أبي جعفر ﵀ أنه قال: سمعت أن مشايخنا كانوا يرون التكبير في الأيام العشر بدعة في الأسواق. والله تعالى أعلم.