قال محمد ﵀ في «الجامع»: إذا نذر أن يتصدق بشاتين وسطين، فتصدق بشاة سمينة تعدل شاتين وسطين تجزئه عن الشاتين.
ولو قال: لله عليّ أن أهدي شاتين وسطين، فأهدى بشاة سمينة تساوي شاتين وسطين لم تجزه إلا عن شاة واحدة، هكذا ذكر في «الجامع» قالوا: هذا إذا أراد به الذبح أو لم يكن له نية؛ لأنه إذا أراد الذبح، أو لم يكن له نية كان النذر بالإراقة، والجواب في النذر بالإراقة ما ذكر، فأما إذا أراد الصدقة، فتصدق بشاة سمينة تعدل شاتين وسطين، ينبغي أن تجزئه عن الشاتين بدليل المسألة الأولى.
[ ٢ / ٣١٥ ]
والجواب في النذر بالإعتاق نظير الجواب في النذر بالإراقة، حتى لو نذر أن يعتق عبدين وسطين، فأعتق عبدًا مرتفعًا يساوي عبدين وسطين لا يجزئه إلا عن عبد واحد، والفرق أنا لو جوزنا الواحد عن الاثنين، إنما يجوز باعتبار القيمة، غير أن الواجب في معنى الهدي إراقة الدم، وتمليك اللحم، والتمليك إن كان متقومًا، فإراقة الدم ليست بمتقومة، فباعتبار التمليك قد أمكن التجويز (١٤٥أ١) من حيث القيمة، وباعتبار الإراقة لا يمكن، فلا يثبت الإمكان بالشك حتى لو ذبح شاتين، وجاء بلحم شاة، فظنه يبلغ شاتين، وتصدق به يجوز؛ لأن الواجب بعد الإراقة تمليك اللحم، والتمليك متقوم، فيمكن تجويزه من حيث القيمة.
وكذلك الواجب في باب الإعتاق ليس بمتقوم؛ لأن الواجب في باب الإعتاق إزالة الملك، وإزالة الملك ليست بمتقوم، فلا يمكن تجويزه من حيث القيمة، أما الواجب في باب الصدقة متقوم؛ لأن الواجب في باب الصدقة التمليك، والتمليك متقوم فيمكن تجويزه بالقيمة، فعلى هذا إذا قال: لله عليّ أن أتصدق بعبدين وسطين، فتصدق بعبد مرتفع تبلغ قيمته قيمة وسطين يجوز.
في «المنتقى»: عيسى بن أبان عن محمد إذا قال: لله عليّ أن أتصدق بهذا الدرهم، فضاع الدرهم، فقال: لله عليّ أن أتصدق بهذا الدينار مكان الدرهم الذي ضاع وجب عليه أن يتصدق بالدينار، فإن وجد الدرهم، وتصدق به يبطل عنه الدينار، إذا وجب الدينار مكان الدرهم الذي ضاع.
علل في «الكتاب»: فقال: لأن الدرهم حيث ضاع، فقد بطل عنه ما أوجب على نفسه فيه، وإن وجده تصدق به، ولو لم يكن عليه أن يتصدق بفضل الدينار عليه قال: ولا يشبه هذا الأضحية، فإن الأضحية، إذا ضاعت كان عليه مكانها، إذا كان موسرًا.
وفيه: المعلى عن أبي يوسف: إذا قال: إن أصبت مائة درهم فعهد عليّ أن أؤدي زكاتها خمسة دراهم فأصاب مائة فلا شيء عليه؛ لأنه التزام غير المشروع.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ إذا قال: إن رزقني الله تعالى مائة درهم فللَّه عليّ زكاتها عشرة، وملك مائتين لا تلزمه إلا الخمسة زكاة؛ لأنه التزام غير المشروع.
وفي «فتاوى» أبي الليث ﵀ إذا قال: لله عليّ أن أتصدق على فقراء مكة بكذا، أو قال: مالي صدقة على فقراء مكة، فتصدق على فقراء بلخ جاز؛ لأن المطلوب من الصدقة ابتغاء مرضات الله تعالى، والفقير جهة يتوسل به إلى ابتغاء مرضات الله تعالى، وجميع الفقراء في حق هذا المعنى جنس واحد، وهو نظير من جعل على نفسه الصوم، أو الصلاة بمكة، فصلى وصام ههنا يجوز، وطريقه ما قلنا.
وفي «المنتقى»: إذا قال: لله عليّ أن أتصدق بهذا الدرهم على هذا المسكين، لا يلزمه شيء رواه الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف، إذ ليس لله تعالى من جنسه في العين إيجاب، وإن كان المسكين يعتبر عينه يلزمه ذلك، وهذا الجواب بخلاف جواب الروايات المشهورة.
[ ٢ / ٣١٦ ]
وفيه أيضًا: برواية المعلى عن أبي يوسف: إذ قال: لله عليّ أن أتصدق من هذه العشرين بعشرة دراهم، فتصدق بعشرة منها، ولا نية له لم يجزه فيما حصل على نفسه، ولو تصدق بالعشرين كلها، ولا نية له أجزأه.
وفي «القدوري»: إذا قال: لله عليّ أن أتصدق بهذه الدراهم يوم يقدم فلان، ثم قال: إن كلمت فلانًا، فعلي أن أتصدق بهذه الدراهم، وكلم فلانًا، وقدم فلان أجزأه أن يتصدق بتلك الدارهم، ولا يلزمه غير ذلك؛ لأن الواجب تعلق بمحل بعينه، وذلك مما لا يزداد، وهذا كالعين إذا جعل شرطًا في يمينين ووجد الشرطان لم يجب شيء آخر كذا ههنا.
وفيه أيضًا: إذا قال: إن كلمت فلانًا، فعليّ أن أتصدق بهذه الدراهم، وكلم فلانًا حتى وجب التصدق بها، فأعطاها من زكاة ماله، أو كفارة يمينه، فعليه أخرى مكانها؛ لأنه بالصرف إلى جهة أخرى صار كالمستهلك لها، فيضمن كما لو أنفقها بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك النذر أن يعلقها بمحل واحد، فوقع عنهما أما ههنا بخلافه.
قال في «الجامع»: إذا قال الرجل: إن كان ما في يدي دراهم إلا ثلاثة دراهم، فجميع ما في يدي صدقة، فإذا هي خمسة دراهم، أو أربعة دراهم لا يلزمه التصدق بشيء. وفي «الجامع» أيضًا: إذا قالت: لله عليّ إطعام المساكين، أو إطعام مساكين، فإن أبا حنيفة قال: هذا على غيره في الوجهين جميعًا، وهذا استحسان.
ووجهه: أن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، ولعل الطعام المقدر بالمساكين في إيجاب الله تعالى طعام عشرة مساكين كما في كفارة اليمين، فإن أبهم عدد المساكين أخذ المقدار منه.
فإن قيل: كيف لم يأخذ أبو حنيفة ﵀ المقدار عند الإبهام من كفارة الحلف في الأذى وإنه أقل؛ لأنه مقدر بثلاثة أصوع على ستة مساكين؟.
قلنا: لأن الواجب في كفارة الحلف واجب باسم الصدقة لا باسم الإطعام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ (البقرة: ١٩٦) وهذا الشخص إنما أوجب على نفسه باسم الإطعام لا باسم الصدقة حتى لو قال: لله عليّ صدقة المساكين يؤخذ قدره من كفارة الحلف.
وفي «نية النوازل»: رجل في يده دراهم فقال: لله عليّ أن أتصدق بهذه الدراهم، فلم يتصدق حتى هلكت، فلا شيء عليه؛ لأن الدراهم تتعين في باب النذور، ولو لم تهلك وتصدق بدراهم سواها، فهو جائز، وهي مسألة دفع القيم.
وفي «وقف النوازل»: رجل له شيء فقال: إن وجدته فللَّه على أن أقف أرضي هذه على ابن السبيل، فوجده يجب عليه الإيقاف، فإن وقف على الأجانب، أو على الأقارب الذين يجوز له إعطاء الزكاة إياهم جاز، وخرج عن عهدة النذر، وإن وقف على الأقارب الذين لا يجوز له إعطاء الزكاة جاز الوقف، ولكن لا يخرج عن عهدة النذر، أما جواز
[ ٢ / ٣١٧ ]
الوقف، فظاهر، وأما بقاء النذر؛ فلأن صرف الصدقة الواجبة إلى هذه القرابة لما لم يجز لم يصر مؤديًا المنذور، فيبقى عليه كما كان.
وفي «الجامع»: إذا قال: أول كُرَ حنطة أملكه صدقة في المساكين، فملك كر ونصف كر لا يلزمه التصدق بشيء، وإن قال: أول عبد أملكه فهو حر، فاشترى عبدًا ونصف عبد عتق العبد الكامل.
والفرق: أن الكُرَّ اسم لأربعين قفيزًا، فصار تقدير يمينه أول أربعين قفيز حنطة أملكها، فهو صدقة، ولو صح بذلك، وملك ستين قفيزًا لا يلزمه التصدق؛ لأن الكر اسم لأربعين قفيزًا، ووفيناه ثلاث عشرينات أي العشرين ضمناه إلى عشرين آخر، فنطلق عليه اسم الكر، وبسبب اسم الكر عن الآخر فاق المزاحمة، ومن شرط إطلاق اسم إلا وليست بينهما المزاحمة، فإذا لم تنتف المزاحمة لم يتحقق الشرط، فلا يلزمه التصدق بخلاف مسألة العبد، فأما إذا ضممنا النصف من العبد الكامل إلى نصف العبد لا يسمى عبدًا، بل يسمى نصف العبدين ولا ينتفي اسم العبد عن الكامل، فلم يكن نصف العبد من أيهما للعبد، فيتحقق شرط وجوب التصدق.
وزان مسألة الكر عن مسألة العبد ما إذا قال: أول أربعين عبدًا أملكهم، فاشترى ستين، والحكم في سائر ما يكال ويوزن كالحكم في الكر، والحكم في الثياب والعروض كالحكم في العبد إذا قال: إن فعلت كذا مالي صدقة في المساكين، أو قال: وكل مالي، ففعل ذلك الفعل، فالقياس أن يلزمه التصدق بجميع ماله مال الزكاة وغيره (١٤٥ب١) في ذلك على السواء؛ لأنه أضاف الصدقة إلى ماله مطلقًا في الصورة الأولى، وإلى جميع ماله في الصورة الثانية، فيدخل تحته جميع أمواله كما في الوصية يدل عليه أن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (النساء: ٢٩) تناول جميع الأموال، وقوله ﵇: «من ترك مالًا» تناول جميع الأموال.
ووجه الاستحسان: أن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، ثم ما أوجب الله تعالى من الصدقة مضافًا إلى مال مطلق بقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (التوبة: ١٠٣) تناول مال الزكاة خاصة، فكذا ما وجب بإيجاب العبد بخلاف الوصية؛ لأنا لم نجد في الوصية إيجابات الشرع تفيد مال الزكاة حتى يصرف إيجابه إليه، فانصرف إيجابه إلى الأموال كلها.
قال القدوري في «كتابه»: ولا فرق بين مقدار النصاب وما دونه؛ لأنه وإن قل، فهو مال الزكاة، فإن السبب ما يقل المال لا قدر منه، ولو كان عليه دين محيط بماله يلزمه التصدق بما في يديه، فإذا قضى الدين به يلزمه التصدق بمثله، وهذا لأن ما في يده مال الزكاة إلا أنه امتنع الوجوب فيه لمانع، وهو الدين، فيدخل تحت النذر، ولزمه التصدق به، فإذا قضى دينه به، فقد استهلك مالًا وجب التصدق به، فيكون مضمونًا بمثله.
[ ٢ / ٣١٨ ]
ولو نوى بهذا النذر جميع ما يملك حتى بيته؛ لأنه شدد على نفسه بنيته، والاسم صالح لتناول الكل، فيلزمه التصدق بالكل، ولو كان له ثمرة عشرية تصدق بها؛ لأنه مال تعلق به العشر، والعشر في معنى الصدقة وكان مال الصدقة.
وقال أبو حنيفة: الأرض العشرية لا تدخل تحت هذا النذر، خلافًا لأبي يوسف؛ لأن الأرض العشرية ليست مال الصدقة دون العشر، إنما يجب في الخارج لا في الأرض؛ فكانت الأرض خالية عن الصدقة، فلم تكن مال الصدقة، ولا خلاف أن أرض الخراج لا تدخل في هذا النذر، وقول محمد في أرض العشر نظير قول أبي حنيفة ذكره في «المنتقى» .
وفي «المنتقى» محمد: أن أرض التجارة لا تدخل في هذا النذر، وقول محمد في أرض العشر نظير قول أبي حنيفة هذا الذي ذكرنا ما إذا حصل النذر باسم المال، فأما إذا حصل النذر باسم المال بأن قال: إن فعلت كذا، فجميع ما أملكه صدقة في المساكين ذكر في كتاب الهبة أنه يتصدق بجميع ما يملكه ويمسك قوته، فمن المشايخ من قال: هذا جواب القياس.
وفي الاستحسان: ينصرف إلى مال الزكاة، وإليه ذهب الفقيه أبو بكر البلخي، والشيخ الإمام الأجل شمس الدين السرخسي، ومنهم من قال: لا هذا جواب القياس والاستحسان، وإليه ذهب الفقيه محمد بن إبراهيم الميداني، فعلى قول هذا القائل يحتاج إلى الفرق بين ذكر المال وبين ذكر الملك على جواب الاستحسان.
والفرق: أن اسم المال مطلقًا إنما يفيد مال الزكاة في هذا الباب اعتبارًا لإيجاب العبد بإيجاب الله تعالى، وهذا المعنى معدوم عند ذكر الملك؛ لأنا لم نجد في إيجاب المشرع إضافة الصدقة إلى المالك المطلق، وأراد مال مقيد، فيعمل فيه بعضه اللفظ، واللفظ عام أو مطلق.
ثم قال في كتاب الهبة: ويمسك من ذلك قوته؛ لأن حاجته في هذا القدر معدم، وهذا لأنه لو لم يمسك مقدار قوته يحتاج إلى أن يسأل الناس من ساعته، ولا يحسن أن يتصدق الرجل بماله، ويسأل الناس من ساعته، ولم يبين مقدار ما يمسك.
قال مشايخنا: إن كان محترفًا يمسك قوت يوم، وإن كان صاحب حوانيت غلة يمسك قوت شهر، وإن كان دهاقًا يمسك قوت سنة؛ لأن قوت الدهاقين يحدد في كل سنة، وقوت أهل الحرف في كل يوم، فإذا وصل يده إلى شيء من المال بعد ذلك تصدق بمقدار ما أمسك؛ لأنه مستهلك قدر ما أمسك من المال الذي لزمه التصدق منه، فيصير ضامنًا مثله كما لو استهلك مال الزكاة، فإذا جعل الرجل على نفسه حجة أو عمرة، أو ما أشبه ذلك ما هو طاعة الله ﷿، وكان النذر مرسلًا لزمه الوفاء بما سمى، ولا يلزمه الكفارة بلا خلاف، فإن كان النذر معلقًا بالشرط إن كان شرطًا يريد وجود لجلب منفعة،
[ ٢ / ٣١٩ ]
أو لدفع مضرة بأن قال: إن شفى الله مريضي، أو رد لي غائبي، أو مات عدوي، فعليّ صوم سنة، فوجد الشرط لزمه الوفاء بما سمى، ولا يخرج عن العهد والكفارة بلا خلاف أيضًا، وإن كان النذر معلقًا بشرط لا يريد كونه، فعليه الوفاء بما سمى في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وروي عن أبي حنيفة أنه رجع عن هذا القول، وقال: هو بالخيار، إن شاء خرج عنه بين ما سمى، وإن شاء خرج عنه بالكفارة، وهكذا روي عن محمد، ومشايخ بلخ كانوا يفتون بهذا، وهو اختيار الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد، والشيخ الإمام شمس الدين السرخسي، والصدر الشهيد برهان الأئمة ﵏، وبه قال عمر، وعائشة ﵄.
وجه قول أبي حنيفة الآخر: إن النذر المعلق بشرط لا يريد كونه يمين من وجه، نذر من وجه، يمين باعتبار الشرط؛ لأن الشرط مرغوب عنه فرارًا عما يلزمه جميعًا لله تعالى على الخلوص كالشرط في اليمين بالله مرغوب عنه فرارًا عما يلزمه من الكفارة جميعًا لله تعالى على الخلوص نذر باعتبار الجزاء؛ لأن معلق الشرط صوم، أو صلاة، أو حج كما في النذر المعلق بشرط يريد كونه، وكان نذرًا من وجه يمينًا من وجه علق أحدهما على الآخر؛ لأن اليمين إنما يتم بالشرط والجزاء جميعًا، والجمع بين الوجهين متعذر؛ لأن أحدهما يوجب الكفارة، والآخر يوجب الوفاء بالمسمى، والجمع بين الكفارة والمسمى متعذر؛ لأن العقد واحد فلا يلزمه موجبان وإذا تعذر الجمع بين الوجهين والبعض من هذا، والبعض من ذلك متعذر أيضًا، وجب التوفير (على الش التنجيز)، وهذا بخلاف ما لو علق النذر بشرط يريد كونه، فإنه نذر من كل وجه باعتبار الجزاء والشرط جميعًا؛ لأن الشرط مرغوب فيه، والشرط باليمين بالله مرغوب عنه خوفًا عما يلزمه من الكفارة حقًا لله تعالى، بخلاف ما نحن فيه، وبخلاف النذر المرسل؛ لأنه ليس فيه معنى اليمين أصلًا، والله أعلم.