يجب أن يعلم بأن المسح على الخفين جائز عند عامة العلماء بآثار مشهورة قريبة من التواتر، روى عمر وعلي والعبادلة الثلاثة وصفوان بن عسال المرادي وغيرهم ﵃ عن رسول الله ﵇، وعن مغيرة بن شعبة ﵁ قال «توضأ رسول الله ﵇ في سفر وكنت أصب عليه الماء وعليه جبة شامية ضيقة الكمين فأخرج يديه من تحت ذيله ومسح على خفيه فقلت: نسيت غسل القدمين فقال: «بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ﷿» . وعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ أنه مسح على
[ ١ / ١٦٦ ]
خفيه وقال: «رأيت النبي ﵇ فعل ذلك، فقالوا لجرير: أبعد نزول سورة المائدة، وعنوا به وأرجلكم على قراءة النصب الدالة على فرضية الغسل، فقال جرير: وهل كان إسلامي إلا بعد سورة المائدة»، وعن الحسن البصري ﵀ قال: أدركت سبعين نفرًا من أصحاب رسول الله ﵇ كلهم يرون المسح على الخفين.
ولكثرة الأخبار قال أبو حنيفة ﵀: ما قلت بالمسح على الخفين حتى جاء في مثل ضوء النهار، وفي رواية قال: حتى رأيت له شعاعًا كشعاع الشمس. وعن أنس بن مالك ﵁ أنه سُئل عن السنّة والجماعة فقال: أن تحب الشيخين ولا تطعن في الحسنين وتمسح على الخفين. وقال الكرخي ﵀: من أنكر المسح على الخفين يخشى عليه الكفر. قالوا: وعلى قياس قول أبي يوسف ﵀: من أنكر المسح على الخفين يكفر لأن حديث المسح على الخفين بمنزلة التواتر عنده، ومن أنكر التواتر يكفر.
وهذا الفصل يشتمل على أنواع:
الأول: في صورة المسح وكيفيته ومقداره
فنقول: قال أصحابنا رحمة الله عليهم: مسح الخف مرة واحدة ولا يسن فيه التكرار، ويبدأ من قبل الأصابع فيضع أصابع يده اليمنى على مقدم خفيه الأيمن، ويضع أصابع يده اليسرى على مقدم خفه الأيسر ويمدهما إلى أصل الساق، هكذا روى مغيرة بن شعبة فعل رسول الله ﵇، والمعنى: أن المسح قائم مقام الغسل، والسنّة في الغسل البداية من قبل الأصابع فكذلك في المسح.
وعن محمد ﵀: أنه سئل عن المسح على الخفين فقال: أن يضع أصابع يديه على مقدم خفيه ويجافي كفيه ويمدهما إلى الساق أو يضع كفيه مع الأصابع ويمدهما جملة، قال محمد ﵀: كلاهما حسن قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: والأحسن تحصيل المسح بجميع اليد، ولو بدأ من قبل الساق يجوز لأنه أتى بأصل المسح إلا أنه ترك السنّة، وترك السنّة لا يمنع الجواز. ألا ترى أن في الغسل لو بدأ من أصل الساق يجوز؟، وطريقه ما قلنا.
ولو مسح برؤوس الأصابع وجافى أصول الأصابع والكف لا يجوز، إلا أن يبلغ ما ابتل من الخف عند الوضع مقدار الواجب وذلك ثلاثة أصابع، ولو مسح بظاهر كفيه يجوز والمستحب المسح بباطن كفيه.
[ ١ / ١٦٧ ]
ولو مسح بأصبع أو أصبعين لا يجوز؛ لأن المسح على الخفين نظير المسح على الرأس لأنه معطوف على الرأس في إحدى الروايتين على ما مر * ثم لو مسح على الرأس بأصبع أو أصبعين لا يجوز، ولو مسح بثلاثة أصابع جاز فههنا كذلك. وعلى قياس رواية الحسن في مسح الرأس انه لا يجوز * ما لم يمسح مقدار الربع، لا يجوز في مسح الخفين إلا مقدار الربع أيضًا ولو مسح بالإبهام والسبابة: إن كانا مفتوحين جاز لأن ما بينهما مقدار أصبع آخر، وقد ذكرنا هذا في مسح الرأس، ولم يذكر محمد ﵀ في «الأصل»: أن التقدير بثلاثة أصابع اليد أو بثلاثة أصابع الرجل، وكان الكرخي ﵀ يقول: التقدير بثلاثة أصابع الرجل اعتبارًا لمحل المسح. وكان الفقيه أبو بكر الرازي ﵀ يقول: التقدير بثلاثة أصابع اليد اعتبارًا لآلة المسح، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀.
ولو مسح بأصبع واحد ثم بله ومسح ثانيًا وثالثًا، إن مسح كل مرة غير الموضع الذي مسحه مرة (لا) يجوز كأنه مسح بثلاثة أصابع اليد، ويجوز المسح على الخف ببلل الغسل سواء كانت البلة متقاطرة أو غير متقاطرة، ولا يجوز المسح ببلل المسح، وتفسير هذا: إذا توضأ ثم مسح الخف بلة بقيت على كفه بعد الغسل يجوز، ولو مسح رأسه ثم مسح الخف ببلة بقيت لا يجوز، لأن في الفصل الأول: البلة لم تصر مستعملة لأن الغرض منها ما أقيم بها، وفي الفصل الثاني: البلة صارت مستعملة، لأن الغرض أقيم بها.
ولو توضأ ونسي مسح خفيه، ثم فاض الماء، فأصاب الماء ظاهر خفيه، يجزئه عن المسح، لأن المقصود والمأمور به وصول البلة وقد وجد، وهو نظير ما لو نسي مسح الرأس فأصاب رأسه ماء المطر هل يصير الماء مستعملًا؟ قال أبو يوسف ﵀: لا يصير، وقال محمد ﵀: يصير.
وإذا لم يمسح على خفيه ولكن مشى في الحشيش فابتل ظاهر خفيه ببلل الحشيش، إن كان الحشيش مبتلًا بالماء أو بالمطر يجزئه بالإجماع، وإن كان مبتلًا بالطل، اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه يجوز لأن الطل من الماء كالمطر، وفيه أن الطل سبيل في بيت المقدس كالمطر.
ولو أَمَرَ إنسانًا حتى مسح على خفيه جاز لحصول المقصود وهو إيصال البلة والله أعلم.
(نوع آخر) في بيان محل المسح
فنقول: محل المسح ظاهر الخف دون باطنه، حتى لو مسح باطن خفيه دون ظاهرهما لم يجزئه، وقال الشافعي ﵀: المسح على ظاهر الخف فرض وعلى باطنه سنة، والأولى عنده أن يضع يده اليمنى على ظاهر الخف، ويده اليسرى على باطن الخف فيمسح بهما كل رجل.
احتج الشافعي ﵀ بما روي عن مغيرة بن شعبة ﵁: «أن النبي عليه
[ ١ / ١٦٨ ]
السلام: مسح على خفيه أسفله وأعلاه»، ولأن الاستيعاب في مسح الرأس سنة، فكذا في مسح الخفين.
وعلماؤنا ﵏ احتجوا: بما روينا من حديث المغيرة، وبما روي عن علي ﵁ أنه قال: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله ﵇ يمسح على ظاهر الخفين دون باطنهما»، ولأن باطن الخف لا يخلو عن لوث عادة فيصب يده ذلك اللوث وفيه بعض الحرج.
والمسح بالخف إنما شرع لرفع الحرج. وأما الجواب عن الحديث: فكذلك الحديث فلا يوجه به، وأما الجواب عن استيعاب الرأس قلنا: جميع الرأس محل المسح بدليل: أنه لو مسح بعض أطرافه دون البعض يجوز بالإجماع، وههنا لو اقتصر على المسح على باطن الخف، لا يجوز بالإجماع، دل أن باطن الخف ليس بمحل للمسح، وإذا لم يكن محلًا للمسح لا يسن المسح عليه وكذلك إذا مسح على العقب لا يجوز؛ لأن محل المسح المقدم دون المؤخر، ولو مسح على ما يلي الساق أو على ما يلي مقدم ظاهر الخف يجوز، ولو مسح على فوق الكعبين لا يجزئه والله أعلم.
(نوع آخر) في بيان ما يجوز عليه المسح من الخفاف وما بمعناها وما لا يجوز
قال: الخف الذي يجوز عليه المسح ما يُمَكّن قطع السفر، وتتابع المشي عليه، وستر الكعبين وما تحتهما. وستر ما فوق الكعبين ليس بشرط، لأن ما فوق الكعبين زيادة في إطلاق اسم الخف عليه، وإن كان يرى من الكعب قدر أصبع أو أصبعين جاز المسح عليه، وإن كان ثلاثة أصابع فصاعدًا (٢٤ب١) لا يجوز المسح نص عليه محمد ﵀ في «الزيادات» .
والمذكور في «الزيادات»: رجل عليه خفاف لا ساق عليهما جاز أن يمسح عليهما، إذا كان الكعب مستورًا، وإن كان خرج منها شيء من مواضع الوضوء نحو الكعب وغيره، وإن كان ما خرج مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع الرجل لا يجوز المسح عليهما، وعن هذه المسألة قال مشايخنا: إذا لبس المكعب ولا يرى من كعبه إلا إصبع أو إصبعان جاز المسح عليه لأنه بمنزلة الخف الذي لا ساق له.
قال شمس الأئمة السرخسي رحمع الله: الصحيح من المذهب جواز المسح على الخفاف المتخذة من اللبود التركية، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ روى عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يجوز المسح على الخفاف المتخذة من اللبود، قال مشايخنا: كان أبو حنيفة ﵀ لم يعرف صلابة هذا النوع من الخف وصلاحيته لقطع السفر وتتابع المشي به أما لو عرف ذلك لأفتى به، لأن مثل هذا الخف صالح لقطع السفر وتتابع المشي به فكان كالخف المتخذ من الأديم وغيره.
وأما المسح على الجوارب، فلا يخلو: إما إن كان الجوارب رقيقًا غير منعل، وفي
[ ١ / ١٦٩ ]
هذا الوجه لا يجوز المسح بلا خلاف، وأما إذا كان ثخينًا منعلًا، وفي هذا الوجه يجوز المسح بلا خلاف، لأنه يمكن قطع السفر وتتابع المشي عليه فكان بمعنى الخف، والمراد من الثخين: إن كان يستمسك على الساق من غير أن يشده بشيء، ولا يسقط، فأما إذا كان لا يستمسك ويسترخي فهذا ليس بثخين، ولا يجوز المسح عليه، وأما إذا كان ثخينًا غير منعل، وفي هذا الوجه لا يجوز المسح عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز.
ثم بين المشايخ اختلاف في مقدار النعل الذي يكفي لجواز المسح على الثخين عند أبي حنيفة ﵀، قال بعضهم: إذا كان في باطن الخف أديم وهو ما يكفي لكف القدم، جاز المسح عليه، وقال بعضهم: لا يجوز المسح (حتى) حتى تكون الأديم على أصابع الرجل وظاهر القدمين، وقال بعضهم: لا يجوز المسح (حتى) يكون الأديم إلى الساق ليكون ظاهر قدميه وكعباه مستورًا بالأديم فعلى قول هذا القائل: لو كان المستور بالأديم ما دون الساق، والساق مجورب لا يجوز المسح عند أبي حنيفة ﵀.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وسألت الشيخ الإمام الأستاذ عن تفسير الجورب المنعل عند أبي حنيفة ﵀، أراد به الجلد الرقيق، الذي اعتاد الناس حوزه على جواربهم، أو أراد الصرم العلنطنطر الصرم الذي يكون على جوارب أهل مرو، وقال: إن كان هذا الجورب المنعل كجوارب الصبيان يمشون عليهما في تخرجة وغلظ النعل جاز المسح عند أبي حنيفة ﵀.
قال شمس الأئمة: هذا في شرح كتاب الصلاة الجورب أنواع: منها ما يكون من غزل وصوف، ومنها ما يكون من غزل، ومنها ما يكون من شعر.
والأول: أن لا يجوز عليه المسح عندهم جميعًا.
وأما الثاني: فإن كان رقيقًا: لا يجوز المسح عليه بلا خلاف، وإن كان ثخينًا مستمسكًا ويستر الكعب سترًا لا يراه الناظر كما هو جوارب أهل مرو، فعلى قول أبي حنيفة ﵀: لا يجوز المسح عليه، إلا إذا كان منعلًا أو مبطنًا، وعلى قولهما: يجوز.
وأما الثالث: ذكر في «النوادر»: أنه لا يجوز المسح عليه، قالوا: إذا كان صلبًا مستمسكًا يمشي معه فراسخ أو فرسخًا، يجب أن يكون على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه ﵏.
وأما الرابع، فقد روي عن أبي حنيفة ﵀: أنه يجوز المسح عليه، والمتأخرون قالوا: الصحيح أن المسألة على الخلاف.
وأما الخامس: فلا يجوز المسح عليه كيف ما كان، وذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه»: حكي أن أبا حنيفة ﵀ مسح على جوربيه في مرضه الذي مات فيه، وقال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، قال ﵀: استدلوا به على رجوعه إلى قولهما، وكان شمس الأئمة الحلواني ﵀ يقول: هذا كلام محتمل يحتمل أنه كان رجوعًا إلى قولهما، ويحتمل أن لا يكون رجوعًا ويكون اعتذارًا إليهم، أي إنما أخذت بقول المخالف للضرورة، فلا يثبت الرجوع بالشك.
[ ١ / ١٧٠ ]
وأما المسح على الحاروق فإن كان يستر القدم والكعب، فهو بمنزلة الخف الذي لا ساق له، فكل جواب ذكرناه ثمة فهو الجواب ههنا، وإن كان لا يستر الكعب والقدم أكر بدهش حاروق يوست برد وفيه باسر جنابك عادت بعضي مرديان أست مسح روا يودوا بن بمعنى جوربي ما شدان يوست كه بليس معه النعليه وإنما مسح رواست باتفاق كذا ذكره الطحاوي ﵀، واكر وني حاروق توست في برد وضنة است عليه عامة مشايخ برا يندكه لا يجوز المسح عليه، وجوز بعضهم ذلك لأن عوام الناس يسافرون به خصوصًا في بلاد الشرق، وإذا كان مشقوقًا بمعنى ما يلي ظاهر القدم فكان يبدو قدمه من ذلك، أو كان جوربًا ثخينًا منعلًا إلا أن ما يلي ظاهر القدم مشقوق، وقد بينا لذلك الشق أزرارًا مكان حشوهما أو هيأ له خيطًا أو سترًا فكان يسدها سدًا يستر قدميه فهو كغير المشوق، وإن كان يستر بعضه دون بعض ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: أن ذلك بمنزلة الخرق في الخف، وسيأتي الكلام في الخرق بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا لبس الجرموقين، وأراد أن يمسح عليهما فالمسألة على وجهين: إما أن يلبسهما وحدهما أو يلبسهما فوق الخفين، وكل مسألة على وجهين: إما إن كان الجرموق من كرباس أو ما يشبه الكرباس، أو من أديم، أو ما يشبه الأديم فإن لبسهما وحدهما، فإن كان من كرباس، أو ما يشبه الكرباس لا يجوز المسح عليهما، لأنه لا يمكن قطع السفر، وتتابع المشي عليه، وإن كان من أديم أو ما يشبه الأديم يجوز المسح عليهما، لأنه يمكن قطع السفر وتتابع المشي عليه، وإن لبسهما فوق الخفين، فإن كانا من كرباس أو ما يشبه الكرباس لا يجوز المسح عليهما كما لو لبسهما على الانفراد إلا أن يكونا رقيقين يصل البلل إلى ما تحتهما، وإن كانا من أديم أو ما يشبه الأديم أجمعوا أنه إذا لبسهما بعدما أحدث قبل أن يمسح على الخفين أو بعدما أحدث ومسح على الخفين أنه لا يجوز المسح عليهما، وإن لبسهما قبل أن يحدث جاز المسح عليهما عندنا، به ورد الأثر عن رسول الله ﵇ فقد روى عنه المغيرة بن شعبة ﵁ «أنه مسح على الموق والموق هو الجرموق، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر ﵁ مسح على جرموقيه.
وحاصل مذهب أصحابنا ﵏: أنه متى لبس الجرموق على الخف قبل الحدث والجرموق يصير بدلًا عن الخف، فلا يؤدي إلى أن يكون للبدل بدلًا، ومتى لبس الجرموقين على الخف، فلو جاز المسح على الجرموق أدى إلى أن يكون للبدل بدلًا وأنه لا يجوز، وإن مسح على جرموقيه ثم نزعهما أعاد المسح على خفيه.
فرق بين هذا وبين ما إذا مسح على خف ذي طاقين ثم نزع أحد طاقيه، فإنه لا يلزمه إعادة المسح على الطاق الثاني، وكذلك إذا مسح على خفيه فقشر جلد ظاهر الخفين ثم رفعه فإنه لا يلزمه إعادة المسح، وكذلك إذا كان الخف مشعورًا كالخف اليماني فمسح على ظاهر الشعر ثم حلق الشعر، فإنه لا يلزمه إعادة المسح.
والفرق: أن الخف إذا كان ذا طاقين وكل طاق متصل بالآخر غير مزايل عنه
[ ١ / ١٧١ ]
فيصيران بحكم الاتصال كشيء واحد كالشعر مع بشرة الرأس اعتبرا شيئًا واحدًا في حكم الاتصال، حتى كان المسح على شعر الرأس كالمسح على البشرة، فكذا ههنا يجوز المسح على أحد الطاقين كالمسح على الطاق الآخر فالممسوح لم يزد من حيث الحكم والاعتبار فلم يجب إعادة المسح، فأما الجرموق غير متصل بالخف بل هو مزايل عنه فلا يجعل المسح على الجرموق كالمسح على الخفين، فالممسوح زال حقيقة وحكمًا فيحل الحدث بما تحته، فيلزمه إعادة المسح، كما لو أحدث في هذه الحالة. وإذا لبس الخفين فوق الخفين، فالجواب فيه على التفصيل الذي ذكرنا: فيما إذا لبس الجرموقين فوق الخفين.
وإذا لبس (٢٥أ١) الجرموقين فوق الخفين ثم نزع أحدهما قال: عليه أن يعيد المسح على الخف الثاني والجرموق الثاني هكذا ذكر في ظاهر الرواية، ووقع في بعض كتاب الصلاة أنه يخلع الجرموق الثاني ويمسح على الخفين وهكذا روي عن أبي يوسف ﵀ في غير رواية، «الأصول» .
ووجه ذلك: أن الحدث حل بالخف الأدنى فيحل في الخف الآخر لأنه خلف الخف فلا يتجزأ، ووجه ما ذكرنا في «ظاهر الرواية»: أن الحدث إنما حل بالخف الأدنى لزوال المانع وهو الجرموق وهذا المعنى معدوم في الخف الآخر، فلا يحل الحدث بالخف الآخر، وإنما يحل بالجرموق الذي على الخف الآخر، فلا يلزمه إعادة المسح على الخف الآخر، وإنما لزمه إعادة المسح على الجرموق الذي على الخف الآخر؛ لأن المسح انتقض في حق الخف الأدنى فينتقض المسح في حق الجرموق الآخر، لأن انتقاض المسح لا يتجزأ.
فإن قيل: ما ذكرتم يشكل بما إذا نزع أحد خفيه، فإن هناك يحل الحدث بالرجل الأخرى حتى يلزمه غسل الرجل الأخرى مع أن المانع من حلول الحدث في الرجل الأخرى قائم وهو الخف.
قلنا: قضية القياس فيما إذا نزع أحد خفيه ألا يحل الحدث في الرجل الأخرى لقيام المانع به لكن سقط اعتبار القياس فيه لضرورة وهي ألا يصير جامعًا بين البدل والمبدل منه، وهذه الضرورة معدومة فيما نحن فيه فيبقى المانع معتبرًا، وهذه المسائل كلها دليل على أن من لبس الجرموق فوق الخف ومسح على الجرموق ثم أحدث ونزع الجرموق جاز له المسح على الخف.
وإذا كان في الخف خرق فإن كان يسيرًا لا يمنع وإن كان كبيرًا يمنع، والقياس في الخرق الكبير أن يمنع جواز المسح أيضًا لأن الخف جعل مانعًا سراية الحدث إلى الرجل لا رافعًا حدثًا حل بالرجل، وإذا كان بعض القدم مكشوفًا، ولا مانع في حق ذلك البعض فسرى الحدث إلى ذلك البعض، ومن ضرورته سراية الحدث إلى الكل، لأن الحدث لا يتجزأ إلا أنا استحسنا في اليسير لضرورة لأن الخف قل ما يخلو عن قليل خرق، لأنه وإن كان جديدًا ما بان الدروب والأسافي فيه خرق ولهذا يدخله التراب، ولا ضرورة في
[ ١ / ١٧٢ ]
الكبير فيبقى الكبير على أصل القياس.
بعد هذا الكلام في معرفة الحد الفاصل بين اليسير والكبير فنقول: إذا كان الخرق قدر إصبع أو إصبعين فهو يسير، وإذا كان قدر ثلاثة أصابع فهو كبير، ثم على رواية «الزيادات»: اعتبر ثلاثة أصابع من أصغر أصابع الرجل، وعلى رواية الحسن عن أبي حنيفة: اعتبر ثلاثة أصابع اليد، ثم الخرق الكبير إنما يمنع جواز المسح إذا كان منفرجًا يرى ما تحته، فأما إذا كان لا يرى ما تحته، فإن كان الخرق جليًا إلا أنه إذا أدخل فيه الأصابع يدخل فيها ثلاثة أصابع لا يمنع جواز المسح وإن كان يبدو قدر ثلاثة أصابع حالة المشي، لأن في حال وضع القدم على الأرض يمنع جواز المسح، لأن الخف يلبس للمشي، فكان المعتبر حالة المشي، وهذا لأن جواز المسح على الخفين بطريق الرخصة لرفع الحرج عن الناس، فإذا كان الجرموق بحال لا يرى ما تحته حالة المشيء فالناس يلبسون مثل هذا الخف عادة لأنه لا يمكن قطع السفر وتتابع المشي به فلو أمروا بالنزع وغسل الرجل لوقعوا في الحرج، وإذا كان الخرق بحال يرى ما تحته حالة المشيء، فالناس لا يلبسون مثل هذا الخف عادة، لأنه لا يمكن قطع السفر وتتابع المشي به فلو أمروا بالنزع وغسل الرجل لا يقعون في الحرج.
ثم اختلف المشايخ في فصل أنه إذا كان يبدو قدر ثلاثة أنامل من أصابع الرجل هل يمنع جواز المسح؟ قال بعضهم يمنع، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني ﵀، وقال بعضهم: لا يمنع ويشترط أن يبدو قدر ثلاثة أصابع بكمالها، وإليه مال شمس الأئمة الحلواني ﵀، وهو الأصح.
ولو ظهر من الخرق الإبهام، وهي مقدار ثلاثة أصابع من غيرها جاز عليه المسح ويعتبر التقدير في تقدير الأصابع الصغير والكبير على السواء، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: وسواء كان الخرق في باطن الخف أو ظاهره أو في ناحية العقب فالحكم لا يختلف، يعني إذا كان الخرق مقدار ثلاثة أصابع من أي جانب كان، فذلك يمنع جواز المسح؛ لأن الخرق إذا كان مقدار ثلاثة أصابع يمنع قطع السفر وتتابع المشيء به من أي جانب كان الخرق فلا يلبس عادة مع هذا الخرق، فلو أمروا بالنزع وغسل الرجل لا يقعون في الحرج.
وذكر شمس الأئمة الحلواني وشيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده رحمهما الله: إذا كان المكشوف من قبل العقب أكثر من المستور لا يجوز المسح عليه، وإن كان المكشوف أقل من المستور يجوز المسح، والمروي عن أبي حنيفة ﵀ في هذه الصورة أنه يمسح حتى يبدو أكثر من نصف العقب.
ويجمع الخروق في خف واحد ولا يجمع في خفين.
بيانه: إذا كان في أحد الخفين خرق قدر أصبع، وفي الآخر قدر إصبعين جاز المسح عليهما، ولو كان في خف واحد خرق في مقدم الخف قدر أصبع وفي العقب مثل ذلك، وفي جانب الخف مثل ذلك لايجوز المسح عليه، فرق بين الخرق وبين النجاسة،
[ ١ / ١٧٣ ]
فإن النجاسة تجمع في خفين كما تجمع في خف واحد متى كان في كل موضعين وكذلك الخرق في موضع العورة يجمع، والفرق أن في باب العورة المانع انكشاف العورة وقد وجد ذلك، وأما في باب النجاسة المانع هو النجاسة لأنها تنافي الطهارة، وإن كانت في مواضع متفرقة، فأما الخرق فما كان مانعًا لعينه، بل لكونه مانعًا تتابع المشي به، وهذا إنما يحصل إذا كان الخرق مقدار ثلاثة أصابع في خف واحد لا في خفين، وإن كان الخرق على الساق لا يمنع جواز المسح وإن كان أكثر من ثلاثة أصابع؛ لأن الخرق على الساق لا يكون أعلى حالًا من عدم الساق، ولو لم يكن للخف ساق وكان الكعب مستورًا يجوز المسح عليه فههنا أولى.
(نوع آخر) في بيان شرط جواز المسح على الخف
شرط جواز المسح على الخف أن يكون الحدث بعد اللبس طارئًا على طهارة كاملة، حتى إنه لو غسل رجليه أولًا ولبس الخفين ثم أحدث لم يجزه المسح، لأن الحدث ما طرأ على طهارة كاملة وسواء كملت الطهارة قبل اللبس أو بعده جاز المسح في الحالين عندنا حتى إنه لو غسل رجليه أولًا ولبس الخفين ثم أكمل وضوءه ثم أحدث جاز له المسح على الخف عندنا، وقال الشافعي: الشرط أن يدخلهما في الخف بعد إكمال الطهارة.
وثمرة الخلاف مع الشافعي لا تظهر في هذه المسألة، لأن عنده الترتيب في الوضوء شرط وقد عدم الترتيب ههنا، وإنما تظهر في مسألة أخرى، وهي:
ما إذا توضأ وغسل رجله اليمنى ولبس عليه الخف ثم غسل رجله اليسرى ولبس عليه الخف ثم أحدث وتوضأ وأراد المسح جاز المسح عندنا وعند الشافعي لا يجوز واعتبر بما لو أحدث بعد اللبس ثم أكمل الطهارة فإنه لا يجوز المسح هناك، ونحن فرقنا بينما إذا أكمل الطهارة قبل الحدث، وبينما إذا لم يكمل حتى أحدث، والفرق أن الخف جعل مانعًا سراية الحدث إلى الرجل لا رافعًا لحدث حل بالرجل، فإذا أكمل الطهارة قبل الحدث كان الخف مانعًا سراية الحدث من كل وجه ولم يكن رافعًا بوجه ما، لأن الحدث قد ارتفع عن الرجلين حقيقة لغسلهما، وحكمًا لغسل ما بقي ولهذا جاز أداء الصلاة بتلك الطهارة فجاز المسح، فأما إذا أحدث قبل إكمال الطهارة كان الخف رافعًا الحدث من وجه لأن الحدث إن ارتفع عن القدمين حقيقة بغسلهما لم يرتفع حكمًا، ولهذا لو أراد أن يصلي بتلك الطهارة لا يجوز فيكون الخف رافعًا لحدث كان قائمًا فيه من وجه وإنه لا يجوز، ولهذا لا يمسح.
والنية ليست بشرط لجواز المسح على الخفين حتى إن من قال لغيره: علمني الوضوء والمسح على الخفين، فتوضأ ذلك الغير ومسح على الخفين وكان قصده التعلم جاز عندنا وهذا لأن المنصوص عليه المسح دون النية فاشتراط النية يكون زيادة على النص وإنه لا يجوز، ألا ترى أنه لا تشترط (٢٥ب١) النية لجواز مسح الرأس، وإنما لا تشترط لما قلنا.
[ ١ / ١٧٤ ]
وكذلك الترتيب ليس بشرط عندنا، بيانه: فيما ذكرنا أنه إذا غسل رجليه أولًا ولبس الخفين ثم أكمل وضوءه ثم أحدث وتوضأ، جاز له المسح على الخفين.
ويمسح من كل حدث أو خبث في الوضوء بعد اللبس، فأما الجنابة فلا يجوز المسح فيها لحديث صفوان بن عسال المرادي قال: «كان رسول الله ﵇ يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة ولكن من بول أو غائط أو نوم» ولأن الجنابة ألزمته غسل جميع البدن بالنص ومع الخف لا يتأتى ذلك، ولأن جواز المسح لضرورة دفع المشقة، وذلك في الحدث أظهر لتكرير وقوعه في كل يوم عادة، وعدم تكرير وقوع الجنابة في كل يوم عادة، فامتنع الاستدلال.
ذكر الناطفي ﵀ في «هدايته»: قال أبو يوسف ﵀ في «الإملاء»: كل طهارة تنتقض بغير حدث، فإذا انتقض مع الحدث يمنع جواز المسح على الخفين، وكل طهارة لا تنتقض إلا بالحدث، فإذا انتقض بالحدث الصغرى لا يمنع جواز المسح على الخفين.
وأشار إلى الفرق فقال: ما يبطل بغير حدث كان الحدث موجودًا عند ابتداء لبسه فلم يصادف الحدث طهارة ولا كذلك طهارة لا تنتقض إلا بالحدث، لأن ابتداء اللبس صادف طهارة كاملة، فكان الحدث طارئًا على لبسه.
وتفسير هذا: المسافر إذا لم يجد الماء وتيمم ولبس خفيه ثم أحدث ووجد من الماء ما يكفيه للوضوء فإن عليه أن يتوضأ ويغسل قدميه ولا يجوز المسح على خفيه، لأن تيممه قد بطل بوجود الماء، وكان الحدث موجودًا في رجليه لأن التيمم لا يرفع الحدث، وكذلك المستحاضة، ومن به جرح سائل.
وكذلك لو توضأ بنبيذ التمر ولبس الخفين ومسح على الخفين بنبيد التمر ثم وجد الماء نزع خفيه وتوضأ به وغسل قدميه لأنه لا يرفع الحدث وهو كالتراب.
وإذا توضأ بسؤر الحمار ولبس خفيه ولم يتيمم حتى أحدث فإنه يتوضأ بما بقي معه من سؤر الحمار ويمسح على الخفين ثم يتيمم ويصلي لأن سؤر الحمار إن كان طاهرًا مطهرًا فقد حصل اللبس على طهارة كاملة فجاء شرط جواز المسح على الخفين، وإن كان نجسًا أو كان طاهرًا غير طهور ففرضه في هذه الحالة التيمم، والرِّجْلُ لاحظ لها من التيمم، فتيقنا لسقوط غسل الرجلين فلهذا جاز المسح.
ولو توضأ بنبيذ التمر، ولبس الخف ثم أحدث ومعه نبيذ التمر، فإنه يتوضأ وينزع خفيه ويغسل قدميه في قول أبي حنيفة ﵀، ولا يمسح على خفيه وفي سؤر الحمار قال: يمسح على وخفيه، ونبيذ التمر عنده مقدم على سؤر الحمار حتى قال في سؤر الحمار: يجمع بينه وبين التيمم، ولم يقل بالجمع في نبيذ التمر.
والفرق: أن الطهارة الحاصلة بنبيذ التمر طهارة ناقصة، ولهذا تنتقض برؤية الماء،
[ ١ / ١٧٥ ]
ورؤية الماء ليست بحدث علم أنه يصير محدثًا بالحدث السابق، إلا أنه جوز أداء الصلاة بها عند انعدام الماء بالنص، إنما هي في نفسها طهارة ناقصة فكان اللبس حاصلًا على طهارة ناقصة فلا يجوز المسح، فأما سؤر الحمار، فإنما يجوز التوضؤ به على تقدير أنه طاهر مطهر، وعلى هذا التقدير هو وسائر المياه سواء كان اللبس حاصلًا على طهارة كاملة والله أعلم.
(نوع آخر) في بيان مدة المسح على الخفين
قال علماؤنا رحمة الله: عليهم: يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها، والأصل فيه ما روي عن علي ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: «يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام»، وعن صفوان بن عسال المرادي أنه سأل رسول الله ﵇ عن المسح على الخفين فقال: «المقيم يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها»، والمعنى المجوز للمسح الضرورة، والضرورة في حق المسافر أكثر من الضرورة في حق المقيم، لأن المسافر لا ينزع الخف في كل مرحلة غالبًا أو يلحقه الحرج بالنزع في كل مرحلة، فقدر في حقه بأقل مدة السفر، إذ لا نهاية لما وراءه، فأما المقيم ينزع الخف في كل يوم وليلة عادة، ولا يُحرج في ذلك، فقدر في حقه بيوم وليلة لهذا.
وابتداء المدة يعتبر من وقت الحدث عند علمائنا، حتى إن من توضأ في وقت الفجر وهو مقيم وصلى الفجر ثم طلعت الشمس فلبس الخفين ثم زالت الشمس وصلى الظهر ثم أحدث ثم دخل وقت العصر فتوضأ ومسح على الخفين فقدرنا مدة المسح باقية إلى الغد إلى الساعة التي أحدث فيها اليوم، حتى جاز له أن يصلي الظهر في الغد بالمسح، ولا يجوز له أن يصلي العصر في الغد بالمسح، وإنما اعتبر بابتداء المدة من وقت الحدث لأن وجوب الطهارة باعتبار الحدث القدم بالخف مانع سراية الحدث إلى القدم، وإنما يصير مانعًا عند الحدث، وإذا كان علمه يظهر عند الحدث تعتبر المدة من وقت الحدث ضرورة.
قال في «الأصل»: وإذا انقضى وقت المسح ولم يحدث في تلك الساعة فعليه نزع خفيه وغسل رجليه وليس عليه إعادة الوضوء، وأراد بقوله: ولم يحدث في تلك الساعة، أنه لم يحدث بعد الحدث الأول من وقت اللبس لا أنه لم يحدث أصلًا من وقت اللبس، فإن لابس الخفين إذا استكمل يومًا وليلة وهو على وضوء ولم يحدث أصلًا لا يجب عليه غسل القدمين بالإجماع، لأن انقضاء المدة إنما عتبر في حق ماسح الخفين لا في حق لابس الخفين، وهذا الرجل لابس الخفين وليس بماسح الخفين، فلا يعتبر انقضاء المدة
[ ١ / ١٧٦ ]
في حقه، فأما إذا أحدث بعد لبس الخفين فتوضأ ومسح على الخفين، ثم استكمل يومًا وليلة، وهو على وضوء ولم يحدث حدثًا آخر، يجب عليه نزع الخفين، وغسل القدمين، ولا يجب عليه تجديد الوضوء لأن الخف جعل مانعًا سراية الحدث إلى الرجل ما دامت مدة المسح باقية، فإذ انقضت مدة الحدث لم يبق المانع، فيسري الحدث السابق إلى الرجل، فصار كما لو توضأ وأخر غسل الرجلين، ولو توضأ وأخر غسل الرجلين، يجب عليه غسل الرجلين، ولا يجب عليه تجديد الوضوء كذا ههنا، علمنا أن المراد من المسألة ما ذكرنا، وإن كان أحدث في تلك الساعة نزع خفيه وغسل رجليه وأعاد الوضوء.
وإذا استكمل المقيم مسح الإقامة، ثم سافر نزع خفيه وغسل رجليه. وإن لم يستكمل مسح الإقامة حتى سافر: إن سافر قبل أن يحدث فإنه يستكمل مدة مسح السفر بالإجماع لأن ابتداء المدة انعقد وهو مسافر، لأن ابتداء المدة من وقت الحدث، وأما إذا أحدث ومسح على الخفين أو لم يمسح وسافر فكان ذلك قبل استكمال مسح الإقامة، فإنه يستكمل مدة مسح المسافر عند علمائنا الثلاثة ﵏.
وإذا قدم المسافر مصره، وكان ذلك بعد ما مسح يومًا وليلة أو أكثر نزع خفيه لأنه صار مقيمًا، ولا يلزمه إعادة شيء من تلك الصلوات وإن كان قدومه بعدما مسح أكثر من يوم وليلة؛ لأنه حين مسح كان مسافرًا.
وإن قدم المصر قبل استكمال يوم وليلة يمسح مسح المقيمين بالاتفاق، وإذا انقضت مدة المسح وهو مسافر ويخاف ذهاب الرجل من البرد لو نزع خفيه، جاز له المسح لمكان الضرورة، وإن كان لا يخاف ذهاب الرجل ينزع خفيه ويغسل رجليه، وإذا أحدث الماسح في صلاته وانصرف للتوضؤ وانقضت مدة المسح قبل أن يتوضأ يغسل رجليه ويبني على صلاته، كالمصلي بالتيمم إذا أحدث وانصرف ووجد ماءً، فإنه يتوضأ ويبني على صلاته.
إذا انقضت مدة مسحه وهو في الصلاة، ولم يجد ماء فإنه يمضي على صلاته؛ لأنه لا فائدة في قطع الصلاة؛ لأن حاجة الماسح بعد انقضاء مدة المسح إلى غسل الرجلين، ولو قطع الصلاة وهو عاجز عن غسل الرجلين فإنه يتيمم ولاحظ للرجلين من التيمم، ولهذا يمضي على صلاته، ومن المشايخ من قال: تفسد صلاته، والأول أصح والله أعلم.
(نوع آخر)
بيان ما يبطل المسح على الخفين
قال ﵁: وإذا مسح على الخف (٢٦أ١) ثم دخل الماء وابتل من رجله قدر ثلاثة أصابع أو أقل، لا يبطل مسحه، ولو ابتل جميع القدم وبلغ الماء الكعب بطل المسح، روي ذلك عن أبي حنيفة ﵀، ويجب غسل الرجل الأخرى، ذكره في «حيرة الفقهاء» .
وعن الفقيه أبي جعفر ﵀: إذا أصاب الماء أكثر أحد رجليه ينتقض مسحه، ويكون بمنزلة الغسل وبه قال بعض المشايخ، وقد حكي أيضًا عن الفقيه هذا ﵀ أنه
[ ١ / ١٧٧ ]
قال مرة على نحو ما ذكرنا في كتاب «الحيرة»، وبعض مشايخنا قالوا لا ينتقض المسح، على كل حال لأن استتار القدم بالخف يمنع سراية الحدث إلى القدم، فلا يقع هذا غسلًا معتبرًا فلا يوجب انتقاض المسح.
وإذا نزع خفيه بعد المسح أو أحدهما غسل رجليه، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم، وإذا بدا للماسح أن يخلع خفيه، فنزع القدم من الخف غير أنه في الساق بعد فقد انتقض مسحه، وهذا قول علمائنا الثلاثة ﵏.
وجه ذلك: أن موضع المسح فارق مكانه، فكأنه ظهر رجله، وهذا لأن ساق الخف غير معتبر حتى لو لبس خفًا لا ساق له، جاز له المسح إذا كان الكعب مستورًا، فكون الرجل في الساق وظهوره في الحكم سواء هذا إذا نزع كل القدم إلى الساق.
فأما إذا نزع بعض القدم عن مكانه ذكر الفقيه أبو محمد الجويني عن أبي حنيفة ﵀ في «الإملاء»: أنه إذا زال عقب الرجل عن عقب الخف أو زال أكثر عقب الرجل عن عقب الخف انتقض المسح ووجب غسل الرجل، وهو رواية عن أبي يوسف ﵀؛ لأن اللبس وقع للمشي المعتاد، وقد تعذر المشي إذا خرج أكثر عقب الرجل عن موضعه، فصار وجود هذا اللبس والعدم بمنزله، فيبطل المسح ضرورة.
وعن أبي يوسف ﵀ في رواية أخرى: إذا نزع من ظهر القدم قدر ثلاثة أصابع انتقض مسحه، وعن محمد ﵀: إذا بقي من ظهر القدم في موضع المسح قدر ثلاثة أصابع لا ينتقض مسحه، ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ هذه الجملة في «شرحه»، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ هذه المسألة في «شرحه»، وقال: ذكر في بعض الروايات أنه إذا كان بحيث يمكنه المشي بعد ما تحرك قدمه عن موضعه لا ينتقض مسحه وإن كان بحيث لا يمكنه المشي ينتقض مسحه، وذكر في بعض الروايات: إذا خرج أكثر ما يفترض غسله ينتقض مسحه، وما لا فلا، وفي بعض الروايات: إن بقي في موضع قرار القدم مقدار ثلاثة أصابع لا ينتقض مسحه، قال: وأكثر المشايخ على هذا، وهو مروي عن محمد ﵀ على نحو ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀.
وفي كتاب «الصلاة» لأبي عبد الله الزعفراني ﵀: رجل أعرج يمشي على صدور قدميه وقد ارتفع عقبه عن موضع عقب الخف أو كان لا عقب للخف وصدور
[ ١ / ١٧٨ ]
قدميه في الخف، أو رجل صحيح أخرج عقبه من عقب الخف، إلا أن مقدم قدمه في الخف في موضع المسح، له أن يمسح ما لم يخرج صدر قدمه عن الخف إلى الساق، وفي بعض المواضع إذا كان صدور القدم في موضعه والعقب يخرج ويدخل لا ينتقض مسحه، ولو كان الخف واسعًا إذا رفع القدم قع (عن) القدم حتى يخرج العقب، فإذا وضع القدم عادت العقب إلى موضعها لا ينتقض مسحه.
ذكر أبو علي الدقاق ﵀ صاحب «كتاب الحيض»: رجل لبس خفين ولبس فوقهما جرموقين واسعين يفضل من الجرموق على الخف مقدار ثلاثة أصابع، فمسح على تلك الفضلة لم يجز، وإن مسح على تلك الفضلة وقد قدم رجله إلى تلك الفضلة ومسح عليه، ثم زال رجله عن ذلك الموضع، أعاد المسح والله أعلم.t
(نوع آخر)
المرأة في المسح على الخفين بمنزلة الرجل؛ لاستوائهما في المعنى المجوز للمسح، وإذا استحيضت المرأة ولبست خفيها بعدما توضأت، ثم أحدثت في الوقت حدثًا آخر حتى انتقضت طهارتها لما عرف، فتوضأت وأرادت أن تمسح على خفهيا، فهذه المسألة على أربعة أوجه:
أما إذا كانت الدم سائلًا وقت الوضوء واللبس، أو كان منقطعًا وقت الوضوء واللبس، أو كان سائلًا وقت الوضوء منقطعًا وقت اللبس، أو كان منقطعًا وقت الوضوء سائلًا وقت اللبس، وفي الوجوه كلها لها أن تمسح على خفيها؛ لأن طهارتها ما دام الوقت باقيًا طهارة معتبرة يجوز أداء الصلاة بها، فكان اللبس حاصلًا على طهارة معتبرة، فيجوز المسح.
ولو لم تحدث حدثًا آخر، ولكن خرج الوقت حتى انتقضت طهارتها بخروج الوقت، فتوضأت وأرادت أن تمسح على خفيها ففيما إذا كان الدم منقطعًا وقت الوضوء واللبس لها أن تمسح، وفيما عدا ذلك من الوجوه ليس لها أن تمسح عند علمائنا الثلاثة ﵏، وعند زفر ﵀ لها أن تمسح.
وجه قول زفر: أن اللبس حصل على طهارة معتبرة، لأن طهارة المستحاضة طهارة معتبرة حتى ينبني عليها جواز الصلاة، وما وجد من السيلان أسقط الشرع اعتباره وألحقه بالعدم، فيجوز لها أن تمسح كما لو كان الدم منقطعًا وقت الوضوء واللبس جميعًا.
وجه قول علمائنا الثلاثة: أن طهارة المستحاضة متى انتقضت بخروج الوقت يستند الانتقاض ويظهر الاستناد في حق القائم من الأحكام على ما عرف، وجواز المسح حكم قائم فيظهر الاستناد في حقه ويظهر أن اللبس حصل مع الحدث في حق هذا الحكم، بخلاف ما إذا كان الدم منقطعًا وقت اللبس والوضوء؛ لأن هناك وإن استند الانتقاض إلا أنه إنما يستند إلى سيلان، متأخر عن اللبس، فلا يظهر أن اللبس حصل مع الحدث.
فإن قيل: لو استند الانتقاض بخروج الوقت يجب أن يقال إذا شرعت في التطوع ثم خرج الوقت أن لا يجب عليها القضاء؛ لأنه ظهر أن الشروع حصل مع الحدث، قلنا: هذا ليس بظهور من كل وجه، بل هو ظهور من وجه، اقتصار من وجه؛ لأن انتقاض
[ ١ / ١٧٩ ]
الطهارة حكم الحدث والحدث وجد في تلك الحالة، فهذا يقتضي صيرورتها محدثة من تلك الحالة، إلا أن صيرورتها محدثة معلقة بخروج الوقت وخروج الوقت وجد الآن، فهذا يقتضي صيرورتها محدثة من كل وجه فلا يجوز لها المسح، ولا يجب عليها القضاء، ولو كان اقتصارًا من كل وجه يجوز لها المسح، ويجب عليها القضاء، فإذا كان ظهورًا من وجه اقتصارًا من وجه، قلنا: لا يجوز لها المسح ويجب عليها القضاء أخذًا بالاحتياط في كل فصل.
وصاحب الجرح السائل في حق هذه الأحكام بمنزلة المستحاضة؛ لأنه بمعناها والله أعلم.
(نوع آخر)
قال محمد ﵀ في «الزيادات»: رجل قطعت إحدى رجليه، وبقي من موضع الوضوء مقدار ثلاثة أصابع أو أكثر أو أقل حتى بقي شيء منها من موضع الوضوء، فتوضأ وغسل ذلك الرجل، والرجل الصحيحة، ولبس الخف على الرجل الصحيحة ثم أحدث وتوضأ لا يجوز له أن يمسح على الرجل الصحيحة؛ لأنه إذا بقي من الرجل المقطوعة شيء من موضع الوضوء يجب غسله، فيجب غسل الرجل الصحيحة كي لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل في وظيفة واحدة.
وإن لبس الخفين، فإن كان ما بقي من الرجل المقطوعة سأقل من مقدار ثلاثة أصابع لا يجوز المسح على الخفين؛ لأن محل المسح قدر ثلاثة أصابع ولم يبق من الرجل المقطوعة قدر ثلاثة أصابع، فلم يجز المسح عليه بل وجب غسله، فوجب غسل الرجل الصحيحة لما ذكرنا، وهذا بخلاف ما إذا لبس الخفين وظهر من أحدها أقل من مقدار ثلاثة أصابع من موضع الوضوء ثم أحدث، فإنه يتوضأ ويمسح على خفيه؛ لأن هناك ليس يلزمه غسل ما ظهر من إحدى الرجلين، فلا يلزمه غسل الباقي، فلا يلزمه غسل الرجل الأخرى، أما هنا لزمه غسل ما بقي من الرجل المقطوعة فيلزمه غسل الرجل الصحيحة.
وإن كان الباقي من الرجل المقطوعة مقدار ثلاثة أصابع، فإن لم يكن الباقي من ظاهر القدم لا يجوز المسح، وإن كان الباقي من ظاهر القدم جاز المسح؛ لأن محل المسح ظهر القدم على ما مر، فإذا لم يكن الباقي من ظاهر القدم لم يجز المسح بل وجب غسله فيجب غسل الرجل الصحيحة، فأما إذا كان الباقي من ظاهر القدم جاز المسح عليه، فيجوز المسح على الرجل الصحيحة أيضًا هكذا ذكر المسألة في «الزيادات» .
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: إذا كان الباقي مقدار ثلاثة أصابع من جانب الأصابع، جاز المسح وإن لم يبق من جانب الأصابع شيء، وإنما بقي ما يلي العقب مقدار ثلاثة أصابع أو أقل أو أكثر لم يجز المسح، وهو الصحيح لأن محل المسح ظاهر القدم من جانب الأصابع، (٢٦ب١) وقد مر هذا في أول هذا الفصل.
رجل قطعت إحدى رجليه من الكعب، أو من نصف الكعب ولبس الخف على الرجل الصحيحة لم يجز له أن يمسح عليها، إلا على قول زفر ﵀؛ لأن عنده
[ ١ / ١٨٠ ]
الكعب لا يدخل في الغسل، وعندنا الكعب يدخل في الغسل فإذا بقي أحد طرفي الكعب يجب غسله، فيجب غسل الرجل الأخرى، فإن قطعت إحدى رجليه فوق الكعب جاز له المسح على الأخرى، لأنه لم يبق شيء من هذه الرجل من موضع الوضوء، فكأنها ذاهبة أصلًا.
وفي «نوادر بشر»: عن أبي يوسف ﵀ في مقطوع الرجل من الكعب عليه أن يمسح موضع القطع وإن كان عليه خفاف جاز أن يمسح عليها والله أعلم.
(نوع آخر)
قال محمد في «الزيادات»: رجل بإحدى رجليه جراحة لا يستطيع غسلها، ولكن يستطيع أن يمسح على الخرق التي عليها، فإنه يتوضأ ويمسح على الخرق التي عليها ويغسل الرجل الصحيحة، فإن توضأ وغسل الرجل الصحيحة ولبس الخف عليها ومسح على الخرقة التي على الرجل الأخرى إلا أنه لم يستطع أن يلبس الخف عليها ثم أحدث وتوضأ لا يجوز له المسح على الخف الذي لبسه على الرجل الصحيحة؛ لأنه لو مسح على الخف مسح على الجبيرة، والمسح على الجبيرة بمنزلة غسل ما تحتها، فيجتمع له البدل والمبدل في وظيفة واحدة، وذلك لا يجوز، وعلى قياس ما قيل عن أبي حنيفة ﵀: أن من ترك المسح على الجبائر والمسح لا يضره أنه يجزئه عنده لما تبين ينبغي أن يجوز ههنا المسح على الخف؛ لأن المسح على الجبائر عنده ليس بفرض لما تبين وسقط وظيفة هذا الرجل المجروحة أصلًا، فكأنها ذهبت أصلًا، وهناك جاز المسح على الخف في
[ ١ / ١٨١ ]
الرجل، إذ لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل منه في وظيفة واحدة كذا ههنا.
وإن كان حين غسل الرجل الصحيحة ومسح لبس الخفين ثم أحدث جاز المسح على الخفين على الجبائر بمنزلة غسل ما تحتها، فصار كأنه لبس الخفين بعد غسل الرجلين وهناك يجوز المسح؛ لأنه لو مسح مسح على الخفين، فلا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل في وظيفة واحدة، كذا ههنا، فقد جوز المسح على الخف الذي لبسه على الرجل المجروحة، وإن كان ما تحته ممسوحًا.
وإذا مسح على الخفين ثم لبس عليهما الجرموقين لا يجزئه المسح على الجرموق، والفرق أن المسح على الجبيرة بمنزلة غسل ما تحتها، ولهذا لا يتوقت هذا المسح بمدة، ويجب الاستيعاب فيه كالغسل وإذا كان بالغسل لما تحتها صار في الحكم لابسًا الخفين بعد غسل القدمين، فلو جوزنا المسح على الخفين كان المسح بدلًا عن الغسل لا عن المسح، فلا يؤدي إلى أن يكون البدل بدلًا من جنسه، فأما المسح على الخف ليس كالغسل لما تحته، بدليل عكس هذه الأحكام، بل هو بدل عن الغسل، فلو جاز المسح على الجرموق صار البدل بدلًا آخر من جنسه، وإنه لا يجوز.
وإن كانت الجراحة بحال لا يقدر على المسح عليها وعلى ربط الخرق والجبائر، فغسل الرجل الصحيحة ولبس الخف عليها، ثم أحدث وتوضأ جاز المسح على الخف في الرجل الصحيحة؛ لأن الجراحة إذا كانت بهذه الصفة لا يلزمه في الرجل المجروحة لا فرض الغسل ولا فرض المسح، فجعلت كالدامية وصار كأن له رجلًا واحدة وهي الصحيحة لا غير فيمسح عليها إذ المسح لا يؤدي إلى الجمع بين البدل والمبدل.
قال: وفي «نوادر الصلاة» لأبي سليمان عن محمد ﵀: رجل انكسرت يده وهو على وضوء وربط الجبائر عليها ولبس خفيه ثم أحدث وتوضأ، ومسح على الخفين والجبائر ثم برئت اليد، قال: يغسل موضع الجبائر ويصلي، ولو كان على غير وضوء، حين انكسرت يده وربط الجبائر عليها ثم توضأ ولبس خفيه ثم أحدث وتوضأ ومسح على الخفين والجبائر ثم برئت، قال: ينزع خفيه.
قال الحاكم أبو الفضل ﵀: وجدت في بعض «الأمالي» عن أبي يوسف ﵀، فيمن أحدث وعلى بعض مواضع وضوءه جبائر فتوضأ ومسح عليه ثم لبس الخف ثم برىء، فعليه أن يغسل قدميه، قال: ولو أنه لم يحدث بعد لبس الخفين حتى برأ الجرح، وألقى الجبائر، وغسل مواضعه ثم أحدث، فإنه يتوضأ ويمسح على الخفين.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀: إذا مسح على جبائر إحدى رجليه وغسل الأخرى ولبس خفيه، ثم أحدث، فإنه ينزع الخف الذي على الرجل الذي عليه الجبائر، ويمسح على الجبائر، ويمسح على الخف الآخر.
رجل بإحدى رجليه بثرة، فغسل رجليه ولبس الخف عليهما، ثم أحدث ومسح على الخفين وصلى صلوات، فلما نزع الخف وجد البثرة قد انشقت وسال منها الدم وبطل مسحه وهو لا يعلم أنها متى انشقت حكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ أنه قال: ننظر إذا كان رأس الجرح قد يبس، وكان الرجل لبس الخف عند طلوع الفجر ونزعه بعد العشاء فإنه لا يعيد الفجر، ويعيد باقي الصلوات، وإن نزع الخف ورأس الجراحة يسيل بالدم لا يعيد شيئًا من الصلوات.
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «صلاة المستفتي»: إذا كان الرجل مقطوع الأصابع، وبعض خفيه خالٍ عن القدم، فمسح عليه؛ ننظر إن وقع المسح على المغسول مقدار ثلاثة أصابع جاز وما لا فلا، وكذلك إذا كان الخف واسعًا وبعضه خالٍ عن القدم ويؤم الماسح الغاسل؛ لأنه صاحب بدل صحيح، والبدل الصحيح حكمه عند العجز عن الأصل حكم الأصل والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل المسح على الجبائروعصابة المفتصد ومسألة الشقاق
قال ذكر في كتاب الصلاة، قال الفقيه أبو جعفر ﵀ في «غريب الرواية»: من ترك المسح على الجبائر وذلك لا يضره أجزأه، ولم يبين القائل، قال: وسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله يقول: ذلك قول أبي حنيفة ﵀، وقال الحسن: قال أبو حنيفة
[ ١ / ١٨٢ ]
﵀: إذا مسح على العصابة، فعليه أن يمسح على موضع الجرح، وعلى جميع العصابة، صغيرًا كان الجرح أو كبيرًا أو على الأكثر منها، فقد أوجب المسح، فصار عن أبي حنيفة ﵀ روايتان.
قال الفقيه أبو جعفر ﵀ * والله أعلم * أيهما الأول وأيهما الآخر، قال الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص السفكردري ﵀ في «مختصر غريب الرواية» ليس في روايتنا ما حكاه الفقيه أبو جعفر ﵀ عن كتاب الصلاة، وإنما الذي في روايتنا: وقال أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله: إذا ترك المسح على الجبائر، وذلك لا يضره لا يجزئه، فلعل ما ذكر الفقيه أبو جعفر ﵀ في رواياتهم.
وفي باب الوضوء والغسل من «الأصل» إذا اغتسل من الجنابة فمسح بالماء على الجبائر التي على بدنه أو لم يمسح؛ لأنه يخاف على نفسه إن مسح يجزئه، ذكره مطلقًا من غير أن يضيفه إلى أحد، ثم ذكر قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله كما حكاه الشيخ الإمام الزاهد أبو حفص الكبير ﵀: أنه إذا ترك المسح على الجبائر ولا يضره ذلك لا يجزئه.
وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «مختلف الرواية»: اختلاف المتأخرين في قول أبي حنيفة ﵀، قال بعضهم: لا يخالف قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنهما قالا بعدم جواز الترك فيمن لا يضره المسح، وأبو حنيفة ﵀ قال: يجوز إن ترك المسح فيمن يضره ذلك وبعضهم حققوا الخلاف فيما إذا ترك المسح والمسح لا يضره، فقالوا على قول أبي حنيفة ﵀ يجزئه وعلى قولهما لا يجزئه.
وفي «شرح الطحاوي»: إن المسح على الجبيرة ليس بفرض عند أبي حنيفة ﵀، وفي «تجريد القدوري»: إن الصحيح من مذهب أبي حنيفة ﵀ أن المسح على الجبيرة ليس بفرض، وإن كان لا يضره المسح.
وكان القاضي الإمام أبو علي الحسين بن الخضر النسفي ﵀ يقول: المسح على الجبائر إنما يجوز إذا كان لا يقدر على القرحة كما كان لا يقدر على غسلها بأن كان يضرها الماء، أما إذا كان يقدر على القرحة على المسح لا يجوز المسح على الجبائر، كما لو كان قادرًا على غسلها، فلم يغسلها وكان يقول ينبغي أن يحفظ هذا، فإن الناس عن هذا غافلون.
وإذا كان بإصبعه قرحة أدخل المرارة في إصبعه والمرارة تجاور موضع القرحة، فمسح عليها جاز، وهل يكره إدخال المرارة في إصبعه لأجل الاستشفاء؟ لا شك أنه إذا لم يكن فيه شيء من بول الشاة أنه لا يكره، وإن كان فيه شيء من بول الشاة يكره، هكذا روي عن (٢٧أ١) محمد ﵀. ويجب أن يكون قول أبي يوسف ﵀ في هذا كقول محمد ﵀؛ لأن عندهما يجوز شرب بول الشاة للتداوي، فيجوز الاستشفاء به وعلى قول أبي حنيفة ﵀ يكره؛ لأن على قوله لا يجوز شربه للتداوي، فقد كره الاستشفاء به.
وكذلك إذا كان على بعض أعضائه جراحة، فجعل عليها الجبائر، والجبائر تزيد
[ ١ / ١٨٣ ]
على موضع الجراحة، فمسح عليها جاز، وكذلك في المفتصد.
وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ لا يجيز المسح على عصابة المفتصد، وإنما يجيزه على خرقة المفتصد لا غير، وذكر القاضي علاء الدين محمود النسفي ﵀ في، «مختلف الرواية» في حق المفتصد: أنه إن كان في موضع يمكنه الشد بنفسه من غير إعانة أحد لا يجوز المسح على العصابة، وإن كان في موضع يحتاج إلى العون يجوز المسح على العصابة.
وذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: إذا كان حل العصابة وغسل ما تحتها يضر بالجراحة يجوز المسح على العصابة وما لا فلا.
قال ﵀: وكذلك الحكم في كل خرقة جاوزت موضع القرحة وأما القرحة التي تبقى من اليد بين العقدتين، فقد اختلف المشايخ فيها؛ بعضهم قالوا يجب غسلها؛ لأنها به.
بعضهم قالوا: لا يجب غسلها، ويكفي المسح؛ لأنه لو أمر بالغسل ربما تبتلّ جميع العصابة وتنفذ البلّة إلى موضع الفصد، فيتضرر وإذا مسح على الجبيرة أو على عصابة المفتصد، هل: يشترط الاستيعاب؟ فقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم شرطوا الاستيعاب، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، وهكذا ذكر القاضي الإمام الكبير أبو زيد ﵀ في «الأسرار» .
وبعضهم لم يشترطوا ذلك؛ لأنه عسى يؤدي إلى إفساد الجراحة، ولكن إذا مسح على أكثر العصابة يجوز، وإن مسح على النصف فما دونه لا يجوز، وبه كان يقول شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀.
وهل يشترط تكرار المسح اختلفوا فيه أيضًا؟ قال بعضهم يشترط إلى الثلاث؛ لأنه لو كان بارئًا يغسل ثلاثًا، فكذا يمسح عليه ثلاثًا، إلا أن تكون الجراحة في الرأس، فلا يشترط التكرار أيضًا، ومنهم من قال لا يشترط ويكتفي بالمسح مرة واحدة وهو الصحيح.
وإذا انكسر عضو من أعضائه، وهو محدث فشد عليه العصابة ثم توضأ ومسح على العصابة جاز؛ لأن المسح على العصابة بمنزلة غسل ما تحتها.
ولو غسل ما تحت العصابة ثم عصب عليها أليس إنه يجوز؟ كذا ههنا، وهذا بخلاف المسح على الخفين، فإن اللبس إذا حصل مع الحدث لا يجوز المسح على الخف، فالمسح على الجبائر يخالف المسح على الخف في حق أحكام من هذه، ومن أن المسح على الخفين ينتقض بمضي مدة المسح، والمسح على الجبائر لا ينتقض إلا بالحدث كالغسل، ومن جملتها أن ماسح الخف إذا نزع أحد خفيه يلزمه غسل الرجلين وإذا سقطت الجبائر لا عن برء لا يلزمه الغسل أصلًا، وإن سقطت عن برء يجب غسل ذلك الموضع خاصة.
[ ١ / ١٨٤ ]
وفي «المنتقى»: الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ إذا مسح على الجبائر ثم نزعها ثم أعادها كان عليه أن يعيد المسح عليها وإن لم يعد أجزأه، ورأيت في موضع آخر: إذا سقطت العصابة فبدلها بعصابة أخرى، فالأفضل والأحسن أن يعيد المسح عليها، وإن لم يعد أجزأه؛ لأن المسح على الأولى بمنزلة الغسل لما تحتها.
وفيه عن أبي يوسف ﵀: رجل به جرح يضره إمساس الماء فعصبه بعصابتين ومسح على العليا ثم رفعها، قال: يمسح على العصابة الباقية بمنزلة الخفين والجرموقين ولا يجزئه حتى يمسح.
وفي «الأصل»: إذا انكسر ظفره، فجعل عليه الدواء أو العلك، فتوضأ وقد أُمِر أن لا ينزع عنه يجزئه، وإن لم يخلص إليه الماء، ولم يشترط المسح ولا إمرار الماء على الدواء والعلك من غير ذكر خلاف، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ وشرط إمرار الماء على العلك، قال: ولا يكفيه المسح، وذكر ﵀ أيضًا: إذا ألقى علقة على بعض أعضائه، فسقطت العلقة، فجعل الجبائر في موضع العلقة، ولا يمكنه الغسل ولا إمرار الماء يلزمه المسح، فإن عجز عن المسح أيضًا سقط فرض الغسل والمسح جميعًا، فيغسل ما حول ذلك الموضع ويترك ذلك الموضع، فإن سقطت الجبائر، فإن كان السقوط عن برء يلزمه غسل ذلك الموضع وما لا فلا.
وذكر ﵀ أيضًا: إذا كان في أعضائه شقاق، وقد عجز عن غسله سقط عنه فرض الغسل ولزمه إمرار الماء، فإن عجز عن إمرار الماء يكفيه المسح، فإن عجز عن المسح أيضًا سقط عنه فرض الغسل والمسح، فيغسل ما حول ذلك الموضع ويترك ذلك الموضع.
قال: وإذا كان الشقاق في يده ولا يمكنه استعمال الماء، وقد عجز عن الوضوء يستعين بغيره حتى يوضئه، فإن لم يستعن وتيمم وصلى جازت صلاته عند أبي حنيفة خلافًا لهما ﵏، وإذا كان الشقاق في رجله فجعل (فيه) الدواء أو الشحم أو العلك، ولا يمكنه إيصال الماء إلى قعره يؤمر بإمرار الماء فوق الدواء، ولا يكلف إيصال الماء إلى قعره ولا يكفيه المسح، وإذا توضأ وأمرَّ الماء على الدواء ثم سقط الدواء: إن سقط عن برء يفترض غسل ذلك الموضع وما لا فلا كما في المسح على الجبائر والله أعلم.