قال محمد ﵀: إذا زرع الرجل أرضه الخراجية، فأصاب زرعها آفة فاصطلمه، فلا خراج عليه، فرق بين هذا، وبينما إذا لم يزرعها.
والفرق: أن الذي لم يزرعها قصد الإضرار بالمقاتلة، فيرد عليه قصده، فأما الذي هلك زرعه لم يقصد الإضرار بالمقاتلة بل بذل جهده وأتى بما في وسعه؛ ولأن وجوب الخراج باعتبار النماء فقضية هذا يكون الحكم متعلقًا بحقيقة النماء، إلا أن الشرع أقام التمكن من تحصيل النماء؛ لكونه مفضيًا إلى النماء مقام حصول النماء في موضع قصر في تحصيل النماء كما أقام التمكن من استيفاء المنفعة، في باب الإجارة مقام استيفاء المنفعة، وإذا زرعها، وخرج الحب تعلق الحكم بحبه الخارج، وسقط اعتبار التمكن واعتبار السبب، هذا هو الأصل المعهود في الشرع، إن حقيقة العلة مع السبب الظاهر إذا اجتمعا يتعلق الحكم حقيقة بالعلة لا بالسبب أن السبب في معنى الخلف بعد وجود الأصل وإذا تعلق الواجب حقيقة بالخارج في هذه الحالة أشبه العشر، وخراج المقاسمة، وذلك يسقط بهلاك الخارج ويسلم بسلامته كذا ههنا. هذا إذا ذهب كل الخارج، فأما إذا ذهب بعض الخارج، فإن بقي من الخارج مقدار الخراج بأن بقي مقدار درهمين وقفيزين يجب الخراج؛ لأن الخراج ههنا لا يزيد على نصف الخارج، فيمكن إيجابه إذ الشرع ورد بالخراج إلى نصف الخارج كما في خراج المقاسمة، وإن بقي أقل من مقدار الخراجِ ومثلِهِ لا يجب تمام الوظيفة، وإنما يجب قيمة نصف الخارج؛ لأنا لو أوجبنا الوظيفة بتمامها زاد الخراج على نصف الخارج والشرع لم يرد بمثله.
قال (١٥٢أ١) مشايخنا: والصواب في مثل هذا أن ينظر الإمام أولًا، إلى ما أنفق هذا الرجل في هذه الأرض، وينظر إلى الخارج، فيحتسب له ما أنفق، فيرفع أولًا من الخارج، فإن فضل شيء منه أخذ منه الخراج على نحو ما بينا.
قال مشايخنا: وما ذكر محمد ﵀ في «الكتاب»، أن الخراج يسقط بهلاك جميع الغلة محمول على ما إذا لم يبق من السنة مقدار ما يمكنه أن يزرع الأرض ثانيًا، قبل دخول السنة الثانية، أما إذا بقي من السنة مقدار ما يمكنه أن يزرع الأرض ثانيًا قبل دخول السنة
[ ٢ / ٣٥١ ]
الثانية، فلم يزرعها لا يسقط عنه الخراج، ويؤيده مسألة «النوادر» على ما تقدم ذكرها.
وذكر القاضي الإمام المظفر رحمة الله عليه في «شرح كتاب العشر والخراج» أن الخراج إنما يسقط بهلاك الغلة إذا كان الهلاك بآفة سماوية لا يمكن التحرز عنها، كالحرق والغرق والبرد وغيرها، أما إذا كان الهلاك بآفة يمكن الاحتراز عنها، كأكل السبع ونحو ذلك، لا يسقط الخراج؛ لأن التقصير جاء من قبل صاحب الأرض، حيث لم يحفظ.
وبعض مشايخنا قالوا: لا خراج، وإن هلك بآفة يمكن التحرز عنها، والقول الأول أصح، ويسقط خراج الأراضي الموت من عليه إذا كان خراج وظيفة، في ظاهر الرواية من أصحابنا، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة أنه لا يسقط، ورفع الفرق بين الخراج وبين العشر على ظاهر الرواية، وعلى رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة، فإن العشر لا يسقط بموت من عليه في ظاهر رواية أصحابنا، وفي رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة يسقط، أما الفرق على رواية ابن المبارك أن العشر عبادة نظير الزكاة، ثم الزكاة تسقط بالموت، فكذا العشر، أما الخراج فليس بعبادة، بل مؤنة محضة والمؤنة لا تسقط بالموت، وأما الفرق على ظاهر الرواية، أن الخراج صلة تستحق على صاحب الأرض؛ لأن صاحب الأرض لا يسلم له عوض بإزاء ما يعطي، فيشبه من هذا الوجه نفقة الزوجات، فإنها تسقط بالموت، فكذا الخراج.g
فأما العشر فليس بصلة، بل هو في معنى الأعواض؛ لأن الخارج يجب شركًا بين صاحب الأرض، وبين الفقير، وما كان عوضًا لا يسقط بالموت كثمن المبيع، وما أشبهه.
وفي «الفتاوى»: إذا جعل الرجل أرضه الخراجية مقبرة، أو خانًا للغلة، أو مسكنًا للفقراء سقط الخراج؛ لأن سبب الخراج أرض تصلح للزراعة، وقد انعدمت الصلاحية، فيسقط ضرورة.
خراج الأراضي إذا توالى على المسلمين سنون: فعند أبي يوسف ومحمد: يؤخذ بجميع ما مضى، وعند أبي حنيفة لا يؤخذ إلا بخراج السنة التي هو فيها، والاختلاف هنا نظير الاختلاف في الجزية، هكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرح السير الصغير»، وذكر صدر الإسلام: الصحيح أنه يؤخذ.