الأصل في صلاة العيد قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ١٨٥) جاء في التفسير: أن المراد منه صلاة العيد، والآثار قد اتفقت، وتواترت أن رسول الله ﵇ كان يصلي صلاة العيد، وروى أنس بن مالك «أن رسول الله ﵇ قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما»، فقال ﵇: «لقد أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما الفطر، والأضحى» والأمة أجمعت على إقامتها من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا من غير نكير منكر.
وهذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منهافي بيان صفتها
فنقول: روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: وتجب صلاة العيدين على من تجب الجمعة، فهذا يدل على وجوبها.
وذكر في «الجامع الصغير»: في العيدين اجتمعا في يوم فالأولى سنّة والثانية فريضة، وأراد بالأول صلاة العيد وبالثاني صلاة الجمعة، فقد سمّى صلاة العيد ها هنا سنّة، وقال محمد ﵀ في «كتاب الصلاة»: لا يقام شيء من التطوع بجماعة ما خلا التراويح في رمضان، وكسوف الشمس، وصلاة العيدين تؤدى بجماعة لو كان صلاة العيد تطوعًا لقال ما خلا التراويح في رمضان وكسوف الشمس وصلاة العيدين.
فمن مشايخنا من قال: في المسألة روايتان في إحدى الروايتين هي واجبة، وفي إحدى الروايتين هي سنّة، وجه الرواية التي قال بأنها سنة قوله ﵇: «ثلاث كتبت عليّ وهي لكم سنّة الوتر، والضحى، والأضحى» وصلاة العيد وصلاة الضحى؛ لأنها تقام عند الضحى؛ فتكون سنّة؛ ولأنها لو كانت واجبة لشرع فيها الأذان والإقامة كسائر الصلوات الواجبات.
[ ٢ / ٩٤ ]
وجه الرواية التي قال: بأنها واجبة قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ١٨٥) والمراد منه صلاة العيد، فقد أمر الله تعالى به، والأمر للوجوب، ولا حجة له في الحديث الذي روى؛ لأن الضحى متى أطلق يريد به صلاة الضحى لا صلاة العيد، وصلاة الضحى في سائر الأيام سنّة عندنا.
وقوله: ليس فيها أذان، ولا إقامة، قلنا: هذا لا يدل على عدم الوجوب، ألا ترى أنه لا أذان للوتر ولا إقامة، وإنها واجبة عند أبي حنيفة ﵀ على أصح الروايات، وكذلك صلاة الجنازة ليس لها أذان ولا إقامة، وإنها واجبة وعامة المشايخ على أن المذهب أنها واجبة.
وتأويل ما ذكر في «الجامع الصغير»: أنها سنّة أن وجوبها ثبت بالسنّة لا بالكتاب، وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرح كتاب الصلاة» أن الأظهر أنها سنّة، لكنها من معالم الدين أخذها هدى وتركها ضلالة.
وفي «نوادر بشر»: عن أبي يوسف صلاة العيد سنّة واجبة، فقد جمع بين صفة الوجوب والسنّة، واختلفوا في بيانه، بعضهم قالوا: أراد (١٠٦أ١) بالسنّة الطريقة، فمعناه وجوب صلاة العيد طريقة مستقيمة ظاهرة، وبعضهم قالوا: أراد بيان الطريق الذي عرفنا وجوبه، فإن وجوب صلاة العيد ما عرف إلا بالسنّة.
نوع آخر في بيان وقتها
فنقول: أول وقتها من حين تبيض الشمس، وانتهاؤها من حين تزول الشمس، أما أول وقتها فلما روي «أن النبي ﵇ كان يصلي العيد والشمس على قدر رمح أو رمحين»، وأما آخر وقتها فلما روي «أن قومًا شهدوا عند رسول الله ﵇ برؤية الهلال في آخر يوم من رمضان، فأمر رسول الله ﵇ بالخروج إلى المصلى من الغد للصلاة» ولو جاز الأداء بعد الزوال لم يكن للتأخير معنى، فإن تركها في اليوم الأول في عيد الفطر لغير عذر حتى زالت الشمس لم يصل من الغد، وإن كان لعذر صلى من الغد فإن ترك من الغد لم يصل بعده.
والقياس: أنها إذا فاتت عن وقتها لا تقضى كما في الجمعة، وإنما ترك القياس بالنص، والنص إنما ورد في التأخير إلى اليوم الثاني بسبب العذر، فما عداه يرد إلى ما
[ ٢ / ٩٥ ]
يقتضيه القياس، وأما في الأضحى إن تركها في اليوم الأول لعذر أو لغير عذر صلى في اليوم الثاني، فإن لم يفعل ففي اليوم الثالث، فإن لم يفعل فقد فات، ولا يفعل بعد ذلك؛ لأن هذه صلاة عيد الأضحى، فتكون مؤقتة بأيام الأضحى وأيام الأضحى ثلاثة.
نوع آخر في بيان كيفيتها
قال أصحابنا ﵏: في ظاهر الرواية التكبيرات في الفطر والأضحى سواء يكبر الإمام في كل صلاة تسع تكبيرات، ثلاث أصليات: تكبيرة الافتتاح وتكبيرتا الركوع، وست زوائد ثلاث في الأولى، وثلاث في الثانية، ويقدم التكبيرات على القراءة في الركعة الأولى ويقدم القراءة على التكبيرات في الركعة الثانية، وهذا قول عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعقبة بن عمر الجهني، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، والبراء بن عازب، وأبي مسعود الأنصاري رضوان الله عليهم أجمعين.
وعن علي ﵁ ثلاث روايات في رواية إحدى عشر تكبيرة في العيدين جميعًا ثلاث أصليات كما بينا، وثمان زوائد أربع في الركعة الأولى، وأربع في الثانية في كل عيد، وفي رواية ثمان تكبيرات ثلاث أصليات، وخمس زوائد: ثلاث في الركعة الأولى واثنتان في الركعة الثانية في العيدين جميعًا.
وفي الرواية الثالثة: وهو المشهور عنه فرق بين عيد الفطر، والأضحى، فقال: في عيد الفطر يكبر إحدى عشر تكبيرة في الركعتين، ثلاث أصليات، وثمان زوائد أربع في الأولى وأربع في الثانية، وفي عيد الأضحى يكبر خمس تكبيرات في الركعتين ثلاث أصليات واثنتان زائدتان واحدة في الركعة الأولى، وواحدة في الركعة الثانية ومن مذهبه أنه يقدم القراءة على التكبيرات في الركعتين في العيدين جميعًا.
وعن عبد الله بن عباس ﵄ خمس روايات: في رواية سبع تكبيرات ثلاث أصليات، وأربع زوائد في كل ركعة تكبيرتين في العيدين جميعًا، وفي رواية كما قال ابن مسعود ﵁ والمشهور عنه روايتان في رواية ثلاث عشر تكبيرة ثلاث أصليات، وعشر زوائد خمس في الركعة الأولى وخمس في الثانية وعليه عمل الناس اليوم في عيد الفطر.
وفي رواية اثنتا عشر تكبيرة ثلاث أصليات وتسع زوائد خمس في الركعة الأولى وأربع في الثانية، وهو قول الشافعي ﵀ ورواية عن أبي يوسف وعليه عمل الناس اليوم في عيد الأضحى، ويقدم التكبيرات على القراءة في الروايتين المشهورتين عنه.
وعن أبي بكر الصديق ﵀: أنه يكبر خمسة عشرة تكبيرة في كل صلاة ثلاث أصليات وثنتي عشرة زوائد ست في الأولى، وست في الثانية وهي الرواية المشهورة عن عمر ﵁، وفي رواية شاذة عن أبي بكر ﵁ يكبر في كل صلاة ست
[ ٢ / ٩٦ ]
عشر تكبيرة ثلاث أصليات وثلاث عشر زوائد سبع في الأولى، وست في الثانية، فقد اختلفوا في عدد التكبيرات.
وموضعها، على نحو ما بينا فيحمل اختلافهم على اختلاف فعل رسول الله ﵇ في صلاة العيد، لأن المقادير في العبادات لا تثبت قياسًا كأصلها وإنما تثبت توقيفًا وسماعًا، فحمل ما روي عن واحد منهم على أنه رأى رسول الله ﵇ فعل ذلك، ولم يثبت عنده نسخ ذلك، فصار المروي عنهم كالمروي عن رسول الله ﵇، فيجب ترجيح بعض الأقوال على البعض، لما جهل التاريخ.
فالشافعي ﵀ رجح ما اشتهر عن أبي بكر، وابن عباس ﵃ أخذًا بالأكثر احتياطًا.
وأصحابنا رجحوا قول ابن مسعود ﵁ في العدد، وفي الموضع أما في العدد؛ لأنه لا تردد في قوله، ولا اضطراب، فإنه قال قولًا واحدًا وفي أقوال غيره تعارض واضطراب، فكان قوله أثبت؛ ولأن قوله ينفي الزيادة على التسع، وأقوال غيره تثبت والنفي موافق القياس؛ إذ القياس ينفي إدخال زيادة للأذكار في الصلاة، قياسًا على غيرها من الصلوات، والإثبات مخالف للقياس.
ولا شك أن الأخذ بالموافق للقياس أولى، ولأن الجهر بالتكبير وهو ذكر مخالف للمنصوص والأصول، فالأخذ بما اتفقت الأقاويل عليه، وهو متيقن أولى؛ ولأن ما قاله ابن مسعود ﵁ أشهر، فإنه عمل به جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على نحو ما بينا، فكان الأخذ به أولى، وإذا وجب ترجيح قول ابن مسعود ﵁ في العدد وجب ترجيحه في الموضع؛ لأن الرواية واحدة إلا أن الناس يعملون اليوم على مذهب ابن عباس ﵄؛ لأن الخلافة لأولاده وهم أخذوا على الولاة وكتبوا في مناشيرهم أن يصلوا صلاة العيد على مذهب جدهم.
وهو تأويل ما روي عن أبي يوسف ﵀ أنه قدم بغداد، فصلى بالناس صلاة العيد، وخلفه هارون الرشيد، فكبر تكبير ابن عباس ﵄، وكذا روي عن محمد ﵀ أنه فعل ذلك فتأويله أن هارون أخذ عليهما، وأمرهما أن يكبرا تكبيرة جده، ففعلا ذلك امتثالًا لأمره، وإظهارًا لمتابعته لا مذهبًا واعتقادًا، ثم عملوا برواية الزيادة في عيد الفطر وبرواية النقصان في عيد الأضحى، ليكون عملًا بالروايتين، وإنما اختاروا رواية النقصان لعيد الأضحى لاشتغال الناس بالقرابين فيه.
ويقدم الثناء على تكبيرات العيد في ظاهر الرواية، وروى ابن كاس عن أبي يوسف ﵀: أنه يقدم تكبيرات العيد على الثناء.
وجه هذه الرواية: أن سبيل تكبيرات العيد في الركعة الأولى أن تكون مضمومة إلى
[ ٢ / ٩٧ ]
تكبيرة الافتتاح، وهذا أوجب تقديم التكبيرات على القراءة، كيلا تصير القراءة فاصلة بين تكبيرة الافتتاح، وتكبيرات العيد، وإنما تصير مضمومة، إلى تكبيرة الافتتاح إذا قدمنا التكبيرات على الثناء.
وجه ظاهر الرواية: أن لو قدمنا التكبيرات على الثناء يفوت الثناء عن محله أصلًا؛ لأن محله عقيب تكبيرة الافتتاح، بلا فصل كما في سائر الصلوات، ولو قدمنا الثناء على التكبيرات لا يفرق التكبيرات عن محلها، لأن ما بعد تكبيرة الافتتاح إلى أن يرفع رأسه من الركوع محل التكبيرات العيد.
ألا ترى أن المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع فإنه يأتي بتكبيرات العيد في الركوع، وبعد ما رفع رأسه من الركوع لا يأتي به؟ فدل على أن ما بعد تكبيرة الافتتاح إلى أن يرفع رأسه من
[ ٢ / ٩٨ ]
الركوع محل التكبيرات العيد، فلو قدمنا الثناء على التكبيرات لا تفوت التكبيرات عن محلها، ولو قدمنا التكبيرات على الثناء فات الثناء عن محله، فكان تقديم الثناء أولى.
قوله: فإنه يفوت الضم في حق التكبيرات، قلنا: كما يفوت الضم في حق التكبيرات يفوت قي حق الثناء إذا قدم التكبيرات على الثناء؛ لأن سبيل الثناء أن يكون مضمومًا إلى تكبيرة الافتتاح، فإذا هو يستويان في حق تفويت الضم، ثم بتقدم الثناء على التكبيرات، لا يفوت التكبيرات عن محلها ووقتها كما ذكرنا، وبتقديم التكبيرات على الثناء يفوت الثناء عن محلها فصار تقديم الثناء أولى.
قال أبو يوسف ﵀: يكبر تكبيرة الافتتاح ثم يأتي بالثناء ثم يتعوذ ثم يكبر تكبيرات العيد، وقال محمد ﵀: (١٠٦ب١) يتعوذ بعد تكبيرات العيد، وبه قال الشافعي ﵀ ذكر الاختلاف في «الزيادات» ولم يذكر هناك قول أبي حنيفة ﵀ وروى ابن كاس عن أبي حنيفة، وزفر مثل قول أبي يوسف، وهذا الاختلاف إنما يتأتى على ظاهر الرواية؛ لأن على ظاهر الرواية يقدم الثناء على تكبيرات العيد، أما على رواية ابن كاس يقدم تكبيرات العيد على الثناء، فيقع التعوذ بعد الثناء عند أبي يوسف ﵀.
ثم هذه المسألة بناءً على أصل أن التعوذ شرع للصلاة أم للقراءة؟ عند محمد ﵀ شرع للقراءة، فلا جرم يأتي به وقت القراءة، ووقت القراءة بعد تكبيرات العيد، وعند أبي يوسف ﵀ شرع للصلاة فلا جرم يأتي به بعد الثناء قبل تكبيرات العيد احتج محمد ﵀ بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّجِيمِ﴾ (النحل: ٩٨) الله تعالى أمر بالتعوذ حال إرادة القراءة متصلًا بالقراءة؛ لأنه ذكر بحرف الفاء وحرف الفاء للوصل، وإذا أخر التعوذ عن التكبيرات يحصل الوصل بالقراءة، وإذا قدم على التكبيرات يفوت الوصل، فوجب أن يؤخر التعوذ عن التكبيرات حتى لا يفوت الوصل.
وأبو حنيفة، وأبو يوسف رحمهما الله؛ قالا: إن محل التعوذ عقيب الثناء، بلا فصل كما في سائر الصلوات، ومحل التكبيرات بعد الافتتاح إلى أن يرفع رأسه من الركوع، فلو قدمنا التكبيرات على التعوذ يفوت التعوذ عن محله، ولو قدمنا التعوذ على التكبيرات لا تفوت التكبيرت عن محلها، ولا التعوذ عن محله، فكان تقديم التعوذ وتأخير التكبيرات أولى، قوله سبيل التعوذ أن يكون متصلًا بالقراءة.
قلنا: وسبيله أن يكون متصلًا بالثناء أيضًا، فلو أخر التعوذ عن التكبيرات كما يفوت الاتصال بالقراءة يفوت الاتصال بالثناء، فكان تقديم التعوذ كيلا يفوت واحد منهم عن محله أولى من تقديم التكبيرات على التعوذ.
قال محمد ﵀ في «الأصل»: يستحب المكث بين كل تكبيرتين مقدار ما يسبح ثلاث تسبيحات، وهذا؛ لأن صلاة العيد تقام بجمع عظيم وتوالي بين التكبيرات يشتبه على من كان نائبًا عن الإمام، والاشتباه يزول بهذا القدر من المكث، وليس بين التكبيرات ذكر مسنون عندنا؛ إذ لو كان بينهما ذكر مسنون، لكان أتى به النبي ﵇، ولو أتى به لوصل إلينا ولم ينقل.
ويرفع يديه في تكبيرات الزوائد في العيدين، وقال أبو يوسف ﵀: لا يرفع لحديث ابن مسعود ﵁ «أن النبي ﵇ كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا في تكبيرة الافتتاح» .
وجه قولهما قوله ﵇: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن، وذكر منها العيدين»؛ ولأن رفع اليدين في تكبيرة الافتتاح إنما شرع ليتم الإعلام؛ لأن الإعلام لا يتم بالجهر وحده؛ لأن خلفه أصم وأعمى، فالأعمى إن كان يعلم بجهر التكبير فالأصم لا يعلم إلا برفع اليدين.
فالشرع شرع رفع اليدين حتى يقع الإعلام على العموم، فكذا في تكبيرات العيد لا يقع الإعلام على العموم إلا بالجهر والرفع جميعًا بخلاف تكبيرات الركوع والسجود؛ لأن الإعلام على العموم يقع بالجهر، والانتقال من القيام إلى الركوع، فلا حاجة إلى رفع اليدين ليتم الإعلام وبخلاف تكبيرات الجنازة؛ لأنه شرع بين كل تكبيرتين ذكر مقدر، فإذا فرغ منها يعلم أنه جاء أوان الآخر، فلا حاجة إلى رفع اليدين كما في تكبيرات الركوع.
أما هنا ليس بين التكبيرتين ذكر مسنون مقدر حتى يعلم بالفراغ منه أنه جاء أوان الآخر، فيحتاج إلى رفع اليدين هنا ليتم الإعلام، وما قال الحسن أنه يسبح بين كل تكبيرتين مقدار ثلاث تسبيحات ليس بمقدر لازم، بل يتفاوت بكثرة القوم وبقلته لأن المقصود إزالة الاشتباه عن القوم، وذلك يختلف بكثرة القوم وقلتهم، وإذا صلى العيد خلف إمام لا يرى رفع اليدين عند تكبيرات الزوائد فقد قيل يرفع هو.
[ ٢ / ٩٩ ]
نوع آخر في بيان شرائطها
قال القدوري في «كتابه»: تصح صلاة العيدين بما تصح به صلاة الجمعة إلا الخطبة، فإنها في العيد تفعل بعد الصلاة، وفي الجمعة قبل الصلاة، وقوله: وتصح صلاة العيدين بما تصح به الجمعة إشارة إلى اشتراط المصر والسلطان، والأصل فيه قول النبي ﵇: «لا جمعة ولا تشريق ولا فطر، ولا أضحى إلا في مصر جامع»، وروي عن النبي ﵇ «أنه فتح مكة في رمضان وخرج منها إلى هوازن، فاتفق له العيد في سفره ولم يصل» ولو جاز إقامتها خارج المصر ما تركها، والمعنى الذي أوجب اعتبار السلطان في الجمعة من دفع الفتنة الموهومة، وقطع المنازعة موجود في العيد.
ثم قال: إلا الخطبة فإنها في العيد بعد الصلاة، وفي الجمعة قبل الصلاة، هكذا جرى التوارث من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا، وإن خطب في العيد أولًا ثم صلى أجزأه.
والأصل في ذلك ما روي: أن عمر ﵁ ربما كان يخطب في العيد قبل الصلاة كيلا يذهب الناس، فيفوتهم ثواب الخطبة ومروان بن الحكم فعل كذلك، وصلى معه نفر من أصحاب رسول الله ﵇.
فرق بين العيد وبين الجمعة، فإن في الجمعة لو خطب آخرًا لا يجوز، والفرق: إنما يصير التغيير بالترك في الموضعين جميعًا، إلا أنه لو ترك الخطبة في صلاة الجمعة لا يجوز، فكذا إذا غير عن موضعها، ولو ترك الخطبة في صلاة العيد تجوز صلاة العيد، فكذا إذا غير عن موضعها والخطبة في العيدين كهي في الجمعة، يخطب خطبتين بينهما جلسة خفيفة كما في صلاة الجمعة، به ورد الأثر عن رسول الله ﵇، ويقرأ فيها بسورة من القرآن ويستمع لها القوم؛ لأن الخطبة في العيد إنما شرعت؛ لتعليم ما يجب إقامته في هذا اليوم من صدقة الفطر، أو الأضحية، وإنما يحصل التعليم بالاستماع والإنصات، والخروج إلى الجبانة لصلاة العيد سنّة، وإن كان يسعهم المسجد الجامع على هذا عامة المشايخ.
وبعضهم قالوا: الخروج إلى الجبانة ليس سنّة، وإنما تعارف الناس ذلك لضيق المسجد، والصحيح ما عليه عامة المشايخ: أنهم لا يخرجون عن المصر، بل يقيمونها في فناء المصر؛ لأن المصر شرط جواز هذه الصلاة وفناء المصر من المصر.
ألا ترى أن أفنية البيوت كأجوافها فكذا فناء المصر كجوفه، أما ما زاد على فناء المصر ليس من المصر، فلهذا قال يقيمونها في فناء المصر ثم إذا خرج الإمام إلى الجبانة، لصلاة العيد وإن استخلف رجلًا يصلي بالضعفة في الجامع، فحسن كما فعل
[ ٢ / ١٠٠ ]
علي ﵁، فإنه روي أنه لما قدم الكوفة استخلف أبا موسى الأشعري ﵁ ليصلي بالضعفة صلاة العيد في الجامع، وخرج إلى الجبانة مع خمسين شيخًا يمشي ويمشون، ولأنه راعى حق الأقوياء، فيراعي حق الضعفاء بأن يستخلف عليهم من يصلي بهم في الجامع كيلا تفوتهم صلاة العيد، وإن لم يفعل ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله ﵇ أنه فعل ذلك.
وتجوز إقامة صلاة العيد في موضعين نص على هذا في «الأصل»، وهذا لما ذكرنا أن السنّة في صلاة العيد أن تقام خارج المصر بالجبانة، ولا يمكن للضعفاء الخروج إليها إلا بحرج عظيم، فجوزنا الإقامة في موضعين دفعًا للحرج.
وأما إقامتها في ثلاث مواضع، فعلى قول محمد يجوز وعلى قول أبي يوسف لا يجوز، ولا يخرج المنبر في العيدين؛ لأنه لم يخرج على عهد رسول الله ﵇ ولا على عهد من بعده من الخلفاء، وأول من أخرج المنبر مروان، وقد أنكر عليه بعض الصحابة وروي أن النبي ﵇ خطب على ناقته العضا، ووجهه إلى المسلمين.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: من خطب على الدابة يكون قاعدًا ففيه دليل على أن الخطبة قاعدًا تجوز، وروي أنه ﵇ خطب متكئًا على عنزته، وهو قائم وليس في هذا كله إخراج المنبر.
قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: وأما في زماننا إخراج المنبر لا بأس به؛ لأنه رآه المسلمون حسنًا وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن. وروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: إخراج المنبر يوم العيد حسن.
واختلف الناس في بناء المنبر في الجبانة في المصلى قال بعضهم: يكره ويخطب الإمام قائمًا على الأرض أو على دابته كما فعل رسول الله ﵇، وقال بعضهم: لا يكره.
ويجهر بالقراءة في العيدين هكذا روى نعمان البشير وأبو واقد الليثي وزيد بن أرقم عن رسول الله ﵇، وجرى التوارث هكذا فالتوارث حجة. وليس في العيدين أذان ولا إقامة هكذا جرى التوارث (١٠٧أ١) من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا.
نوع آخر في بيان من يجب عليه الخروج في العيدين
قال محمد ﵀ في «الأصل»: والخروج في العيدين على أهل الأمصار والمدائن لا على أهل القرى والسواد. قال ثمة أيضًا: وليس على النساء خروج العيدين وكان ترخص لهن في ذلك قال: وقال أبو حنيفة: فأما اليوم فإني أكره لهن ذلك وأكره لهن شهود الجمعة وصلاة المكتوبة وإنما أرخص للعجوز الكبيرة أن تشهد العشاء والفجر والعيدين.
وقال أبو يوسف، ومحمد رحمهما الله: يرخص للعجوز في حضور الصلوات كلها
[ ٢ / ١٠١ ]
وفي الكسوف والاستسقاء. واعلم بأن النساء أمرن بالقران في البيوت قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الاْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءاتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٣) ونهين عن الخروج قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَهِلِيَّةِ الاْولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَءاتِينَ الزَّكَوةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: ٣٣) الآية. أبيح لهن الخروج في الابتداء إلى الجماعات لقوله ﵇: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن إذا خرجن تفلات» أي غير متطيبات، ثم منعهن بعد ذلك لما في خروجهن من الفتنة قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَخِرِينَ﴾ (الحجر: ٢٤) المتأخرين قيل في التفسير: الآية نزلت في شأن النسوة كان المنافقون يتأخرون حتى يطلعون على عورات النساء فمنعن بعد ذلك، وقال ﵇: «صلاة المرأة في دارها أفضل من صلاتها في مسجدها وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في دارها»، وعن عمر ﵁: أنه نهى النساء عن الخروج إلى المساجد فشكون إلى عائشة ﵂ فقالت عائشة ﵂: لو علم النبي ﵇ ما علم عمر ما أذن لكم في الخروج.
ثم تكلموا أن في زماننا هل يرخص لهن في الخروج أم لا؟ أما الصواب فلا يرخص لهن في الخروج في شيء من الصلوات عندنا، وقال الشافعي ﵀: يباح لهن الخروج واحتج بقوله ﵇: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» . واحتج أصحابنا ﵀ بنهي عمر ﵁ عن الخروج لما رأى من الفتنة.
وأما العجائز من النساء يرخص لهن الخروج إلى صلاة الفجر، والمغرب، والعشاء والعيدين، ولا يرخص لهن الخروج إلى صلاة الظهر، والعصر، والجمعة في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يرخص لهن في الصلوات كلها، وفي الكسوف والاستسقاء، هما احتجا وقالا: ليس في خروج العجائز فتنة فالناس قل ما يرغبون فيهن وقد كن خرجن إلى الجهاد مع رسول الله ﵇ يداوين المرضى ويسقين الماء ويطبخن، ولهذا جاز للرجال مصافحتهن، ولهذا يرخص لهن الخروج إلى صلاة الفجر والمغرب والعيدين.
واحتج أبو حنيفة ﵀ وقال: وقت الظهر والعصر وقت يكثر فيهما الفساق فالحريص منهم يرغب في العجائز، فيصير خروجهن سببًا للوقوع في الفتنة بخلاف الفجر، والمغرب، والعشاء، فإنه لا يكثر فيها الفساق بل الصلحاء يحضرون في هذه الصلوات؛ ولأن في صلاة الفجر والمغرب، والعشاء ظلمة الليل تحول بينها وبين نظر الرجال إليهن
[ ٢ / ١٠٢ ]
فلا يصير الخروج في هذه الحالة سببًا للوقوع في الفتنة.
بخلاف الظهر والعصر؛ لأنهما يؤديان في ضوء النهار فيقع بصر الرجال عليها، وبخلاف الجمعة فإنها تؤدى في المصر بجمع عظيم، ولكثرة ربما تصدم وتصتدم وفي ذلك فتنة؛ لأن العجوز إن كان لا يشتهيها شاب يشتهيها شيخ مثلها وربما تحمل فرط الشبق بالشاب على أن يشتهيها ويقصد أن يصدمها، فأما صلاة العيد تؤدى في الجبانة فيمكنها أن تعتزل ناحية عن الرجال كيلا تصدم. ثم إذا خرجن في العيد هل يصلين؟ روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: يصلين؛ لأن المقصود من الخروج الصلاة، وروى المعلى عن أبي يوسف ﵀ عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يصلين وإنما خروجهن لتكثير سواد المسلمين، جاء في حديث أم عطية: «كن النساء يخرجن مع رسول الله ﵇ في العيدين حتى ذات الحيض» ومعلوم أن الحائض لا تصلي فعلمنا أن خروجهن لتكثير سواد المسلمين.
قال في «الأصل»: وللمولى منع عبده من حضور العيدين، ولا يكره في العبد التخلف عنها؛ لأنها لم تكتب عليه. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: ذكر في «الكتاب» محمول على ما إذا لم يأذن المولى، فأما إذا أذن له المولى فتخلف عنها يكره كما في الحر.
قال ﵀: وهذا موضع اختلاف وقد تكلموا فيه، قال بعض مشايخنا: له أن يتخلف عنه وإن أذن له المولى، وقال بعضهم: ليس له أن يتخلف عنه لأن المولى لو أمره بخدمة نفسه كان عليه طاعته لا يسعه التخلف فإذا أمره بخدمة الله تعالى أولى.
وفي شرح شيخ الإسلام ﵀: إذا أذن المولى للعبد أن يشهد العيدين كان له أن يشهدها؛ لأن المنع كان لحق المولى وقد أبطل المولى حق نفسه لما أذن له أن يشهدها، ولكن لا يجب عليه؛ لأن منافع العبد لم تصر مملوكة له بالإذن فالحال بعد الأذن كالحال قبله، قال: فلا ينبغي أن يشهد العيدين بغير إذن مولاه.
قال بعض مشايخنا: إنما لا يشهد العيدين بغير إذن مولاه إذا علم أنه لو استأذن رضي بذلك وهو لا يتخلف عنها، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ اختلاف المشايخ في العيد: إذا حضر مصلى العيد مع مولاه ليحفظ دابته هل له أن يصلي صلاة العيد بغير إذن المولى؟ قال ﵀:
مولاه في إمساك دابته، وروي عن محمد ﵀: أن له أن لا يصلي العيد وإن تمكن من ذلك وأذن له السيد بأدائها. والله أعلم بالصواب، وبه ختم النوع.
[ ٢ / ١٠٣ ]
نوع آخر
قال محمد ﵀ في «الجامع»: إذا أدرك الرجل الإمام في الركوع في صلاة العيد فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح قائمًا؛ لأن الافتتاح شرع في القيام المحض والركوع ليس بقيام محض بل هو قيام من وجه دون وجه فيأتي بكبيرة الافتتاح في محلها وهو القيام لا في الركوع كما في سائر الصلوات، ثم يأتي بتكبيرات العيد قائمًا إذا كان غالب رأيه أنه يدرك شيئًا من الركوع مع الإمام لأن المحل الأصلي للتكبيرات القيام المحض، والركوع ليس بقيام محض، فإذا كان يرجو إدراك شيء من الركوع لو أتى بالتكبيرات قائمًا فقد أمكنه الإتيان بالتكبيرات في محلها الأصلي من غير فوات الركوع فيأتي بها.
فإن قيل: متى أتى بها في حالة القيام تفوته المتابعة في بعض الركوع ومتى أتى بها في الركوع لا تفوته المتابعة في بعض الركوع ولا التكبيرات، فكان الإتيان بها في حالة الركوع أولى.
قلنا: لو لم يأت بها في حالة القيام تفوته التكبيرات أصلًا عند بعض العلماء وهو أبو يوسف والشافعي ﵀؛ لأن عندهما لا يأتى بتكبيرات العيد في حالة الركوع على ما نبين بعد هذا إن شاء الله.
ولو أتى بها في حالة القيام لا تفوته المتابعة في الركوع أصلًا بالإجماع، فكان هذا أولى، وعلى أصل أبي حنيفة ﵀، ومحمد ﵀ يقول: لو أتى بالتكبيرات في حالة القيام تفوته المتابعة في بعض الركوع دون البعض، ولو أتى بها في حالة الركوع تفوت جميع التكبيرات عن محلها من كل وجه، فكان ما قلناه أولى.
فإن قيل: ينبغي أن لا يأتي بتكبيرات العيد هنا، لا في حالة القيام، ولا في حالة الركوع لأنه مسبوق في حق التكبيرات، لأنه حين أتى بها الإمام لم يكن هو في تحريمة الإمام، والمسبوق منهي عن قضاء ما سبق قبل فراغ الإمام.
قلنا: الشريعة القديمة أن يأتي المسبوق بقضاء ما سبق أولًا، ثم يتابع الإمام بعد ذلك إلى أن دخل معاذ على رسول الله ﵇، فوجده في الصلاة وقد سبقه بشيء منها وتابعه فيما أدركه، ثم قام بعدما فرغ رسول الله ﵇ وقضى ما سبق به، فسأله النبي ﵇ عن ذلك، فقال: كرهت أن أصادقك على حال ولا أبايعك، فقال ﵇: «سن لكم معاذ سنّة حسنة فاستنوا بها ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» فانتسخ الاشتغال بقضاء ما سبق أولًا بهذا الحديث، وهذا الحديث في فائت يجب أداؤه لو أدركه مع الإمام، ولو فاته مع الإمام يجب قضاؤه، ألا ترى أنه قال: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» .
والتكبيرات إن كان يجب أداؤها لو أدركها مع الإمام لا يجب قضاؤها لو فاتت مع الإمام، لأنه لو قضاها إما أن يقضيه مع الركعة (١٠٧ب١) أم بدون الركعة، لا وجه إلى
[ ٢ / ١٠٤ ]
الأول؛ لأن فيه إدخال الزيادة في الصلاة، ولا وجه إلى الثاني؛ لأنها شرعت في قيام الركعة فلا يثبت الانتساخ في حق التكبيرات، فبقي الأمر في التكبيرات على الشريعة القديمة، هذا إذا كان يرجو إدراك شيء من الركوع مع الإمام لو أتى بتكبيرات العيد قائمًا، فأما إذا كان لا يرجو إدراك شيء من الركوع مع الإمام لو أتى شيئًا قائمًا، لا يأتي بتكبيرات العيد قائمًا لأن في الإتيان بها قائمًا؛ لأنه إذا أتى بها يرفع الإمام رأسه من الركوع فتفوته الركعة، ولا يجتزىء بهذه التكبيرات بل يجب عليه قضاء الركعة مع التكبيرات، فلا يأتي بها بل يركع حتى لا تفوته الركعة.
فإذا ركع يأتي بالتكبيرات في الركوع، ولا يأتي بالتسبيحات في قول أبي حنيفة ﵀، وعلى قياس قول أبي يوسف لا يأتي بالتكبيرات بل يأتي بالتسبيحات. ذكر الخلاف على هذا الوجه في «المنتقى»، فوجه قول أبي يوسف ﵀: أن هذا سنّة فاتت عن محلها؛ لأن محلها القيام، والركوع ليس بقيام؛ لأن القيام هو الاستواء، والركوع انحناء، وبين الاستواء والانحناء تنافي، والسنّة إذا فاتت عن محلها لا تقضى، ألا ترى لو أدركت الإمام في الركوع لا يأتي بالقراءة.
وكذا إذا أدرك الإمام في الركوع في الوتر لا يأتي بالقنوت، وطريقه ما قلنا؛ ولأن الركوع محل للتسبيحات، فلو اشتغل فيه بالتكبيرات تفوته التسبيحات، فكان الاشتغال بالتسبيحات والركوع جعل محلًا لها أولى. ولأبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله ما أشار إليه محمد ﵀ في «الكتاب»: إذ الركوع له حكم القيام، يريد بهذا والله أعلم أن الركوع أعطي له حكم القيام شرعًا حتى صار إدراك الركوع سببًا لإدراك القيام، قال ﵇: «من أدرك الإمام في الركوع فقد أدركها» أي أدرك الركعة، والركعة اسم للقيام والركوع والسجود علمنا أنه أعطي للركوع حكم القيام حتى صار إدراك الركوع سببًا لإدراك القيام.
ثم تكبيرات العيد يؤتى بها في حالة القيام، فكذا في حال ماله حكم القيام، بخلاف القراءة والقنوت وتكبيرة الركوع والثناء، فإنه لا يؤتى بها في الركوع؛ لأن الركوع ليس بقيام حقيقة؛ لأن القيام حقيقة هو الاستواء والركوع انحناء إلا أنه أعطي له حكم القيام شرعًا على ما مر.
فعملنا بالحكم في حق تكبيرات العيد، وعملنا بالحقيقة في حق غيرها لتكون عملًا بالحقيقة والحكم بقدر الإمكان، وإنما عملنا على هذا الوجه، ولم نعمل على العكس، لأنا لو عملنا بالحكم في حق القراءة، وقد نهينا عن القراءة في الركوع.
قال علي ﵁: «نهاني خليلي أن أقرأ في الركوع وأن أعتد بسجدة ما لم يتقدمها ركوع» . فلزمنا العمل بالحكم في حق التكبيرات من طريق الأولى، لأن
[ ٢ / ١٠٥ ]
التكبيرات ليست بقراءة ولا لها شبهًا بالقراءة فتعطل العمل بالحقيقة، وكذلك متى عملنا بالحكم في حق الثناء وتكبيرة الركوع وهما سنّتان فلزمنا العمل بالحكم في حق تكبيرات العيد وهي واجبة من طريق الأولى على أنه لا رواية في الثناء عن محمد ﵀.
وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم على أنه يأتي بالثناء في حالة الركوع؛ لأن محل الثناء وهو القيام باقي، والثناء سنّة وتسبيحات الركوع أيضًا سنّة، فكان له أن يأتي بأيهما شاء، وكذلك متى عملنا بالحكم في حق القنوت.
والشرع نهانا عن القراءة في الركوع وللقنوت شبهًا بالقرآن، فإنه ذكر مؤلف منظوم كالقرآن، ولهذا اختلف الصحابة فيه، فأبي بن كعب كان يجعله من القرآن وكان يسميه وكتب في مصحفه بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنا نستعيك إلى قوله: ونترك من يفجرك ثم كتب بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إياك نعبد إلى آخره، فلزمنا العمل بالحكم في حق التكبيرات؛ لأنها ليست بقراءة ولا لها شبهًا بالقراءة فتعطل العمل بالحقيقة، فعملنا على الوجه الذي قلنا: ليمكننا العمل بالحكم والحقيقة، وقوله: إن هذه سنّة فاتت عن محلها.
قلنا: لا نسلم بأنها فاتت عن محلها؛ وهذا لأن محلها عنده القيام والركوع، ولا نقول: بأن هذا قضاء بل هو أداء لما كان الركوع محلًا له، وقوله: بأن الركوع محل للتسبيحات فلو اشتغل بالتكبيرات تفوته التسبيحات.
قلنا: ولو اشتغل بالتسبيحات تفوته التكبيرات أيضًا إلا أن التكبير من أخص الأذكار بهذه الصلاة وليس للتسبيح هذه الخصوصية، فكان الاشتغال بالتكبير أولى، فلو أنه اشتغل بالتكبيرات في الركوع فلما كبر تكبيرة أو تكبيرتين رفع الإمام رأسه من الركوع رفع هو رأسه، وسقط عنه ما بقي من التكبيرات؛ لأنه لو أتى بها لا أن يأتي في الركوع أو بعدما رفع رأسه عن الركوع لا وجه إلى الأول؛ لأن الركوع بعدما رفع الإمام رأسه ليس بقيام حكمًا لأنه إنما صار قيامًا حكمًا لكونه سببًا لإدراك الركعة أنه يصير سببًا، لإدراك الركعة بشرط المشاركة وقد انقطعت المشاركة فلا يبقى قيامًا حكمًا، ولا وجه إلى الثاني؛ لأن القومة التي بين الركوع والسجود ليس بمحل للتكبيرات.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير»: ولو أن رجلًا دخل مع الإمام في صلاة العيد في الركعة الأولى بعدما كبر الإمام تكبير ابن عباس ﵁ ست تكبيرات، فدخل الرجل معه وهو في القراءة، والرجل يرى تكبير ابن مسعود ﵁، فإنه يكبر برأي نفسه في هذه الركعة وفي الركعة الثانية يتبع رأي الإمام.
والجملة في ذلك أن نقول: بأن المنفرد يتبع رأي نفسه، والمقتدي يتبع رأي الإمام ما لم يظهر خطأ الإمام بقين؛ وهذا لأن كل مجتهد مأمور بأن يعمل باجتهاده؛ لأن اجتهاده صواب عنده، واجتهاد غيره خطأ عنده، وكل مجتهد مأمور بأن يعمل ما هو
[ ٢ / ١٠٦ ]
صواب عنده، فيعمل برأي نفسه إلا إذا حكم غيره على نفسه، فينفذ حكم الحاكم عليه، فحينئذٍ يسقط اعتبار رأيه ويعمل برأي الحاكم إلا إذا ظهر خطأ الحاكم بيقين.
إذا ثبت هذا فنقول: المسبوق فيما سبق لم يحكم على نفسه أحدًا هو منفرد، فيتبع رأي نفسه وفيما بقي مقتدي حكم الإمام على نفسه، فيعمل برأي الإمام إلا إذا ظهر خطأ الإمام بيقين وهذا الداخل في صلاة الإمام في الركعة الأولى، وقد كان كبر الإمام مسبوق بالتكبيرات التي أتى بها الإمام؛ لأنه حين كبر لم يكن هذا الرجل في تحريمته وهذا هو المسبوق، فكان منفردًا في تكبيرات الركعة الأولى، فيتبع رأي نفسه.
ثم يقول محمد ﵀ في هذه المسألة: إن الداخل يكبر حال ما يقرأ الإمام، وهذا الجواب لا يشكل فيما إذا كان بعيدًا عن الإمام لا يسمع قراءته؛ لأنه يأتي بالثناء في هذه الصورة مع أن الثناء سنّة؛ فلأن يأتي بالتكبيرات وإنها واجبة أولى.
وكذلك لا يشكل فيما إذا كان قريبًا من الإمام على قول من يقول: بأن الداخل في صلاة الإمام يأتي بالثناء في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة إذا كان الإمام في القراءة وإنه يشكل على قول من يقول: فإنه لا يأتي بالثناء.
والفرق على قول هذا القائل: أن الثناء سنّة فمتى أتى به يفوته الاستماع أو يتمكن الخلل مما هو المقصود من الاستماع وهو التأمل، والاستماع واجب، وترك السنّة أهون من ترك الواجب ومن إيقاع الخلل فيما هو المقصود من الواجب، فإن تكبيرات العيد واجبة كما أن الاستماع واجب وإذ استويا في الوجوب رجحنا التكبيرات؛ لأن التكبيرات تفوته أصلًا والاستماع لا يفوته أصلًا بل يتمكن الخلل فيما هو المقصود منه وهو التأمل وإن كان لا يفوته أصلًا ولكن يفوته في البعض دون البعض فكان الترجيح للتكبيرات من هذا الوجه.
كذلك لو كان الإمام صلى الركعة الأولى وكبر تكبير ابن عباس ﵄، فدخل الرجل معه في الركعة الثانية فلما سلم الإمام قام الرجل يقضي الركعة الأولى، وهو يرى تكبير ابن مسعود ﵁، يكبر تكبير ابن مسعود؛ لأنه مسبوق في الركعة الأولى، فكان منفردًا فيتبع رأي نفسه.
واستشهد في «الكتاب»: لبيان أنه يعتبر في حق المسبوق فيما سبق حاله لا حال الإمام بمسائل.
منها: إذا قرأ الرجل آية السجدة في ركعة فسجدها، ثم دخل رجل في الصلاة وقد فاتته الركعة الأولى التي قرأ الإمام فيها آية السجدة ثم قام يقضي تلك الركعة، فإنه لا يأتي بتلك السجدة التي أتى بها الإمام وإن كان يأتي بها لو كان مع الإمام؛ لهذا إنه مسبوق في تلك الركعة (١٠٨أ١) يتغير حاله لا حال الإمام.
ومنها: رجل صلى الظهر ولم يقعد على رأس الركعتين واستوى قائمًا، ومضى على صلاته ثم دخل رجل في صلاته، فلما فرغ الإمام قام الرجل الداخل إلى قضاء ما سبق، فإنه يقعد على رأس الركعتين، وإن كان لا يقعد لو كان مع الإمام لهذا إنه مسبوق فى
[ ٢ / ١٠٧ ]
الركعتين، فيعتبر حاله لا حال الإمام.
ومنها: أن الرجل إذا دخل مع الإمام في صلاة الوتر وهو في التشهد، وكان قنت في الركوع، وكان ذلك من رأيه فلما فرغ الإمام من صلاته قام الرجل للقضاء فكان من رأيه القنوت قبل الركوع يقنت قبل الركوع، وإن كان يقنت بعد الركوع لو كان مع الإمام؛ لهذا إنه مسبوق في القنوت، فيعتبر فيه حاله لا حال الإمام، فكذا في مسألتنا.
قال محمد ﵀ في «الجامع»: وإذا دخل الرجل مع الإمام في صلاة العيد وهذا الرجل يرى تكبير ابن مسعود ﵁، فكبر الإمام غير ذلك اتبع الإمام إلا إذا كبر الإمام تكبيرًا لم يكبره أحد من الفقهاء؛ فحينئذٍ لا يتابعه.
وأراد بقوله: لم يكبره أحد من الفقهاء أحد من الصحابة، وهذا لأنه بالاقتداء بالإمام حكّمه على نفسه، فيتعين حكمه عليه ما لم يخرج عن حد الاجتهاد، وإذا كبر تكبيرًا كبره أحد من الصحابة لم يخرج حكمه عن حد الاجتهاد فينفذ عليه.
وإذا كبر تكبيرًا لم يكبره أحد من الصحابة، فإن زاد على ستة عشر يعد خرج حكمه عن حد الاجتهاد فلا ينفذ عليه.
فإن قيل: أليس لو كان الإمام يرى القنوت في صلاة الفجر والمأموم لا يرى ذلك لا يتابعه ولم يخرج حكمه عن حد الاجتهاد.
قلنا: هناك خرج حكمه عن حد الاجتهاد؛ لأن القنوت في صلاة الفجر منسوخ عام لنا دلالة النسخ وبعد ما ثبت النسخ لا يبقى محلًا للاجتهاد.d
وأما في تكبيرات العيد لم يعم دلالة النسخ بعض أقوال الصحابة رضون الله عليهم أجمعين فهو محل الاجتهاد، وهذا إذا كان الرجل يسمع تكبير الإمام، فإن لم يكن يسمع تكبير الإمام ولكن كبر الناس فكبر هو بتكبير الناس، فإنه يكبر ما كبر الناس، وإن زاد على ستة عشر؛ لأن الزيادة تحتمل أن من الإمام فيكون خطأ ويحتمل أن يكون من الناس بأن سبق تكبيرهم تكبير الإمام فتكون الزيادة واجبة، فدارت الزيادة بين أن تكون خطأ وبين أن تكون واجبة.
والأصل: ما دار بين البدعة والواجب كان الإتيان به أولى من تركه، وكل ما دار بين البدعة والسنّة كان تركه أولى من الإتيان به. وقد قال مشايخنا: إن الرجل إذا كبر بتكبير الناس دون الإمام والأحوط له أن ينوي الافتتاح عند كل تكبيرة حتى أنهم إذا كبروا قبل تكبير الإمام ظنًا منهم أن الإمام قد كبر ولم يكن كبر بعد يصير شارعًا في صلاة الإمام بالتكبيرة الثانية، وإن كان شارعًا في التكبيرة الأولى فنية الافتتاح لا تضره لأنه نوى الشروع في الصلاة التي هو فيها.
قال محمد ﵀ في «الجامع» أيضًا: وإذا افتتح الرجل صلاة العيد مع الإمام ثم نام حين افتتح ثم استيقظ وقد فرغ من الصلاة وكبر تكبير ابن عباس ﵄، وهذا الرجل يرى تكبير ابن مسعود ﵁، فقام ليقضي صلاته فإنه يكبر تكبير ابن عباس ﵄؛ لأنه مدرك أول الصلاة فيجعل في الحكم كأنه خلف الإمام
[ ٢ / ١٠٨ ]
على ما مر، ولو كان خلف الإمام حقيقة يكبر تكبير ابن عباس فكذا إذا جعل في الحكم كأنه خلف الإمام.
قال محمد ﵀ في «الجامع» أيضًا: ولو أن رجلًا فاتته ركعة في صلاة العيد مع الإمام، وقد كبر الإمام تكبير ابن مسعود ﵁ ووالى بين القراءتين، وهذا الرجل يرى تكبير ابن مسعود أيضًا، فلما سلم الإمام وقام الرجل يقضي ما فاته، فإنه يبدأ بالقراءة ثم بالتكبير، هكذا ذكر في عامة الروايات.
وذكر في «نوادر الصلاة» لأبي سليمان رحمة الله عليه: أنه يبدأ بالتكبير ثم يقرأ، فمن مشايخنا ﵏ من قال: ما ذكر في عامة الروايات جواب الاستحسان، وما ذكر في «النوادر» جواب القياس.
ومنهم من قال: في المسألة روايتان. وقال الكرخي ﵀: ما ذكر في عامة الروايات جواب الاستحسان قول محمد ﵀، وما ذكر في «النوادر» قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، بناءً على أن ما أدرك المسبوق مع الإمام أول صلاته عند محمد وما يقضيه آخر صلاته.
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ما أدرك المسبوق مع الإمام آخر صلاته وما يقضيه أول صلاته وأنكر بعض مشايخنا ﵏ هذا الخلاف، وقالوا: لا رواية عن أصحابنا على هذا الوجه، وإنما نصب الكرخي الخلاف على هذا الوجه مقتضى ما ذكره محمد ﵀ من المسائل، والمسائل متعارضة، ولكن هذا ليس بصحيح.
فالخلاف على هذا الوجه منصوص في «النوادر»، ولأجل هذا الخلاف وضع المسألة فيما إذا كان الإمام والمقتدي يريان تكبير ابن مسعود ﵁ ولا تكبير ابن عباس ﵄ ولا تكبير علي ﵁، حتى يختلف الجواب متى اعتبر ما يقضي أول صلاته أو آخر صلاته؛ لأن ابن مسعود يقدم التكبيرات في أول الصلاة ويؤخرها في آخر الصلاة، وابن عباس ﵄ يقدم التكبيرات في الركعتين فيبدأ بالتكبير بالإجماع اعتبر ذلك أول صلاته أو آخر صلاته، وعلي ﵁ يؤخر التكبيرات عن القراءة في الركعتين فيبدأ بالقراءة بالإجماع اعتبر ذلك أول صلاته أو آخر صلاته.
فإن كانت المسألة المذكورة هنا على الاختلاف الذي ذكره الكرخي ﵀ فتخريجها ظاهر؛ لأن عند محمد ﵀ ما يقضي المسبوق آخر صلاته، ومن مذهب ابن مسعود ﵁ البداية في القراءة في آخر الصلاة.
وعندهما ما يقضي المسبوق أول صلاته، ومن مذهب ابن مسعود ﵁ البداية بالتكبير في أول الصلاة.
وإن كانت المسألة على الروايتين كما ذهب إليه بعض المشايخ القياس والاستحسان كما ذهب إليه بعض المشايخ.
فوجه القياس: وهو إحدى الروايتين أن ما يقضي المسبوق أول صلاته حكمًا وآخر صلاته حقيقة؛ لأن ما أدرك مع الإمام أول صلاته حقيقة وآخر صلاته حكمًا من حيث إن الأول اسم لفرد سابق فيكون ما أدرك مع الإمام أولًا في حقه حقيقة، ومن حيث إنه آخر في حق الإمام؛ لأن الآخر اسم لفرد لاحق، فيكون آخرًا في حقه حكمًا تحقيقًا للتبعية وتصحيحًا للاقتداء؛ لأن بين أول الصلاة وآخرها مغايرة من حيث الحكم، فإن القراءة فرض في الأوليين نفل في الأخريين.
والمغايرة تمنع صحة الاقتداء، ولما صح الاقتداء علمنا أن ما أدرك اعتبر آخرًا في حقه حكمًا إن كان أولًا حقيقة، وإذا كان ما أدرك مع الإمام آخرًا في حقه حكمًا أولًا حقيقة كان ما يقضي أولًا في حقه حكمًا آخرًا حقيقة والعمل بالحقيقة والحكم في حق التكبيرات متعذر لما بينهما من التنافي فلا بد من اعتبار أحدهما وإلغاء الآخر.
فنقول: اعتبار الحكم أولى؛ لأن الحكم قاضي على الحقيقة فسقط اعتبار الحقيقة شرعًا، ولهذا اعتبر الحكم في حق القنوت حتى لو قنت مع الإمام فيما أدرك يكون معتدًا به حتى لا يقنت فيا يقضي.
وجه الاستحسان: أن الأمر كما قلتم إنما يقضي المسبوق أول صلاته حكمًا وآخر
[ ٢ / ١٠٩ ]
صلاته حقيقة، وما أدرك مع الإمام أول صلاته حقيقة، وآخر صلاته حكمًا، إلا أنه تعتبر الحقيقة فيما أدرك وفيما يقضي في حق الثناء حتى يقع في محله، وهو ما قبل أداء الأركان، ويعتبر الحكم فيما أدرك وفيما يقضي في حق القراءة، فجعلنا ما أدرك آخر صلاته وما يقضي أول صلاته فأوجبنا القراءة فيما يقضي؛ لأن القراءة ركن لا تجوز الصلاة بدونها فيعتبر الحكم في حق القراءة حتى يخرج من عهدة ما عليه بيقين، وفي حق القنوت يعتبر الحكم فيما أدرك وفيما يقضي فلا يأتي بالقنوت فيما يقضي كيلا يؤدي إلى تكرار القنوت الذي هو ليس بمشروع.
وفي حق القعدة تعتبر الحقيقة فيما أدرك وفيما يقضي فألزمناه القعدة متى فرغ مما يقضي؛ لأن قعدة الختم ركن لا تجوز الصلاة بدونها، فاعتبرنا الحقيقة في حق القعدة فأوجبنا عليه القعدة متى فرغ مما يقضي حتى يخرج عن العهدة بيقين.
وفي حق التكبيرات اعتبرنا الحقيقة فيما يقضي؛ لأن اعتبار (١٠٨ب١) الحكم يؤدي إلى مخالفة إجماع الصحابة، فإن الصحابة أجمعوا على عدم الموالاة بين التكبيرات، وفي اعتبار الحكم موالاة بين التكبيرات، فإنه آخر التكبيرات عن القراءة في الركعة التي أدركها مع الإمام فلو قدم التكبيرات فيما يقضي تقع الموالاة بين التكبيرات، أما لو اعتبرنا الحقيقة وبدأ بالقراءة يصير عاملًا بقول علي ﵁، فلا يؤدي إلى مخالفة إجماع الصحابة، فكان اعتبار الحقيقة في حق التكبيرات أولى.
قال السيد الإمام أبو شجاع ﵀: وهذا ضعيف، فإن الموالاة بين التكبيرات جائز، ألا ترى أن الإمام لو افتتح الصلاة على مذهب علي ﵁ حين قدم القراءة على التكبير، فلما صلى ركعة تحول رأيه إلى رأي ابن عباس ﵄ حتى قدم التكبير على القراءة في الركعة الثانية جاز ذلك، وهذا موالاة بين التكبيرات على أنا
[ ٢ / ١١٠ ]
نقول: هذا من حيث الصورة يترأى أنه موالاة بين التكبيرات، وأما من حيث المعنى فليس كذلك؛ لأن الركعة الثانية قضاء، والقضاء يلحق بمحل الأداء.
والوجه الصحيح في ذلك أن يقال: اعتبار الحكم في حق التكبيرات يؤدي إلى أمر غير مشروع عند ابن مسعود ﵁، فإن من مذهب ابن مسعود أنه لا يشتغل بالتكبيرات الزوائد إلا بعد أداء ركن من أركان الصلاة في الركعتين جميعًا، فإن في الركعة الأولى يؤتى بتكبيرات العيد بعد تكبيرة الافتتاح، وإنها ركن أو فرض على ما عرف، وفي الركعة الثانية يؤتى بالتكبيرات الزوائد بعد القراءة والقراءة في الركعتين فرض.
إذا ثبت هذا فنقول: لو اعتبرنا الحكم في حق التكبيرات يأتي بالتكبيرات في هذه الركعة أولًا، فيصير إتيانًا بالتكبيرات الزوائد قبل أداء ركن في هذه الركعة، وإنه غير مشروع على مذهبه.
ووجه آخر في المسألة أيضًا: أن ابن مسعود ﵁ إنما لا يقدم التكبيرات في الركعة الأولى لا لكونها أولًا وتؤخر في الركعة الثانية لا لكونها ثانية، بل لأن السنّة في تكبيرات العيد الجمع بينهما، وإليه وقعت الإشارة في قوله ﵇ حين صلى صلاة العيد وكبر فيها، كما هو مذهب ابن مسعود ﵁: لا تنسوا أربع كأربع الجنائز إلا أن في الركعة الأولى وقعت المعارضة بين تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع فإنهما عدتا من تكبيرات العيد، فكان الضم إلى تكبيرة الافتتاح أولى؛ لأنها أشبه بتكبيرات العيد، فإنها تؤدى في حالة القيام المحض كتكبيرات العيد.
وترفع الأيدي عندهما كما ترفع عند تكبيرات العيد. وفي الركعة الثانية لم توجد تكبيرة الافتتاح فيجب الضم إلى تكبيرة الركوع.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا قام إلى قضاء ما سبق به فهذا وإن كان أول صلاته حكمًا، إلا أن هذا أول ليس له تكبيرة الافتتاح فيضم التكبيرات الزوائد إلى تكبيرة الركوع ضرورة، فلهذا يقدم القراءة على التكبيرات في هذه الركعة. والله أعلم.
نوع آخرمن هذا الفصل في المتفرقات
قال محمد ﵀ في «الأصل»: وليس قبل العيدين صلاة يريد به أنه لا يتطوع قبل صلاة العيدين، والأصل فيه حديث جابر قال: كنت آخر الناس إسلامًا فحفظت من رسول الله ﵇ «أن لا صلاة في العيدين قبل الإمام»، ولأنه لو تطوع قبل الإمام ربما يدخل الإمام في الصلاة، فإما أن يقطع ويتابع الإمام، أو يتم ويترك المتابعة وكل ذلك لا يجوز. قال: وإن شاء تطوع بعد الفراغ من الخطبة لحديث علي ﵁:
[ ٢ / ١١١ ]
«من صلى بعد العيد أربع ركعات كتب الله تعالى له بكل نبت وبكل ورقة حسنة» .
قال القاضي الإمام أبو جعفر الإسترسي: كان شيخنا أبو بكر الرازي ﵀ يفتى بقول أصحابنا ﵏: وليس قبل العيدين صلاة ليس قبل العيدين صلاة مسنونة؛ لأن الصلاة قبل العيدين مكروه، إلا أن الكرخي نص على الكراهة فإنه قال: ويكره لمن حضر المصلى يوم العيد التنفل قبل الصلاة. والله أعلم.
وقال بعض الناس: لا يكره التطوع قبل العيد ولا بعدها، لا في حق القوم ولا في حق الإمام. وقال الشافعي: يكره في حق الإمام، ولا يكره في حق القوم.
ذكر في «نوادر الصلاة»: ولا شيء على من فاتته صلاة العيد مع الإمام، وقال الشافعي: يصلي وحده كما يصلي مع الإمام، وهذا بناءً على أن المنفرد هل يصلي صلاة العيد؟ عندنا لا يصلي، وعنده يصلي؛ لأن الجماعة والسلطان ليس بشرط عنده، فكان له أن يصلي وحده، فإذا فاتته مع الإمام لم يعجز عن قضائها.
فقال بالقضاء كالتراويح إذا فاتت بالجماعة في رمضان يقضيها وحده؛ لأنه قادر على قضائها، لأنه يجوز الأداء منفردًا كما يجوز بجماعة كذا ههنا. وعلماؤنا ﵏ قالوا: لا يجوز إقامتها إلا بشرائط مخصوصة منها الإمام، فإذا فاتت مع الإمام فقد عجز عن قضائها، فلا يلزمه القضاء.
فإن قيل: صلاة العيد قائمة مقام صلاة الضحى، ولهذا تكره صلاة الضحى قبل صلاة العيد، وإذا قامت مقام صلاة الضحى، وهو قادر على صلاة الضحى إن عجز عن إقامة صلاة العيد وجب أن تلزمه صلاة الضحى لتقوم مقام صلاة العيد، كما إذا فاتته الجمعة يلزمه إقامة الظهر، وإنما تلزمه لما قلنا.
قلنا: نعم صلاة العيد أقيمت مقام صلاة الضحى، فإذا عجز عن إقامة صلاة العيد لفوات الشرائط عاد الأمر إلى الأصل وهي صلاة الضحى، وصلاة الضحى غير واجبة في الأصل بل يتخير في ذلك.
وفي أداء الجمعة لما عجز عن أداء الجمعة لفوات الشرائط سقطت عنه الجمعة، وعاد الأمر إلى ما كان قبل الجمعة، وقبل الجمعة كان يلزمه أداء الظهر، ولا يتخير في أدائه، فكذلك بعدها، فإن أحب أن يصلي صلى إن شاء ركعتين، وإن شاء أربعًا، ويكون ذلك صلاة الضحى والأفضل أن يصلي أربع ركعات، لما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: من فاتته صلاة العيد صلى أربع ركعات، يقرأ في الركعة الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبّكَ الاَعْلَى﴾ (الأعلى: ١)، وفي الثانية: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا﴾ (الشمس: ١)، وفي الثالثة: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ (الليل: ١)، وفي الرابعة: ﴿وَالضُّحَى﴾ (الضحى: ١) . وروي في ذلك عن النبي ﵇ وعدًا جميلًا وثوابًا جزيلًا.
[ ٢ / ١١٢ ]
وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: لا بأس بصلاة الضحى قبل الخروج إلى الجبانة، إنما كره ذلك في الجبانة، وكان يقول: لا بأس للمرأة أن تصلي صلاة الضحى يوم العيد قبل أن يصلي الإمام صلاة العيد.
وعامة المشايخ على الكراهة قبل الخروج إلى الجبانة وفي الجبانة، وعلى قول العامة: إذا أرادت المرأة أن تصلي صلاة الضحى يوم العيد تصلي بعدما صلى الإمام.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل أدرك الإمام في الركوع في صلاة العيد يشتغل بالتسبيحات دون الثناء، فقد قدم التسبيحات على الثناء، وفيما إذا أدرك الإمام في الركوع، وخاف أنه لو أتى بتكبيرات العيد قائمًا لا يدرك شيئًا من الركوع يأتي بتكبيرات العيد دون التسبيحات عند أبي حنيفة ومحمد وقدم تكبيرات العيد على التسبيحات؛ لأن التسبيحات سنّة والتكبيرات تسبيحات في محلها والثناء لا.
وفي «فتاوى أهل سمرقند»: من أدرك الإمام في ركوع صلاة العيد تابعه في الركوع، فعلى قياس ما ذكرنا أنه يكبر في الركوع تكبيرات العيد ينبغي أن يرفع اليدين؛ لأنه سنّة في تكبيرات العيد.
وفي «النوازل»: إمام صلى بالناس صلاة العيد ثم علم أنه على غير وضوء، إن علم قبل الزوال يعيد في العيدين؛ لأن الوقت باقي، وإن علم بعد الزوال يخرج في العيدين من الغد لأنه تأخير بعذر، وإن علم في الغد بعد الزوال ففي الأضحى يخرج في اليوم الثالث، لأن الوقت باقي، وفي عيد الفطر لا، لأن الوقت لم يبق، فإن علم في اليوم الأول بعد الزوال، وكان عيد الأضحى وقد كان ذبح الناس يجزىء من ذبح.
وأي سورة قرأ في صلاة العيد جاز، بلغنا عن أبي بكر ﵁: أن النبي ﵇: «قرأ في صلاة العيد سورة البقرة» وعن علي بن أبي طالب ﵁: أنه قرأ فيها ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَهَا﴾»، وعن نعمان بن بشير ﵁: أن النبي ﵇: «كان يقرأ في العيدين: «﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبّكَ الاَعْلَى غُثَآء (١) هوَ الَّذِى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾»، وروي أنه كان يقرأ سورة «الجمعة» و﴿إِذَا جَآءكَ الْمُنَفِقُونَ﴾، فاختلاف يدل على أنه ليس فيها شيء مؤقت.
والمعنى فيه: وهو أن هذه صلاة شرعت فيها القراءة، فلا يتعين فيها قراءة سورة من القرآن سوى الفاتحة قياسًا (١٠٩أ١) على سائر الصلوات، وهذا لأن في تعيين سورة هجر الباقي، وليس شيء من القرآن بمهجور.
وإذا أدرك الإمام في صلاة العيد بعدما تشهد الإمام قبل أن يسلم أو بعد ما سلم قبل أن يسجد للسهو أو بعدما سجد للسهو فدخل معه، ثم سلم الإمام فإنه يقوم فيقضي صلاة العيد لأنه شارك الإمام في الصلاة فيلزمه القضاء.
من مشايخنا من قال: المذكور قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، فأما قول
[ ٢ / ١١٣ ]
محمد ﵀: لا يصير مدركًا لصلاة العيد كما قال في الجمعة: إذا أدرك الإمام في هذه الحالة لا يصير مدركًا للجمعة عنده، حتى يصلي أربعًا عنده فكذلك ها هنا.
ومنهم من قال: هذا بلا خلاف وهو الأصح، فإن صح الخلاف لمحمد في صلاة العيد كما في الجمعة فلا حاجة لمحمد ﵀ إلى الفرق بين صلاة الجمعة وصلاة العيد، وإن لم يصح الخلاف يحتاج محمد إلى الفرق بين صلاة العيد وبين صلاة الجمعة.
فإنه قال: في صلاة الجمعة لا يصير مدركًا للجمعة، ويصلي أربعًا، وفي صلاة العيد قال: يصير مدركًا لصلاة العيد، ويصلي صلاة العيد وحده.
ووجه الفرق لمحمد ﵀ وهو: أن القياس ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله في الجمعة، إلا أنه ترك القياس بالأثر، والأثر ورد في الجمعة، وما ورد في العيد، وترد صلاة العيد إلى أصل القياس، ولأن محمد ﵀ جعله مدركًا للجمعة في تلك المسألة بدليل أنه لو ترك القعدة على رأس الركعتين لا تجزئه صلاته، كما إذا صلى الجمعة وترك القعدة على رأس الركعتين، وإذا خرج وقت الظهر فسدت صلاته إلا أنه أمر بزيادة ركعتين احتياطًا لتقوم مقام الظهر، وليس في صلاة العيد زيادة نأمره بها احتياطًا.
ثم إذا سلم الإمام وقام هو إلى القضاء كيف يصنع؟ قال الشيخ الإمام الزاهد المعروف بخواهر زاده ﵀: يقوم فيكبر ثلاث تكبيرات، ثم يقرأ؛ لأن ما يقضي أول صلاته في هذه الحالة بالإجماع، لأنه مسبوق بركعتين، والتكبير مقدم على القراءة الأولى ومؤخر في الثانية عندنا، فكذلك ههنا.
قال في «الأصل»: والسهو في العيدين والجمعة والمكتوبة والتطوع سواء لأن الجمعة والعيدين ساوت سائر الصلوات فيما يوجب الفساد فتساويها فيما يوجب الجبر، إلا أن مشايخنا قالوا: لا يسجدون للسهو في الجمعة والعيدين كيلا يقع الناس في الفتنة. ولا تجوز صلاة العيد راكبًا كالجمعة، ولا بأس بالركوب في الجمعة والعيدين، والمشي أفضل في حق من يقدر عليه.
«في غريب الرواية»: وإذا قرأ الإمام السجدة في خطبة العيد سجدها وسجد معه من سمعها، كما في الخطبة الجمعة، وكذلك إذا قرأها في الصلاة سجدها وسجد القوم معه. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: قال مشايخنا: لا يسجدون، والكلام في العيد نظير الكلام في الجمعة.
وإذا أحدث رجل في الجبانة وخاف أنه إن رجع إلى الكوفة ليتوضأ تفوته الصلاة، وهو لا يجد الماء، فإن كان قبل الشروع في الصلاة يتيمم ويصلي مع الناس. من أصحابنا من قال: هذا في جبانة الكوفة لأن الماء بعيد، أما في ديارنا الماء محيط بالمصلى فينبغي أن لا يجوز التيمم.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: والصحيح أنه متى خاف الفوت يجوز له التيمم في أي موضع كان، وكذلك إذا أحدث بعدما دخل في الصلاة تيمم وصلى، وإن لم يتيمم وانصرف إلى الكوفة وتوضأ، ثم عاد إلى المصلى وصلى جاز.
[ ٢ / ١١٤ ]
وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا أحدث بعدما دخل في الصلاة لم يجز له التيمم، وهذا الذي ذكرنا في حق المقتدي وكذلك الحكم في حق الإمام.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله: أنه ليس للإمام أن يتيمم، لأنه لا يخاف الفوت فإنه لا يجوز للناس أن يصلوا بدون الإمام، وجه ظاهر الرواية أنه يخاف الفوت بخروج الوقت فربما تزول الشمس قبل فراغه من الوضوء، ومن تكلم في صلاة العيد بعدما صلى ركعة فلا قضاء عليه.
قال الفقيه أبو جعفر ﵀: هذا على قول أبي حنيفة، فأما على قولهما: عليه القضاء بناءً على المسألة المتقدمة، وهو ما إذا أحدث في صلاة العيد ولم يجد ماء وهو يخاف الفوت إن توضأ فعلى قول أبي حنيفة يتيمم؛ لأن على قوله لا يمكنه القضاء لو لم يجز له التيمم تفوته الصلاة أصلًا، وعلى قولهما: لا يتيمم؛ لأنه يمكنه القضاء لو لم يجز له التيمم لا تفوته الصلاة أصلًا.