رجل استأجر من رجل دارًا سنين معلومة فخاف المستأجر أن يعذر له رب الدار فليسم لكل سنة من أول هذه السنين أجرًا قليلًا ويجعل للسنة الأخيرة أجرًا كبيرًا.
ومعنى هذا أن المستأجر خاف أن تُنْقَضَ الإجارة بينهما قبل انتهاء مدة الإجارة بموت رب الدار أو بأن يلحقه دين فادح أو بغير ذلك من أنواع العذر، وقد لا يكون مقصوده إلا السكنى في آخر المدة، فالحيلة ما ذكر وهو أن يجعل الأجر للسنين المتقدمة شيئًا قليلًا حتى إذا انفسخ العقد قبل حصول مقصوده لا يلزمه من الأجر ما يتضرر به ويمنع رب الدار من الفسخ للعذر كيلا
[ ١٠٢ ]
يفوته معظم الأجر بالسكنى في السنة الأخيرة، والأحوط أن يجعل العقد في صفقتين لأنه إذا جعل الكل صفقة واحدة وفرق التسمية فربما يذهب بعض القضاة إلى رأي ابن أبي ليلى، ﵀، ويوزع المسمى على جميع المدة بالحصة، فلا ينظر إلى تفريق التسمية مع اتخاذ الصفقة وعند اختلاف الصفقة يأمن من ذلك، وعلى هذا لو أراد المستأجر أن ينفق على الدار في مرمتها وخاف أن لا يرد عليه ذلك رب الدار إن انفسخ العقد فإنه ينبغي له أن ينظر إلى مقدار ما يريد أن ينفقه فيضم ذلك إلى أجر الدار في السنة الأخيرة ويقر رب الدار أني استسلفت منه هذا المقدار من أجر السنة الأخيرة حتى إذا انفسخ العقد رجع عليه بما أقر أنه استسلفه من ذلك، وإن خاف أن يحلفه رب الدار أنه سلم إليه شيئًا، كما هو رأي بعض القضاة، فإنه ينبغي أن يبيع منه شيئًا بذلك القدر، حتى إذا حلف لم يكن كاذبًا في يمينه، فإن كان رب الدار هو الذي يخاف أن يسكن المستأجر بعض السنين ويعذر له بعد ذلك أي يفسخ العقد بعد فالسبيل أن يجعل أكثر الأجرة للسنة الأولى حتى لا يفسخ المستأجر بعد مضيها العقد في بقية المدة لأنه قد لزمه أكثر الأجرة وإن انفسخ العقد لم يتضرر به صاحب الدار، وإن خاف أن يغيب المستأجر ويمتنع أهله من رد الدار إليه إذا طلبه لوقته فينبغي أن يؤاجرها من أهله ويضمن له الزوج ردها إليه للوقت الذي يسميه فيؤخذ به حينئذٍ على الشرط، لأنه إذا آجرها من الأهل فعليه ردها عند انتهاء المدة ويصير الزوج ملتزمًا ردها بالضمان أيضًا فيطالبه به عند انتهاء المدة.
قال وفي هذا بعض الشبهة فإنه ليس على المستأجر رد الدار إنما عليه أن لا يمنع الآجر إذا جاء ليأخذها، ومثل هذا لا تصح الكفالة به بمنزلة الكفالة برد الوديعة على المودع، وهذا لأن الكفالة إنما تصح بما هو مضمون على الأصيل والرد غير مضمون على المستأجر فكيف تصح الكفالة به إلا أن يقر الزوج أنه ضامن له تسليم الدار إليه في وقت كذا بحق لازم صحيح فيكون
[ ١٠٣ ]
مؤاخذًا بإقراره، ولكن هذا كذب لا رخصة فيه، فالأحوط أن يأخذ الزوج الدار منها بغير رضاها على طريق الاستيلاء ليصير به ضامنًا رد الدار عليها في المدة، وعلى مالك الدار بعد مضي المدة، ويقر بذلك بين يدي الشهود فيكون لرب الدار أن يطالبه بتسليم الدار إليه بعد انتهاء المدة.
وفيه وجه آخر وهو أن يؤاجر الدار من المستأجر ثم إن المستأجر يوكل رب الدار في الخصومة مع أهله لاسترداد الدار منهم على أنه كلما عزله فهو وكيل به، فإذا غاب المستأجر كان له أن يطالب أهل المستأجر برد الدار عليه بحكم وكالة المستأجر في وقته، وإن كان المستأجر غير مليء بالأجر فينبغي للآجر أن يأخذ منه كفيلًا بأجر الدار ما سكنها أبدًا ويسمى أجر كل شهر للضامن، فتكون هذه كفالة بمال معلوم، وهو مضاف إلى سبب الوجوب فيكون صحيحًا ويأخذ الكفيل بها إذا تعذر استيفاؤها من المستأجر للإفلاس، ودين الأجرة كسائر الديون، فكما أن طريق التوثق في سائر الديون الكفالة فكذلك في الأجرة.
رجل استأجر دارًا لا بناء فيها فأذن له رب الدار أن يبنيها ويحسب له رب الدار ما أنفق في البناء من الأجر ما بينه وبين كذا وكذا درهمًا فهو جائز.
قيل: هذا الجواب بناء على قولهما، فأما عند أبي حنيفة ﵀ فلا يجوز، لأن الأجر دين على المستأجر، فإنما أمره أن يشتري له الآلات بالدين الذي له عليه، وأبو حنيفة ﵀ لا يجوِّز هذه الوكالة على ما قال في البيوع إذا قال صاحب الدين للمديون أسلم ما لي عليك في الطعام أو اشتر بما لي عليك عبدًا.
والأصح أن هذا قولهم جميعًا لأنه أمره بالصرف إلى محل معلوم وهو بناء الدار وهو نظير ما قال في الإجارات إذا أمر صاحب الحمام المستأجر بمرمة الحمام ببعض الأجرة أو استأجر دابة وغلامًا إلى مكان معلوم وأمره بأن ينفق بعض الأجرة في علف الدابة ونفقة الغلام فإن ذلك جائز فهذا مثله.
[ ١٠٤ ]
وإن اختلفا في مقدار ما أنفق فالقول قول رب الدار، لأن المستأجر يدعي صرف الزيادة إلى البناء فيما أنفق ورب الدار ينكر، فالقول قوله مع يمينه، ألا ترى أنه لو ادعى تسليم ذلك إلى رب الدار وأنكره رب الدار كان القول قوله، وكذلك إن كان رب الدار أشهد أن المستأجر مصدق على ما يقول أنه أنفقه فليس ذلك بشيء والقول قول رب الدار، لأنه أشهد على ما هو مخالف لحكم الشرع، فإن الأجر دين مضمون له في ذمة المستأجر، وإنما يقبل قول الأمين في الشرع ولا يقبل قول الضامن، فإذا أشهد على تصديق الضامن كان الإشهاد باطلًا، والقول قول رب الدار، ألا ترى أنه لو أشهد عند الإجارة أن المستأجر مصدق فيما يدعي إنفاقه من الأجرة لم يصدق في ذلك، وكذلك لو جحد أن يكون بنى فيها وقال دفعتها إليه وهذا البناء فيها فالقول قوله، لأنه منكر استيفاء شيء من الأجر، والبناء تبع للأصل، فاتفاقهما على أن الأصل ملك له لا من جهة المستأجر يكون دليلًا على أن البناء له لا من جهة المستأجر أيضًا، فإذا ادعى المستأجر أنه هو الذي بنى هذا البناء كان عليه أن يثبت ما ادعاه بالبينة، فإن أراد المستأجر أن يصدق في النفقة عجل له من الأجر بقدر النفقة وأشهد عليه بقبضه ثم يدفعه رب الدار إليه ويوكله بالنفقة على داره، فيكون القول قول المستأجر حينئذٍ في نفقة مثله، وفي الهلاك إذا ادعاه لأن بالتعجيل ملك الأجر المقبوض وبرئت ذمة المستأجر عنه، ثم إذا رده عليه لينفقه في داره كان أمينًا في ذلك والقول قول الأمين في المحتمل مع اليمين كالمودع عنده يدعي رد الوديعة أو هلاكها، ألا ترى أنه إنما يصدق في نفقة مثله لأن الظاهر يكذبه في ذلك المقدار، وفيما زاد على ذلك يكذبه فلا يُقبل قوله إلا بحجة، كالوصي يدعي الإنفاق على اليتيم من ماله يصدق في نفقة مثله ولا في الزيادة على ذلك.
وإذا خاف رب الدار أن يتعبه المستأجر في رد الدار بعد مضي مدة الإجارة آجرها منه سنة من يومه على أن أجرها كل يوم بعد مضي السنة دينار فيجوز
[ ١٠٥ ]
العقد على هذا الوجه، لأن العقد بعد مضي السنة يكون مضافًا إلى وقت في المستقبل وإضافة الإجارة إلى وقت في المستقبل صحيح، فبعد مضي السنة لا يمتنع المستأجر من رده الدار مخافة أن يلزمه كل يوم دينار، فإن قال المستأجر أنا لا آمن أن يغيب رب الدار بعد مضي السنة فلا يمكنني أن أردها عليه ويلزمني كل يوم دينار فالحيلة في ذلك أن يجعلا بينهما عدلًا ويستأجر المستأجر الدار من العدل بهذا الصفة، حتى إذا مضت السنة وتغيَّب رب الدار يتمكن المستأجر من ردها على العدل فلا يلزمه الدينار باعتبار كل يوم بعد ذلك، وعلى هذا لو استأجر دارًا كل شهر بكذا فلزوم العقد يكون في شهر واحد، فإذا تم الشهر فلكل واحد منهما أن يفسخ العقد في الليلة التي يهل فيها الهلال، وعلى إحدى الروايتين في تلك الليلة ويومها لأن رأس الشهر الداخل الليلة التي يهل فيها الهلال ويومها ويمضيه قبل الفسخ ليلزم العقد في الشهر الداخل؛ فإذا خاف المستأجر أن يتغيب الآخر في الليلة التي يهل فيها الهلال فالحيلة أن يجعلا بينهما عدلًا حتى يتمكن من فسخ الإجارة مع العدل عند رأس الشهر.
ومن أصحابنا ﵏ من يقول إذا رأى الآجر في وسط الشهر ومن عزمه الفسخ عند مضي الشهر ينبغي أن يقول له إذا جاء رأس الشهر فقد فسخت العقد بيني وبينك، وهذا فاسد لأنه تعليق الفسخ بالشرط وذلك لا يجوز، ولكن ينبغي أن يقول له فسخت الإجارة بيني وبينك رأس الشهر، فتكون هذه إضافة الفسخ إلى وقت في المستقبل ولا يكون تعليقًا بالشرط، وكما تصح إضافة الإجارة إلى وقت في المستقبل وإن كان لا يجوز تعليقًا بالشرط فكذلك يجوز إضافة الفسخ إلى وقت في المستقبل، وهذا يجوز وإن كان لا يجو تعليقه بالشرط.
وإذا اكترى الرجل إبلًا لمتاع له إلى مصر بمائة دينار فإن قصر عنها إلى الرملة فالكراء سبعون دينارًا، فإن قصر عن الرملة إلى أذرعات فالكراء خمسون
[ ١٠٦ ]
دينارًا فالإجارة فاسدة على هذا الشرط لجهالة مقدار المعقود عليه وجهالة الأجر المسمى عند العقد، ولأنه علق البراءة عن بعض الأجر بالشرط، ولو علق البراءة عن جميع الأجر بشرط فيه حظر لم تصح الإجارة، فكذلك إذا علق البراءة عن بعض الأجرة، فإن حمله إلى مصر ففي القياس له أجر المثل لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد وفي الاستحسان تجب المائة الدينار لأن المعنى المفسد قد زال، وهو نظير القياس والاستحسان الذي تقدم في الإجارات أنه لو استأجر دابة للركوب بأجر معلوم أو ثوبًا للبس ولم يبين من يركب ومن يلبس كان العقد فاسدًا، ولو ركبها أو لبسه حتى مضت المدة وجب المسمى استحسانًا لانعدام المفسد وهو الجهالة.
قال والحيلة لهما في ذلك حتى لا يفسد أن يستأجرها إلى أذرعات بخمسين دينارًا ويستأجر من أذرعات إلى الرملة بعشرين دينارًا ويستأجر من الرملة إلى مصر بثلاثين دينارًا، فإذا بلغ أذرعات فإن أراد صاحب المتاع أن لا يذهب إلى الرملة كان ذلك عذرًا له في فسخ العقد الثاني والثالث، وإن أراد أن يحمله إلى الرملة فليس لصاحب الإبل أن يمتنع وكذلك من الرملة إلى مصر، وهذا لأن صاحب الإبل عليه تسليم الإبل ولا يلزمه أن يذهب بنفسه ماشيًا وإن أبى فلا يكون ذلك عذرًا له في فسخ الإجارة، وصاحب المتاع له أن يبيع متاعه بأذرعات ولا يخرج منها إلى الرملة فيكون ذلك عذرًا له في فسخ الإجارة.
وإذا أراد الرجل أن يؤاجر أرضًا له فيها زرع لم يكن فيها حيلة إلا خصلة واحدة وهي أن يبيعه الزرع ثم يؤاجره الأرض، لأن شرط جواز عقد الإجارة أن يتمكن المستأجر من الانتفاع بالأرض بعد الإجارة، وإذا باعه الزرع ثم آجره الأرض فهو يتمكن من الانتفاع بها لأنه يرى زرعه فيها، وإذا لم يبيعه الزرع لا يتمكن المستأجر من الانتفاع بها وهي مشغولة بزرع الآخر لا يمكنه التسليم إلا بقلع زرعه، وفيه ضرر بين عليه فلهذا كان العقد فاسدًا، وعلى هذا لو كانت
[ ١٠٧ ]
في الأرض أشجار أو بناء فأراد أن يؤاجرها منه ينبغي له أن يبيع الأشجار أو البناء منه أولًا ثم يؤاجره الأرض.
وذكر الطحاوي ﵀ في هذا الفصل أنه يبيع الأشجار بطريقها إلى بابها فإن لم يكن لها باب فإنه ينبغي أن يبين طريقًا معلومًا لها من جانب من جوانب الأرض حتى يصح الشراء ثم يؤاجره الأرض بعد ذلك فيكون صحيحًا، لأن صحة الإجارة تنبني على صحة الشراء، فإذا لم يبين الطريق في الشراء فسد الشراء ولا يملكها قبل القبض ولو قبضها كان الرد مستحقًا عليه لفساد العقد فلا يتمكن من الانتفاع بالأرض ما لم يكن الشراء صحيحًا فشرط ذلك بيان الطريق.
[ ١٠٨ ]