وقال أبو حنيفة إذا كان لرجل على رجل دين فضمنه له رجل أو كفل له به فللطالب أن يأخذ أيهما شاء بجميع المال.
وقال بعض الفقهاء الكفالة والضمان بمنزلة الحوالة ليس للطالب على صاحب الأصل سبيل بعد رضى الطالب بضمان الضمين وكفالة الكفيل إلا أن يكون الطالب اشترط في أصل الكفالة والضمان أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه، فإن اشترط ذلك فهو جائز في قول كل أحد.
[ ٣٥ ]
قلت: أرأيت رجلًا له على رجل دين فصالحه من الدين وهو حال على أن ينجمه عليه نجومًا وأخذ منه بالمال كفيلًا على أن كل واحد منهما كفيل ضامن عن صاحبه على أنهما إن أخرا نجمًا عن محله فالمال حال عليهما أيجوز ذلك؟ قال نعم، قلت أرأيت إن كان الطالب إنما أخذ من المطلوب كفيلًا بنفسه على أنه إن لم يواف به عند كل نجم فالكفيل ضامن لجميع المال على النجوم التي سميا؟ قال ذلك جائز في قولنا وبعض الفقهاء يبطل ذلك، قلت فكيف الحيلة والثقة حتى يجوز ذلك في قول كل أحد؟ قال يضمن الكفيل المال على أنه برئ من كل نجم بدفع المطلوب عند محله إلى الطالب فيجوز ذلك في قول كل أحد.
قلت أرأيت الرجل يصالح غريمًا له على أن يؤخره بما عليه على أن يضمن فلان المال إلى ذلك الأجل فإن لم يفعل فلا صلح بينهما والمال حال أيجوز ذلك قال نعم ولست آمن أن يبطل ذلك بعض الفقهاء، قلت فكيف الثقة في ذلك والحيلة؟ قال يكون الكفيل حاضرًا فيضمن ويؤخر الطالب فيجوز ذلك، قلت فإن لم يكن الكفيل حاضرًا فكيف الثقة في ذلك والحيلة قال يصالحه على ما ذكرت على أن فلانًا إن ضمن هذا المال ما بينه وبين يوم كذا وكذا من شهر كذا فالصلح تام وإن لا فلا صلح بينهما، قلت ويجوز ذلك؟ قال نعم.
قلت أرأيت الكفيل إذا أراد أن يكفل بنفس المطلوب على أنه إن لم يواف به إلى يوم كذا فالمال عليه فأراد أن يتوثق من المطلوب برهن يأخذه منه أيجوز الرهن في ذلك؟ قال لا، قلت فكيف الثقة في ذلك والحيلة؟ قال ليس في ذلك وجه ثقة إلا أن يبدأ الكفيل بضمان المال فيقول أنا ضامن لما على فلان فإن وافيتك به إلى كذا وكذا من الأجل فأنا برئ، قلت فإذا فعل ذلك فارتهن من المطلوب بما ضمن رهنًا جاز ذلك؟ قال نعم.
قلت أرأيت رجلًا ضمن لرجل ما أدركه من درك في دار اشتراها من رجل
[ ٣٦ ]
فأراد الضامن أن يأخذ من البائع رهنًا بالذي ضمن أيجوز ذلك قال لا، قلت فيجوز أن يأخذ منه بذلك كفيلًا؟ قال نعم، قلت فإن أبى الكفيل الذي ضمن عن البائع الدرك إلا أن يستوثق من البائع برهن يأخذه كيف الثقة في ذلك والحيلة؟ قال يقر البائع أنه باع الدار وليست له ولا لإنسان فيها حق وأنه أمر هذا الضمين أن يضمن عنه ما أدرك المشتري من درك فقضى عليه برد الثمن في الدار وأنه قد رهن الضمين بضمانه رهنًا وسماه ودفعه إلى الضمين فقبضه منه، قلت ويجوز ذلك؟ قال نعم.
قلت: أرأيت رجلًا كفل بنفس رجل وأخذ الكفيل من المطلوب بما كفل عنه رهنًا أيجوز ذلك؟ قال لا ولا يكون ذلك رهنًا، قلت فكيف يستوثق الكفيل من المطلوب؟ قال يأخذ منه كفيلًا بنفسه فمتى أخذ الكفيل الأول بنفس المطلوب أخذ الكفيل الأول الكفيل الثاني حتى يدفع إليه صاحبه.
قلت: أرأيت رجلًا حلف لا يكفل عن فلان بشيء أبدًا فكفل بنفسه؟ قال لا يحنث، قلت أرأيت إن لم يكفل بنفسه ولكن الحالف اشترى له متاعًا بأمره ولم يكن الآمر أعطاه الثمن أيكون حانثًا لأنه مأخوذ عنه بثمن ما اشترى له؟ قال لا.
قلت أرأيت رجلًا أخذ من رجل كفيلًا بنفسه وله عليه دين على أن الكفيل إن لم يوافق بالمطلوب يوم كذا وكذا فالكفيل ضامن بنفس فلان غريم آخر للطالب أيجوز ذلك قال نعم ذلك جائز عندنا وهو جائز عند أبي يوسف [قال محمد لا يجوز] ولست آمن أن يبطل ذلك بعض الفقهاء، قلت فكيف يستوثق الطالب حتى يجوز له والحيلة فيه فيما وصفت لك في قولكم وقول غيركم؟ قال يأخذ الطالب الكفيل كفيلًا بنفس فلان وفلان على أنه إن وافاه بفلان أحدهما ما بينه وبين يوم كذا فهو برئ من كفالة فلان الآخر، قلت ويجوز ذلك؟ قال نعم قلت أرأيت إن كان الطالب أخذ من المطلوب كفيلًا بنفس المطلوب على أنه إن لم يواف به إلى يوم كذا فما على المطلوب على كفيله،
[ ٣٧ ]
فلم يواف به الكفيل، أيضمن المال والنفس؟ قال نعم، ولست آمن بعض الفقهاء أن يبرئه من النفس ويجعل عليه المال، قلت فكيف يستوثق؟ قال يضمنه المال والنفس على أنه وافاه بنفسه ما بينه وبين كذا وكذا من الأجل فهو برئ من النفس والمال وإن لم يواف به إلى ذلك الأجل فالنفس والمال عليه جميعًا، فيكون قد استوثق، قلت أرأيت إن كان المطلوب ينكر ما عليه فأخذ منه الطالب كفيلًا بنفسه وكيلًا في خصومته إن غاب؟ قال ذلك جائز، قلت أرأيت إن كان أخذ منه كفيلًا بنفسه وكيلًا في جميع ما بينهما من الخصومة إن غاب المطلوب ضامنًا لجميع ما عليه أيجوز ذلك؟ قال نعم، وغير هذا أوثق للطالب من هذا وأحرز أن لا يرده أحد من القضاة، قلت وما هو؟ قال يأخذ منه الطالب كفيلًا بنفسه ضامنًا لما وجب عليه من حق الطالب على أنه إن وافاه به إلى كذا وكذا من الأجل فهو برئ من ذلك وإن لم يواف فذلك كله عليه، وعلى أن الكفيل إن لم يواف به إلى ما سمينا من الأجل فهو وكيل المطلوب في جميع ما يطالبه به الطالب، ويقر بذلك كله المطلوب والكفيل، قلت فإذا فعل ما وصفت فقد استوثق الطالب؟ قال نعم، قلت أرأيت إن كان المطلوب جاحدًا لما يدعي الطالب فأخذ الطالب من المطلوب كفيلًا بنفسه على أنه إن لم يواف به في مكان كذا وكذا فعلى الكفيل ألف درهم والمدعي يدعي أكثر من ذلك؟ قال هذا جائز في قول أبي حنيفة ولا يجوز في قول أبي يوسف، قلت فكيف الثقة والحيلة في ذلك حتى يجوز في قول أبي حنيفة وغيره؟ قال ليس الثقة في هذا إلا أن يقر الكفيل أن دعوى الطالب حق ثم يضمن له النفس والمال على أنه إن وافاه بنفسه إلى كذا وكذا من الأجل فهو برئ من ذلك كله، قلت فإذا كان المطلوب يجحد والكفيل مقر بما وصفت لك جاز ذلك على الكفيل؟ قال نعم.
قلت أرأيت رجلًا ادعى رقية عبد لرجل فأخذ الطالب من المولى كفيلًا بنفسه وبنفس العبد أيكون ذلك للطالب قال نعم، قلت قبل أن يثبت له حق
[ ٣٨ ]
قال نعم وبعد، قلت فله مع هذا أن يأخذ الكفيل وكيلًا بالخصومة قال نعم، قلت وله مع ذلك أن يأخذ كفيلًا بنفسه وبنفس العبد وكيلًا في خصومته إن غاب ضامنًا لما وجب عليه؟ قال ليس له أن يأخذ ضامنًا لما وجب عليه وله أن يأخذ سائر ذلك مما وصفت، قلت أرأيت إن أخذه كفيلًا بنفس المولى وبنفس عبده وكيلًا في خصومة المولى إن غاب ولم يأخذه ضمينًا لما ذاب عليه، وغاب المولى فجعل القاضي الكفيل وكيلًا فقامت البينة للطالب أن العبد عبده وقد مات العبد فقضى القاضي على الغائب بالقيمة أيكون الكفيل بنفس العبد ضامنًا لهذه القيمة التي قضى القاضي بها؟ قال نعم هو في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ضامن لقيمة العبد، قلت ولم وإنما كفل بالنفس وقد مات العبد ولو كان كفل بنفس حر فمات برئ فلم لا يكون كفالته بنفس العبد بمنزلة كفالته بنفس الحر؟ قال لأن العبد مال ادعاه الطالب فضمنه الكفيل فلما قامت البينة وقد مات العبد على أنه عبد الطالب علمنا أن الكفيل قد ضمن مال الطالب فلا بد أن يؤديه إليه أو قيمته، قلت فهل يجعل غيركم الكفيل بريئًا إذا مات العبد؟ قال لست آمن أن يكون بعض الفقهاء يشبه الكفيل بنفس الحر والعبد سواء ويجعل الكفيل في ذلك بريئًا بموتهما، قلت فكيف الحيلة والثقة للطالب في ذلك حتى يكون الكفيل ضامنًا لقيمة العبد إن هو مات إذا قامت بينة وقضى به؟ قال ليس الثقة في هذا إلا ما وصفت لك أن الطالب يأخذ كفيلًا بنفس المطلوب وبنفس العبد فيكون وكيلًا للمطلوب في الخصومة ويكون ضامنًا لما قضى به على المطلوب، قلت فإذا أخذ كفيلًا وكيلًا ضمينًا لما ذكرت فقد استوثق الطالب؟ قال نعم.
قلت أرأيت رجلًا كفل بنفي رجل يومًا إلى الليل أو قال إلى رأس الشهر فمضى هذا الأجل أيبرأ الكفيل قال لا يبرأ عندنا ولست آمن غيرنا أن يبرئه، قلت فكيف يستوثق الكفيل حتى يبرأ إذا جاء الأجل؟ قال يقول اكفل لك بنفس فلان إلى كذا وكذا من الأجل ثم لا كفالة بعد ذلك وأنا منه برئ.
[ ٣٩ ]
قلت أرأيت الكفيل إذا دفع المكفول به إلى الطالب في موطنين مختلفين فأنكر الطالب أن يكون دفع إليه فأقام المطلوب شاهدين شهد أحدهما أن الكفيل دفعه إليه في يوم كذا في مكان كذا وشهد الآخر أنه دفعه إليه في موطن آخر في يوم آخر؟ قال أما أبو حنيفة وأصحابه فلا يجيزون هذه الشهادة، وغيرهم يجيزها، قلت أرأيت إن سكت الشاهدان عن تسمية الموطنين واليومين اللذين دفع الوكيل فيهما المطلوب إلى الطالب أيجوز ذلك؟ قال نعم إذا سكتا عن تسمية الموطنين واليومين جاز ذلك وبرئ الكفيل.