ولو أن رجلًا وهب لرجل هبة فقبضها قبل أن يتفرقا والواهب ساكت ولم يأمره بالقبض قال الهبة جائزة، وكذلك لو أمره الواهب بقبضها وقال قد خليت بينك وبينها ثم انصرف الواهب وتركها عند الموهوب له فإنه قبض، ولو أن رجلًا وهب لأخيه من الرضاع ثم أراد أن يرجع في هبته فذلك له ولا يشبه الرضاع النسب.
ولو أن غلامًا صغيرًا وهب له هبة فقبضته الأم والغلام في عيالها كان ذلك جائزًا لأنها بمنزلة الأب لو كان حيًا.
وكذلك لو كان الصبي في حجر رجل أجنبي وهو يعوله فوهب للصبي هبة فقبضه الذي يعوله فذلك جائز.
وإذا وهب للصبي الذي يعقل ومثله يقبض هبة وقبضها فإني أستحسن أن أُجيز ذلك، ولو كان هذا الصبي جارية قد تزوجت يجامع مثلها إلا أنها لم تدرك فوهب لها هبة فقبضها زوجها أو أبوها أو هي بنفسها فذلك جائز، وإن كان التي دخل بها فلا يجوز قبضه لها.
ولا يجوز هبة الرجل لابنه الكبير الذي في عياله إلا أن يقبضها، فإذا كان أبو الصبي غائبًا غيبة منقطعة وهو في حجر أمه فإن قبضتها له جازت، وإن كان الأب حاضرًا لم تجز، ولو كان الأب غائبًا غيبة منقطعة والصبي في حجر رجل أجنبي وعمه حاضر فوهب له هبة فإن قبض الرجل الأجنبي الذي يعوله جائز ولا يجوز قبض العم له.
وإذا وهب رجل لرجل نصف دار ثم وهب لآخر النصف الباقي ودفعها إليهما معًا لم يجز في قول أبي حنيفة، ولو وهب لأحدهما الثلث وللآخر الثلثين لم يجز إلا مقسومًا، وهو جائز في قول أبي يوسف.
[ ١٧ ]
ولو أن رجلًا له على رجل دين دراهم أو دنانير فوهبها لرجل أجنبي ووكله بقبضه فقبضه فإن ذلك جائز.
ولو أن رجلًا اغتصب من رجل عبدًا ورهنه عند رجل ثم إن مولى العبد وهب العبد لابن له صغير فإن ذلك لا يجوز.
ولو أن رجلًا مكاتبًا أعتق عبدًا له أو وهب رقبته لرجل فأجاز ذلك مولاه فإن ذلك لا يجوز، وكذلك العبد المأذون له إذا كان عليه دين فأجاز ذلك مولاه والغرماء فإن ذلك لا يجوز، ولو لم يكن عليه فأجاز ذلك مولاه فإن ذلك جائز.
ولو أن رجلًا أعتق ما في بطن أمته أو وهبها وهي حبلى فإن الهبة جائزة ولا يشبه هذا البيع.
وإذا وهب لرجل ما في ضروع غنمه وأمره أن يقبض فحلبها وقبض فإني أستحسن أن أجيزه.
ولا يجوز هبة نصيب الرجل من عبد ما لم يسم النصيب حتى يسميه ويدفعه.
وإذا وهب رجل لرجل هبة ودفعها إليه فله أن يرجع فيها ما لم تزد أو يعوض منها، فإن عوضه أجنبي بغير أمره جاز العوض وليس له أن يرجع في هبته.
وإذا وهب رجل لرجل ألف درهم فعوضه درهمًا من غيرها فهو عوض، وكذلك إن وهب مائة دينار فعوضه دينارًا منها أو أقل فهو جائز، ولو أنه وهب لرجل دارًا ودفعها إليه ثم استحق نصف الدار فإن الهبة تنتقض في النصف الباقي إن كان النصف المستحق غير مقسوم، فإذا قال الموهوب له قد تصدقت عليك أيها الواهب بهذه الدراهم عوضًا لك عن هبتك فذلك عوض وليس بصدقة.
وإذا وهب الرجل فعوض منها فهلك العوض في يده ثم استحق الهبة فإنه
[ ١٨ ]
ضامن لقيمة العوض، ولو هلك الهبة في يد الموهوب له ثم استحق العوض لم يضمن الموهوب له للواهب شيئًا، وإذا استحق الهبة فأجاز المستحق الهبة وقد عوض الموهوب له الواهب من الهبة عوضًا فإن العوض باطل وله أن يرجع فيه ما لم يُجز الهبة بقيمته وليس للواهب أن يرجع في الهبة.
ولو أراد المستحق الذي أجاز الهبة أن يرجع في الهبة ولم تزد ولم يعوض فذلك له، وأما الواهب فلا يرجع لأنه لا يملك، ولو أن رجلًا وهب لرجل ثوبين في صفقتين مختلفتين فعوضه أحدهما من الآخر فذلك عوض وهو جائز، ولو كان وهب له ثوبين في صفقة واحدة لم يكن ذلك عوضًا، وإذا وهب الموهوب له للواهب شيئًا ولم يقل هذا مكان هبتك فليس يكون ذلك عوضًا، ولو قال هذا مكان هبتك أو هذه مكان ما وهبت لي كان ذلك كله عوضًا، وإذا استحق نصف العوض فقال الواهب أنا أرد النصف الباقي وأرجع في هبتي فله ذلك، وإذا قال الواهب قد رجعت في هبتي وأبي الموهوب له أن يردها فتتبع الموهوب له في الحكم ما لم يكن القاضي قد أبطل الهبة وقضى عليه بردها.
وإذا وهب رجل لرجل دارًا فبنى الموهوب له فيها حائطًا في قطعة منها فليس للواهب أن يرجع في شيء من الدار سواء كان حائطًا صغيرًا أو كبيرًا.
ولو أن رجلًا وهب لعبد هبة ثم أراد أن يرجع فيها فذلك له وهو بمنزلة الحر، وكذلك لو وهب للمكاتب فعجز المكاتب أو أدى فعتق فله أن يرجع.
ولو أن رجلًا وهب لرجل هبة فوهبها الموهوب له لرجل آخر ثم إن الموهوب له رجع في هبته فأخذها فأراد الواهب الأول أن يرجع في هبته تلك فذلك له، ولو لم يرجع الواهب الثاني في هبته ولكن الموهوب له الثالث وهبها للموهوب له الأول وهو الثاني لم يكن للواهب الأول أن يرجع فيها لأنه غير المالك الأول، فإن قال الواهب وهبت لك هذا الثوب فأنا ارجع فيه وقال الآخر تصدقت به عليَّ فإن القول قول الواهب وله أن يرجع، ولو كانت الهبة
[ ١٩ ]
سويقًا فقال الموهوب له أنا لتّه وأنكر الواهب وقال بل كان ملتوتًا فإن الموهوب له مصدق ولا يرجع الواهب.
ولو أن رجلًا وهب لرجل سائل فليس له أن يرجع فيه.
وإذا قال الرجل لرجل قد حملتك على دابتي هذه وأخدمتك خادمي هذا فإن ذلك كله عارية إلا أن يقول أردت الهبة.
ولو قال أعطيتك هذه الدابة أو هذه الجارية كانت هبة.
ولو أن رجلًا قال لرجل قد أطعمتك هذا الطعام فاقبضه فهو هبة، وإذا قال له هذا الطعام لك فهو جائز إن قبض فهو هبة، وكذلك لو قال هذا لك ولعقبك من بعدك كانت هبة جائزة.
ولو أن رجلًا مريضًا وهب عبدًا في مرضه من رجل فقبضه فأعتقه وعلى المريض دين أو باعه وهو معسر فلا سبيل للمريض ولا لورثته على العبد والموهوب له ضامن بقيمة العبد وإن كان معسرًا، وإذا وهب المريض عبدًا له لذي رحم فليس له أن يرجع فيه، وإن مات المريض ولا مال له غيره فإن ورثته يرجعون في ثلثي العبد.
ولو أن رجلًا وهب لرجل نخلة بأصلها فقطعها فأراد الواهب أن يرجع ف يهبته فذلك له، وكذلك لو وهب شاة فذبحها فله أن يرجع، وكذلك لو وهب له ثوبًا فقطع بعضه وخاطه فله أن يرجع فيما بقي من الثوب، وكذلك لو وهب له جذوعًا يجعلها حطبًا فله أن يرجع فيها.
ولو أن رجلًا وهب لرجل تخيخا فجعله خلًا فليس له أن يرجع فيه، ولو أن رجلًا وهب لرجل دارًا فعوض على بيت منها فليس له أن يرجع فيها، ولو أن رجلًا وهب لرجل لبنًا فكسر فله أن يرجع فيه، فإن أعاده الموهوب له لبنًا فليس له أن يرجع فيه، ولو أن رجلًا مريضًا وهب في مرضه هبة فعوض منها قدر ثلثيها فليس لورثته أن يرجعوا في شيء من الهبة؛ ولو كان عوض بقدر نصفها كان لهم أن يرجعوا بسدس الهبة إن كان العوض قائمًا بعينه يوم موت المريض.
[ ٢٠ ]
ولو أن رجلًا مريضًا وهب في مرضه دارًا لرجل فلم يقبضها حتى مات المريض فالهبة باطلة، ولو قبضها حيث وهبت له غير أن شقصًا فيها غير مقسوم واستحق بطل الهبة، ولو لم يستحق منها شيء ولم يكن للواهب مال غيرها جاز للموهوب له ثلثها.
ولو أن رجلًا مريضًا وهب في مرضه عبدًا لرجل ثم مات المريض في مرضه ولا مال له غيره ثم باعه الموهوب له بعد موت الواهب أو كاتبه فإنه لا يُنقص شيء من ذلك ولا سبيل لورثة الواهب على المشتري ولا على المكاتب ولكنَّ على الموهوب له ثلثي قيمته للورثة، ولو كان الموهوب له إنما جعل ذلك بعدما قضى عليه برد ثلثي العبد لم تجز الكتابة ولم يجز ثلثا العبد في البيع، ولو كان أعتقه بعدما قضى لهم عليه برد الثلثين قبل أن يقبضوه فإن ذلك بمنزلة عبد بين رجلين لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه، ولو لم يكن قُضي عليه بشيء حتى أعتقه فإنه يضمن ثلثي قيمته يوم أعتقه إلا أن يكون يوم قبضه قيمته أكثر فيلزمه الأكثر.
قلت رجل اشترى عبدًا وبه عيب فأعتقه ثم وجد بذلك العبد عيبًا قال يرجع به على البائع، وكذلك إن مات ودبره، وأما إذا كان كاتبه فوجد به ذلك العيب فإنه لا يرجع عليه، لكنه إن عجز رجع عليه، وإذا اشترى رجل جارية ثم وهبها ثم وجد بها عيبًا فإنه لا يرجع عليه، ولكن إن وهب له الموهوب له فإنه يرجع عليه، وإن كان به عيب لم يرجع عليه إذا باعه.
وإذا وهب الذمي للذمي هبة فعوضه منها خمرًا فليس للواهب أن يرجع في هبته، ولو كان عوضه ميتة أو دمًا لم يكن ذلك عوضًا وله أن يرجع في هبته، ولو كان الواهب والموهوب له أحدهما مسلمًا والآخر ذميًا فعوض أحدهما صاحبه خمرًا من هبته لم يكن ذلك عوضًا، ولو صارت الخمر بعد ذلك خلا فإنها لا تكون عوضًا.
ولو أن رجلًا وهب للمرتد هبة فعوضه المرتد من هبته ثم قتل المرتد على
[ ٢١ ]
ردته لم يجز العوض وجازت الهبة في قول أبي حنيفة، وذلك كله جائز فيقول أبي يوسف.
ولو كان المرتد في قول أبي حنيفة هو الواهب فعوض ثم قُتل على ردته بطل هبته وأخذ ورثته الهبة ورد العوض على صاحبه، ولو كانت الهبة قد استهلكت قال قيمة الهبة دين على المرتد في ماله.
وإذا وهب المسلم لحربي في دار الإسلام هبة ثم رجع الحربي مع الهبة إلى دار الحرب ثم تسبى الهبة معه فليس للواهب أن يرجع في هبته قُسمت أو لم تُقسم.
ولو أن حربيًا وهب لحربي هبة في أرض الحرب ثم أسلما ودخلا إلينا وأسلم أهل الدار فإن للواهب أن يرجع في هبته إن لم تزدد ولم يكن أخذ عوضًا.
ولو أن رجلًا قال مالي في المساكين صدقة فإنه يتصدق بكل شيء يملك مما يجب في مثله الزكاة ولا يتصدق بغير ذلك من العقار والخدم وشبه ذلك.
ولو أن رجلًا قال جميع ما ملكت في المساكين صدقة فإنه يتصدق بجميع ما يملك من عقار أو غيره ويمسك قوته، فإذا أصاب شيئًا تصدق بقدر ما أمسك.
ولو أن رجلًا وهب زرعًا نابتًا لرجل ودفعه إليه فلا يكون ذلك قبضًا حتى يحرزه الموهوب له.
وإذا ارتدت الجارية بعد الهبة ثم عوض الموهوب الواهب من هبته لم يكن ذلك عوضًا، وكذلك لو نقضت الجارية بعد ذلك لم يكن ذلك عوضًا وكان للواهب أن يرجع في هبته وللآخر أن يأخذ عوضه متى ما أحب أو قيمته إن كان استهلك، وكذلك لو أن رجلًا وهب لرجل جارية أو غلامًا ثم أبق ثم عوض الموهوب له الواهب من هبته عوضًا فإن ذلك لا يكون عوضًا، ولو رجع الغلام أو الجارية لم يكن ذلك عوضًا وكان للواهب أن يرجع في هبته وكان للآخر أن يأخذ عوضه متى شاء أو قيمته إن كان استهلكه.
[ ٢٢ ]