قلت: أرأيت رجلًا وكل رجلًا يشتري له جارية بعينها بكذا وكذا فلما أن رآها الوكيل أراد أن يشتريها لنفسه ولا يدخل عليه إثم من ذلك فيما بينه وبين الله؟ قال يشتريها الوكيل لنفسه بدنانير فتكون له ولا شيء للآمر فيها، قلت فإن كان إنما اشتراها بما سمى الآمر من الدراهم أو أقل من ذلك غير أن الوكيل نوى أن يكون الشرى لنفسه [فتكون له ولا شيء للآمر فيها] قال نيته باطلة
[ ٢٥ ]
والجارية للآمر، قلت فإن كان أشهد على ذلك قبل أن يشتريها وقال إني لست أبتاعها لفلان وإنما أشتريها لنفسي فاشهدوا واشتراها ساعتئذٍ؟ قال الجارية للآمر وما صنع الوكيل لا يجوز، قلت أرأيت إن اشتراها بدراهم أكثر مما سمى الآمر؟ قال الجارية للوكيل ولا شيء للآمر فيها، قلت أرأيت إن كان الآمر قال للوكيل اشتر لي هذه الجارية ولم يسم له ثمنًا، فاشتراها الوكيل بحنطة بعينها أو بغير عينها؟ قال الوكيل مخالف والشرى للوكيل ولا يلزم الآمر، قلت أرأيت إن وكله يشتري هذه الجارية فأمر الوكيل رجلًا غيره يشتريها للوكيل الأول فاشتراها الوكيل الثاني بغير محضر من الوكيل الأول؟ قال الشرى للوكيل الأول دون الآمر الأول، قلت أرأيت إن كان الآمر الأول أمر الوكيل الأول أن يعمل في ذلك برأيه فوكل الوكيل الأول هذا الوكيل الثاني فاشتراها؟ قال الشرى للآمر الأول، قلت أرأيت إن كان الوكيل الأول قد اشترى الجارية وقبضها ووجد بها عيبًا قبل أن يدفعها إلى الآمر فردها الوكيل على البائع بقضاء قاض بالعيب ثم أراد الوكيل أن يشتري هذه الجارية بعد ذلك لنفسه قال يكون الشرى للآمر إلا أن يشتريها الوكيل بعرض من العروض بعينه أو بغير عينه سوى الدراهم والدنانير، فإن اشتراها بعرض من العروض كان الشرى للوكيل خاصة ولا يكون للآمر.
قلت: أرأيت الرجل يوكل ببيع الجارية أو عرض من العروض فأراد الوكيل أن يشتري ذلك لنفسه من نفسه كيف يصنع؟ قال يبيع ذلك الوكيل بما يساوي من رجل يشق به ثم يدفعه إلى المشتري ثم يشتريه الوكيل بعد ذلك لنفسه، قلت أرأيت إن كان اشتراها من المشتري قبل أن يقبضها المشتري أو استقاله الوكيل البيع أو سأله أن يوليه إياه ففعل ذلك المشتري وذلك كله من قبل أن يقبض المشتري المبيع أيجوز ذلك للوكيل؟ قال نعم والبيع في ذلك كله للوكيل ولا يكون للآمر.
قلت أرأيت إن كان المشتري وجد بالمبيع عيبًا قبل أن يقبضه فرده على
[ ٢٦ ]
الوكيل بغير قضاء قاض لمن يكون البيع؟ قال للآمر ولا يكون للوكيل، قلت فإن كان المشتري قد قبض المبيع ثم رده بهذا العيب بغير قضاء قاض قال يكون للوكيل ولا يكون للآمر قلت أرأيت إن أراد الوكيل أن يعود إلى ملك الآمر ولا يلزمه وإنما أراد ذلك بعدما قبل الجارية بالعيب بغير قضاء قاض هل في ذلك حيلة؟ قال لا.
قلت أرأيت الوكيل إذا باع المبيع ثم أراد المشتري أن يحط عنه الوكيل فخاف الوكيل أن لا يجوز ذلك له كيف يصنع قال يهب الوكيل للمشتري دراهم أو دنانير فإذا قبضها المشتري قضاها البائع من ثمن المبيع فيكون ذلك بمنزلة الحط، قلت أرأيت لو أن الوكيل حط عن المشتري من الثمن شيئًا قبل أن يقبض الثمن هل يجوز ذلك؟ قال أما أبو حنيفة فإنه اكن يجيز الحط ما لم يقبض الوكيل الثمن وكان يضمن الوكيل ما حط ويبرئ المشتري منه، وإن كان إنما حط عن المشتري بعد قبض الثمن لم يجزه؛ وأما أبو يوسف فلا يجيز الحط قبل القبض ولا بعده؛ والذي وصفت لك حيلة في قول من لا يجيز الحط.
قلت: أرأيت الوصي هل له أن يشتري من ميراث الميت شيئًا من نفسه لنفسه؟ قال لا، قلت فالحيلة في ذلك مثل الحيلة في أمر الوكيل؟ قال نعم.
قلت: أرأيت الأب هو بمنزلة الوصي في متاع ابنه الصغير إذا أراد أن يشتريه لنفسه؟ قال لا، الأب له أن يشتري لنفسه من نفسه متاع ابنه الصغير، وكذلك الجد أبو الأب إذا كان الأب ميتًا ولم يكن له وصي، ولا يشبه هذا الوكيل ولا الوصي في قول أبي حنيفة وقول أبي يوسف.
قلت: أرأيت الرجل إذا أراد أن يحتاط حتى لا يدخل عليه شيء في قول كل واحد إذا اشترى متاع ابنه الصغير كيف يصنع قال يفعل مثل الذي وصفت لك من أمر الوصي والوكيل.
قلت: أفيكره للرجل إذا أمر أن يبيع شيئًا مما ذكرت لك فباعه على ما
[ ٢٧ ]
وصفت ثم اشتراه لنفسه قال لا لست أكرهه، قلت وإن كان نوى حين باع المتاع أن يشتريه لنفسه؟ قال وإن نوى ذلك، ما لم يشترط عند البيع أن يشتريه لنفسه، فإن اشترط على المشتري أن يبيعه منه فذلك لا يجوز والبيع فاسد مردود.
قلت: أرأيت ما وصفت من أمر الوكيل إذا أمر أن يشتري جارية بعينها فيوكل بذلك ثم أراد بعد ذلك أن يشتري الجارية لنفسه فاحتال ببعض ما وصفت أيسعه ذلك؟ قال يسعه ذلك فيما ينه وبين الله، ولولا أن ذلك واسع لم يكن ذلك الذي وصفت حيلة، لأن من احتال بأمر يدخل عليه في دينه مكروه لم يحتل ولم يعد ذلك منه حيلة؛ إنما الحيلة في أن يأخذ بالحلال ويحتال ليترك الحرام فتلك الحيلة.
قلت: رجل وكل رجلًا ببيع جارية له ووكله آخر أن يشتري له هذه الجارية فقبل ذلك كله هل يجوز أن يبيعها من نفسه للذي وكله بالشرى؟ قال لا يجوز ذلك قلت فكيف يصنع؟ قال يبيعها ممن يثق به بما يساوي ثم يبتاعها بعدما يدفعها للذي وكله أن يشتريها له فيجوز ذلك للذي أمره.
قلت: أرأيت إن وكلت امرأة رجلًا أن يزوجها ووكل رجل هذا الوكيل أن يزوجه امرأة، للوكيل أن يزوج هذه المرأة هذا الرجل الذي وكله ويكون هو المتكلم وحده لهما؟ قال نعم، ذلك جائز عندنا ولا يشبه النكاح البيع، ألا ترى أن الرجل قد يجوز له أن يزوج ابنه الصغير ابنة أخيه اليتيمة وهو وحده الخاطب المتكلم لهما، قلت وكذلك المرأة توكل ابن عمها أن يزوجها من نفسه فزوجها من نفسه بشهادة الشهود وبمهر مسمى؟ قال نعم، ذلك جائز لا بأس به.
قلت: أرأيت المرأة توكل رجلًا يخلعها من زوجها أيجوز ذلك؟ قال نعم، قلت فإن لم يكن للوكيل بينة يشهدون له بالوكالة وأراد الزوج أن يستوثق مما أدركه كيف يصنع؟ قال يضمن الوكيل أو غيره إذا أدركه من ذلك فيما شرط له
[ ٢٨ ]
عليه وكيل المرأة، قلت أرأيت إن لم تكن المرأة وكلت أحدًا بأن يخلعها من زوجها ولكن أبا المرأة أراد أن يخلعها أيجوز ذلك؟ قال لا يجوز إلا أن يخلعها الأب من زوجها بشيء من مال نفسه، قلت فإن خلعها بما على الزوج من صداق البنت؟ قال لا يجوز ذلك ولا تطلق البنت إلا برضا إذا بلغها، قلت فكيف يصنع حتى يقوم الطلاق وتبين المرأة؟ قال يضمن الأب أو غيره ما أدرك من درك فيما خلعها به من الصداق، قلت فإذا فعل ذلك جاز الخلع ووقع الطلاق؟ قال نعم، قلت وسواء كانت البنت صغيرة أو كبيرة فلا يجوز الخلع حتى يضمن الأب أو غيره الدرك؟ قال نعم.
قلت: أرأيت الوكيل يوكل بشرى المتاع من بلد من البلدان فخاف الوكيل أن يبعث بالمتاع من غيره فيضمن أو خاف أن يستودع المتاع غيره فيضمن، كيف الحيلة في ذلك؟ قال يستأذن رب المال في أن يعمل برأيه فإن أذن له في العمل برأيه جاز له أن يصنع ما ذكرت، قلت فإذا قال له اعمل برأيك أيجوز للوكيل أن يوكل بالشرى غيره ويدفع المال إليه فقال نعم.
قلت: أرأيت الوكيل إذا وكل بالبيع فخاف أن يرد عليه بعيب كيف يصنع حتى لا يرد عليه البيع بعيب قال يكون الذي يتولى البيع غيره وهو حاضر ويضمن الوكيل ما أدرك المشتري من درك، قلت فإذا ضمن ما أدرك المشتري من درك لم يكن خصمًا في عيب قال لا، قلت فإن رد على البائع بعيب أيرجع المشتري على الضامن للدرك بالثمن قال لا.
قلت أرأيت رجلًا مسلمًا أوصى إليه ذمي وقد ترك خمرًا كيف يصنع المسلم بالخمر وهو يخاف عليها الفساد إن لم تُبَعْ؟ قال يوكل الوصي المسلم رجلًا من أهل الذمة ببيعها من أهل الذمة، قلت إذا فعل ذلك جاز ذلك للوصي؟ قال نعم.
قلت: فإن كانت الخمر للنصراني فأسلم وهي عنده كيف يصنع؟ قال يخللها ولا يسعه أن يبيعها ولا يهبها لأحد، وقد بلغنا عن إبراهيم أنه قال لا
[ ٢٩ ]
تهدين إلى اليهودي الميتة، وبلغنا عن عائشة أنها سألت النبي ﷺ عن أكل شيء فنهى عنه فذهبت لتصدق به، فقال يا عائشة لا تطعميهم ما لا تأكلين.
قلت: فإذا أراد الذمي أن يسلم وعنده خمر كثيرة فباعها من رجل من أهل الذمة ثم أسلم أيجوز له ما يصنع من ذلك؟ فقال نعم، قلت وكذلك عصير يخاف أن يصير خمرًا بعد إسلامه فباعها من رجل من أهل الذمة ثم أسلم؟ قال نعم، لا بأس بذلك، إنما فر من الإثم وأحرز دينه.